رواية جحيم عينيك الفصل السادس عشر 16 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل السادس عشر 

خطيبتي

ليس على لسانك النطق بها فكلك ينطق بما يثلج الفؤاد

كانت تقف عند مدخل غرفة ذات إضاءة خافتة تصدر من عدة أجهزة رقمية وحواسيب ليزيد الأشخاص المتواجدون داخلها من ضيقها واختناقها بسبب تعابيرهم الجادة والضغط الذي يمارسه وجود الزعيم على رؤوسهم يملي تعليماته بحزم بينما يهزون رؤوسهم اذعانا واحتراما خاصة ذلك الهاكر الجالس أمام أحد الأجهزة وهو يتفحص بعيونه الزرقاء من خلف نظاراته الطبية محتوى تلك الفلاشة على حاسوبه والتي عثر عليها الزعيم بصدقة عجيبة...

" يجب أن تفك شيفرة هاته الملفات اللعينة بأي طريقة ستيف لديك كل ما تحتاجه هنا وأونور سيكون تحت تصرفك، لا أريد أي تهاون أو تأخيرا، مفهوم

هر ستيف رأسها وهو يثبت نظاراته بسبابته...

كن مطمئنا أيها الزعيم، سوف أضع المعلومات بين يديك في أقرب وقت ممكن"

هر الزعيم رأسه وهو ينفت دخان سيجارته...

لم يكن ستيف الهاكر المتخصص في البرمجيات هو الوحيد في مجاله الذي يعمل تحت إمرة الزعيم منذ سنوات لكنه افضلهم وكان الشخص المناسب لهذه المهمة لإخلاصه وتكتمه الشديد. لدى الزعيم إحساس أن المعلومات التي تحتويها الفلاشة غاية في الأهمية والخطورة بما أن

الأكاديمية تسعى وراءها...

كانت فاليريا تراقب المشهد بعين مشككة وقلق واضح وهي تتسأل عن نوعية المعلومات التي تركها لها والدها والتي هي الآن بين يدي اشخاص مجهولين بالنسبة لها حتى لو كانوا يعملون الفائدة الزعيم....

هذا القلق لم يخفى على الزعيم خاصة أنها كانت تطرح بعض الأسئلة على الهاكر توحى بعدم ثقتها به، فالتفت إليها الزعيم يومئ برأسه لها كي تخرج من الغرفة ...

" هلا انتظرتني في الخارج، سأوافيك بعد قليل "

طلبه اللبق كان مبطنا بنبرة حازمة لا مجال فيها للرفض والعناد والطريقة التي رمقها بها كأنه يقول لها ....

" حرفا آخر وسأركلك خارجا

أسرتها في نفسها وغادرت الغرفة مع ابتسامة متصنعة ...

"حسنا، لا تتأخر علي "

ما كانت لتعاقده في هذه اللحظة وهي بين رجاله خوفا على صورتها أمامهم ولثقتها بأنه هو الوحيد الذي سيحل هذا اللغز بعد أن تعهد لها بذلك، لكن وقوفها كالمتفرج من بعيد دون أن يسمح لها بالمواكبة يزعجها، حتى لو أرادت التدخل فلن تسلم من لسانه السليط ويبعثر كرامتها امام رجاله فالجمت السالها.

انتظرت لدقائق قليلة قبل خروجه مع لوكاس وبعض الحرس من تلك الغرفة تاركين أونور هناك لكنه لم يتوقف أو يلتفت لها بل واصل سيره يومى لها بأن تلحقه...

كانت تجري حرفيا لمواكبة خطواته المترامية الأطراف إلى أن وصلا إلى المصعد...

يمان، لو أن تأخذ بعين الاعتبار أنني ليست أحد رجالك الذين تتأمر عليهم، صدقا سيكون هذا أفضل."

تقهقر الحراس للخلف وهم يتبادلون النظرات فيما بينهم بحذر بينما الفلتت ضحكة ساخرة من لوكاس ليصوب الزعيم نظرة مميتة نحوه تزامنا مع دخوله للمصعد قائلا له ببرود...

"انزل الدرج أنت والبقية"

مغلق المصعد في وجههم بينما لوكاس ينظر بنظرات رائعة كالمصعوق ...

ليس ذنبي زعيم، لقد كانت عفوية، شكراً للسماء أننا سننزل وليس العكس "

لم تتوقع أنه سينفرد بها داخل المصعد وإلا ما كانت ستتكلم لكنها تكلمت وأنتهى الأمر هي فقط ردت اعتبارها حين صرفها خارج الغرفة كأنها غير معنية بموضوع الفلاشة.

بينما ينزل بهما، ضغط الزعيم على زر الإيقاف بملامح حادة ليدنو بطوله الفارع نحوها جاعلا الجو خالقا من هالته المرعبة لها بعد أن أدركت انزعاجه منها، لا بل غضبه منها ..

تكلمتي ثانية بتلك اللهجة أمام رجالي وسأقتلع لسانك من جذوره

في ثانية كان يتكلم كالبشر وفي الثانية الأخرى تحول إلى وحش زلزل الحائط الحديدي خلفها بقبضته مواصلا بأنفاس هائجة...

"أنت في جنتي التي حددت لك خطوطها الحمراء، فلا تتجاوزيها حتى لا تزل قدمك في قمر جحيمي، امام رجالي وعائلتي أنا الزعيم فقط، حين تكون وحدنا تمردي كالثوار أو تمايعي كالعاهرات كيف شنني لن أمانع "

ابتلعت ريقها بصعوبة محاولة الحفاظ على رباطة جأنها وهي تنظر داخل عينيه الناريتين بشجاعة رافضة الخضوع له رغم إدراكها لما ينتظرها إن هي اعترضت أو استفزاته....

ومن قال أننا ستكون وحدنا هااااا!؟ ثم إنني صريحة في العلن وفي الخفاء، لا أملك عدة وجوه لأنني لست منافقة أيها الزعيم "

زفر بسخرية مطلقا نفسا ساخطا من الأعماق...

"نحن أساسا وحدنا الآن"

ضيق عينيه مقتربا أكثر حتى جعلها تلتصق بجدار المصعد...

"إسمعي جيدا، لولا أن الأمر يخصك بالدرجة الأولى ما أتيت بك ولا أطلعتك على عملي، وما دمني قد قبلتي مساعدتي فلا تعترضي على ما أفعله، فلست مضطرا الإطلاعك على التفاصيل

حتى أثبت حسن نيتي "

مرر إيهامه على شفتيها بنظرات جائعة ...

" إليك نصيحة من ذهب تعلمي إبقاء شفتيك الجميلتين مطبقتين، ولا تفتحيهما إلا لإرضاني، هكذا فقط سأخذ بعين الاعتبار أنك لست أحد رجالي "

كان عليها أن تبقى شفتيها مطبقتين حقا ولا تجازف بالرد عليه، لكنها لم تسكت طالما كانت عنيدة وصاحبة شخصية أنثى عصية عن الترويض تنظر إليه بعيون زمردية جريئة ومتحدية لغروره...

"هذه أزمتك الحقيقية معي أنني لم افتحهما لإرضائك يوما"

ابتسمت كمختلة غير آبهة بالعواقب لتقرب شفتيها من أذنه هامسة بإغراء ماكر...

" اليك نصيحة مجانية، لا زال طلب ليلة أمس قيد الدراسة، قبوله أو رفضه يعتمد عليك، فاحسن السلوك عزيزي "

تيا كم اعجبه هذا، لا تخيبه يردودها كلما استفرها، إنها إمرأة استثنائية كصندوق العجائب لا تنتهي مفاجاته.

ودون سابق انذار سحبها نحوه بقوة ليمسك وجهها بين يديه وعينيه متقدتين وانفاسه الحارة تلفح بشرتها قائلا بنبرة قاتلة ...

لأعزز حظوظي في قبول الطلب إذا

وقبل أن تستوعب ما قاله كان قد أعدم المسافة بينهما مقيدا بديها خلف ضهرها بقبضة واحدة بينما الأخرى تحيط رقبتها وأسفل رأسها برفق حتى لا يرتطم بالجدار الفولادي خلفها.

جزء من الثانية لم تسمح لها إلا بأخذ نفس تلقائي كردة فعل دفاعي اعتادها جسدها عند كل. هجوم مباغث منه كأنها تعرضت لأمواج عالية غاصت بها تحت الأعماق وهي لا تجيد السباحة.

كانت أمواجا لطيفة ورقيقة بها على غير العادة، قبلات رقيقة كأنها البلسم بوقع هادئ وبطيء. زحف شفتيه الثقيل على خاصتها واقتحام لسانه المستكشف لأغوارها أفسدا الرزانة التي هي عليها والحصانة التي تلف بها نفسها لتسقط في دوامة الرغبة وتشتعل نقطة ما هناك في الأعماق استشعرت حرارتها غير عمودها الفقري جاعلة جسدها يرتجف كورقة على سطح مياه متموجة...

تركها بأنفاس منقطعة وعقل شارة وثانه من الأشياء التي فعلها بها محرفا فروة رأسها من صعقات اللذة والمشاعر المتضارية دون أن يزيح عينيه ثم ضغط زر النزول ليتفقد هندامه في مرأة المصعد بابتسامة رضا.

كلما اقتربت من فك شيفرته المعاقدة وهدم أسواره المنيعة يصدمها بهوسه بالسيطرة والتحكم الذي لا حدود له، كيف ستتزوج سفاح المشاعر هذا وهي لا تتقن التحكم بالمارد القابع داخله.

رفعت رأسها لننظر في المرأة بدورها وترتب مظهرها وشعرها الميعثر ملتزمة الصمت.

كان أراس بانتظارهما في سيارة مجهزة بأحدث وسائل الاتصال عند مرآب السيارات فالتحقا به وصعدا في السيارة.

انبهرت فاليريا بشكلها المترف من الداخل وتقديتها العالية، لأول وهلة لم يخفي أراس إعجابه بجمالها المميز ليقول للزعيم مازحا...

"لم أتوقع أن تعثر على من هي أجمل من صف اللؤلؤ الذي تمتلكه أيها الزعيم....

ليمد يده لها معرقا عن نفسه ..

" أنا عم يمان، ناديني أراس، أكره أن تناديني حسناء مثلك بعمي، هذا محيط جدا

التطلق ضحكة جميلة جعلت أراس يبادلها ضحكتها وهو يلتفت نحو الزعيم الجالس على أحد المقاعد الجلدية للسيارة يرمقه بنظرة محذرة مشيراً إلى يده التي لا تزال ممسكة بيد فاليريا ولسان حاله يقول أبعد يدك وإلا قطعتها.

فهم أراس معنى نظرته تلك ليفلت بدها و يعتدل في جلسته ليس لأنه بهايه وإنما التزاما بالاتفاق المقدس بين رجال ال أوزيتش " تفقاً عين من ينظر إلى امرأة غيره "

واصل حديثه بنيرة جدية هذه المرة...

"حسنا لتؤجل التعارف لوقت لاحق واستمعي لنا جيداً"

أومأت له موافقة ليستطرد قائلا...

تناقشنا بخصوص موضوعات ليلة أمس وتوصلنا إلى أنه يجب حل الخيوط المتشابكة لتتضحالصورة أمامنا، بما أن الفلاسة مشفرة وستأخذ بعض الوقت لفك رموزها، لن تضيع الوقت ونحن ننتظر تريد منك الذهاب للجامعة كما هي العادة، وكأن لا شيء حدث معك، وبالضبط إلى المكتبة وستجلسين على نفس المقعد الذي جلستي عليه آخر مرة للقاء ذلك الصحفي، من المهم معرفة هويته "

نظر إلى الزعيم الذي بدا غير مرتاح للفكرة لكنه أوماً موافقا ليجهزوها للقاء الصحفي المجهول لكشف هويته مع الحرص على سلامتها كون خطر الاكاديمية ما زال قائما.

لم يوافق الزعيم في البداية على ارسالها للجامعة وحدها كما أن تأمين مكان كبير ومزدحم كالجامعة أمر ليس سهلا، وبعد نقاش ليلة أمس بينه وبين أراس الذي علل ذلك بأن معرفة الصحفي والتواصل معه سيساعدهم في ايجاد مخرج لهذه الورطة.

اما فاليريا لا تملك غير تنفيذ الخطة التي أملوها عليها بحذافيرها ...

صعد السيارة تقني متخصص في أجهزة التنصت فاتحا جهاز الحاسوب ثم قدم عقدا مزودا بجهاز تنصت دقيق لترتديها ثم اقترب منها ليضع سماعة بلون بشرتها داخل أذنها فأوقفه الزعيم ممسكا يده التي كاد يسحقها من الضغط مثيرا الرعب في قلب التقني بنظراته المحذرة، ليتمتم الأخير بعد أن أدرك خطأه ...

"اسف لم أقصد"

ليقدم له السماعة أمام دهشة فالبريا وأراس الذي بدا مستمتعا بالمشهد، لم يتخيل يوما أن يرى الصياد فريسة للحب اللعنة انه مغرم بها حتى النخاع ويغار عليها، هذه معجزة اخر الزمان.

كانت تهر ركبتها لتخفف من توترها فوضع الزعيم يده عليها موقفا اهتزازها ونظر بعمق في عينيها ليطمئنها ...

"أنا معك ولن أتركك، سيارة الأجرة تابعة لنا، يقودها واحد من رجالي، تقي بي"

أومأت له بابتسامة ناعمة لتأخذ حقيبتها وتنزل من السيارة متجهة نحو سيارة الأجرة التي كانت تنتظرها فركبتها لتنطلق بها إلى الجامعة تسبقها شاحنة نقل اللحوم كتمويه بها رجال مسلحون بينما لحقتها سيارة أخرى من الخلف لتأمينها.

أن يتحرك هذا العدد من الناس لأجلها كأنها أميرة داخل فلم اكشن أمر مثير ومخيف في نفس

الوقت بالنسبة لها.

الحق بها الزعيم وأراس لتصطف سيارتهما أمام الجامعة يستمعان لكل همسة وحركة تصدر من

فاليريا، وصوتها وهي تحيي أحدهم وصوت من يحدثونها....

حين وصلت إلى المكتبة جلست في نفس المقعد بعد أن أخدت بعض المراجع التي تستعين بها للدراسة من الرفوف، فتحتها وحاولت التركيز عليها حتى تبدو طبيعية.

تبا لما كل هذا الخوف. لم تكن جبالة هكذا من قبل، لكن تمنة شعورا غير مريح بنتابها فجأة سمعت صوته المثير في السماعة...

ان كنت تفكرين بالذي ينتظرك إذا قبلتي بعرض الأمس، فل يكن في علمك أن مخيلتك البريئة ان تسعفك في التكهن

اثنابتها أحاسيس لطيفة أنستها خوفها وقلقها لتبتسم من كلامه مدركة محاولته للتخفيف من توترها وتبا كم نجح اللتيم في ذلك وهي تسرح بخيالها في عالم آخر فردت بحذر دون أن تلفت

أحدا إليها ...

"أستطيع أن أتصور ما ينتظرتي لهذا قد أرفض ذلك العرض"

عضت سفتها السفلى من الداخل وهي تسمعه يقول...

"... كادية"

ظلا صامتين لبرهة يسمع كل منها أنفاس الآخر حتى قطعه صوت كرسي يتحرك بجانبها لتلمحبطرف عينها الجزء السفلي للرجل بمعطافه البني.

إنها نفس الملابس التي كان الصحفي يرتديها بالامس رفعت رأسها إليه لكنه كان يغطي وجهه بكتاب ما ليتكلم دون مماطلة...

"هل أحضرتي الفلاشة ؟"

كان صوته واضحا للزعيم وأراس الذي بدا مشدودا لنبرته ومركزا فيه بعينين ضيقتين، في حين

تملك فاليريا خوف كان سببه صوته المختلف.

لم يكن نفس الصوت لا يمكنها أن تخطئ صوت الصحفى إذ لم يمضى وقت طويل حتى تنساه بهذ السرعة فصوته كان هادنا ومنخفضا مع نبرة خوف، أما هذا الجالس بجانبها، صوته حاد

ومخيف، إنه شخص آخر ابتلعت ريقها وحاولت الحفاظ على هدوء ليرتها ...

"لم أجدها بعد، أحتاج لمزيد من الوقت"

سكت قليلا ثم رد عليها بصوت أشبه بفحيح الأفاعي...

ان كنت تريدين البقاء حية أنصحك أن تسلميها ولا تعولي على حماية يمان أوزيتش، هو أيضاً سيأتي دوره قريباً، هذا إذا لم يسلمها لنا بنفسه "

داخل السيارة صاح أراس بعينين جاحظتين...

" اللعنة، هذا أوستن الملقب بكروكوديل"

حينها تكلم الزعيم موجها كلامه الفاليريا بأعصاب تكاد تتفلت من الغضب...

"أنهي الحديث معه واخرجي من هناك فورا."

التفعل ذلك دون تردد لكن أوستن أمسكها من يدها ليزيح الكتاب عن وجه حاد الملامح وابتسامة قبيحة كفيح الشياطين...

" الصياد هذا أليس كذلك؟ أكاد أشم رائحته في الأرجاء، أخبريه أن رفيق العذاب يبعث لك تحياته وأشواقه "

ثارت ثائرة الزعيم ليخرج من السيارة مسرعا إلى مدخل الجامعة وهو يتتبع موقع فاليريا حتى لقيها في أحد الممرات مصدومة تحدق في الفراغ وما إن لمحته حتى ركضت للاختباء في حضنه وهي تجهش بالبكاء ليعانقها هامسا قرب أذنها ...

"أنا هنا لا تخافي."

أمسك وجهها ليرفعه إليه ...

اهل كان نفس الشخص ؟"

حركت رأسها نافية...

"ليس هو، أنا متاكدة، صوته وحضوره مختلف ومخيف، قال لي."

فقاطعها مقربا وجهه نحوها ...

"سمعت كل شيء"

لاحظ أنها تمسك صورة ما ...

"ما تلك التي بيدك ؟ "

أعطته الصورة وهي منهارة....

" الصورة التي أراني إياها الصحفي أمس، لقد مات، لقد قتلوه بدم بارد. ذلك الحقير قدمها لي قائلا أني قد أود الاحتفاظ بها كذكري"

أعاد دفن رأسها في صدره لاعنا تحت أنفاسه يشتاط غضبا وهو يتلقى كلام أحد رجاله من السماعة قائلا أن لا أثر للرجل بالمواصفات التي أخبرهم بها أراس ليأمره بالانسحاب مع بقية

الرجال فورا، ثم غادر هو الآخر برفقتها ...

اتضح للزعيم وأراس أن الأكادمية لن تهدأ قبل الحصول على الفلاشة وأن أوستن كان مبعوثا برسالة بدت تحية استفزازية للجميع، عدا الزعيم الذي فهم مكنونها، فهو خير العارفين برفيق العذاب, لكنه التزم الصمت خاصة أمام فاليريا التي بدت في غاية الحزن وهي تتأمل صورة أبيها

وصديقه الصحفي..

توقف الموكب أمام قصر فخم ومألوف لقاليريا التي لمحت واجهته الشامخة من نافذة السيارة. لكنها لم تعترض أو تتذمر كما هي عادتها كلما أحست أنه يقودها كالذاية ويقرر مصيرها دون

الرجوع إليها.

لم يعد لها طاقة الجدال والحرب، هو آخر شخص في هذا العالم يجب أن تحاربه الآن، ليس لأنها واقعة في مأزق لا مهرب لها منه إلا به وإليه فحسب، بل لأنها كلما ابتعدت عنه حتى لو للحظات. تشعر بالغربة والضياع، فتدرك أنه أمنها وأمانها وحصتها الحصين كأنها تنتمي إليه.

بالرغم من قسوته وجبروته كانت تستشعر حنانه في نبرة صوته الجافة في نظرته الحادة وفي قبضة يده المتملكة، قد يبدو جنونيا أن تعشق الشيء ونقيضه في ذات الوقت، لكن هذا ما

يحدث معها.

يكفي أنه ضحى بحياته وحشد رجاله لأجلها وأقام الدنيا ولم يقعدها كاسب مزيدا من الأعداء..

بدت متعبة ومستسلمة تماما على كتفه ليهمس لها ...

"لقد وصلنا"

نزلت من السيارة تلتفت حولها بدهشة. ففي هذا المكان بالضبط ركبت السيارة محاطة بالحرس وهي ترتدي داك الفستان الأسود ملقية نظرة أولى وأخيرة لواجهة القصر قبل أن تخطو نحو الخلاص.

وما هو المشهد يتكرر ثانية لكن بالعكس .. هي الآن تخطو نحو العودة إلى سجنها المخملي بكامل إرادتها وبرضاها.

تقدم نحوهما رجل وقور يرتدي بدلة رسمية وأحتى رأسه احتراما وترحيبا بابتسامة وزينة...

" مرحبا بعودتك أيها الزعيم ومرحبا بالانسة فاليريا"

هز الزعيم رأسه قائلا...

"لا أريد أحدا من العائلة بجناحي فأنا متعب، أخبرهم أنني سأتناول الإفطار مهم في الصباحرفقة فاليريا"

لیرد رستم باحترام....

"كما تشاء أيها الزعيم ليلة هانئة لكما "

وتنحى مفسحا لهما المجال للمرور بعد أن تقدمت فاليريا شاكرة له واستقلا المصعد المؤدي إلى جناحه فيما توجه أراس إلى حيث تجتمع العائلة متمنيا ألا يطول استجواب إخوة يمان له كي

بهنا بوجبة العشاء بعد يوم طويل ومتعب

بينما هما في المصعد الكأ يمان على حائطه ينظر إليها متسائلا...

"لابد أن عقلك ازدحم بالذكريات الآن

التبتسم بفتور....

أي ذكريات القديمة أم التي حصلت في الساعات الأخيرة؟" (مشيرة لما حصل في المصعد)

رفع حاجبيه...

كلها، لانني موجود فيها"

ما إن فتح باب المصعد وبحركة مباغتة وجدت نفسها في لمح البصر بين ذراعيه كأنها ريشة داخلا بها إلى جناحه ليضعها في سريره قائلا..

" كان هناك جانب مبهم وغالب عن ذكرياتك بخصوص هذا المكان، كالطريقة التي دخلتي به

جناحي أول مرة مثلا"

مرر ظهر يده على خدها برقة...

" هكذا دخلتي وأنت بين ذراعي غائبة عن الوعي وتنزفين بينما الطبيب ومساعدته بانتظارك المعالجة جرحك "

قالت وهي مستلقية في فراشه الوثير...

"إذن، وضعت لي ذلك الوشم هنا؟"

قال بمكر...

هنا قررت أن امتلكك "

نظرت اليه تفكر هل تسأله عن كلام ذاك المدعو أوستن أم تصمت حتى لا تكدر صفو هذه اللحظة، فاختارت أن تؤجل أسئلتها إلى وقت لاحق لأنها كانت بحاجة للهروب إلى عينيه الداكنتين من الصرع الذي أصابها في عقلها المزدحم بالأفكار والتساؤلات، يعمل كآلة الحفر لا يهدأ، تيا كانت حقا تريد أن يهدأ حتى ترتاح.

اقترب من حافة السرير ليقوم بتغطيتها وبينما هو يفعل أمسكت يده بأناملها ونظرت إليه. بعينين تغسلين...

"لماذا اخترتني لأكون زوجتك رغم امتلاكك لصف اللؤلؤ، لا أظن أنني أجملهن كما يزعم عمك "

تأمل منظرها المستسلم في سريره ليرد بسؤال...

هل قرارك واقف على جوابي ؟"

أومأت له ينعم ليبتسم لها فسألت بصيغة أخرى بما أنه ابتسم لها أخيرا...

" مالذي تعشقه بي ؟"

فأجابها بعد صمت وتمعن في ملامحها الناعمة وعينيها الذابلتين وهو بلاعب أناملها ...

"أعشق الطريقة التي تتنفسين بها وأنت بين يدي أعشق ايقاع ضربات قلبك التي تعلو وتنخفظ مع كل إيماءة مني أو كلمة "

كان هذا كافيا لتنسى نفسها البائسة وحياتها السوداوية وتحلق بلا أجنحة إلى آفاق فسيحة أو تغوص بلا زعانف في أعماق سحيقة بعيدا عما كان يهزها هزا، تلك الهواجس المخيفة والافكار السوداوية والصور الكتيبة سامحة للنوم بأن يداعب جفونها.

في صباح اليوم التالي استيقظت على صوت المنبه فوق المنضدة قرب السرير التفتح عينيها وترفع رأسها بتثاقل ملتفتة إلى الجانب الفارغ من السرير به ورقة صغيرة، فالتقطتها لتقرأها ...

"صباح الخير أيتها الكسولة، هيا حركي مؤخرتك عن سريري أنا بانتظارك في مكتبي " ضحكت من سلاطة لسانه وهي تنهض بنشاط لنتجه إلى حمامة الباذخ عازمة على استغلاله

أبشع استغلال.

کان به نظام ذكي يستجيب للأوامر الصوتية، فطلبت أغنيتها المفضلة لتسمعها تصدح في أرجاء الحمام Edith Piaf I je ne regrette rien وهي تملأ الحوض بمستحضرات الاستحمام الخاصة به عن عمد لتأخذ حمامها بسعادة وبعد أن انتهت لفت إحدى فوطه على جسمها لنتجه إلى غرفة ملابسه...

مع كل خطوة تخطوها في المكان كانت ذاكرتها تستعيد كل تفاصيل تلك اللحظات الماضية. تذكرت فكرتها المجنونة أنذاك حين ارتدت قميصه وخرجت أمام الناس عبر شرفته، خبات وجهها بيديها لاعنة نفسها وأفكارها الغبية، لكنها ممتنة لها فلولا تلك الأفكار ما حررها وما أدرك أن تملك قلبها ليس بالسهولة التي تخيلها كما يحدث مع الجسد المادي الفاني.

فترك كل شيء ليحصل على كل شيء على أقل من مهله وبأسلوبه الفريد من نوعه، هي مغرمة بأشيائه، فقد نسجت علاقة حسية معها، أنفها قد أغرم برائحة سجائره الفاخرة وعطوره الباهضة الثمن، عيديها عشقت مظهره الأنيق ببدلاته ذات الخامات النادرة وتفاصيل غاية في الدقة وساعاته المميزة، مظهره هو تغدية بصرية لكنها مضرة للقلب ومفسدة العقل.

نظرت إلى إحدى ساعاته لتدرك تأخرها عليه فأسرعت في تجهيز نفسها على قبل أن يجلدها بلسانه السليط ثانية..

اوصلها أحد الخدم إلى باب مكتبه وغادر لكنها لم تطرق الباب إلا بعد أن اشبعت بصرها بجمال الزخارف المنقوشة عليه وروعة مزهرية عملاقة من الخزف الصيني العريق واقفة بشموخ عند المدخل.

دخلت اتجده جالسا على كرسي مكتبه وفي يده بعض الأوراق ليشير لها بالاقتراب بينما يطفئ سيجاره نافتا بقايا دخانه في برود....

"صباح الخير"

ابتسم لتحيتها الصباحية في صمت وهو يعيد ضهره إلى الخلف محدقا بها، لتعقب على عدم رده التحية...

"رد التحية لن ينقص من هيبتك وغموضك شيئا أيها الزعيم المبجل"

ليشير اليها أن تقترب أكثر...

" الأمر لا علاقة له بالهيبة والغموض، فقط أحب أن أعطي لكل شيء حقه، تعالي الأربك كيف

يجب أن تقولي صباح الخير الزعيمك المبجل"

طبعا هي تدرك ما يرمي إليه وإلى أين ستؤول الأمور أن اقتربت تيا وكأنها تهتم إلى أين ستؤول الأمور فقط اقتربت بقلب يخفق حماسا وجسد يشتاق لأنامله الماهرة، فجذيها لتجلس في حجره...

" هكذا يجب أن تفعلي من الآن وحتى الممات"

ليطبع قبلة على شفتيها برقة معهد الأخرى أعنف وأحز قبل أن يبتعد ليرى أثر ما مارسه عليها بفخر وانتشاء.

تذكرت أول مرة أجلسها في حضنه ليطعمها، رغم كل مشاعر الكره والخوف التي الثابتها نحود. لكن الوضع تغير بشكل دراماتيكي منذ ذلك الحين والقلب الكره إلى الحب والخوف إلى الأمان.

اخرج علية من درج مكتبه وهي لا تزال في حضنه فتفاجأت حين فتح العلبة ورأت خاتما مرضعا يأسر الأبصار يلمعان الماساته المبهرة.

أمسك يدها اليمنى وألبسها الخاتم قائلا...

"قريبا ستحملين إسمي بتوقيعك على وثيقة ملكيني لك حينها لن يبعدني عنك سوى الموت "

لم يكن عرض زواج مثالي كما تحلم به أي فتاة، وما كان ليكون كذلك مع هذا النوع من الرجال. بل كان قرارا قد نفذ وإرادة قد فرضت من قبله دون أن ينتظر موافقتها، وهذا قد شوه فرحتها وجعلها ناقصة.

للحظة لم تدري ماذا تقول أو تفعل، طبعا لن تهنئ نفسها وتحتضنه لكنها لن تعترض على طريقته في تسيير وتقرير كل شيء بدلا عن ذلك قالت بملامحة مندهشة...

"هل تدرك أنك هكذا خربت فرحتي، لم تترك لي مجالا حتى لأقول لك "أنا موافقة"

داعب شعرها وهو يتأملها باسترخاء...

وهل ظننتي أني سأنتظر سماع موافقتك لأتزوجك ؟! كان لديك يوم كامل لتقوليها ولم تفعلي " ر مقته بنظرة جانبية ...

" يعني ستتزوجني بالغصب مثلا؟"

قطاب حاجبيه يرمقها باستغراب...

" بالغصب احذري ما يخرج من تغرك يا فتاة، هذا منقصة في حقي لا أرضاها أبدا، أنا أوفر عليك هذا التردد والخوف وأتفادى مزيدا من الوقت الضائع بدون أن تكون فيه معا، ألفذ رغبة كلينا. مشكلتك أنك لست صادقة حتى مع نفسك وسبق وقلت هذا ولم يعجبك، أنت تحترقين لتكوني معي وتحتي، لكنك تكابرين "

احمر وجهها خجلا غير مصدقة لما تسمعه وفجأة أدارها نحوه جاعلا سافيها تحيطان خصره....

سوف أقدمك لعائلتي بصفتك خطيبتي، انتقي عباراتك بحذر، ولا تطيلي في الكلام معهم. اخوتي الأوغاد قد يربكونك بأسئلتهم ما إن ينفردوا بك أعرفهم جيداً، فحذاري أن يقلت لسانك. فلا أحد من إخوتي يعرف حقيقة أنك صاحبة الديوس المسموم "

التبتسم بمكر....

"حتى تحافظ على هيبتك أمامهم أليس كذلك ؟"

فضغط بقبضته على خصرها وشيخ ابتسامة ساخرة تظهر على طرف شفتيه...

حتى احافظ على صورتك أمامهم وعلى حياتك أيضا، لا داعي لتكسبي اعداد آخرين، يكفي ما تركه لك والدك "

ضغطت على استانها التسرها في نفسها قائلة....

" يبدو أن تركة أبي صارت من تصيبك أيضا"

سكنت قليلا ثم سألته أمنة أن يجيبها...

"ماذا كان يقصد منتحل صفة الصحفي ذالاب رفاق العذاب" يبدوا أنه يعرفك جي.."

لبرد مقاطعا سيل أسئلتها ...

"أريحي عقلك الصغير من التفكير فيما لا يعنيك ولا تنبشي عن اشياء لن تستطيعي تحملها أو استيعابها "

أرادت أن ترد غير أن طرقا في الباب منعها لتهم بالنهوض عنه فمنعها ضاغطا على خصرها بحيث احتك أسفلها برجولته التشهق ...

يمان سوف يرانا أحد بهذا الوضع المحرج"

أحب خجلها وخوفها واضطراب جسدها على جزئه السفلي هذا منحه متعة ورغبة في احراجها أكثر، كلما كانت تحرك جسدها لتنهض عنه، يتشبت بها أكثر سامحا للطارق بالدخول ليمعن في احراجها دون اكثرات

"أدخل"

جاعلا فاليريا في موقف محرج فتمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها على أن يراها أحد من سكان هذا القصر في تلك الوضعية المخلة وفستانها الأسود قد ارتفع ليكشف عن ساقيها العاريان.

سمعت صوت الباب يفتح ثم يغلق ليتبعه مواء مؤلوف لديها فالتفتت لترى قطتها فصاحت يفرح..

snow"

ايتها المتسكعة ابن كنتي ؟."

أحد وضع القطة عند المدخل وغادر ليقول الزعيم...

ها هي مسخك قد عادت تفقدي مؤخرتها لاحقاً، الآن سننزل للقاء ال أوزيتش... خطيبتي الجميلة "

نزلت ممسكة بده وقلبها يخفق للحدث المهم في حياتها واللقاء المرتقب بينها وبين عائلته التي

يحيطها بهالة من القداسة والغموض.

في قاعة الطعام كان الجميع جالسا على مائدة الفطور التي ضمت أكلات غير اعتيادية، خمنوا أنها أصناف جديدة لأجل ضيفة الزعيم الغامضة وهذا يعني أنها ضيفة مهمة ليخصص لها الزعيم

مقعدا بجانبه، ويضيف تلك الأصداف على القائمة.

كانوا يتساءلون يدردشون القاعة تضح بأحاديثهم ومشاكساتهم سرعان ما عنها صمت وترقب ليقموا من أماكنهم فور دخول الزعيم وضيفته التي كانت فتاة جميلة الظلة بملامح ناعمة

وبريئة مفعمة بالحياة كلها الغة وكبرياء بمشيتها ووقفتها وكل حركة تصدر منها.

نظر الجميع نحوها بإعجاب وتسألوا عن هويتها فلم تتأخر إجابة الزعيم عن تسألهم النابع من أعينهم دون الافصاح ...

أقدم لكم فاليريا ما تشافارياني، خطيبتي "


تعليقات