رواية جحيم عينيك الفصل الثالث عشر
هذا أنا
يصعب تجاوزي... فأنا الذي يترك الأثر...
بعد تناولهما الغداء في مطعم النادي الذي كان يعج بطبقة البرجوازين وأصحاب النفوذ من جنسيات مختلفة، أخذها يمان إلى ساحة كاتالونيا وكنيسة ساغرادا فاميليا الصرح العملاق الذي بتوسط المدينة دون أن يكتمل بناؤه حتى الآن منذ سنوات عديدة، حتى الرافعات العملاقة شاركت في رسم صورة غير واضحة المعالم لذلك الصرح الذي يشبه الجليد المتدلي من سقف الكهوف الجليدية، كلما اقتربت من موقعه إزدادت هبية وجماله فتتعاظم دهشتها و اعجابها به....
تحولا معا بدون حراسة يده في يدها كما تمنت، جعلته يتناول كل مؤكولات الشارع كالمثلجات والمكسرات حتى وقت متأخر شاهدت معه عروض الشارع التي يقدمها موسيقيون موهوبون لم يمانع أو يتذمر، حتى الصور قد سمح لها بالتقاطها برفقته.
كان يرى السعادة في عينيها وهي تحقق أحد أمنياتها بالتسكع معه طوال المساء إلى منتصف الليل تفتح مواضيع عن الرياضة والسياسة والفن فقط لرغبتها في الترترة كان طاقة نشاط تولدت داخلها وتحتاج لتفريغها بدون تخطيط حتى أنها تستعرض موهبتها في الرقص كلما مرت على عازف في أحد الشوارع لتخز قواها على كتفه وهو يقود سيارته عائدا بها للقصر.
من فرط التعب لم تعرف كيف وجدت نفسها مسترخية في حوض الاستحمام كل جزء فيها دخل في استرخاء عميق إلا قدماها اللذان تصرخان من الألم من طول المسير، تناست ما بها وهي تتذكر كيف حملها بين ذراعيه وصعد بها إلى جناحه أمرا الخدم أن ينقلوا أغراضها إليه
إنها في حمامه الخاص داخل غرفته، هذه المرة كان تعامله محترما ولبقا وهذا يثير مشاعر متناقضة داخلها .....
خرجت وهي ترتدي بيجامتها شاعرة باسترخاء وخدر في أطرافها، وجدت يمان جالسا على الأريكة يتفقد حاسوبه لتتجه إليه وتجلس بجانبه ...
"قلت أنك متفرغ لي، لماذا أراك مشغولا الان؟"
ليرد دون أن يرفع عينيه عن الحاسوب...
"وأنا عند وعدي فقط أرسل بعض الإيميلات لا أكثر، يجب أن أبقى على تواصل مع فريق العمل باسطنبول، وهااا قد انتهيت "
أغلق حاسوبة والتفت إليها حين مدت له علبة كريم مرطب قائلة وهي تتحسس قدميها بانزعاج.
"أنت المسؤول عن حالة قدماي، لذلك دلكهما كتعويض لي"
قطب حاجيبه مع ابتسامة ساخرة ليمسك علية الكريمة رامقا إياها بنظرة مستغربة ...
"من أين لك بهذه الجرأة حتى تطلبي هذا من الزعيم ؟"
فاستلقت واضعة رأسها في الجانب الآخر من الأريكة بينما قدماها استقرنا على فخديه بجرأة...
" لست غبية لأطلب هذا من الزعيم كي يكسرهما لي، بل أطلبه من يمان الذي تسكي معي في
الشوارع وأكل المثلجات كالناس الطبيعيين"
هز رأسه رامقا إياها بنظرة تحذيرية...
استفزاز يمان ليس امنا أيضا، حذاري فاليريا، بين الزعيم ويمان شعرة رفيعة لا تضغطي عليها
كثيرا"
هفت بسحب قدميها ليمسكهما مانعا إياها من النهوض...
" ابقي كما أنت "
فتح علية الكريم لبدهن القليل منه على قدميها وبدأ في تدليك باطن كل قدم على حدى بطرف أصابعه فعرف من تصلب قدميها أنها غير مرتاحة بعد تحذيره لها ...
استرخي، لن أفعل شيئاً لا تريدينه "
مواصلا ما يفعله بأصابعه السحرية بينما يلتفت إليها من حين لآخر يراقب ملامحها المسترخية ليمرر إبهامه على ذلك الوشم متذكرا بفخر كيف رسمت أنامله ذلك الوشم ببراعة ليسمع صوتها الهادئ...
"فخور أنت بوشمك هذا ؟!"
ليرد بنيرة مثيرة مع شيخ ابتسامة ماكرة ....
"أوه، لا يمكنك التصور، وأنوي وضع واحد جديد بالقرب من الجرح المقبل"
السبب ما شعرت بالخجل والخوف في ان واحد لتسأل في محاولة لتغيير الموضوع مبتلعة ريقها
بينما أصابعه لم تتوقف عن العبث بخلايا عقلها
هل سيصدقني أحد إن قلت أن يمان أوزيتش ذلك قدماي ؟"
ليبتسم قائلا...
في رأيي، بدل أن تفكري بمصداقيتك من عدمها، فكري أن قواك العقلية ستكون مثارا للشك
والربية"
رفعت رأسها تنظر إليه...
"تقصد أنهم سينعتونني بالمجنونة؟"
فهز رأسه مؤكدا بسخرية...
" بالضبط."
التسحب قدميها وتعتدل في جلستها ...
"لا عليك هناك من سيصدق جنوني، فسألها بتذمر...
لماذا توقفتي ؟ لم أنهى عملي بعد "
فردت بنيرة ماكرة...
توقفت حتى لا أضطر لقول أن؟ يمان أوزينش استغل موهبته في التدليك ليتحرش بي حين
ترك قدماي وبدأت يتسل إلى ساقاي"
تم طبعت قبلة سريعة على خده وهربت دون أن تعطيه مجالا للاعتراض .....
"تصبح على خير "
في اليوم التالي استقلا طائرة خاصة للوصول لمدينة كوينكا مسقط رأس يمان حيث عاش فيها
سنواته الأولى قبل أن يأخذه والده بعيدا...
كوينكا الضارية في القدم بجذور تمتد للقرون الوسطي، معروفة بأبراجها وقصورها وكنائسها
الشامخة على صخرة عملاقة مطلة على النهر.
بمجرد أن وصلا أخذها يمان منيا على الأقدام لرؤية المنازل المعلقة مثل كاسا دي لا سيرينا و کاساس ديل راي والذين يضمون متحف يحتوي على الفن التجريدي الإسباني.
مشيا معا على جسر سان بابلو المعلق فوق النهر ذاته ومن فوقه يمكن رؤية المنازل ذات الطراز القديم، التجول في مدينة توقف عندها الزمن منذ العصور الوسطى تجربة فريدة من نوعها بالنسبة الغاليريا وهي تمسك يد الرجل الذي تسعى لتدليل الصعاب للوصول لقلبه القاسي
والمتحجر كجدران هذه المنازل الصماء...
توقفا أمام باب خشبي لأحد هذه المنازل ليفتحه يمان ويفسح المجال لدخولها قائلا بملامح
هادلة وعيون تلمع ببريق مميز...
هذا بيت جدي الذي ولدت فيه، مرحبا بك"
دخلت وشعور بالغرابة والنوستالجيا ينتابها رائحة الماضي وذكرياته تنبعث من كل زاوية في المكان ومن كل غرض فيه، آثار الزمن واضحة على فسيفساء الأرضية الباهتة وأثاته المغطى بأقمشة يعلوها الغبار.
أغلق يمان الباب بحرص ثم أمسك يدها ليقودها بين ردهات البيت مارا على المطبخ أولا ليريها فناجين كان جديه يحتسيان فيها قهوتهما في آخر مرة رأهما فيها.
أخبرها تفاصيل كثيرة لولا والدته التي دأبت على إخباره وتذكيره بها، ما كان لديه الكثير ليخبرها به لأن ذاكرة الطفولة لديه لم تحفظ الكثير من جمال وروعة تلك الفترة، خاصة بعد ما عاشه بعدها من مأسي.
كلما جاء الزيارة هذا المكان كان يستعين بوالدته في انعاش ذاكرته بل وخلق ذاكرة جديدة تعينه على مواجهة ذكرياته المربعة والبشعة ولسيانها أو على الأقل لتشعره أنه يملك جزءا مضينا من حياته
كل غرض في البيت له قصة يحفظها عن ظهر قلب، سردها واحدة تل والاخرى كأنه وجد فرصة عمره السود تلك الحمولة الطفولية بعفوية وعبرات متخنة بالحنين ومخنوفة بالحسرة..
كانت تنصت بتمكن وحرص الا تقلت اية تفصيلة مهما كانت صغيرة أو تافهة، محاولة اخضاعها العقلها التحليلي حتى تستوعب كيف أن الزعيم اندثر وتلاشي ظلامه في عينيه، ليتجلى أمامها شخص مرهف الإحساس ومفعم بالحياة والشجن في عينيه قد زاد من بريقهما.
أحيت تلك التفاصيل وعشقتها فكانت خير مستمع لحكاياته عن الذكريات والأحلام والأماني حتى صندوق ألعابه الذي احتفظت به والدته قد فتحه ليربها ألعابه القديمة محاولا تذكر بعض الصور المشوشة عن لحظات مرحه في الصفر...
تأملتها قليلا لتقول...
"لماذا أشعر من كلامك أنك لم تلعب بعدها في طفولتك، كأنك يخروجك من هنا دخلت عالم الكبار قبل الأوان"
جمع الألعاب وأقفل عليها في الصندوق بإحكام قائلا والألم بادي في عينيه...
دخلت عالم الوحوش، ولم ألعب بعدها في حياتي إلا بأرواح البشر"
التسأل وهي تتألم لألمه....
"كيف ؟ ماذا حدث معك بعد أن خرجت من هنا؟ ماذا حصل لك؟"
نهض ليخرج من الغرفة فلحقت به إلى باب خلقي المكان كان في الماضي حديقة محاطة بسور خشبي قصير له منقد على أرض خالية تطل على النهر...
"هذا كنت ألعب مع أولاد الجيران بينما جدي وجدتي كانا يحتسيان القهوة ويلعبان الداما، في حين أمي تحضر طعام الغداء في المطبخ "
أشار للأرض المقابلة للحديقة بيده مستأنفا ...
فجأة، توقفت سيارتان من نوع مرسيدس لينزل من أحدها رجل طويل ببدلة سوداء ثم الحتى إلي ليخلع نظاراته كاشفا عن عينين مخيفتين مليئتين بالشر والحقد قائلا لي.. (أنت يمان إذا؟) مديده الكبيرة لتبتلع يدي الصغيرة بين أصابعه الطويلة والخشنة ثم قال لي.. (أن) والدك... هارون أوزيتش) لم أتذكر الكثير بعدها غير صرخات أمي واستغاثة جداي، ثم صمت وظلام مخيفين عششا في داخلي منذ تلك اللحظة، لا تسأليني عما عشته بعدها لأنني لن أخبرك. لا داعي لأن أحملك نقلا لن تقوي على حمله ولن يترك ذلك الاحساس الجميل داخلك نقيا خاليا من الشوائب، اكتفي بما أكشفه لك عن حياتي الماضية ولا تبحثي عن المزيد"
أطرقت رأسها لا تدري ماذا تقول هو يطالبها يقمع الفضول داخلها كأنه يطلب منها أن تكتم انفاسها لكنها لا تملك غير الرضوخ واحترام رغبته في النهاية مؤمنة برأسها.
غادرا إلى بيت العائلة حيث ينتظره أفراد عائلة والدته باختلاف أعمارهم ومشاربهم منهم من
جاء من مدينة أخرى ليجتمعوا ويلتقوا به....
ليمان مكانة كبيرة في قلب كل فرد منهم بالنسبة لهم يمان ليس فردا من العائلة فحسب هو منقدهم في أزماتهم المالية والمتكفل بدراسة أولادهم والراعي لاحتياجاتهم والمدافع عن حقوقهم، لو طلب روح أحدهم لن يتأخر في تقديمها.
بيت العائلة ليس بعيدا عن البيت القديم، سمى بيت العائلة لأن الجدان عاشا سنواتهما الاخيرة فيه بدلا من البيت القديم الذي يذكرهما بمأساة اختطاف حفيدهم انذاك، ولحسن حظه أنه تمكن
من رؤيتهم قبل أن تخطفهم المنية.
كانت الاجواء احتفالية بكل المقاييس بيت مزين بالمصابيح الملونة والزينة، يعج بأفراد العائلة من أكبر فرد مسن يحمل عكازا إلى أصغر فرد رضيع في مهده الكل كخلية نحل يساعد في نقل
الأطباق وتحضير مائدة الطعام في الحديقة مائدة مليئة بما لذ وطاب طويلة تصطف الكراسي في جنباتها بشكل متراص
تحلق الكل حول يمان فور دخوله لينخرط في موجة قبلات وأحضان باستثناء فاليريا التي لازمت الحياد في هذا الترحيب الحار مستمتعة ببشاشة وجهه وعفويته وابتسامته الصادقة وهو يتجاذب أطراف الحديث معهم بلغتهم المحلية.
كانت لغة لها سحر خاص حين يهمس بها وعيونه مفعمة بالرغبة نحوها، لكنها الآن تشعر وكأنها تسمعه يتحدث بها لأول مرة، هي فقط تشهد الجانب الآخر، ترى أمامها يمان فقط دون حواجز من البرود والقسوة...
التفت مشيرا إليها بالاقتراب حتى يعرفها عليهم بلغتهم التي فهمت معظم كلامها لأن عبارات التحية والتعارف متداولة بكثرة وتعرف معناها.
دار حدیث جانبي بين يمان واحد السيدات لتلتفت نحو فاليريا وتمسكها من يدها، فلم تفهم ما المطلوب منها ليشرح لها يمان أن نساء العائلة يردن الاحتفاء بها والباسها الذي المعروف في المنطقة، فأيدت موافقت ليأخذتها إلى أحد الغرف وقدمن لها فستانا أحمر بذيل طويل على شكل فراشة وشال مطرز باهداب طويلة يغطي كتفيها وسرحن شعرها على شكل كعكة مزينة بوردتين حمراوين لتكتمل طلتها بمروحة يدوية مزركشة فبدت كراقصة الفلامينغو كفتاة
إسبانية الولادة والمنشأ.
نزلت إلى الحديقة ليستقبلوها بالتصفيق والهتاف رافعين كؤوسهم كنوع من الاحتفاء بها فوقف يمان مشيرا لها بالجلوس بجانبه وما إن وصلت إليه حتى قبل خذها أمامهم قائلا...
"Eres tan hermosa"
أنت في غاية الجمال)
لترد بخجل...
"Gracias"
(شكراً)
امتدت السهرة إلى وقت متأخر في جو من الرقص والغناء والمرح الخرطت فيه فاليريا بسهولة
وكيف لا والموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تحتاج للترجمة.
سعادتها لرؤيته سعيدا ومنخرطا بهذا الشكل لا توصف وتكاد تجزم أن قلبها سينفجر من شدة الفرح وهي تراه يرقص رفقة الشباب وجعلها ترقص معه فشاركته تلك اللحظة النادرة كأنهما يسرقان من وجه الحياة العابس ابتسامة قصيرة، كأنها استراحة محاربين...
استيقضت فاليريا متأخرة فغيرت ملابسها ونزلت إلى الاسفل في حوالي الساعة 11:30 التصادف أحد الأولاد يلعب بدراجته عند مدخل البيت فحاولت أن تسأله بالاشارات عن مكان يمان ويبدو أن الفنى فهم ماذا تريد فأشار إليها أن تلحق به ليسبالها بدراجته تحت الشمس الظهيرة الحارقة وبين أزقة وأحياء المدينة إلى أن وصلا إلى المقبرة ليشير الطفل إلى وجوده بداخلها، فولجتها فاليريا بحذر تمشي بين المقابر حتى وقفت خلف يمان الذي كان يحدق بعيون جامدة نحو القبر الرخامي أمامه.
ألقت فاليريا نظرة على الشاهد لتتفاجأ من الاسم المكتوب عليه أرادت سؤاله غير أنها فضلت الا تقطع هذه اللحظة المهيبة حتى تكلم هو كاسرا صمت المقابر من حوله....
كانت رغبته الأخيرة فحققتها له، طالما كان حلمه الوحيد هو البقاء قريباً من المرأة التي عشقها. وبما أنه عجز عن تحقيقه في الحياة، أنا حققته له في مماته، يا السخرية القدر، هو الآن في بلاد محبوبته بعد أن غادرتها كانه محكوم بالوحدة الأبدية حيا ومينا"
زفر بسخرية مريرة وهو يهز رأسه...
"اللعنة.. إن علمت أمي أن الرجل الذي تكرهه يرقد على بعد خطوات من بيتها القديم سوف لجن"
فسالته باستغراب...
"غريب أمر والديكا ما قصتهما ؟"
ليرد عليها وهو ينظر داخل عينيها ...
ببساطة كلاهما وقعا في حب الشخص الخطأ، فلا يكفي أن تحمل في قلوبنا بذرة الحب إن لم نجد من يرعاها ويحافظ عليها، أبي داس على بذرة الحب في قلب أمي بدون قصد لأنه كان عظيم المشاعر قاسيا لا يعرف لغة الحب ولم يتعلمها إلا بعد أن فقدها للأبد، ربما أنا مثله تماما لا
أجيد لغة الحب لكن الفرق بيني وبينه أنني أعرف علتي وأتقبلها، بل ومرتاح معها، ولن أسعى لعلاجها حتى لا أعيش بانسا وأموت غريبا ومنبوذا في موطن من أحب"
كلامه كان كصفعة لوعيها وادراكها، كأنه يصرح لها بأن لا أمل منه وأنها أمام خيارين أحلاهما مر..
وتبا لتلك العضلة الخافقة بين ضلوعها ولحواسها المأخوذة بسحره الخادع ولشيطانتها القابعة داخلها تنتظر بلوعة ولهفة إيماءة من سبابته لتنبطح وتتمرغ بين يديه ككلية مطيعة.
لا أحد سيفهم حجم الحرب القائمة داخلها لكنها تجاهلت كل شيء وبابتسامة ترتسم على ثغرها رغم الظروف، تأبطت ذراعه ليتركا المكان .....
"أنت لست والدك وأنا لست والدتك فلا مجال للمقارنة"
رفعت رأسها إليه مقطبة الحاجبين في تساؤل راودها.....
"أنت لم تعرفني على والدتك بعد من خلال كلامك عنها تحمست للقائها، قلت أنها غادرت إسبانيا، في أي بلد نعيش الآن؟"
وقف أمام سيارته ليفتح لها بابها الأمامي قائلا وشبح ابتسامة قد لاحت أمام ناظريها ...
" لقد تركتها خلفك في اسطنبول يا قطتي "
لتبدي دهشتها ...
"حقا!!؟ ما اسمها؟"
حدق بملامحها بترقب صامت من خلف نظاراته السوداء لافظا إسمها ...
"أنستازيا."
رندت إسمها بصوت خافت كأنها تحاول تذكر هذا الاسم لتقول باستغراب...
ربة عملي تحمل نفس الاسم، يا لها من صدقة عجيبة"
ليهز كتفيه بلا اكثراث ثم ركب السيارة منطلقا بها إلى بيت العائلة ليودعهم قبل العودة إلى برشلونة...
في المساء، وقفت تتأمل نفسها أمام المرأة بغرور في فستان سهرة لأشهر دار أزياء في أوروبا بأكملها مع عقد وإسوارة الماسيين يساويان ثروة كبيرة كأنها أميرة هاربة من ديزني
رشت من عطرها المفضل لتأخذ حقيبتها وتنزل ليمان الذي كان ينتظرها وهو برفقة صبي صغير
يلاعبه ويحادثه لتقترب منه باطف.....
"مرحبا أيها الصغير أنا إسمي فاليريا، وأنت؟"
ليرمقها الطفل بازدراء فرفعت رأسها إلى يمان باستغراب وسرعان ما تجمد الدم في عروقها
حين صدمها بقوله ...
" ابني لا يستلطف الغرباء".
بصدمة وارتباك تمتمت...
"ماذا؟ قلت ابنك!"
احتقن وجهها والصدمة قد شلت لسانها لا تدري ما تقول، لينفجر يمان ضاحكا...
" أنا أمزح، أنه أخي"
فضربته بحقيبتها ...
"هذه هي المزحة الحقيقية !! كيف يكون أخاك وهو بعمر كهذا؟"
ليشير إلى الصغير بالذهاب إلى النوم ففعل بعد أن قبله...
" هذا آخر أولاد هارون أوزيتش توفيت أمه وهو رضيع فتكفلت برعايته، بدعى جاد"
التقطت أنفاسها وهدأ روعها قليلا لتسأله...
كيف اخر أولاد هارون، هل له أولاد غيركم ؟ أقصد يلتشن ضيا ومنار"
أشعل سجارة لنفسه ليجيبها ...
" لا أدري والذي نثر منيه في أرحام عاهرات بعدد شعر رأسه ولا يمكنني التنبؤ بعدد النطق التي تحولت إلى أولاد، وهاندا الحقيرة تكفلت بقتل توأم جاءت أمهم للمطالبة بحقهما لينتهي بها
المطاف في مشفى المجانين"
سحب نفسا من سيجارته واستطرد قائلا...
رأفت لحال هذا الصبي ربما لأننا نتقاسم بعض الصفات كالدماء الإسبانية مثلا أو ربما لأنني أول طرح في سلالة اوزيتش اللعينة وهو خاتمها، المهم أنه يعيش بأمان هنا بعيداً عن المشاكل
هيا لقد تأخرنا
لكنها ظلت تحدق به يصدمة واضعة يدها على فمها...
يمان هلا تكلمت بشكل أكثر تهديبا، كن لبقا في انتقاء مصطلحات ، أنت حقاً قليل الحياء"
ابتسم بسخرية وهو يرى وارتباكها ...
"أنا لا أرين الحقيقة وأنفقها بل أقولها كما هي أبي كان زير نساء مثير للقرف، لهذا لا ألوم أمي على كرهها له "
زفر بقلة صبر...
" والان هل تذهب أم لا؟"
فتابطت ذراعه لتسحبه قبل أن يغير رأيه...
"حسنا حسنا!"
قبل أن تتوقف السيارة أمام مبنى كبير لم يكن لدى فاليريا أدنى فكرة عن وجهتهما لهذه الليلة
الرفض يمان الكشف عن المفاجأة التي تنتظرها ...
غص المتحف الوطني لفنون النحت بالمدعوين المميزين لحظور العرض الأول لأعمال أشهر نخات في العالم، لم تتوقع فاليريا أن المفاجأة ستكون بهذا القدر من الروعة، فرحتها كانت مضاعفة ليس لأنها ستلتقي بأهم نحاتين العالم فقط بل أيضا لأن يمان هو من فكر وحضر لهذه المفاجأة لأجلها.
لم تحلم يوما أنها ستقابل نحاتها المفضل وجها لوجه، وهي تتجول بين أعماله ذات الطابع الانساني في طرحها للمواضيع الحياتية.. كانت تمنع نفسها من لمس المنحوتات والاحساس بها. الرواق كان يعرض متحوتات من العصور القديمة لالهة الاغريق واليونان أيضا على هيأة بشرية بأجسام منحوتة بدقة عالية قد أبهرتها حقا.
اقترب منها يمان وبرفقته رجل خمسيني نحيف يرتدي نظارات طبية تعرفت عليه قبل ان يقدمه يمان على أنه صاحب المعرض ونحاتها المفضل.
عقدت المفاجأة لسانها من الفرحة، لا تدري ماذا ستقول، لدرجة أنها توترت فحاول يمان تهدئتها حتى تكلم النحات باللغة الإنجليزية ليخبرها أنه سعيد بلقاء احدى معجباته وأنه اطلع على منجوناتها وأعجب بها وسوف يتشرف بالجلوس معها على طاولة العشاء والتعرف إليها عن قرب بعد نهاية المعرض
أنهى حديثه المختصر والليق تم استأذن ليتركها في حالة ذهول لتلتفت إلى يمان غير مصدقة... هل سمعت ما قاله ؟ يريد أن يجلس معي ويتعرف إلى.. كيف حصل ذلك؟ وماذا عن منحوتاتي
این راها؟
انزوى بها في ركن هادئ وأعطاها كأس ماء لتشرب محاولا جعلها تستعيد اتزانها....
"حسنا أهدتي وسأشرح لك كل شيء هدفي من المفاجاة هو إسعادك وليس إفقادك عقلك "
أخذ الكأس من يدها ليضعه على منضدة قريبة ليكمل كلامه...
عرفت أنه نخاتك المفضل من خلال ما تنشريته في صفحتك على الانستغرام فصادف تواجده هنا الإقامة معرضه مع وجودنا هنا هذا الأسبوع، وانا طلبت منه أن يتناول معك العشاء ويخصص لك يوما كاملا تسألينه ما تشائين وتتعلمين منه أشياء جديدة.. وأطلعته على صور
لبعض من منحوتاتك "
التسأله بدهشة كبيرة...
"كيف أقنعته، فهو شخص صعب الاقناع، ووقته ضيق خاصة في أيام العرض؟"
ليرد هذا كتفيه...
"المال يصنع المعجزات يا قطتي الجميلة "
فاقتربت منه وعانقته بحب قائلة...
" حتى الحب يصنع المعجزات لولاه ما دفعت ثروة لإقناعه، فعلت ما يمكن أن يفعله أي عاشق ولهان المعشوقته وسخرت نفسك وإمكانياتك لأجلي "
بادلها نظرات العشق والهيام في ذلك الركن المنعزل للحظات حتى تشجعت لتطلب منه بكل ثقة لا تدري مصدرها..
تنقصني خطوة واحدة، صغيرة لأحلق في سماء السعادة معك احتاج كلمة واحدة تابعة من أعماق قلبك، هي فعلا كل ما أريد منك"
قبل شفتيها برقة وبادلته القبلة بشغف والدفاع جراء مشاعر الحب والبهجة، ثم همس في أذنها بينما قلبها يخفق بشدة تنتظر أن تسمع تلك الكلمة...
"ضعي مسافة بينك وبين ذلك النحات، لأني قد أحطم هذا المعرض على رأسه إن تجاوز المساحة الخاصة بك "
تم سحبها من يدها عائدا بها إلى الأضواء بين التماثيل الجامدة والمتحركة وسط المعرض وهي تلعن في سرها غروره المدمر للحظات الرومانسية...
أتدري أنك أحيانا تكون أكثر جمودا وتصليا من هذا التمثال الجميل"
مشيرة إلى منحوتة رجل عاري في وضعية انحناء على بركة ماء في أحد الزوايا.. ليبتسم
بسخرية بينما تكمل حديثها ...
هذا ترسيس ابن إله النهر سيفيسوس عند اليونانيين القداماء كان مغرورا ومعجبا بنفسه مثلك فمات من شدة جماله الفاتن "
رفع حاجبيه بدهشة لبرد مازحا ...
" إذا أنا سأموت من شدة جمالي !؟.. لا تبدو نهاية سيئة فهي أفضل من الموت بدبوس مسموم"
التقلب عينيها بلا فائدة...
في صباح اليوم الثالث وعلى غير عادتها منذ أن جاءت إلى برشلونة، تستفيق مبكرا وتحضر نفسها بنشاط وحيوية وهي في غاية الحماس لقضاء اليوم رفقة النحات المفضل لديها في
ورشة خاصة قد أعدها لها يمان داخل قصره حتى تكون تحت أنظاره.
كانت سعيدة باهتمامه بغيرته، يحيه الذي ترجمه إلى أفعال حقيقية حتى لو لم يتفوه بكلمة " أحبك " لا يهم.
كانت تتجاهل شعورا غريبا ينتابها وهي تجهز نفسها لهذا اليوم المهم ثم نزلت إلى الأسفل. لنتفاجأ بوجود باولا، آخر شخص تود رؤيته خاصة مع ابتسامتها اللنيمة تلك.
التقرر تجاوزها إلى مكتب يمان وهي تلقي التحية ببرود فردت عليها باولا قائلة...
یمان مشغول مع لوكاس"
التلتقت اليها فاليريا باستغراب...
"لوكاس ؟"
رفعت با ولا رأسها قائلة بخسة...
" ألا تعرفين الأشخاص المقربين من يمان؟ من يرى الثقة التي تتحدثين بها يقول أنك أمينة سره، بينما لا تعرفين حتى أصدقاءه المقربين"
تجاهلت فاليريا كلامها المستفز واتجهت إلى المكتب، لا تريد أن يعكر أحد مزاجها منذ الصباحالباكر.
أرادت فقط إلقاء التحية عليه قبل أن تنشغل عنه في الورشة لتطرق الباب غير أنها توقفت حين سمعت لوكاس يضحك بصوت عالي...
"أنت تحضى بوقت ممتع هنا مع إبنة القاضي ونحن نبحث عنك من يصدق أن الزعيم الذي هذه القاضي بتقطيع ابنته إلى اشلاء وإرسالها على شكل طرود يومية ليحرق قلبه هو الآن غارق في
العسل معها "
إنهار كل شيء من حولها، تبخرت احلامها وذهبت تطلعاتها ادراج الريح، كأنها اكتشفت للتو أن ما عاشته في اليومين الماضيين كان مجرد سراب الفتاة متعطشة للحب..
كتمت صرخة الألم التي حطمت قلبها وكسرته وهي تتخيل ما عاناه والدها يسببه، هي تعلم أن مجيئه لبيت والدها ذلك اليوم لم يكن خيرا، لكنها لم تتخيل أنه قد هنده بابنته الوحيدة وجعله يعاني في ساعاته الأخيرة.
فجأة أدركت أن وجودها معه هي خيانة لذكرى والدها، واستهتار بكل ما عاشه من معاناة نفسية، مكانها ليس بجانبه ولن يكون فقط هي تستنزف من قبله بكل الطرق...
اعتصرت قبضتها على مقبض الباب لتندفع بغضب إلى داخل المكتب والدموع تسيل على خدها
رغما عنها فانتفض لوكاس من مقعده بينما نظر إليها الزعيم ببرودة المعداد مشيراً للوكاس
بالمغادرة ففعل دون أن يلبس بحرف.
نفت دخانه في الهواء قائلا..
" استراق السمع من وراء الأبواب عادة سيئة يا قطني "
لترد بحنق شديد...
" وتهديد رجل بابنته سلوك حقير يمان أوزينش "
أو ما برأسه متفهما....
" والدك من اضطرني لأكون حقيرا معه أي شخص يدوس طرف توب لفرد من عائلتي أصبححقيرا معه ووغدا لا يرحم. كأنك اكتشفت شيئاً جديداً، أو استفقتي من غفلة ما لا... هذا أنا .. لا شيء تغير "
التجيبه وبحرقة...
"هذه هي المصيبة أن لا شيء تغير رغم كل ما مررنا به أنت لم تتغير مازلت ذلك الزعيم المتسلط والمغرور، في حين أنا من وقع في شراك حب عقيم، كل شيء حولي يرسل إشارات بأن ما أطمح إليه هو ضرب من المستحيل لكنني أمنت بأن الحب يصنع المعجزات، فمشيت على منهاجه علني أجعلك تتغير لكنني مخطئة تماماً، وحان الوقت لإصلاح هذا الخطأ"
فنهض من مقعده ليمنعها من الخروج وهو يمسك معصمها ...
" فاليريا لا تضخمي الأمور تعرفين طبعي جيدا ولن أتغير أبدا، هذا أنا فاليريا، إن كنت تحبينني كما تدعين عليك تقبلي بكل عيوبي وإلا فحبك لي مزيف ومجرد إدعاء"
الترد بكل ثقة وقوة ...
"لا تملك الحق لتحديد ما أشعر به يمان أو زيتش، فأنت لا تعرف معنى الحب، قلبك الذي ينبض داخل صدرك ليس سوى كتلة عضلية، ومضخة لا أكثر ولا أقل، ولا تتجاوز مشاعرك العقيمة تجاه النساء حدود الشهوة الجنسية لذلك أنا عصبة عليك ولم تتل مرادك مني بسهولة كالاخريات، من المؤسف أنني لم أرد لك المتعة التي منحتني إياها، ولن تعرف أبدا كيف تطفئ النار التي اشغالها داخلك حتى او احاطت بك نساء الدنيا، ربما لست جميلة وفاتنة. لست لعوب ولا محترفة، لكنني مختلفة ولا يوجد نسخة مني أو شبيهة لي ببساطة أنا فريدة من نوعي كالبصمة تماما بعيوبي ومميزاتي، أنا لا أتكرر، سأخرج من حياتك وعزائي الوحيد أنني سأظل القطة الشرسة التي لم
تستطع قص أظافرها المغروسة في كبريائك سيد أوزيتش"
أخذت نفسا عميقا واضعة نهاية لقصتها معه بكل حزم....
" الأسبوع قد إنتهى بالنسبة لي أنت وعدتني ألا تريني وجهك بعده فأرجو أن تفي بوعدك سيد يمان أوزيتش "
تركته وجرت إلى غرفتها لتخلع ثيابها وترتدي تلك التي جاءت بها من اسطنبول تاركة كل شيء خلفها المال والجاه والاحلام الذهبية، حتى قلبها المحطم تركته لتستقل نفس الطائرة عائدة بها إلى أرض الواقع، إلى حياتها الحقيقية.
