رواية نبضات قاتلة الفصل الرابع عشر 14 بقلم زينب محروس


 رواية نبضات قاتلة الفصل الرابع عشر 

حرك رجاله بهزة من راسه فتصدى «أحمد» لأولهم، لكنه لم يقدر على البقية، فكما يقال الكثرة دائما تغلب الشجاعة، وبناءا على

ذلك فقد أبرحوه ضربا غير عايتين بالكلمات التي تصرخ بها غرام، طلبا للرحمة والابتعاد عنه.

و أخيرا طلب منهم الكف عن ضربه وإحضاره للذهاب، بينما تحرك للخروج، يجرها خلفه جرا.

قبل أن يخرجوا بهما لإرجاعهم إلى الهلاك، نفاجاً «معتز» و رجاله بعدد كبير من الأشخاص يقتحمون شقة العجوز الذي هدأت

ملامحه و تلالات على شفتيه ابتسامة الطفر، وقال بصوته المبحوح

ري ما أنت شايف كدا دول سكان العمارة دي والعمارة اللي جنينا كمان والبوابة تحت اتقفلت والشرطة في الطريق، فقدامكم

حلين، الأول أنكم تسيبوا «أحمد» و «غرام» معانا و تتوكلوا على الله

ظهر من بين الجيران شاب يافع، واسترسل الحديث بدلا عن العجوز حين قال:

و الحل الثاني تفضلوا هنا لحد ما الشرطة توصل.

حاول «معتز» أن بيت فيهم الخوف، عندما أشهر سلاحه في وجههم قائلا بامتعاض:

إحنا معانا أسلحة، يعني ممكن نقتلكم كلكم دلوقت.

أردف الشاب ردا عليه

و مالو، اعملوها يا كبير بس برضو ساعتها مش هتعرفوا تخرجوا من هنا غير لما الشرطة توصل.

شد أجزاء السلاح، وهددهم قائلا:

أنا مش بهزر و الله اقتلكم.

رد عليه العجوز في تلك المرة

بص بقى الدكتورة وأهلها اللي يرحمهم مفرقين الجيران جمايل وعشان كدا محدش فينا هيتخلى عنها دلوقت، لو على موننا.

و أكمل الشاب بشجاعة ظاهرة

و برضو لو أنت اذيت حد فينا أكيد هتشتبك معاكم، وبالرغم من وجود أسلحة معاكم إلا إننا اكثر من ثلاثين شخص يعني برضو

هيتقبض عليكم و مش هتاخدوا الدكتورة.

اطلق «معتز» زفرة حارة و رفع قبضته عن غرام، وأشار الرجاله بترك «أحمد» الذي ينتصب على قدميه بصعوبة، فالتقطته «غرام»

تعينه على الوقوف.

بينما تلفظ «معتز» بصوته الأجس

افتحوا لنا البوابة، و هنمشي من غيرهم.

لقد حصدت أولى ثمرات الخير بأفعالها التي تعلمتها عن والديها، فاستطاع الجيران تأمينها، وأمسكوا بها قبل أن تسقط في الهاوية.

***

عادوا إلى بيوتهم بعدما تأكدوا من مغادرة «معتز» و رجاله، فجلست «غرام» تعالج جرحه النارف في زاوية فمه، و تمرر على كدمات

وجهه مكعبات من الثلج، قبل أن تشرع برأسها وتسأل العجوز بنيرة نبعها الاستغراب

الجيران اتلموا كدا ازای یا عمو؟

نظر العجوز إلى الشاب الذي يقابله في الجلوس و أوضح لها قائلا

أول مرة يكون سهر الشباب مفيد أنا اتصلت على إياد و اختصرت له الوضع وطلبت منه يتصل على الجيران كلهم و يلمهم هنا.

بصراحة كنت خايف لأن ذا كان محتاج وقت على ما الناس تتلم بس بتوفيق ربنا قدر إياد إنه يلمهم.

أومأت برأسها تفهما و قالت بامتنان:

أنا متشكرة جدا والله جميلكم دا على راسي العمر كله.

أصرت «غرام» على المغادرة من بيت العجوز دون أن تنتظر حلول الصباح، وذهبت إلى «مؤمن» و زوجته مرة أخرى.

خرجت «غرام» من غرفتها صباحًا، و هي تتحدث إلى «منى» في مكالمة هاتفية، فتابعتها «صبا» بعقل شاري حتى أنزلت الأخرى

هو الفون دا بتاعك ؟

هاتفها الخلوي عن اذنيها. فسألتها «صبا» بأعين ضائقة

ايوه ليه؟

اندفعت «صبا» قائلة يخوف واضح

دا ممكن يهد كل اللي إحنا بتعمله، دا ممكن من خلاله «مالك» يعرف مكانكم، اقفليه فورا.

بدا عليها القلق، وهي تطبق ما قالته «صبا»، و همست بخفوت

ربنا يستر

★★★

خرج لتوه من حجرة «مالك»، بعدما اطمئن عليه، فوجد شاب من رجاله يركض نحوه، قبل أن يتوقف أمامه و يخبره بأنفاس لاهثة:

قدرنا تعرف مكان الدكتورة.

سأله «معتز» بلهفة قاسية:

هي فين؟

صاحبي بيقول إنها في عمارة ****** اللي في حي *****...

يلا بينا عايزين تجيبها قبل مالك» بيه يخرج من المستشفى.

توجه «معتز» برفقة رجاله إلى العنوان الذي عرفه من مساعده، فكان العنوان تفصيلا بطابق العنوان الخاص بمنزل «مؤمن» و «صبا» .

صعد بمفرده إلى الطابق الذي استدل عليه من مساعده دق جرس الباب بهدوء يناقض شخصيته الهمجية، وابتعد خطوتين عن

الباب و قد لانت ملامحة الخشنة.

لم تنقضى دقيقة واحدة حتى فتح الباب، فظهرت «صبا» الذي سألته بنبرة جادة

- مين حضرتك ؟

تكلف «معتز» في ابتسامته قائلا:

أنا دكتور «معتز»، محتاج اتكلم مع دكتورة غرام

لقد رأته سابقا في تلك الليلة التي تحرر فيها «أحمد» من أسرهم، لكنها تظاهرت بالجهل كي تصل إلى مرادها، فرحبت به قائلة:

اتفضل يا دكتور اتفضل.

اعتلى الأريكة بأعين متفحصة، بينما جاءت إليه «صبا» بكأس من المياه الغازية، وجلست على الأريكة المقابلة

الفضل اشرب يا دكتور.

شكرا لحضرتك بس ممكن أشوف الدكتورة «غرام» - عشان أنا مستعجل.

الدكتورة «غرام» مش موجودة حصل معاها مشاكل في الفترة الأخيرة فقررت تسافر برا البلد تريح أعصابها شوية.

سألها «معتز» بلهجة ظلالها الشك:

سافرت امتي ؟

لاء هي لسه مسافرتش، هي حاليا في طريقها للمطار، لو حضرتك وصلت بدري عشر دقايق كنت لحقتها، واعتقد حضرتك ممكن

تلحقها قبل ما تسافر طيارتها الساعة ١٢ الضهر لأمريكا.

انسحب من المبنى بأكمله وقد اقتنع بعض الشيء بما قالته «صبا»، و لكن تأكد قولها عندما وافاه مساعده بالأخبار قائلا:

مكان الدكتورة الغير صاحبي بيقول إنها دلوقت موجودة في المطار.

استعجل «معتز» في رده قائلا

خلونا تلحقها بسرعة. دي فرصتنا الأخيرة.

رجعوا إليه جارين معهم أذيال الخيبة، انتصب «معتز» أمامه مطاطئ الرأس، وقص عليه ما حدث، ورحلة بحتهم عن «غرام» التي بانت بالفشل، واكتشافهم بأن «صبا» قد كذبت عليهم لتضليلهم، حيث علموا وقت وصولهم المطار أنه لا وجود لتلك الرحلة التي

أخبرتهم بها «صبا».

ران عليهم صمت ثقيل، قبل أن يفكره «مالك» قائلا بصوت ماكر

خلاص بلاش تدوروا عليها ثاني لا هي و لا «أحمد»، أنا عندي اللي هيدور.

رفع «معتز» رأسه ناظرا إلى «مالك» بجبهة متجعدة و ساله بنبرة فضولية.

مين اللي هيدور؟

لاحت على شفتي «مالك ابتسامة خبيثة و قال: الحكومة، مقدم شكوى ضدها، قضية شروع في قتل.

انتشرت نسمات الهواء الباردة في الأرجاء، لكنها تسارعت في تلك اللحظة وكأنها تسابق موجات النهر التي ترتطم بمكعبات الصخر متفاوتة الارتفاع، ليخلق مشهدًا خلايا يناسب تلك البيوت التي طليت بألوان تشع بهجة وسعادة في نفوس ساكنيها، فقد تنوع الطلاء بين الأبيض والأزرق، والعديد من الألوان التي شكلت رسومات زاهية، كما هو الحال في بعض القرى النوبية.

طلت من خلف باب عتيق قد فتح على مصراعيه، كان زيها النوبي الأبيض يليق كثيرًا ببشرتها السمراء، والتي أبرزت جمالها بقلة من مستحضرات التجميل، وتركت العنان لشعرها القصير، وانتعلت حذاءًا أرضيا يتميز بأوتار مشدودة من الخرز اللامع. خطت خطوتها الأولى ونادت بصوتها الناعم

«أحمد»

قد سكنت نظراتها على ظهره المقابل لها، فكان يتوسط شابين في الجلوس، لكن ما إن سمع صوتها، قفز عن تلك الصخرة، و

استوى واقعا على قدميه، وقد أفرجت شفتيه عن ابتسامة لطيفة.

انقضى أسبوعين على وصولهم تلك القرية التابعة لمحافظة أسوان، لكن من يراه الآن يجزم أنه قد رجع إلى عهده السابق، فقد مشط شعره الكثيف ليرجعه إلى الوراء، واكتسب قلة من الكيلوا جرامات التي أعلنت تواجدها بوجه قد اختفت نحافته.

لوح لها بيده قائلا:

أنا هنا قاعد مع «سامر» و «نوح».

با دلته «غرام» الإشارة بحركة استعجالية من يدها، و قالت:

يلا تعال عشان تروح عند عمو «سامي».

ودع «أحمد» الشابين ذي الشعر الأجعد، وتحرك إليها راكضا، انتفت له زيا رجوليا يطابق الخاص بها، وطلبت منه ارتدائه إلى أن

تستعد حدتها.

ذهبا برفقة الجدة إلى المنزل المجاور، حيث أقام العم «سامي» حفلة عيد ميلاده، كان الحاضرون لديهم ملابس نشابه «غرام» و «أحمد» وكذلك الجدة التي تتشارك مع حفيدتها في بعض الملامح.

لم يتعدم خوفه من الآخرين، فهو يخشى الأماكن المزدحمة، لذلك أمسك بيدها و مال عليها محاولا تذكيرها قائلا:

متسبنيش لوحدي با «غرام»

ربتت على يده مطمئنة و قالت:

متخافش عمري ما هسيبك.

جعلت وعدها حقا عندما رافقته طوال الوقت. حتى أنها لم تسحب يدها من بين قبضته. وقفا جنبا إلى جنب، يتابعان الرقصات النوبية المميزة، فتفاجأت به «غرام» يترك يدها بعدما تخلى عن خوفه و انطوانه و قال بنيرة حماسية.

تعالي ترقص معاهم.

قطبت حاجبيها و حرکت رأسها رفضا

لاء مش بعرف.

عرض عليها قائلا:

انا هعلمك دا رقصهم سهل خالص.

ضحكت بخفة وسألته بلهجة فضولية.

اتعلمت فين؟

من «سامر» و «نوح» ، تعالي يلا تعالي.

لم يترك لها مجانا للرفض أو الاعتراض، وسحبها إلى ساحة الرقص، فكان يريها ما تعلمه سابقا و يطلب منه تکرار حركاته، و استمر الوضع بين ضحكاتهم التابعة من جوف الاستمتاع لمدة لا بأس بها.


تعليقات