![]() |
رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل السادس عشر بقلم اسماعيل موسي
مع غروب اليوم العاشر كانت ساحة القتال أسفل القلعة قد تحولت إلى أرض مغطاة بالدماء وآثار المعارك، كانت الصخور السوداء ملطخة ببقايا القادة الذين سقطوا خلال الأيام الماضية بينما وقف يامان وحده في منتصف السهل.
كان جسده مثقلا بالجراح وكانت آثار القضم والطعن تغطي كتفيه وصدره وكان الدم لا يزال يسيل ببطء من عدة جروح لم تجد وقتا لتلتئم، ومع ذلك ظل واقفا بثبات أمام القلعة،
فوق الأسوار تجمع جنود مصاصي الدماء في صمت ثقيل، لم يعد أحد يسخر أو يهمس كما حدث في البداية بل كانوا يراقبون المشهد بصمت وهم يرون الذئب الذي صمد عشرة أيام كاملة أمام قادة جيشهم.
فجأة انفتح باب القلعة الكبير ببطء،خرج صفان من الحرس الملكي واصطفوا على جانبي الطريق الحجري المؤدي إلى الساحة ثم ظهرت سولين.
كانت ترتدي درعها الحربي الأسود الذي يلمع تحت ضوء الغروب كان الدرع نحيفا لكنه مصنوع من معدن قديم لا يجرؤ سلاح عادي على خدشه، كان شعرها الطويل مربوطا خلف رأسها وكانت عيناها تلمعان بكبرياء بارد.
نزلت درجات القلعة ببطء وثبات وكأن الأرض كلها ملك لها، لم تتوقف حتى وصلت إلى ساحة القتال نفسها،وقفت أمام يامان مباشرة على بعد خطوات قليلة منه، رفعت رأسها تنظر إليه دون أن يظهر في عينيها خوف أو تردد
صرخت سولين بصوت حاد سمعه كل من يقف فوق الأسوار قالت إن القادة الذين سقطوا لم يكونوا سوى جنود، وأضافت أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد،ثم أشارت بإصبعها نحو يامان وقالت إنها ستقاتل هذا الذئب بنفسها.
قالت سولين إنه إذا استطاع هزيمتها فسوف تعترف بحدوده ولن تدخل أرضه كما يدعي، وأضافت أنه إذا هزمته فإن مصيره لن يكون الموت بل سيصبح عبدا لديها يعيش تحت قدميها ويسير في جيشها مثل كلب حراسة بقية حياته.
ساد الصمت في السهل كله، لم يتحرك أحد من الجنود وكانت العيون كلها تتجه نحو الرجل والملكة اللذين يقفان الآن وجها لوجه.
اقتربت سولين خطوة أخرى ثم خطوة ثانية حتى أصبحت المسافة بينها وبين يامان قصيرة جدا،ابتسمت ابتسامة باردة وهي تنظر إلى جسده الممزق وقالت بصوت ساخر إن الذئب يبدو متعبا بعد عشرة أيام من القتال.
في تلك اللحظة بدأ جسد يامان يتحرك،تمددت عظامه واشتد فراؤه بينما تحول شكله بالكامل،وقف أمامها ذئب هائل الحجم أكبر من كل الذئاب التي عرفتها الحروب القديمة
كان ذلك الجسد الضخم مليئا بالجروح وكانت الدماء تسيل من فروه الداكن على الأرض تحت قدميه، ومع ذلك بقيت عيناه ثابتتين بلا خوف، لم يصرخ ولم يتكلم بل وقف أمامها مستعدا للقتال.
كانت تلك آخر معركه،كانت آخر خطوة قبل أن تنتهي هذه الحرب،في داخل عقل يامان كان هناك تفكير واحد فقط،كان يريد إنهاء هذا القتال بسرعة،كان يريد أن يعود إلى أرضه ،كان يريد أن يعود إلى الغابة التي تركها منذ عشرة أيام كاملة، كان يريد أن يعود إلى الكوخ حيث ترك جود تنتظر
لم يكن يعلم أن هذه المعركة الأخيرة قد تكون أخطر من كل المعارك التي خاضها من قبل.
وقفت سولين أمامه بثبات بينما كانت الريح تدور فوق ساحة القتال وتحرك غبار الأرض الملطخة بالدماء، كان السهل صامتا تماما والعيون كلها معلقة بالمشهد، كان يامان يقف أمامها في هيئته كذئب هائل الجسد مغطى بالجراح وآثار المعارك العشر التي خاضها دون توقف كان التعب واضحا في حركته لكن عينيه ظلتا حادتين مثل نصل سكين.
ابتسمت سولين ابتسامة باردة ثم اندفعت فجأة
تحركت بسرعة لم يكن يملكها إلا مصاص دماء من سلالة قديمة، اصطدمت بكتف يامان بقوة هائلة وانزلق الاثنان فوق الصخور قبل أن ينفصلا من جديد،لم يتراجع يامان، زأر بعنف وانقض عليها بمخالبه،بدأت المعركة
كانت حربا ساحقة بين قوتين مختلفتين،يامان كان كتلة من العضلات والغضب والغريزة القتالية التي صقلتها سنوات الصراع أما سولين فكانت مقاتلة مدربة منذ طفولتها تحمل في عروقها دماء الملوك والأمراء من مصاصي الدماء.
انقض يامان عليها مرة بعد مرة وهو يحاول إسقاطها بضربة حاسمة،كانت مخالبه تمزق الهواء قرب جسدها وتترك خدوشا على درعها الأسود، لكنها كانت تنحرف بخفة وترد بضربات سريعة ومؤلمة،كانت أنيابها تظهر بين لحظة وأخرى بينما تهاجمه كصيادة تعرف متى تضرب ومتى تتراجع.
تلقى يامان عدة طعنات بمخالبها الحادة في كتفيه وجانبه، الدم كان يتناثر مع كل حركة، ومع ذلك ظل يقاتل بعنف أكبر كأن الألم يشعل داخله نارا جديدة،في لحظة اندفع نحوها وقفز عاليا ثم هبط فوقها بقوة،اصطدم الاثنان بالأرض الصخرية بعنف،حاول أن يطبق فكيه على عنقها لكنها دفعت جسده بقدمها وانزلقت بعيدا،وقفت سولين من جديد وهي تلهث قليلا لكنها كانت ما تزال سريعة وخفيفة.
كانت المعركة متوازنة إلى حد ما، يامان أقوى جسدا لكنه مرهق ومصاب،وسولين أقل قوة بدنية لكنها أسرع وأكثر تركيزا،اقتربا من بعضهما مرة أخرى
في تلك اللحظة وصل إلى أنف يامان عطر سولين
لم يكن عطرا عاديا، كان خليطا من رائحة الدم والزهور الداكنة والليل، رائحة غريبة أثارت في داخله شيئا لم يكن جزءا من القتال،اهتزت غرائزه لحظة، لم تعد الفكرة فقط إسقاط خصم،ظهرت رغبة بدائية في داخله أن يخضعها أن يذلها أن يثبت أنه الأقوى.
تغيرت نظرة عينيه للحظة،وسولين رأت ذلك،
لم تكن غبية،كانت تراقب كل حركة وكل تغير في نظرته، في تلك اللحظة عرفت أنها فتحت ثغرة،
تقدمت نحوه ببطء كأنها تستفزه، تركته يقترب أكثر حتى أصبحت المسافة بينهما قصيرة جدا، كان تركيزه قد انحرف لحظة عن القتال الخالص،وفي تلك اللحظة تحركت يدها بسرعة خاطفة،ظهر في كفها نصل قصير مخفي في الدرع كان النصل يحمل حقنة رفيعة لا تكاد ترى.
قبل أن يدرك ما يحدث غرزت النصل في اللحم تحت كتفه،
شعر يامان بلسعة حادة ثم بحرارة غريبة تنتشر في جسده
قفز للخلف بغضب واهتز جسده بعنف، زأر وهو يحاول استعادة توازنه،ابتسمت سولين ابتسامة باردة وهي تنظر إليه
قالت بصوت منخفض وصل إليه رغم ضجيج الدم في أذنيه إن هذا ليس سلاحا عاديا.
قالت إن ذلك فيروس خاص صنعه علماؤها منذ سنوات
فيروس صنع خصيصا للتحكم في الحيوانات المفترسة مثله
بدأ جسد يامان يتصلب ببطء، شعر بثقل غريب يسري في عضلاته،كانت عيناه ما تزالان مشتعلة بالغضب لكنه شعر أن جسده لم يعد يستجيب بنفس القوة.
وقفت سولين أمامه تنظر إليه بثقة متزايدة،قالت له بهدوء إن الذئب القوي يمكن هزيمته بالسيف،لكن الذئب المتوحش يمكن إخضاعه بالعقل،ثم تقدمت خطوة أخرى نحوه وهي تراقب تأثير السم يبدأ بالانتشار في جسده.
تراجع يامان عدة خطوات وهو يزمجر بصوت خافت بينما بدأ جسده يهتز بعنف كانت الحقنة ما تزال مغروسة في اللحم تحت كتفه، والدم يسيل حولها، انتشرت حرارة غريبة في عروقه كأن نارًا صغيرة تسير داخل جسده.
بدأ العرق يتفجر من جلده رغم برودة الهواء في ساحة القتال،قطرات العرق انحدرت على فروه الكثيف واختلطت بالدم كان يتنفس بصعوبة وصدره يعلو ويهبط بعنف،
تغير لون جلده تحت الفرو،صار أغمق للحظة ثم شحب كأن الدم انسحب من أطرافه، ارتجفت عضلاته وتشنجت ساقاه قليلا،كان الفيروس يحاول أن يشق طريقه داخل جسده ويكسر إرادته،لكن يامان لم يسقط،رفع رأسه ببطء وعيناه تشتعلان بغضب وحشي، خرج من صدره زئير منخفض عميق هز الساحة،تجمدت سولين لحظة وهي تراقبه،
كانت تعرف ذلك الفيروس جيدا،رأت حيوانات مفترسة أقوى من الذئاب تسقط خلال لحظات عندما يدخل إلى دمائها، كانت تتوقع أن ينهار يامان سريعا أو على الأقل أن تتجمد أطرافه.
لكن الذئب ما يزال واقفا،تقلصت عيناها بدهشة واضحة وهي تراقب جسده يقاوم،العرق يتصبب منه، أنفاسه ثقيلة، لون جسده يتبدل، ومع ذلك لم يخضع،تمتمت بين أسنانها بعدم تصديق،قالت إن هذا الذئب يقاوم الفيروس.
لكنها لم تمنحه وقتا أطول،تحركت فجأة بسرعة أكبر من قبل. اندفعت نحوه كالسهم وضربته بمخلبها الحاد في صدره، اهتز جسده خطوة للخلف،قبل أن يستعيد توازنه كانت ضربتها الثانية قد وصلت إلى جانبه،ثم دفعة قوية بقدمها في صدره.
ترنح يامان.
السم كان يضعف ردود فعله، جسده يحاول القتال لكن عضلاته لم تعد تتحرك بنفس السرعة،استغلت سولين تلك اللحظة بالكامل،قفزت في الهواء ثم هبطت عليه بضربة ساحقة في كتفه المصاب، انغرزت مخالبها في لحمه أكثر،زأر يامان بغضب وألم.
ثم أمسكت بذراعه الضخم ودارت بجسدها فجأة،بقوة هائلة طوحته عبر الساحة،ارتطم جسده بالأرض الصخرية بعنف وتدحرج عدة أمتار قبل أن يتوقف، الغبار ارتفع حوله والدماء تناثرت على التراب،للحظة ساد الصمت،ثم انفجر جنود سولين بالصراخ.
تعالت صيحات التهليل والضحك في الساحة،الجنود يضربون رماحهم بالأرض ويهتفون باسم ملكتهم، كانوا يشاهدون الذئب الذي تحدى قلعتهم ملقى على الأرض أمامهم.
وقف بعضهم يشيرون إليه باستهزاء بينما ارتفعت ضحكاتهم،
تقدمت سولين ببطء وسط الهتاف، كانت تمشي بثقة كاملة وعيناها ثابتتان على جسد يامان الملقى في التراب،وقفت أمامه مباشرة،كان يحاول أن يرفع رأسه بينما جسده ما يزال يقاوم السم الذي يجري في عروقه،ابتسمت سولين ابتسامة قاسية،رفعت قدمها ثم ضغطت بها على كتفه الجريح لتثبته في الأرض أمام جيشها.
الجنود حولهما يصرخون ويهتفون بينما الذئب الجبار الذي وصل إلى أبواب قلعتها أصبح الآن مطروحا على الأرض أمامهم.
