رواية نبضات قاتلة الفصل السادس عشر
كان «مالك» في مكتبه، منهمكا في عمله، بغتة اندفع «معتز» إلى مكتبه لاهنا و قال:
عرفت مكان الدكتور عرفت مكانها ....
هب «مالك» واقفا و هو يسأله باهتمام شديد.
هي فين ؟؟
خفت سرعة انفاسه، حينما قال: عايشة في قرية في أسوان.
اتسعت حدقتي «مالك»، و قال بتذكر
ازاي راحت عن بالي، دي جدتها أم أمها عايشة هناك، بلا عرف الشرطة فورا عن مكانها.
أوما «معتز» تقبلا أوامره وتلفظ بنبرة ثعبانية: حاضر بس الأول هستنى الولد سامر» يرد عليا.
قطب حاجبيه و سأله بفضول:
مين سامره ؟
رد عليه «معتز» باستخفاف واضح
دا واحد كدا من بتوع التيك توك، كان منزل فيديو و الدكتورة ظهرت في الفيديو من بعيد وشكلها متعرفش إنها الصورت، فأنا دخلت للولد و عرفته إني شغال في برامج تلفزيونية و عابر أروح أصور معاه، واللعبة دخلت عليه فسألته على عنوانه بالتفصيل. و
أول ما يرد هكلم الشرطة.
لاحت على شفتي «مالك ابتسامة الخبيث المنتصر. وجلس على مقعده قائلا بتوعد
شوف يا جدع الدنيا أهو بعد شهر ونص تدوير عليها ظهرت لوحدها، وعد يا دكتورة ما هتشوفي الشمس غير بعد 10 سنة و لا حاجة
تبعت جملته الأخيرة بقهقهة عالية، يظهر من خلالها أنه الوحيد الذي ينقصه علاج نفسي.
جاورت جدتها على المقاعد الخشبية التي تراصت أمام البيت، فكانت الجدة تتفقد الأرز لتستخدمه لاحقا في الطهي زقرت «غرام»
قائلة بضيق شديد:
«أحمد» أتأخر يا تينا.
لم ترفع عينيها عن الأرز، حين ردت قائلة:
هو مش قالك «ساهر» هيعزمهم بعد الجيم عشان يحتفل معاهم بالبرنامج اللي هيظهر فيه داا
ايوه بس فات ساعة عن خروجهم من الجيم..
وضعت حدثها الوعاء جانيا، وقالت:
طب و فين المشكلة يا حبيبتي «احمد» مش طفل يا «غرام» عشان تخافي كدا، و لا انتي بقى مبقتيش تعرفي تقعدي من غيره ؟؟
ترقيت الجدة بنظرها. وشددت على سؤالها الأخير، متلعثمت «غرام» في قولها.
لاء مش كدا. بس أنتي عارفة وضع «أحمد».
مالو وضعه؟ بقى زي الفل اهو و اتحسن كثير عن أول مرة جيتوا فيها، و بقى عنده أصحاب كتير و مبقاش يخاف من الناس في
الأول، يبقى فين المشكلة إنه يتأخر مع صحابه ؟؟؟
هو بدا يخف يا تينا بس بردو مخفش تماما لسه محتاج وقت عشان أقدر أكون مطمنة و هو برا لوحده.
قبل أن تتلفظ الجدة، سبقها الضابط ذو الملامح الصارمة التي طل عليهما ومن خلفه أفراد القوة، وقال بصوته الجهوري:
دكتورة «غرام ذو الفقار»، مطلوب القبض عليكي.
صاعقة رعدية قد ضربت جسديهما، فقتلت أقدامها لتبقى موضعها تطالعهم بصدمة تتطاير من عينيها، وأنجم لسانها عن الحديث مقطعت جدتها الصمت التقيل باستفسارها:
ليه يا حضرة الظابط ؟ بنتي معملتش حاجة.
نظر الضابط إلى الجدة موضحا
الدكتورة متهمة بمحاولة قتل جوزها، مالك عبد الرؤوف أبو عقدة».
ضربت الجدة بيدها على صدرها تحسرا، بينما شعرت الأخرى بكلماته تمر على سمعها تقصعات أفاقتها من صدمتها، فنهضت قائلة:
جاية معاكم
تروحي معاهم يا مصيبتي
تفوهت الجدة بالجملة السابقة و هي تضرب على فخذيها و تولول قهرا على حال حفيدتها التي خسرت مستقبلها على يد ظالم
متجبر لا يخشى خالقه، استقبلت «غرام» ما تفعله جدتها بعناق شددت فيه من احتضانها و همست بجانب أذنها قائلة: لو بتحبيني بجد يا تينا خلي بالك من «أحمد»، خليكي جنبه لحد ما يقف على رجله «أحمد» أمانة عندك يا تيتا و متقلقيش على هبقى كويسة.
أشار الضابط إلى فردين من القوة افتادها معهم، و هي تنقل أعينها الباكية بين جدتها التي تنتحب بشدة، و بين الجيران
المتجمهرين في صمت تقيل ..
هرول إلى الداخل بخطوات متعثرة جدا أمام الجدة بقسماته الفرعة، وسألها يخوف تشوبه اللهفة
«غرام» فين يا تينا؟ فين غرام؟
خرج صوتها مكتومًا من بين عبراتها الصامتة
اتقبض عليها، أخدوها ..
تسارعت نبضاته و تثاقلت أنفاسه راح يحدق في الفراغ بعينين زائغتين، فكان ينتظر من جدته تفي الخبر الذي سمعه من الجيران. وقت عودته للمنزل، تحررت دمعة حارقة من عينيه، قبل أن ينطق برغبة مشتعلة
أنا هرجعها، مينفعش تروح من غيري.
كاد أن يتحرك و لكن أوقفته الجدة، حيث قبضت على معصمة قائلة:
مش دلوقت مينفعش انت تروح ...
نقض «أحمد» يدها عن يده، وقال بنبرة حازمة.
مينفعش حد غيري يروح.
ابتعد عنها خطوتين، لم يتكررا عندما قالت بكل حزم و تحد
لو عايز تساعدها فعلاً، يبقى لازم تساعد نفسك الأول. أنت النهاردة جاهز تقف قصاد «مالك»؟
التفت ناظرا إليها بعقل باحث عن إجابة لسؤالها، فردت الجدة على سؤالها قاتلة بثقة:
لاء انت متقدرش تقف قصاد «مالك» ولا أي حد فينا، أنا هتواصل مع صاحبتها في القاهرة و هما هيقفوا جنبها، و بردو محدش فينا هيقدر يعمل حاجة عشان مفيش دليل وعشان كدا أنت لازم تساعد نفسك وترجع ثقتك بنفسك عشان تقدر تساعد «غرام» و تقف قصاد «مالك» و تجيب دليل يثبت براءتها، أنت نو ظهرت دلوقت با «أحمد» هتدمر كل اللي «غرام» عملته عشانك و هتضيع
تضحيتها على الأرض.
لم يقدر المحامي الذي وكل من طرف أصدقائها، على إثبات براءتها و مجددا انتصر «مالك» بأفعاله الشنيعة، أعد الخطة، و زيف الأدلة، حيث أحضر شهودًا و ابتاع ضميرهم لصالحه، وقدم سلاح الجريمة التي تربعت عليه بضماتها، واستشهد في نهاية الأمر بتقرير طبي أكد خطورة الطعنات التي اخترقت جسده.
اصطف «مؤمن» برفقة زوجته التي جاورت «منى» بجانب زوجها، كان خوفهم ترتفع نبضاته في قاعة المحكمة، حيث الصمت السائد
بين الجميع. ينتظرون القاضي لينطق بحكمه.
طرق القاضي طرقة قوية، قبل أن ينطق بشموخه المعتاد و صوته الثابت:
بعد الإطلاع على أوراق القضية، وسماع أقوال الشهود و ثبوت الأدلة الفنية التي تؤكد تورط المتهمة في محاولة القتل العمد
ابتلعت غصة مريرة في حلقها، ودموعها التي فرت من عينيها لم تخرج عن حدود القضبان الحديدية، نظر إليها القاضي في تلك اللحظة، وأكمل بنبرة صارمة.
قررت المحكمة باجماع الآراء الحكم على المتهمة غرام أحمد ذوالفقار» بالسجن المشدد عشر سنوات مع الشغل، جزاءا لما
ارتكبته يداها، ولتكون عبرة لغيرها.
تعالت الأصوات، فمن انحازوا إلى صفها يعترضون على الحكم، بينما طالعها «مالك بنظرات شامته، وهنا ضرب القاضي المطرقة
مجددا و نطق بأسلوب حاسم
رفعت الجلسة.
الدفع نحوها فردين من الأمن ليقتادوها إلى بداية نهايتها، اعترض «مالك» طريقهم و دنا منها هامشا:
«مالك» ميخسرش أبدا.
أبعدوه عنها، فقال بنبرة من طلال الحقد أنتي طالق طالق بالثلاثة يا «غرام».
ايشقى الإنسان بحسن ظنه؟ العذب المرءا أيذل أيعاقب على لين قلبه؟ أخلف ظنها من وثقت به تحطمت و احترقت أحلامها فقط لأنها مدت يد العون لشخص اندرجت علاقتها به تحت مسمى الإنسانية!!
قادتها ساقيها إلى النافذة المغلقة، فتحتها وسمحت للهواء البارد أن يلفح وجهها الملتهب، تخللت يدها قضبان النافذة الحديدية. فلاحت ابتسامة شاحبة على شفتيها، تمنت لو كانت نسمة من نسمات الهواء تنطلق بحرية بلا قيود بلا حدود مهما فعلت لن ترى اخطاءها، لن يوقفها أحدهم، تنتشر حرة طليقة.
حضرت إليها إحدى السجينات، مقالت بود.
تعالي أقعدي معانا، من لما جيني و انتي علطول لوحدك .
أجابتها «غرام» بنبرة ساخرة، دون النظر إليها.
الوحدة دي بقت مستقبلي.
واضح إنك دخلتي هنا ظلم.
أطلقت نفسًا ثقيلا كحال قلبها المهموم و قالت:
اهو انظلمت و مشي الحال، وحياتي اتدمرت و خسرت كل حاجة.
سألتها الأخرى بنظرات مترقية
إيه اللي حصل معاكي ؟
نظرت إليها «غرام» بأعين غائرة:
لو أنا قولتلك التي حصل الوضع هيتغير؟ ياريت الشكوي هتغير الواقع أو هتغير قدري أو حتى هترجعني بالزمن. كنت ساعتها اشتكيت لكل الناس وحكيت انا إزاي اتظلمت و ازاي كان غلطي الوحيد إني كنت كويسة مع ناس متستهلش اهو الظالم عايش دور الضحية و الناس وقفت جنبه و صدقته والمظلوم الحقيقي الدنيا بتعاقيه عشان مستحملش الظلم.
بالقسوة الفراق، فكلما أحب شخصا وتعلق به، أفجعته الحياة بفقدانه، بداية بوالديه و مرورا بزوجته و ختام الأمر كانت «غرام». طوق نجاته: جاءت إليه كملاك حارس، وجودها ودعمها كان عوضا عن خسارته السابقة، لكن دائما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. فقد هبت عاصفة الامه بعد سكون وهمي فأطاحت بأماله و سكينته وحبه الوليد كدمار يفتك بالأخضر واليابس. اليوم مجددا يجتاحه شعور الضياع. كانت بيته وعائلته الوحيدة. وباعتقالها انهارت الأرض تحت قدميه وهدم البيت فوق رأسه. فانعزل في غرفته، جاعلا من ظلامها أنيسه الوحيد في رحلة بكائه، والسميع الشهقاته المكتومة. شقت الجدة عزلته بإشعال الضوء، وخرج صوتها المبحوح
بلا با «أحمد» عشان تاكل و تاخد علاجك.
هز رأسه اعتراضا و همس بصوت بالكاد سمعته الجدة:
مش جهان يا تيتا.
تنهدت الجدة وأردفت بحيلة منعدمة:
إضرابك عن الأكل لا هيقدم ولا هيأخر يا «أحمد» .... لو فضلت على الوضع ده صدقني هتزيد الهم على «غرام».
«مالك» سجنها بسببي يا تينا لو أنا رجعت دا ممكن يخليه يتنازل عن القضية. الممكن اللي انت بتتكلم عنه ده. مستحيل يحصل بالعكس يبقى مالك» دمركم أنتم الاثنين، لكن لو أنت وقفت على رجلك وقدرت تجيب أدلة ضدد «مالك» يبقى أنت كدا مخذلتش «غرام» و تبقى عملت قيمة لتضحيتها فعلا.
انقضت أربعة أشهر، لم تراه، لم تتحدث إليه، تفتقده كثيرا، كانت تشبع اشتياقها إليه باطنمتنانها عليه من «صبا» و زوجها أو
«منى» و زوجها، فهم لم يتخلوا عنها و مازالوا يبتون بداخلها الأمل بأنها ستتحرر من سجنها قريبا.
ارتدت عبائتها البيضاء التي لم تنعم بغيرها في الأونة الأخيرة، تجلس على سرير حديدي ذي طراحة قاسية، فصلت وصلة شرودها
عندما نادت عليها سيدة الأمن قائلة
غرام ذو الفقارة، عندك زيارة.
تركها الضابط وحيدة في مكتبه، و بالرغم من استغرابها لتغير مكان الزيارة هذه المرة عن الساحة المعتادة، إلا أنها لم تعقب، فقد
اعتادت الهدوء وقلة الحديث في الفترة الأخيرة.
ذلك الصمت الذي يشعرها بالراحة، تعكر صفوه بصرير الباب الذي فتحه القادم إليها، كانت خطواته متزنة ثابتة توحي بقوته و تفته الكبيرة، شرعت برأسها لترى من حضر إليها، فكانت المفاجأة الكبرى، تضحيتها لم تذهب هباءًا، ها هي ترى مستقبلها المثمر الذي
ارتوت براعمه بدموعها وآلامها.
استوت على قدميها وهي تتطالعه بنظرات متفحصة من رأسه لأخمص قدميه، أصبح قوى البنية، احتدت ملامحه بطريقة زادت من هيبته و جاذبيته، أغرورقت عينيها بالدموع كحال «أحمد» الماثل أمامها ليشبع قلبه بنظراته المتفقدة، لقد تضاعف شعرها طولا و خسرت بعض الوزن لكنها مازالت تحتفظ بجمالها، وعينيها المتورمتين لكثرة البكاء مازالا يغدقان عليه بالدفء والحنان.
با در «احمد» بالحديث قائلا:
انتهت فترة وجودك هنا أنا جيت عشان أرجعك معايا
ازالت دمعة هارية عن وجنتها، وتحدثت بخوف و هي تدفعه للخلف:
لازم تمشي من هنا فورا، «مالك» مينفعش يشوفك أرجوك يا «أحمد» امشي من المحافظة دي كلها.
قبض «احمد» على ذراعيها بيديه الفولاذية، وقال مطمئنا
مالك» مش هيقدر يعمل حاجة لحد فينا دلوقت أهدى يا غرام. أنا وثقت فيكي قبل كدا. وعشان كدا لازم تتقي فيا. كل حاجة
هتبقى كويسة.
حركت رأسها رفضا بحفة، فثبت حدقتيه على خاصتها مؤكدا.
انا اللي هنهي الحكاية اللي بدأها «مالك»، اطمني.
استكان خوفها، وعادت لتجلس كما كانت. فقدم إليها «أحمد» الرجل الذي جاء برفقته قائلا:
دا الأستاذ عاطف عبد المنصف، المحامي اللي وكلته بكل القضايا الخاصة ب «مالك» و جرايمه.
صافحها المحامي بجدية، و بدأ حديثه قائلا:
«أحمد» عرفني كل حاجة، ومن كام يوم قدمنا طلب التماس بالأدلة اللي معانا عشان نثبت براءتك، وإن شاء الله خير و مكسب القضية مضمون، بس أحب اسمع اللي حصل ثاني من حضرتك يا دكتورة.
قاد سيارته للخروج من بوابة منزله الخارجية، لكنه تفاجأ بسيارات الشرطة تعترض طريقه، فترجل سريعًا بغرور سينهيه، ثم وجه
سؤاله إلى الضابط:
خير يا حضرت الظابط ؟
أشار الضابط إلى أفراد القوة، قائلا:
مطلوب القبض عليك يا متر.
اتسعت حدقتي مالك». وقال مستنكرا بعنجهة. أنت مش عارف أنا مين ولا ايه؟ أكيد في حاجة غلط
رد عليه الضابط ساخرا:
لاء عارف أنت مين بس أتمنى بعد الفترة اللي هتقضيها معانا أنت متنساش أنت مين ....... هانوا رجالته كمان.
لم يكترث الضابط بصريخه و غضبه، وأكمل عمله ليتبقى بذلك خطوة واحدة على نهاية «مالك» و طغيانه
حضروا مرة أخرى إلى قاعة المحكمة، بعد قبول طلب الالتماس. انتبهوا جميعًا لصوت المطرقة قبل أن يوجه القاضي حديثه إلى
المحامي قائلا:
الدفاع يتقدم
بدأ «عاطف» دفاعه عن «غرام» قائلا بنبرة متزنة و بصوت يسمعه الجميع.
سيدي القاضي، لقد حكم على موكلتي السيدة «غرام أحمد ذو الفقارة بالسجن عشر سنوات وذلك لما تقدم إلى المحكمة من أدلة ناقصة و شهود زائفين، و لكن ما حدث سيدي القاضي هو أن ما فعلته موكلتي لم يكن سوي دفاعا عن النفس، لقد قدمنا إلى سيادتكم الأدلة الجديدة والفاصلة في القضية، حيث أحضرنا تسجيلات المراقبة التي أوضحت كيف تعرضت موكلتي للعنف و الاعتداء وذلك فقط لأنها لم تقبل بتعذيب إنسان على يد إنسان آخر، وقدمنا أيضًا دليلا مصورًا يثبت أن المجني عليه هو من أعد. خطة و قتل والدي موكلتي بمساعدة رجاله، ولقد اعترف المجني عليه بذلك، كما أنه أثار غضب موكلتي وجعلها تشعر أن والديها لم تكن هناك قيمة لحياتهما، وتبع الأمر بضربها ثم محاولته للاعتداء عليها لذا لم تجد موكلتي مقرا للهروب سوي بطعنه..
تدخل ممثل النيابة قائلا:
اعترض سيدي القاضي، فنحن لدينا شهادة عاملة المنزل، التي أكدت عداوة السيدة «غرام» لزوجها و اختلاقها المشاكل و تدبيرها
مكيدة لقتله.
