![]() |
رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل الخامس عشر بقلم اسماعيل موسي
كان الليل قد بدأ يهبط ببطء فوق القلعة السوداء التي اتخذتها سولين عرشا لحكمها وكانت الأبراج العالية تقف كأنها أنياب حجرية تشق السماء بينما تحرك الحراس فوق الأسوار بخفة معتادة اعتادوا عليها منذ قرون من الحراسة والصيد
لكن شيئا ما في الغابة البعيدة جعل أحدهم يتوقف فجأة
رفع رأسه قليلا وضيق عينيه نحو الطريق الحجري الذي يقود إلى القلعة ثم همس للحارس الواقف جواره إن هناك حركة بين الأشجار
لم تكن حركة جيش ولم تكن حركة قطيع بل كانت حركة شيء واحد فقط
شيء واحد يسير بثبات نحو القلعة
تقدم الحارس إلى حافة السور أكثر وفتح عينيه بقوة محاولا أن يخترق ظلال الليل ثم تجمد مكانه للحظة قبل أن يطلق صفيرا قصيرا لتنبيه بقية الحراس
قال إن هناك شخصا قادما
وقال إنه شخص واحد فقط
لكن ما جعل الحراس يصمتون لم يكن الرجل الذي يسير بينهم بل ما كان يجره خلفه
كانت رؤوسا مقطوعة مربوطة بحبال ثقيلة تجر فوق التراب والحجارة وتترك خلفها خطا طويلا من الدم الداكن
ومع كل خطوة كان الضوء الشاحب يكشف ملامح تلك الرؤوس
كانت وجوه مصاصي الدماء واضحة
وكانت تلك الوجوه تخص فرقة الأشباح المتخفية التي خرجت منذ ساعات فقط من القلعة بثقة الصيادين
همس أحد الحراس بصوت اختنق في حلقه وقال إنه هو الذئب الحارس
لم يكن يامان يسير مسرعا ولم يحاول أن يختبئ بل كان يمشي بخطوات هادئة كأن الطريق كله ملكه وكأن القلعة نفسها لا تعني له أكثر من صخرة أخرى في الغابة
عندما اقترب من السفح الصخري القريب من القلعة توقف فجأة
رفع رأسه نحو الأسوار العالية حيث تلمع عيون الحراس في الظلام ثم جذب الحبال بقوة
اندفعت الرؤوس المقطوعة خلفه حتى وصلت إلى صخرة ضخمة مرتفعة تقف وحدها قرب الطريق المؤدي إلى بوابة القلعة
تسلق يامان الصخرة بثبات ثم ألقى الرؤوس فوقها واحدة تلو الأخرى حتى تكدست عند قدميه
تحت ضوء القمر بدت الوجوه الميتة كأنها تنظر إلى القلعة التي خرجت منها
وقف يامان فوق الصخرة شامخا
كان جسده مغطى بآثار المعركة وكانت كتفاه عريضتين والريح تحرك شعره الداكن بينما كانت عيناه تتجهان مباشرة نحو القلعة
كان ينظر نحو المكان الذي تجلس فيه سولين
ثم فتح صدره وأطلق صرخة هزت الوادي كله
لم تكن الصرخة عواء ذئب فقط ولم تكن صرخة إنسان فقط بل كانت صوتا يحمل قوة الاثنين معا
ارتجت الأشجار وارتد الصوت بين الجبال حتى وصل إلى أسوار القلعة نفسها
ثم تكلم يامان بصوت ثابت عميق حملته الريح إلى الحراس الواقفين فوق الأبراج
قال إن هذه مجرد بداية
وقال إنه سيصنع جبلا من رؤوس مصاصي الدماء
وقال إن هذا الجبل سيكون أعلى من هذه القلعة نفسها
وقال إن كل مصاص دماء يعبر أرضه بعد اليوم سيكون مصيره الموت
وقال إن الأرض التي تمتد خلف تلك الغابة ليست أرض حرب ولا أرض عبور
وقال إن تلك الأرض أرضه هو
وأضاف أن كل من يدخلها دون إذنه سيترك رأسه خلفه ليضيفه إلى الجبل الذي وعد به
ساد صمت ثقيل فوق الأسوار
لم يتحرك أحد من الحراس
ولم يجرؤ أحد على الرد
كانوا يرون الرجل الواقف وحده فوق الصخرة تحت ضوء القمر كأنه يتحدى القلعة كلها
وفي قلب القلعة كانت سولين قد نهضت من عرشها عندما وصلها الخبر
دخل أحد الحراس راكضا إلى القاعة الكبرى وانحنى وهو يلهث ثم قال إن الذئب الحارس وصل إلى باب القلعة
لم تنتظر سولين بقية الكلمات
اندفعت نحو الشرفة الحجرية المطلة على الساحة الخارجية ونظرت نحو الصخرة البعيدة
ورأت المنظر بنفسها
رأت الرؤوس المقطوعة
ورأت الرجل الواقف فوقها كأنه يعلن حربا على مملكتها كلها
اشتعلت عيناها بنار حقيقية
قبضت يدها حتى تشقق الحجر تحت أصابعها ثم صرخت صرخة ملأت القلعة كلها
قالت إن ذئبا واحدا تجرأ على الوصول إلى باب قلعتها
وقالت إن هذا إهانة لا تغتفر
ثم استدارت نحو قادة جيشها الذين تجمعوا خلفها وقد انحنت رؤوسهم في صمت
وأقسمت بصوت بارد قاتل
إن لم يخضع هذا الذئب
وإن لم يسقط عند قدميها مكبلا بالسلاسل
فإنها ستسحق كل قائد في هذا الجيش واحدا بعد الآخر
وقالت إنها ستفعل ذلك حتى تتعلم جيوش مصاصي الدماء كيف تطارد ذئبا واحدا قبل أن يطرق باب ملكتهم مرة أخرى
وفي الخارج كان يامان لا يزال واقفا فوق الصخرة دون أن يتحرك
كأن العاصفة التي أيقظها للتو لم تبدأ بعد
بدأت حرب الأيام العشرة بعد صرخة يامان أمام القلعة عندما فهمت سولين أن المواجهة لم تعد مجرد حادث عابر بل تحدي مباشر لعرشها
القوانين القديمة التي حكمت الصراع بين الذئاب ومصاصي الدماء منذ قرون كانت واضحة لا يسمح بقتال جيش كامل ضد خصم واحد إذا أعلن التحدي عند أبواب القلعة بل يخرج القادة واحدا بعد الآخر في نزالات فردية حتى يسقط المتحدي أو يسقط القادة
لم تكن سولين تحب تلك القوانين لكنها لم تستطع كسرها علنا أمام جيشها لأن هيبة العرش تقوم على احترامها لتلك الطقوس القديمة
وفي صباح اليوم الأول خرج أول القادة
كان مصاص دماء ضخما من نسل قديم جسده صلب مثل الحديد وعيناه تلمعان بجوع قاتل
وقف أمام يامان عند السهل الحجري أسفل القلعة بينما اصطف الجنود فوق الأسوار يشاهدون
لم يتبادل الاثنان كلمات كثيرة
اندفع القائد مثل سهم أسود يخترق الهواء وقفز نحو عنق يامان مباشرة
لكن يامان كان أسرع
انحرف جسده الضخم نصف خطوة فقط ثم ضرب بمخالبه صدر مصاص الدماء فتناثر الدم على الحجارة
استمرت المعركة دقائق طويلة من القضم والضرب والطعن بالأنياب والمخالب
وفي النهاية كان القائد أول من يسقط
انتهى اليوم الأول والرجل الذي تحدى القلعة مازال واقفا
في اليوم الثاني خرج قائد آخر
وفي اليوم الثالث خرج ثالث
ومع كل يوم كانت المعارك تصبح أعنف
مصاصو الدماء كانوا قد عاشوا قرونا في الحروب وكانوا يعرفون كل أساليب القتل الممكنة
وكانوا يقاتلون كصيادين حقيقيين
لكنهم كانوا يواجهون شيئا مختلفا تماما
كان يامان يقاتل مثل كائن لا يعرف التراجع
لم يكن يحاول فقط أن يهزم خصمه بل كان يثبت أنه سيد الأرض التي يقف عليها
بحلول اليوم الرابع بدأت الجروح تغطي جسده
كانت أنيابه مكسورة من قتال سابق وكان كتفه ممزقا من ضربة مخلب حادة
وفي اليوم الخامس نجح أحد القادة في غرس أنيابه في جانب يامان حتى انفتح اللحم وانفجر الدم
لكن يامان لم يسقط
بل أمسك رأس خصمه بين فكيه وكسر عنقه ببطء أمام أعين الجيش كله
في اليوم السادس كانت الأرض قد امتلأت بآثار الدماء
لم يعد يامان ذلك الذئب الذي وقف لأول مرة أمام القلعة
كان جسده ممزقا
وكانت الجروح القديمة لم تلتئم بعد عندما بدأت جروح جديدة تفتح فوقها
كان يقف أحيانا بصعوبة ثم يهجم فجأة كعاصفة سوداء
في اليوم السابع قضم أحد القادة كتفه حتى كاد الذراع ينفصل عن الجسد
لكن يامان مزق صدره قبل أن يتركه يسقط
في اليوم الثامن لم يعد الجنود يهمسون بالسخرية كما فعلوا في البداية
بدأ الصمت ينتشر فوق الأسوار
فهذا الذئب الذي وقف وحده أمام القلعة كان لا يزال يقاتل بعد ثمانية أيام كاملة
وفي اليوم التاسع خرج أقوى قادة سولين
مصارع قديم عاش حروبا أكثر مما يتذكر أحد
استمرت المعركة بينهما وقتا طويلا حتى تحطم جزء من الصخر تحت أقدامهما
غرس القائد أنيابه في رقبة يامان مرة ثم مرة أخرى حتى تدفق الدم على صدره
لكن في اللحظة الأخيرة قفز يامان بكل قوته وغرس أنيابه في رأس خصمه حتى تحطمت الجمجمة بين فكيه
عندما انتهى اليوم التاسع كان جسد يامان بالكاد يقف
كانت الجروح تمزق جلده من كل اتجاه
وكان الدم يسيل على الأرض تحت قدميه
لكن عينيه بقيتا ثابتتين نحو القلعة
وفي اليوم العاشر خرج آخر القادة
كان صامتا ولم يتكلم
قاتلا مدربا يعرف أن خصمه يقف على حافة الإنهاك
بدأ القتال ببطء ثم تحول إلى عاصفة من القضم والطعن والاصطدام
مزق القائد جسد يامان عدة مرات حتى أصبح جسده مغطى بالدم بالكامل
لكن عندما حاول إنهاء المعركة بضربة أخيرة كان يامان أسرع بنصف لحظة فقط
انقض عليه بقوة هائلة وغرس أنيابه في عنقه
وسقط القائد الأخير على الأرض
انتهت حرب الأيام العشرة
وعندما عم الصمت في السهل لم يبق واقفا هناك سوى ذئب واحد
ذئب جسده ممزق ومغطى بالدماء لكنه مازال واقفا أمام القلعة
كان المشهد صادما حتى لجنود سولين
فلم يحدث منذ قرون أن وقف مقاتل واحد أمام قادة جيش كامل وبقي حيا بعد عشر معارك متتالية
لكن سولين لم تكن تبتسم
كانت تجلس على عرشها تشاهد النزالات يوما بعد يوم
وكان وجهها يزداد برودة كلما انتصر يامان
لم تكن تلك المعارك بالنسبة لها سوى اختبار
اختبار لقوة الذئب الذي تحدى عرشها
وفي أعماق عقلها كانت تعد شيئا آخر
شيئا لا علاقة له بالقوانين القديمة
كانت تعرف أن القوانين قد تمنعها من إرسال جيش علنا
لكن لا شيء يمنعها من كسر تلك القوانين عندما يحين الوقت المناسب
وعندما انتهى اليوم العاشر وقفت سولين ببطء من فوق العرش
نظرت إلى المستشارين الذين تجمعوا حولها ثم ابتسمت ابتسامة باردة
وقالت بصوت منخفض إن الذئب أثبت أنه قوي
لكن كل مخلوق قوي لديه لحظة يسقط فيها
ثم أضافت بهدوء أن تلك اللحظة قد حان وقت صناعتها الآن
كانت الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد
وكان يامان لا يعلم أن القوانين التي حمت ظهره عشرة أيام كاملة لن تحميه في الليلة القادمة
