رواية بين الردي والهدي الفصل الثالث عشر 13 بقلم نوري


رواية بين الردي والهدي الفصل الثالث عشر  بقلم نوري 


في احدى المستشفيات الحكومية دخل اتنين وهما شايلين سيف بين إيديهم، هدومه كانت متبهدلة بالتراب والدم اللي مغرق ياقة قميصه، وشه اللي كان من ساعات منور بضحكته بقى دلوقتي شاحب و غايب عن الدنيا تماماً

 راسه ميلة لورا بضعف وإيديه مدلدلة كأن الروح سابتها وجسمه كله مستسلم تماماً للغيبوبة اللي سحبته

حطوه الممرضين على ترولي بسرعة و سحبوه لأوضة الطوارئ، دخل الدكاترة وبدأوا يقصوا جزء من شعره عشان يوصلوا للجرح اللي في قفاه والدم كان لسه بينزل، في اللحظة دي أصدر أنّة مكتومة أوي، وجفونه اتهزت كأنه بيحاول يفتح عينه ويقاوم السواد اللي محاوطه، ايده اتحركت حركة بسيطة فوق الملاية كأنه لسه بيحاول يتشبث بالجادون أو بحلمه اللي اتسرق منه في الضلمة


بدأ الدكتور يفحص نبضه وعينيه بتركيز، والممرضة كانت بتمسح الدم بقطنة بتادين، وكل ده وهو بيحاول يفوق بجسد منهك من كتر المعافرة مع الدنيا

سحبوا السرير وراه ستاير الطوارئ وسابوا الشباب اللي جابوه واقفين برا بيبصوا لإيديهم اللي اتلوثت بدمه، بينما سيف كان لسه بيصارع في صمت بين ذكريات ليلى الحلوة و واقع الغدر اللي رماه في المستشفى


عند ادهم وكريمة .. البيت كان هادي، لكن هدوءه المرة دي كان فيه غلوشة غريبة، كريمة كانت رايحة جاية في الصالة عينيها على الساعة اللي عقاربها بتتحرك ببطء وكل شوية تبص من الشباك، السحور كان محطوط على السفرة لكن محدش مد أيده مستنيين سيف

لفت لأدهم اللي كان قاعد ماسك موبايله وسرحان وقالت


 أخوك تأخر أوي النهاردة، رن عليه يا ابني قلبي واكلني عليه


حاول يطمنها بصوت هادي وقال


يا أمي تلاقي بس المشاوير كترت عليه، بس حاضر هرن عليه أهو


مسك الموبايل ورن، الجرس فضل يضرب لحد ما قطع ومحدش رد ف قلقت كريمة وقالت 


مردش؟


هز راسه وقال


يمكن الزحمة مش مخلياه سامع الموبايل، هرن تاني


المرة التانية الخط اتفتح ف قال بلهفة


إيه يا سيف أنت فين؟ السحور هيبرد وأمي مش راضية تاكل لقمة من غيرك


جاله صوت غريب خشن وفيه نهجة وتوتر


حضرتك تقرب لصاحب التليفون ده؟


وشه اتخطف وقلق 


انا أخوه، أنت مين؟ وأيه اللي فاتح تليفونه عندك؟

يا أستاذ إحنا بقالنا ساعة بنحاول نوصل لحد من أهله ومش عارفين، أخوك في مستشفى مصر العام، لقيناه مرمي في الظلمة ورا الورش مضروب على دماغه وسايح في دمه


الموبايل كان يقع من إيده، كريمة كانت واقفة بتراقب ملامحه اللي انقلبت وقالت


في إيه يا أدهم؟ سيف ماله؟ انطق يا ابني

سيف .. سيف في المستشفى، بيقول مضروب ودمه سائح


صرخت صرخة شقت سكون الليل، صرخة أم حست بنار قايدة في قلبها وبدأت تخبط على صدرها وهي بتعيط 


يا مري، يا ضنايا يا سيف


جرى عليها يمسك إيدها ويحاول يهديها


يا أمي اهدي عشان خاطري، أنا هروح أشوفه وأطمنك، خليكي أنتي هنا لو حصل حاجة أعرف أوصلك


مسمعتش كلامه و زقته وهي بتلبس طرحتها بأيد بتترعش


أقعد ازاي واخوك مرمي في المستشفى، ابعد عني


فتحت باب الشقة وجريت على السلم وهي بتصوت وبتعيط، صوتها وصل لشقة مصطفى اللي كان لسه صاحي بيستعد للسحور، خرج هو وليلى بفزع، نزل السلم بسرعة وقال


في إيه يا أم سيف؟ 


أدهم رد وهو بيسند أمه المنهارة


سيف يا عم مصطفى، سيف اتضرب وهو دلوقتي في المستشفى العام بين الحيا والموت


ليلى أول ما سمعت كدة حست إن الأرض بتلف بيها، عينيها لمعت بالدموع في ثانية وحطت إيدها على بوقها


لا إله إلا الله، طب يلا نروحله


ليلى اتحركت تلقائياً وراه وهي بتعيط بصمت، لف وشافها ولسه هيقولها تطلع لكن لقى نظرتها كلها كسرة ورجاء، دموعها كانت بتحكي وجع أكبر من أي كلام فسكت وبلع كلمته، ركبوا العربية واتحركوا في شوارع القاهرة الفاضية، السكوت جوه العربية كان مرعب ومفيش فيه غير صوت شهقات كريمة ودعاء ليلى اللي كان طالع من قلبها بيقين إن ربنا مش هيضيع فرحتهم اللي لسه مكملتش


في مكان تاني كان السكون محاوط شقة وليد اللي كان قاعد وحاطط رجل على رجل وفي إيده كاس بيشرب منه بتمهل ونظرة عينيه فيها نشوة انتصار مرعبة، مازن كان قاعد قصاده ساكت وحاسس إنه وراه كارثة المرة دي بس مش قادر يحدد ملامحها

فجأة، تليفون وليد رن، بص للاسم وضحكة خبيثة اترسمت على وشه، فتح الخط وقال ببرود


ها .. طمنوني


سكت لحظة بيسمع الطرف التاني وبعدين ضحك بأنتصار وقال


عاش يا رجالة الله ينور عليكم، بكرة الفلوس هتكون عندكم زي ما اتفقنا، وزي ما قولتلك، لو جالي خبره عندي حلاوة زيادة


قفل الخط وهو بيضحك ضحكة عالية هزت جدران الشقة، سأله مازن بخوف من الإجابة 


في إيه يا وليد؟ خبر مين اللي مستنيه؟ وأنت باعت مين لمين بالظبط؟


قام من مكانه وطبطب على كتف مازن وهو بيمسح ضحكته المصطنعة


تعالى .. تعالى معايا تحت أوريك حاجة هتفرح قلبك

نزلوا السلم ومازن قلبه كان بيقبضه مع كل درجة بينزلها، أول ما خرجوا للشارع الجانبي اللي ورا البيت شاور بأيده على حاجة مركونة في الضلمة ومتغطية بمشمع قديم، قرب ورفعه بحركة مسرحية فظهر موتوسيكل سيف، الموتوسيكل اللي كان بيعتبره طوق النجاة


مازن اتسمر مكانه و لسانه اتلجم وهو بيبص للموتوسيكل اللي عارفه كويس


إيه ده يا وليد؟ دة موتوسيكل سيف


مد إيده وحطها على الجادون كأنه بيلمس كنز ثمين وقال 


دي يا سيدي آخر حاجة من ريحة المرحوم، أصل صاحبها خلاص، زمانه دلوقتي بيتحاسب، أو على الأقل بياخد تذكرة ذهاب بلا عودة


مازن وشه شحب تماماً، هجم على وليد ومسكه من لياقة قميصه وهزه بغضب


مرحوم مين يا حيوان؟ أنت عملت إيه في سيف؟ انطق


زق إيده ببرود وبعد عنه وهو بيعدل قميصه 


عملت اللي كان لازم يتعمل من زمان، بعتله كام واحد يربوه ويعرفوه إن اللي يخرج عن طوعي ملوش مكان وسط الأحياء، المكنة دي بقت بتاعتي دلوقتي، تمن لسانة الطويل وتوبته اللي صدعنا بيها


كان بيبصله بصدمة، كأنه بيشوف شيطان لأول مرة، عينه كانت بتلمع بغضب وندم وبصوت مخنوق قال


انت إيه يا أخي؟ أنت مفيش في قلبك ذرة رحمة؟ ده كان صاحبنا، ده أنضف واحد فينا


وليد اتنرفز وزعق فيه


وأنت محموق عليه أوي كدة ليه؟ بلاش الدور اللي بقالك يومين عايشلي فيه ده يا مازن، أنت كنت معانا وشربت معانا، متعمليش فيها الشيخ دلوقتي


بصله باحتقار وبصق في وشه بقوة وقال 


انا فعلاً كنت معاكم، بس النهاردة بس عرفت إني كنت مع شياطين، سيف أنضف منك ومني، ولو جراله حاجة، ذنبه هيفضل يطاردك لحد ما يوديك في داهية


سابه واقف مكانه ولف ضهره ومشي بخطوات سريعة وهو بيقطع كل خيط كان بيربطه بالمكان ده وبالشخص ده، وليد وشه احمر من الغضب وعروق رقبته برزت وهو بيصرخ وراه بغل


في ستين داهية، غور أنت كمان، أنا مش محتاج حد جنبي، أنا وليد اللي مبيكسروش حد


فضل واقف لوحده في الضلمة جنب الموتوسيكل المسروق وصوته لسه بيرن في الشارع الخالي، بس المرة دي كان فيه نبرة خوف مستخبي، خوف من اللي جاي بعد ما الكل سابه


الطريق للمستشفى كان كأنه سنين مش دقايق وصوت دقات قلبي كان أعلى من اي حاجة تانية، كنت قاعدة ورا، عيني مثبتة على الشباك والدموع نازلة زي الشلال مبتوقفش مش شايفة منها غير خيالات أنوار الشوارع وهي بتجري، كنت بدعي مع كل نفس إن ربنا يحفظه ويقومه ليا بالسلامة، حاسة بنغزة في صدري كأن الروح بتتسحب مني، وكل ما أفتكر ضحكته ليا أحس إن الدنيا بتضيق بيا أكتر

أول ما العربية وقفت مستنتش حد، نسيت إني المفروض أستنى بابا، نسيت رفضه و نسيت خوفه عليا، نزلت أجري و رجلي كانت بتسبق عقلي، دخلت الاستقبال وأنا بنهج وروحي رايحة وقولت للممرضة


- سيف .. سيف اللي لسه جاي مضروب، فين؟ بالله عليكي قوليلي هو فين؟


بصتلي باستغراب من لهفتي وقالت


في الطوارئ جوه، ادخلي من الممر ده


جريت في الممر الطويل وريحة المستشفى كانت بتخنقني أكتر، كنت ماشية مش شايفة قدامي والكل جاي ورايا بس أنا كنت في عالم تاني، وصلت لباب الطوارئ ولمحته، كان مرمي على سرير وحواليه اتنين دكاترة وممرضة، حاولت أدخل، كنت عايزة ألمس إيده، أقوله إني هنا ومستنياه، بس الممرضة منعتني


ممنوع يا أنسة، الدكاترة شغالين، استني برا لو سمحتي


وقفت قدام الباب الازاز عيني مش مفارقة ملامحه الشاحبة والدم اللي كان لسه معلم في هدومه كأنه خنجر في قلبي، مقدرتش أقف على رجلي، سحبت نفسي لأقرب كرسي و قعدت عليه وبدأت أعيط في صمت مر، صمت بيحرق جوايا أكتر من أي صريخ

جنبي كانت طنط كريمة صوت عياطها يقطع القلب وهي بتنادي عليه بـ حرقة الأم


يا سيف .. يا حبيبي رد عليا يا ضنايا، يا وجع قلبي عليك يا ابني


كل صرخة منها كانت بتخليني أغمض عيني وأدعي بيقين


- يا رب، أنت عارف نيتنا، وعارف إنه تعب عشان الحلال، رجعهولنا بالسلامة يا رب


ضميت نفسي وانا بحاول اتماسك، في اللحظة دي كان هو دنيتي كلها، وكنت مستعدة أديله عمري كله بس أشوف عينه بتفتح وتطمني إنه لسه معايا


داخل أوضة الطوارئ، كانت الإضاءة البيضاء القوية كأنها بتخترق جفون سيف المقفولة، وصوت الأجهزة حواليه هو الحاجة الوحيدة اللي مسموعة، الدكاترة كانوا بيتحركوا بسرعة محسوبة، واحد منهم ماسك كشاف صغير بيجرب رد فعل عينه، والتاني بيبص في الأشعة المقطعية اللي لسه طالعة ومنورة على الشاشة الجانبية


الحمد لله، الأشعة سليمة، مفيش نزيف داخلي ولا كسر في الجمجمة، هو مجرد ارتجاج بسيط من قوة الخبطة، والجرح محتاج تنضيف وخياطة فوراً


قال الجملة وهو بيلبس جوانتي معقم وبيشاور للممرضة تجهز أدوات الخياطة


بدأت تقص خصلات صغيرة من شعره عند مكان الجرح من ورا وبدأت تنضف الدم بشاش غرقان مطهر، و بدأ الدكتور يجهز إبرة البنج الموضعي وغزها براحة في طرف الجرح

بدأت إيد الدكتور تتحرك بـ مهارة، خيط جراحي رفيع بيمر بين الجلد، غرزة ورا غرزة بتلم الشق اللي وليد سابه في راسه، بعد ما خلص الخياطة، لفت الممرضة شاش أبيض نضيف حوالين راسه برفق وحقنت في الكانيولا اللي في إيده حقنة مسكن قوية ومعاها مادة بتساعد على الاسترخاء


اديله المحلول ده يا سعاد وخليه ينام، الارتجاج محتاج راحة تامة وكلام قليل لما يفوق


قال كدة وهو بيقلع الجوانتي، تدريجياً ملامحه بدأت تسترخي و التجاعيد اللي كانت بين حواجبه فكت ونفسه بقى هادي ومنتظم، المسكن بدأ يسيطر على جسمه ويسحبه لنوم عميق، نوم خالي من المطاردات ومن وجع وليد، كان نايم وشكله مسالم، غايب عن الدنيا اللي برا وعن ليلى اللي قاعدة ورا الباب بتموت من القلق عليه


باب الطوارئ اتفتح ببطء والصوت المعدني للمفصلات خلى القلوب كلها تتنفض من مكانها، خرج الدكتور وهو بيقلع الكمامة وبيمسح جبينه بتعب، وعينيه كانت بتدور في الوجوه الملهوفة اللي محاوطاه

ليلى كانت أول واحدة وقفت قدامه، إيديها كانت ساندة على الحيطة كأنها خايفة تقع، وعينيها بتسأل قبل لسانها. كريمة جرت على الدكتور ومسكت في كمه وهي بتشهق


طمني يا دكتور.. ابني جراله إيه؟ حصله حاجة؟


 رسم ابتسامة هادية عشان يطمنهم وقال بصوت 


وحدوا الله يا جماعة.. الحمد لله هو زي الفل، الأشعة طلعت سليمة ومفيش كسر ولا نزيف داخلي، هو بس جرح سطحي واحتاج غرزتين، ومعاه ارتجاج بسيط من أثر الخبطة، حالياً هو أخد مسكن قوي ونام، ومحتاج راحة تامة وكلام قليل لما يفوق


ليلى في اللحظة دي حست إن الروح ردت فيها بجد، غمضت عينيها وأخدت نفس طويل كان محبوس في صدرها ودموعها نزلت المرة دي باردة، همست بصوت واطي وقالت


- الحمد لله.. يا رب لك الحمد والشكر كنت عارفة إنك مش هتكسر بخاطرنا


كريمة قعدت على الأرض وهي بتعيط وبتحمد ربنا، ومصطفى اللي كان واقف بعيد شوية، ملامحه لانت وبان عليها الارتياح وقال الدكتور


كتر خيرك يا ابني


بعد دقايق، الباب اتفتح تاني وخرج الممرضين وهما بيزقوا الترولي اللي عليه سيف، كان نايم وشه هادي ومستسلم وراسه ملفوفة بشاش أبيض، أدهم قرب منه وبص في ملامحه بتمعن ولمس إيده لثانية يتأكد إنه دافي وعايش

حط مصطفى إيده على كتف أدهم وقال 


تعالى يا أدهم خلينا نخلص إجراءات المستشفى وندفع الحساب عشان يرتاح في أوضته وهو متأمن


هز راسه ومشي مع مصطفى ناحية الخزنة وهو حاسس إنه المرة دي واقف معاهم وقفة اهل بجد


في الوقت ده، ليلى وكريمة مكنوش قادرين يسيبوا سيف لحظة و مشيوا جنب السرير وهو بيتحرك في الممرات الطويلة الهادية، ليلى كانت ماشية وإيدها قريبة من طرف السرير، عينها مش مفارقة وشه بتراقب حركة نفسه المنتظم وكأنها بتعده نَفَس نَفَس، 

وصلوا للأوضة، والممرضين نقلوه للسرير ب،فق وغطوه، كريمة قعدت على الكرسي اللي جنبه وهي ماسكة إيده وبتبوسها، وليلى وقفت عند طرف السرير بتبصله بنظرة فيها وعود كتير، وعود إنها مش هتسيبه مهما حصل

الفصل الرابع عشر من هنا


stories
stories
تعليقات