رواية احببناها مريمة الجزء الثالث (كلمة قدر) الفصل الخامس عشر
أعلنت المساجد عن تلبية نداء صلاة العشاء .. وفي هذا الوقت تحديداً لم يتبقى بالمنزل الخاص بربيع سوي ايمان زوجته وأختيها وأمل زوجة مجدي وسالي وسبأ ..
امل بهدوء : قومي يا إيمان يلا عشان تصلي العشا .
ايمان ببكاء : مشي وهو مخنوق من ابوه ومن الدنيا كلها .. ابوه ظلمه .. محدش كان جنبه ولا معاه .. ماشي متضايق ومخنوق .
تحركت سالي تجاهها كي تهون عليها قليلًا وهي تتمتم بهدوء : متقوليش اللي يغضب الله يا ايمان .. ده أجله و ...
صرخت بها إيمان فجأة : انتي وبنتك السبب .. هو كان رايحلكوا .. انتي وبنتك السبب .
تراجعت سالي في خطواتها وهي ترمش عدة مرات من هجوم إيمان عليها .. وجُل ما يُقلقها في تلك اللحظة ان تتلفظ إيمان بما لا يُحمد عقباه أمام ابنتها ..
كأن مخاوفها قد وصلت لاسلكيًا الي ايمان التي وجدت حبلًا متينًا يمكنها صعق سالي وابنتها به .. حتي تهدأ نيران قلبها المشتعلة على ابنها الذي فارق الحياة وقد تشاجر معها قبل ذهابه كما صفعه والده كما لم يري من الحياة يومًا مُنصفًا ..
ايمان بلهجة شماتة : كان جاي لبنتك عشان ميتسترش علي عارها غير اللي من لحمها بدل ما يبقي الكلام بزيادة عليها لما تتجوز واحد أصغر منها عشان تتداري فـ ..
صوت صراخ باسم ايمان هدر بالمكان جعل الأركان تهتز من حدته لينتفضن جميعًا وهم يرون ربيع الواقف عند الباب ووجهه قد تلون بجميع الوان الغضب ..
من يراه يوقن انه مقبل على قتل أحدهم لا محالة ..
ايمان بصراخ هي الأخرى : ايه .. كدبت في ايه .. مش دي الحقيقة !.. قولهم ان ابني كان رايح عـ ..
صدح صوت ربيع من جديد هادرًا : طلاق تلاتة كلمة واحدة كمان وتحرمي عليا ليوم الدين .
ابتلعت لسانها في الحال .. في حين يقفن النساء الأخريات واضعات أيديهن فوق وجوههن من الدهشة لما يحدث في يوم كهذا ..
بينما تلك التي تقف دون حراك تضع يديها فوق أذنها تقاوم الصراخ والإنهيار الذي لم تعد قادرة على السيطرة عليه لما يضرب بعقلها من ذكرى ذلك اليوم الذي اودي بحياتها الي الجحيم ..
بدأت تطرأ صورة حامد في مخيلتها .. يبتسم .. يقترب ...
صراخها يملأ الأرجاء ..
حامد يقترب ..
صراخها يزداد ..
حامد يقترب منتشلًا رأسها بين يديه ..
فقدت جميع حصونها .. صراخها هو كل ما يسمع بالمكان .. تلويها بين ذراعيه .. صوته يضرب جدار أذنها يكاد يخترقها .. نحيبها يتعالي .. وقد فقدت جميع سيطرتها على نفسها .. لتقع مغشيًا عليها بين يدي مالك الذي كان يقترب منها كي يهدئ من روعها منتشلًا رأسها بين أحضانه .. وقد ظنته حامد ...
حملها سريعًا وخرج عن المنزل دون أن ينظر لأحد منهم متوعدًا بداخله لهم جميعًا .. في حين لحق به مروان على الفور ليقود السيارة متجهان بها إلى اقرب مستشفى .
في حين تقف سالي بينهم .. تضع يد فوق فمها تكتم شهقاتها التي تصدر نتيجة عبراتها التي تنساب دون توقف .. واليد الأخرى تضعها فوق قلبها الملكوم حسرة على هذا الوضع الذي لا تحسد عليه .. إن ابنتها اُهينت وتمت معايرتها والشماتة بها في المنزل الذي من المفترض انه منزلها .. من الأُناس الذين من المفترض انهم أهلها .. دمها .. حمايتها وسندها ..
أليست سبأ هي من قالت ان حضور العزاء واجب وأصرت على المجئ .. أظنت وقتها انه من الصواب وجودها بين هؤلاء الذين هم أقرب للأغراب منهم للأهل .. واحسرتاه على سهم يخترق روحك من قوس أقرب المقربين اليك .
تقدم ربيع يحاول ان يفعل شيئًا لتلك الواقفة دون حراك .. فقط دموعها ونحيبها هو كل ما يُسمع بالمكان ..
اقتربت زوجة جلال التي خرجت عن المطبخ لترى ما يحدث وصدمتها في تلك العائلة قد وصلت زروتها ..
قامت بتقديم كوبًا من الليمون البارد لسالي التي نظرت للكوب بشر .. وجذبته عن يدها وألقته بأقصى قوة لديها وهي تصرخ بهم جميعًا : بنتي أشرف منكم كلكم .. بنتي كانت ضحية أهلها اللي رموها من بعد ابوها ولا سالوا عنها .. بنتي كانت ضحية الوحدة حتى في أزمتها .. الوحدة بجد في فقدان الاهل .. مهما كان حواليها بشر هتفضل وحيدة .. ووحيدة بوحيدة فمن النهاردة لا انتوا أهلها ولا هي من باقي اهلكوا .. وقسما عظما اللي هيقرب من بنتي لآكله بسناني أكل .. بنتي اللي اصرت انها تيجي عزا ابن عمها .. بنتي اللي طالعة اصيلة لابوها .. مش زي أهلها اللي مبقاش يشرف انه يتقال عنهم اهل .
خرجت عن المنزل هائمة على وجهها لا تعلم لها وجهة .. لقد ارتاح قلبها قليلًا لتقريب ابنتها خطوة من مالك .. لقد ظنت ان ابنتها بدأت في التعافي لما تُظهره من ثبات أمام الجميع .. لكن وا أسفاه .. انها تحمل بقلبها الكثير .. وروحها تنطفئ دون أن يشعر بها أحد .. كلما ظنت ان ابنتها تتقدم خطوة نحو النجاة .. تكتشف عودتها لنقطة الصفر بسبب موقف ما .. الي متي سيدوم هذا الحال !!!
أخرجت هاتفها وطلبت مالك الذي أخبرها انه سيذهب كي يعود بها حيث ابنتها التي تم احتجازها بالمشفي لليلة فقط ..
(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )
بقى في الصالة يقلب في قنوات التلفاز بضجر .. منذ أن عاد من العيادة وهو يحاول التحدث معها لكنها تغلق باب الغرفة ولا تسمح له بالدلوف ..
سمع صوت الباب يُفتح وتخرج ملك حاملة حقيبة ملابس ..
سفيان عاقدًا حاجبيه : اي ده ؟
ملك : وديني بيت بابا .
سفيان : بيت بابا ايه يا ملك ؟!.. في اي ؟
ملك بعند : انا عايزة اروح .
سفيان وهو يمسد وجهه بضيق : تروحي فين يا ملك ؟.. ده بيتك .
ملك بإصرار : لا .. انا عايزة اروح بيت بابا .
سفيان بتنهيدة : حاضر يا ملك .. حاضر .. بس سيبي الشنطة هنا .. هنقعد هناك شوية مع ماما ونرجع تاني .
ملك : لا .. هاخدها معايا .
سفيان محاولًا تهدئة الوضع : حاضر يا ملاك .. يلا تعالي .
حمل حقيبتها وخرج بها من المنزل واضعًا إياها في السيارة من الخلف لتستقل ملك السيارة بجانبه في حزن مؤلم .. الن يحاول من أجل بقائها اكثر ؟.. هل وافق بتلك البساطة !!
تحرك بها سفيان الي منزل والدها واصطف أسفل البناية وقام بحمل حقيبتها وصعد بها للأعلى وهي من خلفه يتآكلها الحزن ..
وضع الحقيبة أمام الباب ونظر لها وهو يتمتم بهدوء : أنا شلت شنطتك لحد الدور التاني .. أظن من حقي بقا اني اطلب تعويض عن التعب ده .
ملك وقد تمكن منها الغيظ مُخفيًا حزنها تمامًا : تعويض ايه بقا ان شاء الله !
سفيان : تعويض عن تعب شيلي لشنطتك .. هي مش شنطتك دي ؟.. يبقي ليا تعويض .
حملت ملك الحقيبة وهي تجز على أسنانها بغيظ .. ونزلت بها درجات السلم ومن ثم صعدت بها من جديد أمام أعين سفيان الجاحظة بذهول مما تفعله ..
طرقعت اصابعها أمام وجهه وهي تتمتم بانتصار : انا اللي طلعت الشنطة بتاعتي بنفسي .
طرقت باب المنزل تحت نظرات سفيان المتوعدة لها ..
فتحت شهد الباب لتستقبلهم بترحاب في بداية الأمر .. في حين اختفت ابتسامتها وهي ترى حقيبة الملابس التي تقبع أمام الباب ..
وزعت نظرها بينهما وهي تتمتم بتساؤل : اي الشنطة دي ؟
سفيان بسرعة : يعني ملاك بسيبها بالنهار وشغل العيادة وتمرين الكورة .. فبنشغل عنها وهي بتبقي لوحدها .. فقلت نبات معاكي الليلة طالما ابو مالك ومالك بايتين بره وملاك تفضل النهار واجي اخر النهار اخدها البيت وكده .
اماءت شهد بتفهم وهي تتمتم : والله يا زين عقلك يا بني .. اهلا وسهلا البيت بيتكوا اصلا يا حبيبي .
دلفت ملك وهي تضغط أسنانها بغيظ .. لقد استطاع بسهولة ان يكسب والدتها الي صفه .. لم تكن تعلم انها ستميل الي صفه هي الأخرى في غضون دقائق فقط .
شهد بهدوء : هجهز لقمة عما ترتبوا حاجتكوا في اوضة ملك .. هي مترتبة بس ظبطوا هدومكوا .
اماء سفيان بابتسامة في حين حمل سفيان الحقيبة ودلف بها للغرفة لتركض ملك خلفه وما ان خطت من باب الغرفة وكانت على وشك التحدث .. أجفلتها يد سفيان الذي سحبها اليه ومن ثم اغلق الباب وقام بمحاصرتها خلفه ..
ملك بتوتر : اا .. ابعد لو سمحت .
سفيان وهو يقرب وجهه منها : هنتكلم .. ونتفاهم .. وننفذ الكلام اللي انا قلت لمامتك عليه .. وكلمة واحدة زياده هلزقك في الباب اللي وراكي ده .
ملك وهي ترمش عدة مرات ومن ثم تحولت نبرتها للحزن فجأة : انت غلطان وبتعاقبني !.. انت بتخلي البنات يمدحوا فيك ويحبوك .. بتخليهم يتمنوك .
سفيان : طب وانا بعمل اي عشان تقولي أن انا بخليهم يعملوا كده يا ملك ؟.. شفتي مني ايه ؟
ملك بتفكير : انـ انت بتسمحلهم .
سفيان : انا بحب مراتي يا ملاكي .. وبصونها وبحترمها في غيابها قبل وجودها .. وكمان لا يمكن تملي عيني غير حوا بتاعتي وبس .. لا يمكن التفت لكلمة من حد ولا ابص لحد .. انا حياتي مليانة بيكي .
ملك وقد ترقرقت العبرات في جفنيها : ما انت مرضتش تمسك فيا وتخليني ممشيش ووافقت تجيبني بيت بابا .. يعني انا مش مهمة عندك ؟!
سفيان وهو يقترب اكثر : طب انا جبتك بيت بابا ولا سيبتك تيجي لوحدك ؟.. طب انا لما كلمت ماما قلتلها ملك جاية تقعد معاكي ولا جيت انا وملك نقعد معاكي ؟.. سبتك تدخلي الأوضة لوحدك .. ولا دخلت قبلك وحالياً زانقك زنقة معتبرة ؟.. كده مش مهمة عندي ؟!
ابتسمت لجملته بخجل وهي تحاول إخفاء ابتسامتها تلك ليتمتم بهمس : اعترفي .
ملك بتوتر : اا .. ابعد شوية .
سفيان وهو يرفع يده الي حجابها يخلعه عنها : ليه ؟!
ملك : سـ سفيان احنا مش في بيتنا .
سفيان بعبث : بس في اوضتك .
ملك وقد ازداد توترها : مـ ماما ممكن تـ تدخل .
سفيان : عمرها ما تدخل أوضة فيها اتنين متجوزين بدون إذن .
رفع عنها حجابها واستدار ليلقيه فوق الفراش .. لتفتح الباب فجأة وتركض خارج الغرفة تحت ضحكاته لفعلتها ..
دلفت الي المرحاض وهي تضع يدها فوق قلبها وابتسامتها تزداد اتساعًا : يا إله .. لقد استطاع ارضاء غيرتها .
بينما ذاك الجالس فوق الفراش يضحك على ظنها انها استطاعت الهرب منه .. في حين انه هو من ترك لها الفرصة لفعل ذلك كي لا يجهدها .. فهو يعلم ان الحمل في بداياته يحتاج لراحة دون إجهاد ..
تنهد بقوة وهو يدعو الله أن تكون الأمور على خير ما يرام .
(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )
= اني جيت لغاية عنديكي اهو .. ركزي في كلامي عشان الغلطة في الموضوع ده هيكلفنا حاجة م الاتنين .. يا كسر رقبة مالك .. يا سبأ هتتلبس.
أريج وهي ترفع يدها بوجه رهف : اييييه يا شيخة كلامك ده الله اكبر .. ربنا ميجيبش حاجة وحشة .
ديالا وهي تناظرهما بضيق : خلصونا بقا .. I'm hangrry ( انا جعانة ) .
أريج : ادخلي كلي المطبخ عندك ومتقرفناش .
ديالا : والله ما هعبركوا .. هه .
تركتهما يتما مخططهما من أجل مالك وسبأ وذهبت تحضر لنفسها طعامًا وبعض الشاي الساخن .
(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )
يجلس الي فراشه ويضع جهاز اللابتوب فوق قدمه يري اخر تطورات اعلانات شركته التي على وشك الانشاء ..
طرقات على الباب دلف بعدها وليد الحامل لصينية بيده ومن خلفه مراد : السلام عليكم .
ناجي : وعليكم السلام .. اخيرا دا انا هتجنن من القعدة دي .
وليد بابتسامة : معلش بقا الشغل بالنهار وانت بليل .. هعتبر نفسي مكتبتش كتاب .
ناجي : لا الله يكرمك بلاش ليتنكد عليك وانت ابن حلال مش حمل بهدلة .
ضحك ثلاثتهم ليتابع وليد : لا متقلقش عليا .. هي كمان مشغولة بصحابها .. تفوقوا كلكوا بس ووالله لهشيب اللي يفكر يقرب مننا .
ناجي : قلبك ابيض يا عم .
جلس ثلاثتهم يتناولون طعامهم مع حديثهم عن أشياء متعددة .. في محاولة لتمرير الوقت ..
(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )
اسدلت الشمس اشعتها تعلن عن يوم جديد .. لتفتح تلك النائمة تحت تأثير المهدئ عينيها ببطء ..
حركت جفنيها عدة مرات حتى اعتادت على الضوء .. ومن ثم مالت برأسها لليمين لتجد مالك يجلس الي احد المقاعد بجانبها وقد غفى على حالته ..
تنهدت بهدوء وهي تنظر في نهاية الغرفة لتجد والدتها المتمدده فوق الاريكة .. تساءلت كم يمكن أن تكون الساعة الآن ..
تحرك مالك بهدوء ليجدها مستيقظة .. مد يده لا إرادياً يمسك بكفها وهو يتمتم : انتي كويسة ؟
وزعت انظارها بين عينيه القلقة والبادي عليها القلق جليًا ويده المسكة بيدها ...
قامت بسحب يدها بهدوء وهي تومئ قبل أن تحاول الاعتدال .. ليقترب مالك لا إرادياً ويسندها كي تعتدل .. تسربت القشعريرة لجسدها وقد شعر مالك بذلك ليبتعد بهدوء حتى لا تخشاه ..
اردف بابتسامة هادئة : بابا بيعمل خروج .. وهنسافر على طول .. حابة ترتاحي شوية هنا لحد ما تحسي انك كويسة ونروح ؟
سبأ تلقائيًا : وانا ارتاح هنا ليه في بلاد غريبة لما ممكن ارتاح وسط اصحابي اللي بيملوا عليا حياتي ؟!
مالك بنبرة بدت بها الحزن : صحابك بس ؟
استشعرت نبرته بقلبها .. فاستدارت بوجهها له .. ليجلس هو الي جوارها ويمد يده بهدوء تجاهها منتظرًا منها ان تبادر بوضع يدها داخل يديه ..
طالت نظرتها ليده الممدودة إليها وداخلها صراع يكاد يفتك بها ..
تغلب القلب في النهاية .. لتتقدم يدها المرتعشة والباردة لتستقر داخل كفيه الدافئتين ..
ابتسم في داخله .. ليقوم بفرك يديها بين يديه يبث بهما الدفء .. في حين كانت تتابع حركته بعينان دامعتان .. ولا تعلم لذلك سببًا .. كيف لها أن تحيا حياة طبيعية وهي شخصيًا لم تعد طبيعية !!.. كيف له ان يتحمل مرارة شئ كهذا ولا يزال يصر على البقاء والعطاء !!..
استفاقت على يده التي لامست وجنتها كي يزيل عبرتها التي خانتها وسقطت دون ارادتها .. ارتجفت أسفل يده ليجفلهما صوت طرقات على الباب ودلوف إحدي الممرضات ليبتعد مالك قليلًا وتتحمحم سبأ في خفوت ..
اقتربت الممرضة من سبأ بهدوء وابتسامة وهي تتمتم : حمد الله على سلامتك يا قمر .
اماءت سبأ لتقترب الممرضة وتسحب المغذي من يدها وتلقيه بسلة المهملات .. ومن ثم استدارت تناظر مالك الذي يراقب ما تفعله .. ابتسمت له وهي تتمتم : حضرتك اخوها ؟
انتبه لها مالك لينظر لها بتساؤل وهو يتمتم : بتقولي اي ؟
أعادت الممرضة سؤالها : اخوها ؟
اتاها الرد لكنه ممن لم يتوقع مالك ان تُجيب : لا جوزي .
استدار ينظر لها ليري تعبيرها ويبتسم بسعادة من داخله .. هل ما يفكر به حقيقي ؟.. هل ما شعر به من نبرتها تلك حقيقي ؟..
الممرضة بابتسامة : ربنا يسعدكم .. انا بردو قلت ان الشخص اللي يزعق في الدكاتره والممرضين واللي يدفع حساب المستشفى بدون ما يبص حتي هو دفع ايه عشان حد يشوف البنت اللي داخل بيها .. اكيد يا اخوها يا جوزها وبيحبها اوي .. ربنا يسعدكم ويديمكم لبعض .. بعد اذنكم .
خرجت الممرضة لتعاتب سبأ نفسها على اندفاعها ونبرتها التي ظهرت الغيرة جلية فيها .. لا تود ابدا ان تنظر لمالك وترى تعابير وجهه بعد ما فعلته ..
بينما حاول مالك ان يتعامل كأن شيئًا لم يحدث .. هو في الأساس غير مصدق لكونها قد قالتها ببساطة هكذا .. إن الأشواط تأتي سريعًا .. ليستغل كل شوط لصالحه .. وسيتحسن الأمر .. يثق بذلك .
اتي مروان وقام مالك بإيقاظ سالي التي اعتدلت منتفضة وهي تتمتم بقلق : بنتي كويسه ؟.. حصل حاجة ؟
مالك بهدوء وهو يهدئ من انتفاضتها : متقلقيش هي كويسة اوي وزي الفل .
تنهدت سالي باسترخاء وأخذت تستغفر .. ليسندها مالك إلى ذراعه كي تتحرك معه ..
وقاموا بالخروج من المشفى متجهين لمدينتهم حيث دفء العائلة والأصدقاء الحقيقيين .
(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )
مر يوم آخر عاد به مالك إلى القاهرة .. واستقرت سبأ بمنزلها مستسلمة كليًا للنوم .. في حين قد وصلت كلٌ من ديالا ورهف لمفاجأة خاصة جدًا من أجل مالك وسبأ .. كما أن اريج لا تنفك تخرج عن برنامج الوورد الخاص بجهاز اللابتوب الخاص بها .. تريد إنهاء كتاباتها كي ترسلها من أجل النشر .. كما وليد كذلك الذي بالإضافة لذلك يقوم بعمله في الشركة دون أن ينسي مكالمته الصباحية والمسائية لمالكة قلبه كي يطمئن عليها .. كما أن ملك وسفيان قد جلسا لهذا اليوم في منزل مروان بحجة التغيير والرغبة في المكوث معهم قليلًا .. وقد تصالحا تمامًا وقد علم مالك من شهد بأن هرموناتها ستتحكم بها كثيرًا في الفترة القادمة وعليه ان يحتمل تقلباتها المزاجية ..
كان كل شئ هادئ تقريبًا .. والحياة تسير بشكل جيد ..
اتي وليد اتصال ليوقظه من نومه في السادسة صباحًا .. أجاب في قلق حينما وجده مالك ..
وليد بقلق : مالك ؟!!.. في ايه !!.. حصل حاجة ؟
مالك : لا مفيش متقلقش .. بس قوم البس وتعالي ع النادي .
وليد : ماشي .. بس انت كويس ؟؟؟
مالك : يا عم كويس .. بس تعالي .. عايزكوا يا وليد يلا .
وليد : جايلك اهو حاضر مسافة السكة بس .
أغلق مالك معه وقام بطلب الرقم التالي وانتظر قليلًا حتى أتاه صوت ناجي الناعس : مالك ؟!!.. اي في حد مات ؟
مالك : يا شيخ في ايه ع الصبح باللي بتقوله ده ؟
ناجي : انت اللي متصل في وقت غريب !.. قلقتني بس .
مالك : معلش ياصحبي حقك عليا .. بس محتاجكوا جنبي بس .
ناجي وقد اعتدل جالسًا : انت فين ؟
مالك : في النادي .
ناجي : طيب خليك مكانك وانا هكلم مراد ومسافة السكة ونكون عندك .
مالك : تمام .. مستنيكوا .
وبالفعل لم يمر سوي ساعة وكان الجميع يجلس في حلقة أرضية حول الطعام الشعبي الساخن والذي احضره وليد معه ليتناولون افطارهم معًا ..
ومن ثم تكفل مراد بصنع الشاي .. وجلس الجميع بالقرب من المسبح ليبدأ مالك في هدوء : انا فاشل عاطفيا ومحتاج مساعدتكوا .
ناجي : فاشل عاطفيا وعرفناها .. لكن مساعدتنا في ايه لمؤاخذة !
مالك بجانب عينه : مالك يا كوتش !.. اشحال لو مش شغلتك دي ؟
ناجي : لا ما انا عاطل دلوقتي .
ضحك الشباب ليقترح وليد بهدوء : عارفين مين فعلا اللي هيدونا الطريقة الصح للموضوع ده ؟
مالك : الله يكرمك متجيبش سيرة رهف بنت عمك سعد .. لحسن موضوع الورق والرسايل ده انا مليت منه والله .
مراد : والله انت ما بتفهم .. انت تمل لكن هما اكيد ميملوش .. يابني دي حاجات تكتيكية .
مالك : اي عرفك بالتكتيك يا رودي ها ؟
مراد : انا غلطانلك .
ناجي : برضو يا مراد الموضوع ميزيدش يعني .. جرب الرسايل الورق يبقي يجرب طريقة تانيه .. والبنات بتحب التغيير بردو .
مالك بجانب عينه : وانت اي عرفك باللي بتحبه البنات ؟
ناجي بتنهيده : لا .. هو واضح انك عندك حق يامراد .. انا كمان غلطانلك .
ضحك مراد وناجي ليتابع مالك : بجد عايزكوا تتصرفوا انا دماغي هتشت ومش عارف اتحرك .. وبصراحة محرج اكلم سفيان .
وليد : طب والله اهو سفيان ده هو الحل كله .. بس ماشي نسيب سفيان للكبيرة .. بص احنا نقوم نشوف مصالحنا وبعدين نتجمع بعد صلاة العصر تاني هنا .
مالك : ماشي .. هستناكوا .
وبالفعل قام مراد بتوصيل ناجي لمنزله وعاد للشركة كما سبقه وليد بعد أن هاتف اريج وأخبرها بما عليها فعله ..
وقد اتخذ الجميع من الأمر مركز اهتمام بالغ ..
(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )
تحركت من فوق فراشها علي أصوات تأتي من أسفل غرفتها ..
ارتدت حجابها وفتحت باب البلكون الخاص بها .. لتُصدم بما تراه ..
قطعة قماش ذهبية تأتي من الشجره اليمني لبلكونتها وحتي الشجرة اليسري .. يحتلها كتابة بنفس الخط الذي رأته في تلك الرسائل ..
بدأت تقرأ العبارة بعينان غير مصدقتان لما ترى
" أنا بس جيت الليلة أفسد وحدتك .. وأسهر معاكي لحد ما يبانلك نهار "
دقيقة فقط وتم سحب القماشة ليظهر مالك الجالس على إحدي أغصان الشجرة الكبيرة وبيده باقة ورود كبيرة مشكلة من اللون البنفسج والأبيض والذي تعشقهما حد الجنون ..
سبأ بتعجب وحيرة : انـ انت بتعمل اي فوق الشجرة ؟
مالك وهو يحرك أصبعه فوق أنفه بتفكير مصطنع : اممممم .. هو الحقيقة ان العيال اللي قالولي كده .. لكن الكدب بقا ان روميو عمل كده لليلي ... فهو مش احسن مني يعني .
سبأ بضحكة تحاول كتمها : روميو لليلي ؟!
مالك بتذكر : لا لا عنتر لجوليت باين .. لا لا استنى بصي هرتب بس الأفكار ..
عنتر ده الشاعر اللي بيقول اشعار لعبلة الهبله ..
ليلي دي كان ليها مجنون .. ايوه قيس قيس ..
امال مين اللي كان مع الواد اللي اتشعلق ع الشجرة ؟..
سبأ : روميو لجولييت .
مالك باندفاع وقد كاد ان يسقط وهو يتحرك فجأة عن الغصن لكنه امسك بالشجرة جيدًا : ااايوه .. اااه .. يختااااي .
ضحكت سبأ رغمًا عنها ولم تستطع كبح ضحكاتها التي تواصلت دون توقف .. ليبتسم مالك وهو يتأمل ضحكتها ..
انتبهت للأمر وتحمحمت بهدوء وهي تتمتم : اا ... كلامك ضحكني بس .
مالك بابتسامة : طب تحبي اقولك شعر لعنترة ؟
سبأ : تقول شعر لعنترة !!.. انت بتقرأ لعنترة ؟
مالك بثقة : امااال .. ده انا هبهرك .. اسمعي بس ..
اخذ شهيقًا طويلًا ومن ثم أخرجه بهدوء مع ابيات الشعر التي أخبرته رهف انها تنتمي لعنتر ابن شداد .. وقد حفظها بعد عناء ساعات ..
يا سيِّدتي
لا تَضطربي مثلَ الطائرِ في زَمَن الأعيادْ .
لَن يتغيرَ شيءٌ منّي ..
لن يتوقّفَ نهرُ الحبِّ عن الجريانْ .
لن يتوقف نَبضُ القلبِ عن الخفقانْ .
لن يتوقف حَجَلُ الشعرِ عن الطيرانْ .
حين يكون الحبُ كبيراً ..
والمحبوبة قمراً ..
لن يتحول هذا الحُبُّ لحزمَة قَشٍّ تأكلها النيرانْ ..
كانت تستمع له وقلبها يضرب طبولًا .. ما الذي يفعله بها بحق الله .. أرادت ان تخرج من قوقعة الاضطراب فتمتمت بصوت بدي فيه التوتر : هـ هو انت متأكد ان ده شعر من عنتر لعبلة ؟
مالك بتفكير : مش متأكد ... اا .. ممكن يكون مثلًا شعر قيس لليلي ؟
سبأ بنفي : لا .
مالك بابتسامة واسعة : خلاص بقا مبقاش غيرهم روميو وجوليت .. ايوه هو لروميو وجوليت .. امال انا هقف ع الشجرة زي روميو ليه .. ما أكيد عشان اقول الشعر بتاعه .
سبأ بضحكة مكتوبة : بس ده شعر لنزار القباني .
زالت ابتسامته وهو يحاول تذكر كون رهف أخبرته بإسم كهذا .. لكنه لم يسمع به .. فتمتم بتنهيدة : سبأ بصي .. انا حاولت اعمل حاجة مختلفة يا بنت الناس وما صدقت لقيت شجرة قدام بيتك .. فلو سمحتي كده قبل ما اقلب زي اللمبي في اللي بالي بالك واتزرف على وشي من هنا اشقطي الورد ده خليني اروح .
سبأ بضحكة خفيفة : ارمي ارمي .
القى لها باقة الورود وهو يتمتم : يلا ادخلي واقفلي الباب .
سبأ بتساؤل : مش هتنزل من ع الشجرة .
مالك بابتسامة بلهاء : اه اكيد هنزل اه .. امال هبات هنا .. لازم اكيد هنزل .. بس ربنا يبعتلي طريقة بس وانا هنزل على طول .. اتفضلي انتي اتفضلي عشان متستهويش .
سبأ وهي تحاول كتمان ضحكتها : طب انزل طيب .
مالك : انتي مصممه يعني ؟
سبأ بتأكيد : اه ... يلا انزل .
ازدرد مالك ريقه .. فهو لا يعلم كيف سينزل وقد تمزق قميصه من الجانب بعدما تعثر أثناء صعوده واشتبك قميصه بأحد الأغصان ..
حاول أن يلتفت للجانب السليم ويعيره لها ويحاول النزول بهدوء .. وبالفعل استطاع ذلك .. لكن انفلتت قدمه قبل وصوله للأرض لتشهق سبأ وتركض للأسفل ..
سبأ : انت كويس حصلك حاجة ؟
مالك بألم وهو يمسك بكاحله : ما قلتلك ادخلي بدل ما اقلب ع اللمبي مسمعتيش كلامي .
كتمت ضحكتها عنوة وهي تمد يدها الي كتفه بتلقائية تسنده كي يعتدل ...
توقف الزمن لحظة بهما وعيناهما تلتقيان لأول مرة ..
فهو منذ أن عرفها لم يكن بينهما سوي الشجارات العابرة .. كما الأحاديث المتطرفة دون موضوع بعينه ... تلك هي المرة الأولى التي يلاحظ فيها عينيها ويري ملامحها عن قرب ..
في حين كانت تناظره هي الأخرى بقلب ومشاعر مضربة .. لم تلحظ لون عينيه من قبل .. كما لم تلتقي عيناهما بهذا الشكل مسبقًا .. تمنت لو ان الظرف يختلف .. والقدر غير القدر والزمان غير الزمان ..
افاقت من شرودها على قربه منها لتنتفض للخلف بسرعة وهي تتمتم باضراب : اا .. انت .. انت كويس ؟
تحمحم مالك كي ينظف حلقه وهو يتحرك بهدوء كي لا يجفلها ... وتمتم بابتسامة استطاع رسمها فوق شفتيه وهو يتمتم بهدوء : انا كويس متقلقيش ... اطلعي فوق عشان هدوم البيت دي والباب مفتوح .
اماءت وركضت سريعًا من أمامه الي غرفتها تحتمي بها ..
في حين غادر هو ولا تزال ابتسامته ترتسم فوق شفتيه بوضوح .. لقد شعر باضراب مشاعرها وعمق عينيها داخل عينيه .. الأمر ليس بالصعوبة التي تخيلها .. هي فقط يجب أن تشعر بالأمان والأطمئنان والإحتواء .. وسيكون كل شئ على ما يرام بعدها ..
~~~~~🌸~~~~~🌸~~~~~🌸~~~~~
