![]() |
رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل السابع عشر بقلم اسماعيل موسي
كان جسد يامان ملقى فوق التراب والجنود يصرخون حوله بينما قدم سولين ما زالت تضغط على كتفه الجريح والعرق يسيل من جسده والفيروس ينتشر فى عروقه مثل نار بطيئة تحاول أن تكسر إرادته.
فتح عينيه للحظة ونظر إلى السماء الرمادية فوق القلعة ثم أغمضهما بهدوء غريب لم يتوقعه أحد،ترك الزئير ينطفئ داخل صدره وترك أنفاسه الثقيلة تهدأ شيئا فشيئا وكأنه انسحب من ساحة المعركة رغم أن جسده ما زال فى قلبها
فى تلك اللحظة سمح لروحه الثائرة أن تتراجع خطوة إلى الخلف،لم يعد يقاوم بالغضب ولا بالمخالب ولا بالقوة
ترك الغضب ينسحب من داخله وترك الألم يمر عبر جسده دون أن يقاومه،كان يعرف شيئا واحدا فقط،إن استمر فى القتال كذئب فسيسقط،لذلك ترك عقله يغوص عميقا فى الصمت،سقط فى تأمل عميق كما لو أنه يغوص فى بئر مظلم داخل روحه.
ابتعد عن صراخ الجنود وعن ضحكاتهم وعن صوت سولين وهى تعلن انتصارها،لم يعد يسمع سوى دقات قلبه البطيئة
بدأ يستدعى الإنسان الذى كانه،الإنسان الذى عاش قبل أن يصبح ذئبا وقائدا للقطيع،بدأ يجمع بقايا وعيه البشرى قطعة قطعة،التحكم فى التنفس،التحكم فى النبض،التحكم فى الجسد،ببطء شديد بدأ الجسد الضخم يرتجف
كانت التغيرات تبدأ من العمق ثم تتحرك نحو السطح،الفرو الكثيف بدأ ينكمش قليلا،العظام الهائلة بدأت تتقلص
العضلات المتوحشة التى صنعت جسد الذئب بدأت تعود تدريجيا إلى شكلها البشرى،كل ذلك حدث ببطء تحت الغبار وتحت أعين الجنود الذين لم يفهموا ما يحدث،فى تلك اللحظة رفعت سولين قدمها عنه ورفعت يدها للجنود وهى تأمرهم بصوت حاد،قالت لهم أن يقيدوا هذا الذئب ويجروه إلى داخل القصر،قالت إنها تريد أن تراه مقيدا أمام عرشها حتى يعرف مكانه الحقيقى، اندفع الحراس نحو الجسد الملقى على الأرض وهم يحملون السلاسل الثقيلة
لكن أحدهم توقف فجأة،نظر إلى الجسد الملقى ثم تراجع خطوة بارتباك،الذئب لم يعد يبدو كما كان قبل لحظات
الفرو كان يختفى،الحجم الضخم بدأ يتقلص
العظام تغير شكلها ببطء مرعب،فى لحظات قليلة لم يعد الجسد جسد ذئب،بل جسد رجل مغطى بالدماء والجراح
وقف الحارس مذهولا وهو ينظر إلى ما حدث
وعندها التفتت سولين بحدة عندما لاحظت توقف الجنود
صرخت فيهم بغضب تسألهم لماذا توقفوا
لكن كلماتها انقطعت فجأة عندما وقعت عيناها على الجسد فوق الأرض، لم يعد هناك ذئب
بل رجل بشرى الجسد ملقى وسط التراب والدماء
اتسعت عيناها ببطء وظهر على وجهها ذهول لم تشعر به منذ سنوات، همست داخل نفسها دون أن يسمعها أحد
مستحيل،هذا مستحيل
كيف يمكن لذئب أن ينسلخ من هيئته هكذا بعد أن حقنته بالفيروس،كيف تمكن من العودة إلى حالته البشرية،كيف فعلها هذا الذئب المجنون؟
ظل الجسد البشرى ليامان ملقى فوق التراب لثوانى بينما الجنود يحدقون فيه غير مصدقين ما رأوه قبل لحظات
كان الدم يغطى صدره وكتفيه والجراح التى مزقت جسد الذئب ما زالت مفتوحة تنز ببطء فوق جلده البشرى
تحركت أصابعه أولا ثم ارتجف كتفاه قليلا كأن الحياة تعود إلى جسده من جديد
ثم دفع الأرض ببطء وبدأ ينهض حتى وقف أخيرا فوق قدميه
كان جسده البشرى مغطى بالدماء والعرق والغبار والجروح العميقة تشق صدره وذراعيه لكن رغم ذلك وقف بثبات غريب كأنه لم يسقط قبل لحظات أمام جيش كامل
رفع رأسه ببطء ونظر مباشرة نحو سولين وكان الهدوء الذى ظهر فى عينيه أكثر إزعاجا من زئير الذئب قبل قليل
ثم ظهرت ابتسامة بطيئة على شفتيه ابتسامة لم تكن ابتسامة رجل مهزوم
رفع يده الملطخة بالدم ولوح لها بخفة كأنهما يقفان فى بداية مبارزة عادية
وقال بصوت أجش لكنه واضح المعركة لم تبدأ بعد
ثم أمال رأسه قليلا ونظر إليها بنظرة ساخرة وقال هل تعبت الزعيمة
ساد الصمت للحظة بين الجنود وتبادل الحراس النظرات بينهم وهم يحدقون فى الرجل الذى يقف أمامهم
كان بعضهم يهمس للآخرين بدهشة كيف يمكن لبشرى أن يقف هكذا بعد ما حدث وكيف يمكن لبشرى أن يتجرأ ويقف أمام فامبير من سلالة الملوك
كانوا قد رأوا الذئب يقاتل من قبل لكن ما يقف أمامهم الآن مجرد إنسان مغطى بالدماء وكان هذا فى نظرهم أسهل بكثير من مواجهة وحش عملاق
حتى سولين نفسها كانت تحدق فيه بصمت وكانت تعرف جيدا أن ما فعله يامان قبل لحظات أمر نادر للغاية
الانسلاخ من هيئة الذئب والعودة إلى الشكل البشرى تحت تأثير الفيروس كان شيئا لم تره من قبل وكان حدثا فريدا بكل معنى الكلمة
لكن فى الوقت نفسه كانت تعرف شيئا آخر وهو أن الذئب فى هيئته المتوحشة أخطر بكثير من الإنسان
أما الآن فالذى يقف أمامها مجرد رجل مجروح ينزف الدم
وفى نظرها سحق بشرى داخل ساحة القتال أسهل بكثير من ترويض ذئب متوحش وصل إلى أبواب قلعتها
ضاقت عيناها قليلا وهى تنظر إليه ثم تقدمت خطوة نحوه بثقة أكبر وكأنها قررت إنهاء هذه المسرحية بسرعة بينما كان الجنود من حولهما يترقبون اللحظة التى ستبدأ فيها الجولة الجديدة من القتال
اندفع يامان فجأة نحو أقرب حارس يقف على أطراف الساحة وكانت الحركة سريعة لدرجة أن الحارس لم يفهم ما يحدث إلا عندما شعر بيده تُدفع بعنف ويُنتزع السيف من قبضته
استدار يامان بالسيف فى يده والدم ما زال يغطى صدره وكتفيه ثم وقف فى مواجهة سولين وقد انعكس ضوء الساحة على النصل الملطخ
نظر الجنود بدهشة إلى الرجل الجريح الذى يقف أمام ملكتهم وكأنه ما زال يملك طاقة لا تنتهى،لكن ما حدث بعد ذلك كان أغرب مما توقعوه،أغمض يامان عينيه ببطء
لم ينظر إلى سولين ولم يتخذ وضع الحراسة المعتاد بل وقف بثبات وعيناه مغمضتان كأنه يستمع لشىء لا يسمعه أحد غيره،تحركت سولين بسرعة الفامبير المعتادة وانطلقت نحوه كظل أسود ينقض على فريسته،لكن فى اللحظة التى ظهرت فيها أمامه تماما تحرك سيف يامان،انطلق النصل بدقة مرعبة وقطع الهواء حتى شق جانب درعها ومزق جلدها تحته
تراجعت خطوة وهى تحدق فيه بدهشة
كانت الجروح فى جسدها تلتئم بسرعة كما يحدث دائما لكن ما حدث كان غير مريح لها
تحركت مرة أخرى بسرعة أكبر محاولة أن تدور حوله وتهاجمه من الخلف
لكن يامان ما زال مغمض العينين وكأنه يرى ما لا يراه الآخرون
وما إن اقتربت حتى اندفع السيف مرة أخرى فى اللحظة الدقيقة التى ظهرت فيها أمامه
مزق النصل كتفها هذه المرة وانفتح الجرح بوضوح قبل أن يبدأ بالالتئام من جديد
بدأت سولين تتحرك بسرعة أكبر وتغير مواقعها باستمرار محاولة كسر هذا الإيقاع الغريب
لكن كل مرة كانت تظهر فيها أمامه كان السيف ينتظرها
ضربة فى الذراع،طعنة فى الجانب،شق طويل فوق درعها الأسود،الجروح كانت تلتئم لكنها تتكرر بسرعة جعلت الأمر أشبه بمطر من الفولاذ يلاحقها،كان يامان يتحرك بخفة غير معقولة لرجل بشرى ينزف هذا القدر من الدم
خطواته كانت سريعة وقوية وحركته تكاد تبدو إعجازية أمام الجنود الذين راقبوا المشهد بذهول
همس بعضهم لبعض بأن هذا ليس قتال بشر عادى
حتى سولين بدأت تشعر بأن هناك خطرا حقيقيا يتشكل أمامها،ثم حدثت اللحظة التى جعلتها تتوقف تماما
اندفعت نحوه محاولة توجيه ضربة قاضية لكن قبل أن تصل إليه تحرك يامان خطوة واحدة للأمام، وغرس السيف فجأة فى صدرها،توقف النصل على بعد شعرة من قلبها
كانت الحافة المعدنية تضغط بجوار قلبها مباشرة
تجمدت للحظة وهى تشعر ببرودة النصل قرب أكثر نقطة ضعف فى جسدها،اقترب يامان قليلا وهمس بصوت منخفض لا يسمعه الجنود،قال المرة القادمة ستكون نهايتك
اتسعت عيناها للحظة لكنها لم تبد خوفا،لأن عقلها كان يعمل بطريقة مختلفة، كانت زعيمة وملكة قبل أن تكون مقاتلة
وكانت تعرف أن شخصا مثل يامان لا يمكن تركه حرا
وجوده وحده يمثل خطرا وخيانة للدولة التى تحكمها
هذا الذئب يجب الإمساك به،يجب دراسته وتشريحه ومعرفة السر وراء هذه القوة الغريبة
بينما كانت تلك الأفكار تدور فى عقلها كانت تستعد لإصدار الأمر للحراس أن يقيدوه وأن يحقنوه بالمهدئات حتى يسقط تماما،لكنها لم تكن تعرف شيئا واحدا،يامان كان يقرأ أفكارها فى تلك اللحظة،وقبل أن تفتح فمها لتنطق بالأمر تحرك فجأة
سحب السيف من صدرها وقفز إلى الخلف بسرعة خاطفة
ثم اندفع مبتعدا عبر الساحة بحركة بشرية سريعة أربكت الحراس،وقف على صخرة بعيدة للحظة ثم صرخ بصوت هز المكان،نلتقى فى أرضى يا سولين،ثم اندفع مبتعدا بسرعة مذهلة واختفى فى الظلال خارج أسوار القلعة،ساد الصمت فى الساحة للحظات،كانت تلك المرة الأولى التى يهرب فيها يامان من نزال، لكنه كان يعرف الحقيقة جيدا
هزيمته كانت تقترب،ليس لأن خصمه أقوى،بل لأن الخيانة تحيط به من كل جانب
وكان عليه أن يجد سلاحا جديدا يستطيع به مواجهة كل ذلك قبل أن يأتى اللقاء القادم.
