رواية نبضات قاتلة الفصل الخامس عشر
التفوا أرضا حول منضدة خشبية. يتناولون طعام الصباح في أجواء من الحب والسكينة، بادرت الجدة بالحديث عندما قالت:
أنا عملتلك البيض زي ما طلبت يا «أحمد»، عجبك؟
أوما برأسه ماديا:
جميل يا نينا و الله طعمه روعة.
ابتسمت الجدة قائلة:
بألف هنا يا حبيبي.
ساد بينهم الصمت. حتى قطعته الجدة مرة أخرى.
اعملي حسابك يا «غرام» تيجي تساعديني شوية في المحل.
اختصرت «غرام» ردها قائلة:
حاضر
كان ذلك المحل الذي قصدته الجدة عبارة عن ورشة صغيرة لخياطة الملابس النسائية، فالبرغم من كبر سن الجدة إلا أنها قد
اشتهرت في تلك القرية والقرى المجاورة بمهاراتها في تفصيل الملابس.
انتهت «غرام» من مساعدة الجدة في تثبيت فصوص التطريز اليدوية، وخرجت لتجاوز «أحمد» في الوقوف، حيث شرد ذهنه و قد
غرفت عينيه في فحص الورشة المقابلة، والتي اختصت بصناعة الزينة البدوية من الفضة.
أحدثت «غرام» ظفة بإصبعيها أمام جفنيه لتقطع شروده، فنظر إليها سائلا
انت هنا من امتى؟
ضيقت عينيها ونطقت بنيرة مشاكسة.
من أول ما عقلك سرح أوعى تكون بتحب من ورايا
علت ضحكته بنعمة قصيرة. وأشار بإصبعه إلى الجهة المقابلة مجيبا
واقع في حب المحل ده.
نقلت أنظارها بينه و بين الورشة وسألته بفضول واضح
اشمعنا ؟؟
ارتخت قسماته كعاشق يتحدث عن حبيبته، و أوضح لها قائلا:
دا كان شغلي، والذي كان عنده ورشة زي دي، و أنا اتعلمت منه الحرفة دي وحبيتها، حتى مدخلتش كلية وفضلت إني اشتغل في صناعة اكسسوارات القضة البدوية، وبعد وفاة أهلى حاولت كثير لحد ما قدرت أكبر الورشة و أفتح مصنع و بقى عندي أربع محلات مخصصين لإنتاج المصنع، وبعدين قررت يبقى عندي شركة بقى و هنا لجأت ل «مالك عشان يجري في الأوراق الرسمية و من خلاله
اتعرفت على «جنى» وأنتي عارفة الباقي بقى .
تلك الابتسامة الهائمة، تحولت في نهاية حديثه إلى ابتسامة باهتة وتراحمت دموع الحسرة في عينيه، فتدخلت «غرام» سريعا و
ريتت على كتفه و قالت بخوف زائف:
طب بطل رغي بقى وتعال تساعد تيتا بدل ما تاخد على دماغنا.
ادخلي و جاي وراكي.
تراجعت خطوتين للداخل، قبل أن ترجع وترفع إصبعها في وجهه بتحذير مرح
لو فكرت تزعل دلوقت هرنك علقة، وبعدها نعيط إحنا الاثنين سوا.
قهقه عاليا على حديثها، وقال بصوت خافت:
مش هعيط يا دكتورة.
كانت تتنقل في الأرجاء و هي تتبادل مع جدتها أطراف الحديث، لكنها توقفت عندما قالت الجدة بقلق:
ما تروحي يا بنتي تشوفي «أحمد» راح فين مينفعش يتساب لوحده في الحالة دي.
أيوه صح مطلع أشوفه مدخلش ليه!
ما كادت تتحرك من مكانها، حتى وحدته بدلف إليهما، وصوته الخماسي يسبقه مناديًا باسمها، كطفل عاد لتوه من المدرسة بعد
حصوله على درجة نهائية في امتحانه.
فور ما التفتت إليه، هتف في وجهها قائلا:
غمضي عينك بسرعة، غمضي عينك.
امتثلت لطلبه دون أي تفكيرا منها، فوقف أمامها وألبسها عقدًا فضيا تتدلى منه حلقة فضية متداخلة، والتي هي الرمز المشير إلى
ما لا نهاية له ....
حتها على فتح عينيها قائلا:
فتحي بقى و شوفي جبتلك ايه.
حنت رأسها قليلا ورفعت الرمز الفضي لتتمكن من رؤيته و همست بصوت وصل السمعه
مالا نهاية
أكد «أحمد» قولها قائلا بتلقانية:
ايوه مالانهاية، عشان تعرفي إلى مش ممكن احب حد غيرك ..
خفق قلبها بشدة، وتزاحمت الأفكار برأسها بشأن علاقتهما، بينما سألته الجدة بنبرة فضولية
جبتها منين يا «أحمد» ؟
دل على نفسه و قال يفخر
أنا اللي عملتها يا تينا تعالى شوفيها كدا شكلها جميل و حلوة على غرام
اقتربت الجدة لتتفقدها، فأكمل «أحمد» موضحا:
انا دخلت الورشة اللي قصادنا دي وطلبت من صاحبها أعمل السلسلة دي عشان «غرام» و في المقابل ساعدته في قطعة مكانش عارف يعملها.
كانت تتابع التلفاز، عندما تناهى إلى سمعها طرق الباب، توجهت لتفتحه، فوجدت أمامها «سامر» و «نوح»، من تعرف إليهما «أحمد» و أحب رفقتهما لشعوره بالدفيء والحنان من قبلهما.
با در «نوح» بسؤالها قائلا:
«أحمد» جاهز؟
تجعدت جبهتها و سألته باستغراب
هو جاي معاكم في مكان ؟؟
أجابها «سامر»:
هتتعب ماتش كورة، لو تحبي تبجي تتفرجي تعالي.
جاء «أحمد» من خلفها قائلاً:
لاء أنا مش هاجي.
استفسرت «غرام» قائلة:
مش عايز تروح ليه؟
اقترب منها و مال عليها قائلا:
هيبقى في هناك ناس و انا خايف ...
حاولت اقناعه قائلة:
ما أنت معاك «سامر» و «نوح» اهو.
برضو لاء
طيب لو أنا جيت معاك هتروح؟
أكمل بصوته الهامس:
خايف «مالك» يشوفنا.
أغمضت عينيها بيأس وألم. فكلما اعتقدت أنه يتجاوز ما حدث سابقا، تتفاجأ بخوفه المتجدد من «مالك»، تنهدت و قالت:
لاء متخافش «مالك» خلاص عمره ما يعرف طريقنا
سألها بترقب بجد؟
اومات له تأكيدًا، مهتف بنيرة حماسية
سغير و اجيلكم.
نطق «سامر» قائلا:
شكلك زوجة مسيطرة.
ردت عليه بانتباه نعم !!
أوضح «سامر» قائلا:
أقصد إن «أحمد» بيسمع كلامك يعني، اقتنع منك علطول، مع إننا بتقنع فيه من أسبوع.
لكزه «نوح» قائلا:
أي حد طبيعي بيسمع كلمة مراته، أكيد مش هيسمع كلام واحد يعرفه من شهر.
سألت «غرام» بتذكر:
القرية هنا فيها جيم؟
أجابها «سامر»:
أيوه طبعا، أنا بروح.
سألته «غرام» بنيرة حادة:
الجو هناك حلو ؟؟
جامد بصراحة.
طيب لو أنا أقنعت «أحمد» ينزل جيم معاك، هتخلي بالك منه؟
طبعا في عنيا متقلقيش باين عليه شخص انطواني بس متخافيش أنا هخليه يصاحب أعضاء الجيم كلهم.
بالفعل حضرت «غرام» تلك المباراة الودية بين شباب القرية، كانت تجلس بين مجموعة من الفتيات، و في أولى الدقائق، استطاع «أحمد» أن يحرز هدفا، فنهضت سريعًا و هي تصفق بحرارة وتشجيع، فانتبه إليها ليحيها كأمير راقي. انتهت المباراة بمرور الوقت و فاز فريق «أحمد»، فركض «سامر» صوبه على نية باحتضانه فرحا بالفوز، لكنه تفاحاً بـ«أحمد» يتخطاه
متجها إلى «غرام» التي استقبلته مهنئة.
فأنزل سامر» ذراعيه ضاربا كفيه، متلفظا بسخرية
أكيد هيروح لمراته أروح أنا أشوف حد من الفريق أسلم عليه
** ***
تخطت عتبة غرفتها و أناملها الرقيقة تثبت خصلاتها خلف أذنيها، ثم سألت جدتها بحماس شديد. كدا كل حاجة جاهزة و لا ناقص حاجة يا تيتا؟
ردت جدتها باستنكار لطيف.
حاجة ايه اللي جاهزة ما أهم حاجة في العيد ميلاد مش موجودة في عيد ميلاد من غير تورته ؟!!
بررت لها «غرام» الأمر قائلة:
أصل «أحمد» مش بيحب السكريات ولا بياكل التورتة يا تيتا، عشان كدا قررت تحتفل بالأكلة المفصلة له..
توقف النقاش عندما دق الباب مهنفت «غرام» بتحفز:
أهو «أحمد» وصل.
استقبلته سريعا فقالت:
اهلا اهلا بكابتن جيماوي بتاعنا.
كان يطالعها بنظرات من التعب وقد تمكن الإرهاق من قسماته، فأردف منذمرا
هموت من الجوع الحقيني بأي حاجة بسرعة.
حملت عنه حقيبته الصغيرة، وقالت ضاحكة
ادخل ادخل شكل اشتراك الجيم هيروح على الأرض.
تحامل على نفسه في خطواته، و تحدث بنبرة نافرة
مش عايز أكمل، دا أنا جسمي متكسر، اعتقد لو اللي في الجيم مسكوني ضربوني مكنتش هجس بالوجع اللي حسيته بعد التمرين ده، أنا مش عارف «سامر» ده إزاي يقعد يصور تيك توك وسط تعب القلب ده.
ريتت على كتفه مشجعة و قالت:
معلش يا كابتن جيماوي، أول كام يوم بس بعدين تتعود، خد شاور و تعال.
اعترض قائلا بإصرار شاور ايه والله ما هعمل حاجة غير لما تتغدى.
امتثلت الإرادته فقالت:
طيب غمض عيونك حضرت مفاجأة عشانك.
بعد الأكل هغمض.
تدخلت الحدة قائلة
أنت لو مغمضتش مش متاكل، اسمع كلامها.
طبق «أحمد» رغبتها، فدلفت سريعًا إلى المطبخ، قبل أن تخرج إليه حاملة ما صنعته من «السوشي»، فكانت قطعة واحدة لكنها تساوت في حجم كعكة الاحتفالات و تتوسط الشموع منتصف القطعة.
تزامنت خطواتها نحوه مع نطقها للحمل التالية:
سنة حلوة يا جميل سنة حلوة يا جميل سنة حلوة يا «أحمد» . سنة حلوة يا جميل.
قابلته في الوقوف قائلة:
كل سنة وأنت طيب يا «أحمد»، يارب تكون سنينك الجابة كلها خير و سعادة، خير و سعادة و بس.
كان يرمقها بنظرات متاثرة، وأردف خافتا
أنتي عملتيها!
خرج ردها حاملا معه حبها وحنانها :
مكنش ينفع تقولي إن كان عندك رغبة تحتفل في عيد ميلادك بقطعة سوشي كبيرة و أنا معملهاش..
اغرورقت عيناه و غمغم بصوت مختنق
أنا بجد مش عارف أقولك ايها من لما دخلتي حياتي و أنتي بتعدلي كل حاجة فيها.
تو تو تو تو أنا مش عايزة دموع ننسي اللي فات وخلينا في الوقت الحاضر، و يلا بقى عشان تقطع التورتة، قصدي السوشي، تينا متحمسة تدوقه.
احتفلوا بمولدة كأسرة صغيرة في جو من السعادة التي جاهدت «غرام» لانتزاعها من براثن الحياة.
على صعيد آخر
كان «مالك» في مكتبه، منهمكا في عمله، بعثة اندفع «معتز» إلى مكتبه لاهنا وقال:
عرفت مكان الدكتور عرفت مكانها ...
هب «مالك» واقفا و هو يسأله باهتمام شديد:
هي فين ؟؟
