رواية جحيم عينيك الفصل السابع عشر 17 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل السابع عشر 

الرقصة

بعض الحرائق حدائق

هكذا تكون عيناك الخضراء حين تلتهب بنيران الغيرة

ماذا ؟ خطيبته ؟

كأن كل واحد منهم تلقى صفعة على وجهه حتى دارت به الأرض، هذا كان صادما للبعض ومفاجنا للبعض الآخر فاغرين فاههم، وأولهم مارسيلا التي عرفتها من أول وهلة، تلك الفتاة التي نقمت عليها وظنتها غريمتها الآن فقط اتضح لها أن لوكاس بريئ مما اتهمته به، وأن الزعيم ذو الملامح الصارمة والمشاعر الباردة هو صاحب ذلك الشعر الماجن، احتمال أن يكون هو قائله لم يخطر على بالها أبدا.

سحقا كان الموقف حقا محرجا لمارسيلا لكن لحسن الحظ أنها لم تصرح لها يوما بما يدور في عقلها الأخرق من شكوك.

الدهشة لم تستثني ضياء منار ويلتشن ليهمس ضيا بصوت خافت المنار...

كم كنت سأستمتع لو كانت سارة هنا"

فردت منار بنفس النيرة المنخفضة...

"لا أعتقد أنك ستفرح إن اجهضت جنينها أيها المختل"

كان أراس يمرر بصره بين الثنائي المعجزة والإخوة المصدومين يراقب ملامحهم وردات فعلهم في مشهد نادرا لن يتكرر...

تلك الفتاة تملك شيئا أقوى من الوجه الحسن والقوام الممشوق والأنوثة الصارخة حتى تحولت من فريسة إلى صياد اصطاد الزعيم نفسه.

لفت دخانه بسخرية لاعنا في سره مطرقة الهوى التي فتت قليا متحجرا كقلب الزعيم فالتفت ليرحب بهما ويهنتهما على هذه الخطوة المفاجئة لكن صوتا حنونا يبعث الراحة في النفوس جاء من مدخل قاعة الطعام كاسرا طوق الأعين عن فاليريا.

التفتح ذراعيها بكل حب وهي تتقدم باتجاهها ...

"مرحبا بكنة آل أوزيتش المستقبلية بين عائلتها الجديدة"

ما إن التقطت أذني فاليريا صوتها الدافئ استدارت كأنها تريد التأكد من صاحبة الصوت المألوف

الذي طالما ترك في نفسها شعورا بالطمئنية والسكينة.

إنها انستازيا مديرتها في العمل السابق للوهلة الأولى تفاجأت وارتبكت لكنها سرعان ما تماسكت لعدم وضوح صفتها أو موقعها في العائلة، لتشعر بيديها تربتان على ضهرها معانقة إياها بكل محبة.

فما كان منها إلا أن بادبتها الحضن بينما ترمي بصرها باستغراب وربية على الزعيم بوجهه الخالي من أي تعبير وهو يشعل سيجاره بهدوه نام.

ما أن سحبهه من قمه بعد أن أخذ نترة قوية يملأ بها صدره أتبعها عبارات جعلتها تذوب تحت نيابها من الإحراج والغضب في نفس الوقت..

"هذه والدتي انستازيا، أنستازيا لوييز"

صاح عقلها باستنكار وصدمة...

"ماذا؟.. كيف ؟.. يعني أنا كنت أعمل عند والدته طوال تلك الفترة ولم يخبرني؟ هل كانت تعلم بعلاقتي مع ابنها حينها أم لا... ربما فكرت أنني أحوم حولها لأجل إبنها.

كرت بكرة عقلها بأسئلة لا حصر لها والخجل قد غير لون وجنتيها لترمق الزعيم بنظرة وعيد بالويل والثبور.

ابتعدت عنها انستازيا لتنظر إليها وكأنها تطمئنها وأن لا حرج عليها ...

جد سعيدة لرؤيتك مجددا فاليريا"

تابطت ذراعها لنتجه بها نحو أفراد العائلة قائلة بهدوء...

"أعرف ما يدور في ذهنك، ستتحدث لاحقاً يا عزيزتي الآن دعيني أعرفك على إخوة يمان بنفسي "

رافقتها بصمت لتقفا أمام الاخوة فمدت منار يدها للسلام وهي مندهشة مما سمعته، خطيبته .... متى وكيف؟ ولماذا هي دون غيرها ؟ بغض النظر عن جمالها المميز أكيد هناك شيء آخر لفت انتباهه فيها وجذبه إليها، فشقيقها الأكبر يعشق المغامرات والتحديات، أتكون واحدة من تلك التحديات التي يخوضها ؟

نظرت بانيهار إلى خاتم الخطوبة وإلى الألماسة النادرة والنفيسة التي تزين الخاتم بدقة وحرفية عالية..

"مرحباً بك بيننا فاليريا".

التكتفي هي بإيماءة صغيرة ...

"شكرا."

نفس الشيء حدث مع ضيا ويلتشن ليأتي دور مارسيلا فتلقت منها معاملة عكس ما تعودت عليه، معتقدة أن تغير صفتها من عاملة عندها إلى خطيبة الزعيم هو السبب في تغييرها الايجابي.

بعد التحية والتهاني والتعارف المقتضب، انضموا المائدة الطعام حيث جلس الزعيم على رأس المائدة إلى يمينه والدته وإلى يساره تجلس فاليريا طبعا إنها خطيبته وزوجته المستقبلية.

لم تتخيل يوما أنها ستجلس هكذا جلسة بين أفراد عائلته، كلهم لم يعلقوا على خير الخطوبة أو يبدوا رغبة في التعرف عليها أكثر، مكتفين بعبارات التهاني المقتضية والمتعارف عليها بين الغرباء.

لكن الموقف لم يخلو من بعض الاسئلة السطحية عن الدراسة والعمل وغيرها، حتى تعاملهم مع أخيهم الأكبر يتسم بالاحترام المبالغ والمهابة الثقيلة إذ لا داعي لها في مجمع عائلي خاص كهذا. فلا أحد شاكسه أو مازحه أو أبدا نوعا من العاطفة نحوه.

فكرت ان هذا مرده لأنهم لا يستطيعون التكهن بردة فعل أخيهم الأكبر أمام خطيبته فلا أحد بود أن يحرجه الزعيم في أول لقاء مع الكنة المستقبلية.

كانت تنظر اليهم جالسين بهدوء لا يأكلون ولا يشربون كأنهم ينتظرون الإذن للبدء، وهذا ما حصل بالفعل ما إن أشار إليهم الزعيم حتى بدأوا في تناول طعامهم في صمت.

الوحيدة التي كانت بشوشة الملامح سلسة التعامل في انستازيا واحيانا مارسيلا، لكن الباقي كانوا بين صامت وجامد أو خائف من أن يسأل.

هل كل هذا بسبب الزعيم ؟ هل يهابونه لدرجة أنهم لا يستطيعون ابداء رأيهم؟

التفتت بعينين محتارتين إلى الزعيم الجالس ببرود يراقب عائلته كأنه يحرسها حتى يتناول أفرادها حصصهم من الطعام كالأطفال ولا يبقوا شيئا في أطباقهم، ترى في أعينهم تساؤلات مسجونة تنتظر أن يغفل عنها سجانها لتنطلق.

كانت متحمسة سعيدة ومحتارة في الطريقة التي يجب أن تتكلم بها وتكسر حاجز الصمت وتذيب الجليد الذي وصم جو الفطور العائلي بحظور ملك الجليد طبعا.

أكثر ما شئت عقلها عن التركيز في هذه المهمة هو صدمتها الجديدة حين تعرفت على والدة الزعيم، كيف لا يخبرها ويتركها غافلة كل تلك المدة؟

هو ووالدته جعلاها كالمغفلة حقا، ذابت خجلا حين تذكرت زيارة انستازيا لبيتها.. الآن فقط فهمت سبب تطفلها وفضولها ذلك اليوم، وسبب ابتسامها وهي تتفحص زجاجة المشروب الخاص بإبتها ....

كان يجب أن ترد على ما فعله الزعيم معها بأسلوبها الخاص حتى تذكره أنها تسدد ديونها بمهارة. فقررت أن تكسر حاجز الصمت وتعلن عن نفسها وتصنع الفرق بوجودها، لن يظل الأمر هكذا.

إن كانت هذه طقوس تناول الطعام لدى آل أوزيتش فسوف تغيرها، نعم سوف تكسر القاعدة.

بوجودها لا شيء يظل جامدا بلا روح.

نظرت إلى الزعيم كاتمة لغيضها منه وأخذت نفسا عميقا قائلة وهي تلتقط قطعة بانكيك وراحت تدهنها بالنوتيلا رغم تحذيره لها من أن تفسد قوامها الرشيق.

"عزيزي... لقد اكتشفت أن الوسامة والجمال متأصلة في جينات العائلة، اشقاؤك يتسمون

بالوسامة المفرطة، لابد أن لوالدتهم الفضل في ذلك"

لا أحد تجرأ على نطق اسم هاندا في القصر منذ أن غادرته حتى جاءت هي وفعلتها، كان هذا مفاجئا للأخوة ومثيرا لإهتمامهم، أنها فتاة شجاعة حقا.

التفتت إليهم هاربة من عاصفة بدأت تلوح في الأفق بين طيات وجهه العبوس، داست على اللغم

بذكرها لزوجة أبيه الكريهة، لكنها كانت بحاجة للتكثير عن أنيابها.

سحقا !! لم يمهلها حتى تفعل ذلك لتشعر بيده تأخذ طريقها تحت ثوبها تداعب فخذها بشكل الهب دواخلها، شعرت بالاحراج والخوف من أن ينتبه أحدهم، هذه اللمسات لك تكن إلا اشارة منه بأنه هو الأعلى والمسيطر ؟ لم تكن حتى محاولة لامتصاص غضبها يتشتيت ذهنها بل تسلية

اللعب بأعصابها.

كلما كانت انامله المتلاعية تغوص بين ساقيها كانت تنهار فعليا وتعض فمها من الداخل مائعة نفسها من الآتين، مزيج جنوني بين الخوف والمتعة والخزي، بينما لم يبدي هو أية ردة فعل، بل

لم ينظر إليها حتى.

التقرر سحب نفسها من تلك المتعة المخدرة للعقل وتهاجمه لأن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم

بما أنها لم تفلح في إبعاد يده لتستجمع قوتها قائلة ...

"كنت أتمنى أن أتعرف على والدتكم السيدة ...؟"

ضيقت عينيها في تساؤل كاذب...

"ما كان إسمها ؟!.."

فسارع ينتشن إلى تذكيرها لتقاطعه رافعة حاجبيها...

آه تذکرت هاندا أليس كذلك ؟ "

فهز يلتشن رأسه إيجابا ...

بلى، لكنها خارج البلاد الآن"

فابتسمت متجاهلة نظرات الرصاص المصوبة نحوها من الزعيم ولمساته التي كانت رقيقة

وتحولت إلى قبضة قاسية على جلدها لكنها واصلت بقلب جسور..

حتى لو لم أراها، أكاد أجزم أن مدار نسخة منها "

فوجئت مدار بكلامها واعجبت بجرأتها لترد بابتسامة حزينة بعد تذكرها لوالدتها ..

" فعلا أنا أشبه أمي، لكنها أجمل بكثير

هنا قاطعهم الزعيم موجها كلامه الفاليريا وهو يقلب الملعقة في فنجان القهوة بيد وبالاخرى

يقلب كيانها حد الذوبان...

" من الأنطاف الإلهية علينا أنهم لم يرتوا عنها سوى الشكل الخارجي وإلا ضاعت الثروة في

صالات الكازينو والقمار أو في نوادي الفاشلين من العوانس والشواد"

عم صمت تقيل صالة الطعام حتى قرر أحدهم تجاهل كلام الزعيم المستفز بحق والدتهم، ذلك الشخص كان ضيا الذي ابتعد نوعا ما عن إثارة المتاعب مع الزعيم بعد زيارته الأخيرة لمنفى والدته الذي يمكن وصفه ب فقام النعيم قصر بديع، طبيعة خلابة، خدم وحشم، أمه تحضى بعناية الزعيم وهو من كان يعتقد أن أمه تعاني وتتعرض للتعذيب أو ربما كانوا يطفئون سيخا محميا تحت ابطها، تيا كيف سمح لتلك الترهات أن تكتسح عقله، قائلا...

وانت من تشبهين من والديك ؟"

ابتسمت متجاهلة غصة عالقة بحلقها حين تذكرتهما ومتجاهلة أيضا عبث انامل الزعيم بمشاعرها ...

" أنا أشبه أمي شكلا وأننيه أبي طبعا "

ليرد عليها بحماس....

"سوف انتظر نقاء هما في القريب العاجل"

فقاطعهما صوت الزعيم...

" والدا فاليريا متوفيان، لا عائلة لها سوى عمها وأولاده

رمقها بنظرة غربية ليواصل...

والآن صرت أنا عائلتها وستصرون أنتم كذلك... بعد أسبوع من الآن ستحمل لقب أوزيتش"

نظرت بصدمة إليه تحاول الاستيعاب بينما سحب يده بعيدا عنها تاركا فوضى من المشاعر داخلها....

ساد الهدوء في المكان من جديد مع كل قبيلة يطلقها باتجاههم، لم يستوعبوا بعد مفاجأة. الخطبة وها هو يعلن عن موعد الزواج بعد أسبوع واحد فقط، كيف يمكن التحضير لزفاف فخم في أسبوع !؟ هذا ضرب من الخيال !!...

لكن حين يتعلق الأمر بزعيم مافيا يحكم قطرا كبيرا من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية لا شيء مستحيل، لكنه صعب بالنسبة الغاليريا التي عاودها الشعور بأنها تساق كالاضحية إلى المذبح ...

كيف يقرر عنها أمرا مصيريا ومهما كهذا؟ وتعرف به كأنها شخص مدعو للزفاف وليست العروس

لماذا لا يترك لها مجالا لتعيش هذه الخطوة المهمة بكل مراحلها وتفاصيلها كما ينبغي لأي قناة ان تعيشها، هي تحبه وتتمنى أن يكون لها اليوم قبل الغد لكنه زفافها، اليوم الذي تنتظره كل فتاة. الليلة الموعودة، كل البنات يأخذن الوقت الكافي ويستمتعن بكل التفاصيل والتحضيرات ويسهرن عليها.

لكن ما وقع في نفسها تقيلا كالجبال هو أنه يسلبها إرادتها الحرة ويتعامل معها كأنها حيوان أليف يقرر عنه ما إذا كان يحتاج للتعقيم من عدمه...

هذا جعلها لا اراديا تضغط فكها من الغيض موشكة على الانفجار لتتدخل أنستازيا في آخر لحظة

بعد أن فطنت إلى الزعاجها....

"بني.. الا تظن أن الأسبوع غير كافي للتحضير للزفاف؟"

ليرد وهو يتفقد هاتفه غير عابئ بفاليريا...

"لو عاد الأمر لي لما أقمته من الأساس ولتزوجتها اليوم قبل الغد، سوف تبدأ التحضيرات ابتداءا من اليوم كل شيء سيأتي بطائرات خاصة من باريس أما الدعوات فهي قيد التحضير كل واحد سيتسلم قائمة المدعويين قل يضف إليها من يشاء "

أنهى كلامه لينهض عن كرسيه مغادرا الصالة واضعا الجميع أمام الأمر الواقع، ليوجهوا انظارهم نحو فاليريا باشفاق بعد أن يدا على ملامحها نوع من الصدمة فمن الواضح أنها علمت للتو بقراره كانت تغرق في شعور بالدونية والاختناق من نظراتهم لتقوم من مكانها مسرعة الخطى تحاول اللحاق به...

كيف تحدد موعد الزفاف بهذه السرعة ودون الرجوع لي !؟"

لفظت كلماتها تلك بمرارة واستهجان غير أنه لم يتوقف أو يلتفت إليها بل واصل طريقه في ممر طويل بينما تجاهد للحاق به وجعله يلتفت إليها بلا جدوى حتى توقف فجأة أمام باب إحدى الصالات الفاخرة لتصطدم بظهره فرفعت رأسها إليه لتحتج غير أنه جذبها من خصرها ووضع يده على فمها كاتما صوتها ....

"ما جادت به قريحتك البلهاء في صالة الطعام سوف تعاقبين عليه لاحقا، أما الآن يوجد خلف هذا الباب عمك وابنته، جاءا للإطمئنان عليك وتقديم التهاني من المعيب أن تستقبليهم بوجه عبوس، ادخلي وأنت مبتسمة وفخورة بكونك ستصبحين زوجتي.. ارفعي رأسك عاليا... مفهود؟"

سحب يده من فمها ينتظر ردها بملامح صارمة وحادة لا تدع مجال للرفض اصلا، فابتلعت ريقها مومئة برأسها لتؤجل جدالها معه إلى وقت لاحق، فهزت رأسها موافقة....

"مفهوم."

التتفرج أساريره قائلا وهو يرجع خصلات شعرها المبعثرة خلف أذنيها ....

"فتاة جيدة."

فتح الباب ليمسك يدها داخلا الصالة وما إن التقت نظرات فاليريا وإيلا حتى التقنا في عناق حار ومفعم بالمشاعر بينما لم يتحمل سيمون المنظر لتدمع عيناه غير مصدق أنه يراها أمامه بصحة جيدة بعد ما حصل معها مؤخرا.

مشتتة لا تدري من أين تبدأ حكايتها الجديدة القديمة وكيف ستفسر اختفاءها المفاجئ من جديد فعادت بها الذاكرة إلى اليوم الذي أطلق فيها الزعيم سراحها ليستلمها أهلها، تبا نفس

الإحساس لكن بتفاصيل مختلفة ووضع اكثر تعقيدا.

وهي في غمرة لقائها بعائلتها انتبهت أن الزعيم غادر الصالة لتتفرد بهم والغريب في الأمر أن عمها يعلم بكل تفاصيل ما حدث وأن والدها قد الخبره انه يقوم ببحث خطير قد ينهي حياته لكن عمها لا يعرف مضمون ذلك البحث ولم يتوقع أن ذلك البحث المشؤوم سيعود ليلقي بظلاله على ابنت أخيه من بعده.

حين رأى الحيرة في عينيها أخبرها أن الزعيم استدعاه وأطلعه على كل شيء، كما أنه قد وفر له طوقا أمنيا حول بيته لحمايته وأولاده واستطرد في الحديث قائلا...

" في البداية لم يعجبني بقاؤك معه، فلا علاقة تربطكما هو رجل غريب عنك، لكنني قبلت مجبرا كونه هو الوحيد القادر على حمايتك "

اردف بابتسامة ساخرا من نفسه...

" إن كنت أنا وأولادي تحت حمايته أصلا فكيف سأحميك، فاقد الشيء لا يعطيه يا عزيزتي، وما جعلني اطمئن عليك أكثر وأراح قلبي أنك في قصره بين أفراد عائلته بصفتك خطيبته وزوجته المستقبلية، لا أريد نيش الماضي أو البحث عن تفاصيل وحيثيات علاقتك به، فقط يكفيني أنه عاملك بما يليق بك وطلبك مني بطريقته الخاصة.. لكنها مجدية بالنسبة لي، فلا أحد يضحي بحياته ورجاله وزعامته لأجل امرأة، أتمنى لك حياة سعيدة معه من أعماق قلبي"

هذا هو العم سيمون ذلك اللين العطوف والمتفهم، تقفى مصلحة ابنة اخيه وتماهى معها وتقبلها بصدر رحب، بث الطمئنية في قلبها وسد ذلك الخرم المفتوح على العواصف داخلها لتهدأ نفسها وتستكين أخيرا...

لكن العنيدة الثائرة التي تسكنها لم يعجبها هذا الكلام إذا لم يكن أوانه قد حان، لقد طلب يدها من عمها دون إذنها وقرر كل شيء وحدد الموعد وهي عليها أن تذعن له بكل خضوع واستسلام وهذا مناف لطبيعتها وضد قناعاتها ...

أما إيلا فأجلت افراغ ما في جعبتها إلى أن تنفرد بقريبتها، هي أيضا لا تزال مصدومة مما حدث. فالاقدار منحتها حياة جديد فلو كانت يبيتها ذلك اليوم لكانت معلقة في خطاف بجانب نازلي المسكينة.

غادر العم سيمون تحت حراسة أمنية بعد جلسة مطولة لتبقى إيلا بالقصر بطلب من فاليريا فهي تحتاج للبوح بما يخالجها وهي بيت أسرارها قد لا تجد عندها حلا لما تعانيه لكنها أفضل من يصغي نعا ويفهمها وهذا أكثر من كافي بالنسبة لها.

رافقتها إحدى الخادمات إلى غرفتها على أن تلتحق بها بعد قليل لتتجه إلى غرفة أنستازيا عازمة على عدم تأجيل المواجهة بينهما أو بعبارة أقل مبالغة الحوار، فلا يمكن أن تتصرف بأريحية معها دون توضيح موقفها وتبرئة نفسها من أى شبهة أو شك قد يساورها ناحيتها.

يا إلهي أنها أضعف من أن تتكابل عليها كل هذه الصدف العجيبة، تأففت وهي تتذكر يوم زارها في عملها وجعلها تحضر له باقة ورود على ذوقها، كانت طوال تلك المدة تحت نظره وداخل دائرته المقربة .. كانت تعمل عند والدته وهي كالمغفلة لم تشك حتى.

سحبت نفسا عميقا وطرقت الباب لتسمع صوتها الدافئ من الداخل يسمح لها بالدخول... "تفضل .."

دخلت لتجدها جالسة أمام حاسوبها تراقب سير العمل في محلاتها، لتغلقه فور رؤيتها لها لتقوم من مقعدها وتقترب منها بابتسامتها المعهودة...

"لقد كنت أراقب سير العمل من بعيد بعد تعذر ذهابي لأسباب أمنية على حد قول يمان"

نظرت إلى الشرفة المطلة على حديقة القصر لتستطرد...

بت أشعر وكأنني في ثكنة عسكرية مع كل هؤلاء الحراس المنتشرين حول القصر وداخله فلا تتفاجني إن صادفت مقنعا يحمل سلاحا بنصف طوله في أحد الزوايا "

لترد فاليريا بكل بأسف...

"صراحة، أشعر بالاحراج كوني السبب في إفساد حياتكم الهادئة، فإنقاد يمان لي أوقعه في المتاعب "

التقترب منها أنستازيا أكثر وتضع كلتا يديها على ذراعيها مواسية....

"لم أقل هذا الأحرجك أو الومك بل الأشعرك بقيمتك ومكانتك في قلب يمان ... وقلبي أنا أيضا. بشخصيتك المفعمة بالحياة، ستنالين محبة كل أفراد العائلة.

أنا أحببتك منذ اللحظة الأولى التي رأيتك فيها تطلين علينا من الشرفة، لا بعيني المجردة، بل بعين قلبي التي أبصرت فيك ما لم يبصره الآخرون في تلك الجلسة.

رأيتك في عيني ابني، ومن تلك اللحظة عرفت المكانة التي ستبلغينها في حياته، وحددت موقفي منك على هذا الأساس.

الاحقا، عرفت بالصدفة أنك تعملين في أحد فروعي، فشعرت برغبة في الاقتراب منك والتعرف إليك، لا لأنك على صلة بابني - فلم تكوني قد ذكرته أمامي يوما - بل لانني كنت أرى فيك شيئا مميزا.

وبصراحة، مع طباع يمان الباردة والفظة، لم أكن أتوقع العلاقة دافئة أن تستمر خاصة مع امرأة. لكن مع مرور الأيام ازداد يقيني بك، فدعوت الله أن تكوني من نصيبه. ابني عانى كثيرا، ويستحق إنسانة مثلك إلى جانبه

لم أخبرك من البداية أنني والدته، لأنك لم تذكريه أمامي، ولم أركما معا من قبل، وهو بطبعه يحيط حياته الخاصة بهالة من الغموض.

فكيف لي أن أتي وأقول لك ببساطة: أنا والدة الزعيم ؟"

أومات سحر بتفهم وهي تطرق رأسها في الأرض فأدركت أنستازيا أن لا سبيل لكسر حاجز الرسمية والبرود غير التراجع خطوة إلى الخلف وفتح ذراعيها لها قائلة بابتسامة دافئة...

عناقنا صباح اليوم كان جافا ورسميا، سأكون سعيدة لو بادلتني حضن الابنة لأمها، فزوجة الاين هي ابنة ثانية"

هزت كتفيها ضاحكة ...

" على الأقل بالنسبة لي"

فكانت حاجة فاليريا بأمس الحاجة لهذا العناق الحار فبادلتها العناق مكتفية بالصمت وهي تسمعها تقول ...

لا تخافي يا صغيرتي، سوف تكونين أجمل عروس شهدتها تركيا، وسيكون زفافك أسطوريا كزفاف الملوك والأمراء، كل شيء سيكون أفضل مما حلمتي به صحيح أن الاسبوع سيضغطك نفسيا وجسديا، لكن ما باليد حيلة، هذا قرار الزعيم ولا يقبل النقاش، تأكدي أنني سأحرص على جعل هذا الاسبوع مفعما بالحب والفرح بين أهلك وأصدقائك، وسيكون أجمل ذكرى لك مدى الحياة"

أمام هذا اللطف والحب الذي غمرتها به شعرت أنها مدينة بالاعتذار لما بدر منها على مائدة الطعام، حين كانت تمدح غريمتها وعدوة ابنها أمامها فقالت بتردد...

"أنا أعتذر إن ضايقك كلامي بخصوص هاندا"

لترد انستازيا بعدم اكثرات...

"لقد فطنت إلا أنك كنت غاضية وتحاولين استفزاز الزعيم جميل أن تفرض المرأة نفسها وتدافع باستماتة عن كرامتها، لكن كوني حذرة في التعامل معه، فالذكية هي التي تعرف متى تشد الحبل ومتى ترخيه حسب المكان والزمان ووضع الرجل خاصة بين الناس"

عادت لغرفتها وقد أزاحت عن كاهلها بعضا من النقل لكن الضغط والضياع یزدادان جاعلین کل محاولاتها للتحرر تبوء بالفشل لتشعر أن لا فائدة من ذر الرماد في العيون

لاحظت إيلا شرونها وحيرتها لتسألها باستغراب...

"لا يبدين كفتاة يفصلها عن موعد زفافها أسبوع واحدا ما الأمر فاليريا ؟"

اخذت نفسا عميقا وهي تمرر المشط بين خصلاتها الكستنائة وهي تنظر لانعكاس إيلا في المرأة...

" وكيف يجب أن أبدو، هل ارقص فرحا مثلا؟"

فوق السرير أعادت إيلا ذراعيها للخلف تنكن عليهما قائلة بتهكم...

فقط افتحي باب هذا القصر واهربي إن كنت غير مستعدة لتكوني سيدته، فقط اديري ظهرك وارحلي، انظري لوجهك في المرأة وستدركين كم؟ العبوس الذي يعلوه "

نظرت لوجهها في المرأة لترى ملامحها العابسة فاشاحت عنها واستمرت بتسريح شعرها نافية بالفعال خارج عن إرادتها.....

أنت تتوهمين، كل ما في الأمر أنني مرتبكة قليلا، فزفا في بعد أسبوع واحد لعين .. فقط ..

رمت المشط با همال فوق التسريحة لتستند على الأخيرة ماسكة رأسها بتعب لتسمع خطوات إيلا نتجه نحوها ...

"لماذا أنت قلقة إذا كان الزعيم هو من حدد موعد الزفاف وسيتكلف بكل شيء، تكونين ساذجة ان اعتقدتي أنه لن ينجح في ابهارك بزفاف أسطوري يكون حديث كل العالم"

رفعت رأسها تنظر إليها وهي تتنهد بتعب....

"ليس هذا ما يزعجني إيلا، ما يزعجني أنني لم أشارك في اتخاذ هذا القرار لقد علمت بموعد الزفاف كغيري من أفراد العائلة، تخيلي خدمت مثلهم وكان علي إخفاء صدمتي حتى لا أبدو الغبية ومثيرة للشفقة إيلا، وهذا لا يناسبتي لست مسلوبة الارادة وعديمة الشخصية أو قاصرة التفكير لهذه الدرجة حتى يتحكم بي طريقة عرضة للزواج وكيف البستي الخاتم كل هذا تقبلته . وأعجبني لأنه أشعرني بمدى حبه وحاجته لوجودي في حياته بصيغة رسمية ومحترمة"

قاطعتها إيلا حين افتريت منها وامسكت وجه فاليريا بين يديها جاعلة إياها تنظر إليها.....

"هل تحبينه؟ أجيبي ببساطة"

تلالات عيونها الخضراء من دموعها المحبوسة داخل مقلتيها....

"الحب.. كلمة ضئيلة لا تصف ما أكنه له، أنا اكتمل به، لكن....

سألت إيلا بعد تردد فاليريا ...

"لكن ماذا ؟"

أكملت حين أخذت نفسا عميقا ....

لكن فكرة الارتباط برجل صعب المراس كيمان تثير فوضى من المشاعر المتضاربة بداخلي.. أنا سعيدة وخائفة في نفس الوقت.. سعيدة لأننا سنكون معا أخيرا، وخائفة أن أفقد نفسي معه وأصبح صورة باهتة، مجرد زوجة تابعة تعيش في ظل زوجها فقط...

قاطعتها إيلا بثقة وابتسامة ساخرة...

دعي عنك هذه الأوهام والمخاوف الفارغة، أنت فقط مرتبكة لأن زفافك قريب ولا تستطيعين العلمة شتاتك، فاليريا التي أعرف لا تكون ظلا لأحد ولا تخضع بسهولة، هل نسيتي ما مررت به ؟ لو كنت ذلك النوع الطبع من النساء ما تمسك بك واختارك شريكة لحياته، ذلك النوع من الرجال لا يرضى إلا بامرأة قوية تبقي شعلته دائمة الاتقاد وهذا ما رأه فيك، فاليريا التي أعرف تهوى التحدي وتواجه المصاعب ولا تستسلم، زواجك ايس نهاية سعيدة لقصة من قصص الأطفال زواجك هو بداية حياة تناسب روح المغامرة والتحدي التي تتحلين بها فخوضيها بكل شجاعة فالسعادة لا تمنح بل تنتزعها بالقوة من وجه الحياة العبوس "

ابتسمت لسماعها كلام إيلا الذي أذهب عنها بعض الخوف واعاد الهدوء لاضطرابها والعلم بعض الفوضى داخلها، ربما اعلان موعد الزفاف قد عبث بتوازنها واربكها لدرجة جعلتها تنهار لوقت وجيز وأصبح من الضروري أن تستجمع نفسها.

في المساء دخلت فاليريا جناح الزعيم لكنها لم تجده فحاولت الاتصال به بلا فائدة.

أحست أن غيابه لبقية اليوم كان بسبب الفلاشة، ربما تمكن الهاكر من فك شيفرتها والاطلاع على محتواها.

شعورها یزداد قوة داخلها مع مرور الوقت حتى سمعت صوت سيارات في الخارج.

أنه أراس عائد لوحده فهرعت إليه...

"أين الزعيم ؟"

سألته بلا مقدمات ليجيبها بملامح متعبة...

"إنه في رحلة عمل قصيرة وسيكون هنا قريباً، لا تقلقي عليه ."

كيف لا تقلق، صحيح لم يمر على تعرفها باراس سوى يومين لكنها اول مرة تراه متجهم الملامحوهذا يعني أن خطبا ما قد حصل....

"هل للأمر علاقة بالفلاشة ..؟"

عجز أراس عن الرد، وماذا سيقول وهو لا يعرف أين هو الزعيم أساسا...

خفق قلبها من تردده وجموده وقبل أن تعاود الكلام تفاجأت بصوت الزعيم من خلفهما وهو يدخل بوابة القصر...

"لماذا عروسي الجميلة مستيقظة حتى الآن؟ هل تريدين أن تفسد الهالات البشعة جمال وبريق زمرد تايا يوم الزفاف؟"

انفرجت أسارير أراس دون أن ينطق بحرف مكتفيا بزفرة قوية أخرج بها كل ما عاشه اليوم من ضغط عصبي رهيب بينما ارتمت فاليريا في حضنه كطفلة صغيرة ناسية موضوع الفلاشة تماما..

ما إن أبصرته أمامها حتى سارعت لعناقه كأنه الحياة لمجرد أنه غاب عنها اليوم بطولة جاهلة مكانه.

دشت أناملها الرقيقة بين خصلات شعره الناعم تداعب فروة رأسه وهي تعلم كل العلم أن حركتها هذه سيترجمها بلغته هو لا يلغتها هي التبعد رأسها عن صدره بتساؤل...

" وكيف يغمض للعروس جفن وهي لا تدري أين غاب عريسها طوال اليوم"

وقبل أن يجيبها طرق سمعها وقع كعب عالى عند المدخل أتبعه صوت أفسد مزاجها كليا ...

"buenas noches novia.. Qué gusto verte de nuevo.. felicitaciones"

(مساء الخير أيتها العروس .. من الجيد أن أراك ثانية... نهائي للك....

ابقت فاليريا يديها حول رقبة الزعيم وهي تكيل ليا ولا الشتائم في سرها مع بابتسامة صفراء تخفي بها انزعاجها من وجودها...

"..Bienvenida a Turquía, señorita Paula"

تمالك الزعيم نفسه من الضحك على لكنتها وهي تحاول مجاراة باولا بالاسبانية، لكنه أحب ذلك من أعماق قلبه، وأحب الغيرة المتجسدة في نظرتها ونبرة صوتها وتشبعها به كأنها تخبر باولا أنه ملكها وحدها.

اكتفى بالصمت وهو يستمع لحوار الفتاتين حين ردت باولا قائلة بابتسامة شمائة ...

"..He estado aquí por 6 meses"

ومقتها فاليريا بعدم فهم لتعيد باولا التكلم باللغة التي تفهمها....

"أنا هنا منذ 6 أشهر ويسعدني أن أشرف مع الزعيم على تحضيرات الزفاف، وهذا من الأسباب التي أخرتنا في العودة إلى القصر"

ختمت كلامها بابتسامة مسمومة جعلت الدماء تغلي في عروق فاليريا، هي هنا منذ 6 أشهر !!... هذا يعني أنها قد جاءت مع الزعيم حين تركته في إسبانيا.

نيا كم أزعجها معرفة الأمر وأشعل نار الغيرة في قلبها، في الوقت الذي كانت هي بعيدة عنه. تتجرع مرارة الفراق، هو كان يتسلى مع هذه الأفعى الرقطاء، حقا لا يضيع الوقت أبدا !!!...

غلفت ملامحها بالبرود ليسحبها الزعيم من يدها قائلا لبا ولا بنبرة أمرة دون أن يلتفت إليها ...

وزعي القوائم على أفراد العائلة ليملؤوها .. أريدها في مكتبي غدا صباحا"

ثم غادر مع فاليريا إلى جناحه تاركا باولا واقفة كخرقة بالية في المدخل لتنظر إلى أراس

بابتسامة باهتة بينما كان ينفث دخان سيجاره باستمتاع ليشير لها بيده...

"ماذا تنتظرين؟ هيا نفذي ما أمرك به الزعيم "

ما إن وصلا إلى مدخل الجناح حتى توقفت قائلة ...

"كنت أعتقد أن مسألة الفلاشة هي التي شغلتك عني طوال اليوم !"

تجاهل كلامها وهو يفتح باب جناحه مشيرا لها بالدخول التمتنع قائلة بحزم...

"لن أدخل معك إلى الجناح "

رمتها بنظرة ساخرة ...

" ولماذا ؟."

فأجابته بعد أخذها لنفس عميق...

"لن أدخل جناحك إلا وأنا زوجتك، هذه هي الأصول، أسبوع واحد يفصلني عن دخوله كزوجية. إلى ذلك الحين دعني أتدلل عليك كما يحلو لي "

شهقت حين سحبها بحركة مباغتة لتقع في حضنه مبتلها إياها بظلام عينيه وانفاسه الملتهية تلفح وجهها نابسا بنبرة مثيرة...

" فاتورة دلالك علي بدأت ترتفع، بداية بتركك لي في إسبانيا إلى كلامك على مائدة الفطور هذا الصباح، أخشى أن يشق عليك سدادها فيما بعد يا صغيرتي"

ضغطت على أسنانها كاتمة غيضها وغيرتها ...

"حقا... وماذا كانت تفعل باولا هنا منذ 6 أشهر إذا؟ أليس لتسديد فاتورة تركي لك؟ أم أنها لم تفي بالغرض ؟"

اتبعتها بزفرة ساخرة لتواصل...

"هذا إن استثنينا صف اللؤلؤ الخاص بك "

أحكم قبضته عليها وهو يدنو منها أكثر حتى همس لها بصوت بالكاد سمعته ليخفق قلبها بشدة وترتسم ابتسامة خجولة على شفتيها المرتجفتين، كان صادقا وهو يهمس لها بتلك العبارات. وأمام نظراته الجذابة كمغناطيس قوي شعرت بضرورة المغادرة قبل أن يسحبها إلى داخل

جناحه، إلى عالمه الخاص وتفقد نفسها تحت تأثيره السحري.

تراجعت بخطوات إلى الوراء بعد أن أرخى قبضته حتى ابتعدت مسافة مترين لتصطنع نظرات جرو صغير، وبنبرة ماكرة قالت...

تصبح على خير أيها الراهب "

استند يكتفه على الباب وهو يضع يديه في جيبه بنطاله ينظر إليها برغبة حارقة ...

متاكدة أنك لا تريدين الدخول إلى جناحي ؟"

فحرکت رأسها نافية مواصلة تراجعها وهي تودعه بإشارة من يدها ليزفر ساخرا ... "تبالي ."

دخلت غرفة إيلا وأقفلت الباب لتستند بظهرها عليه وصدرها يعلو وينخفض.

اوووه تبا لتلك العبارات التي قلبت كيانها وانستها كل شيء حتى نفسها...

" منذ أن تذوقت طعمك صمت عن كل النساء وجعلتني راهبا زاهدا فيهن."

لم يلمس إمرأة منذ أن تركته في إسبانيا، لا شيء يدفعه للكذب، إنه الزعيم الذي لا يخاف ولا يبالي بمشاعر من أمامه، إن كان الحب يصنع المعجزات فانصراف الزعيم عن حياة المجون أكبر معجزاته حقا.

وهي تحلق بأفكارها الوردية اتجهت نحو إيلا التي خرجت من الحمام ترتدي روب الحمام ومنشفة على الرأس لتمسكها فاليريا من يديها وراحت ترقص وتدور معها على وقع موسيقى منبعة من هاتف إيلا....

Çok Şükür bin şükür

seni bana verene

yazmasın tek günümü sensiz kadere

ellerimiz bir gönüllerimiz bir

vedalar denizler engeldir sevené

bu sarkı kalbimin tek sahibine

استغربت إيلا حالة التناقض التي تعيشها هذه الفتاة، كانت منذ قليل خائفة وغاضبة ومترددة. والآن هي في قمة السعادة والهيام، يمان أوزيتش سيفقدها عقلها عما قريب !!!

الأسبوع كان حافلا بالتحضيرات على جميع الأصعدة حيث وصل جهاز العروس من باريس بطائرة خاصة، جهاز لم تحلم به عروس قط إذ لتحضى به.

اهتمام الزعيم كذلك انستازيا بالتفاصيل الدقيقة للزفاف أبهر فاليريا بل زاد من توترها كلما اقترب يوم الزفاف وغير الزعيم مكان الحفل بعد أن قرره داخل القصر ليستقر في نهاية المطاف على أكبر فندق في وسط إسطنبول مما أثار قلقها بسبب تهديد الأكاديمية، ولم تتردد في إبداء تخوفها من صعوبة ضبط الأمن غير أن الزعيم أكد لها أن كل شيء سيكون على أتم وجه.

تشديد الحراسة على القصر ومحيطه وعدم خروجها منه منذ أن دخلته آخر مرة يؤكد لها أنه لن يسمح بحدوث مكروه وأنه سيؤمن مكان الحفل كما يؤمن قصره.

لكنها استكثرت على نفسها كل تلك التكاليف والبذخ المفرط والاجراءات الأمنية، كانت تريد. زفافا بسيطا لا يحضره سوى المقربون وقستانا من ذوقها لترقص وتحتفل على سجيتها لكن الزواج بشخصية كالزعيم ليس سهلا ولا يترك مجالا للبساطة والتلقائية.

حرص الزعيم على أن يأتي إلى القصر خبراء التجميل ومصصموا الأزياء والاكسسوارات مستشار للحفلات ومدربة الرقص التي كانت تدربها على الرقصة الأولى بشكل مكثف على أن يوافيها العريس ليرقص معها في العرض الأخير قبل يوم الزفاف كونه لا يحتاج لدروس رقص السلو.

حتى معلمة الاتيكيت حاضرة لتعلمها كيف يجب أن تتصرف كعروس أمام الضيوف والشخصيات المرموقة والصحفيين لأكبر الصحف ومجلات المجتمع المخملي.

كيف تخطو وكيف تبتسم، متى يجب أن تتكلم ومتى يجب أن تلتزم الصمت، علموها إشارات معينة لا يفهمها غيرهم لتشير بها في حالة التعب أو الانزعاج من شيء ما كأضواء الكاميرات مثلا كل حركة وإيماءة لها معنى

كما كانت تدور مشاورات ونقاشات بخصوص إطلالة العروس النهائية التي كانت تنخرط فيها العروس ذات المراس الصعب فلا تقتنع بسهولة وغالبا ما تجعلهم يفعلون ما تريده خاصة اثناء بروقا الفستان الأبيض.

كلما احتكت بها أنستازيا وشهدت ردات فعلها تجاه كل ما يتعلق بها وطريقة كلامها، تدرك أكثر سبب اختيار إبنها لها وتفضيلها عن كل نساء الطبقة المخملية بكل شياكتهن وثقافتهن.

فاليريا مهرة أصيلة وحرة جامحة منطلقة وعفوية لانتأثر ثقتها بنفسها تحت أي ظرف أنثى جمعت صفات النقاء والبراءة مع الذكاء وحدة الطبع أحيانا خاصة حين تكون باولا موجودة، إذ لا تنأى فاليريا عن قصفها كلما أغاضتها وهي تتحدث عن انشغال الزعيم وأنها كانت معه هنا أو هناك في حين هي لا تراه الا في أوقات محدودة على مائدة الطعام أو حين يجتمعون للحديث

عن أمور الزفاف، حتى أنه لم يسعى للانفراد بها أو زيارتها في غرفتها.

ما هون عليها الأمر هو انشغالها هي الأخرى بالتحضيرات لكن باولا الحقيرة لا تكف عن حقارتها. كما لا تتعظ من قصف فاليريا لها وإخراجها أمام أنستازيا ومارسيلا وإيلا، حتى منار التي كانت تشاركهن أحياناً جلسات الشاي المسائية هي الأخرى انجذبت لشخصيتها ولعل أكثر شيء أراحها هو أن كنة العائلة الجديدة ليست إسبانية، فرغم تعامل منار اللبق مع عائلة الزعيم في شقها الإسباني إلا أنهم غرباء عنها ولا تستطيع تجاوز أن أنستازيا ظلت غريمة أمها لأزيد من 3 عقود وشهدت طيلة طفولتها كيف كانت أمها تبكي وتعاني بسبب حب أبيها لإمرأة غيرها وكيف كانت

تغضب كلما ذكرت سيرتها أمامها.

هنا تتجلى قوة وهيبة الزعيم التي يفرضها على الكل دون استثناء، فجعلهم يعيشون في مكان واحد يتعاملون باحترام وسلام مع بعضهم في غيبته وحضوره...

رغم أن الزفاف سيقام في فندق فخم إلا أن القصر لم يهدأ طيلة الأسبوع، أعمال ديكور وتأثيت في جناح الزعيم تحت إشراف رستم وتجهيز العشرات الغرف حتى تستقبل ضيوف الحفل من العائلة والمقربين بينما تخصصت 3 فنادق بالكامل لاستقبال واستضافة المدعوين من المدن والدول الأخرى وما يرافق ذلك من إجراءات أمنية مشددة وتكاليف إقامة باهضة.

وسط زخم التحضيرات وتسارع الزمن بالكاد تجد فاليريا وقتا للانفراد بالزعيم لتتكلم معه حول موضوع الفلاشة، هل استطاع الهاكر فك شيفرتها أم لا؟ كلما من الوقت زاد فضولها والحاجها في معرفة الحقيقة، وأكثر ما زاد من قلقها أنها تمنع من دخول جناحه بحجة أنه غير موجود... هل يتهرب منها ... هل يخفي أمرا ما عنها ... أم يعاقبها بعد رفضها البقاء في جناحه بعدم السماح لها برؤيته ؟

رجحت أنه يفعل ذلك ليعاقبها وليس تهربا منها، فالوغد يجيد الالتفاف حول الموضوع الأساسي وتحويل الاهتمام إلى ما يريده هو دون أن يضطر للكذب أو التهرب وغالبا ما ينجح في ذلك إما بمزاجها أو بلا إدراك منها، إلى أن جاءت آخر ليلة قبل يوم الزفاف لتتجه إلى مكتبه بعد أن رأته يدخل القصر رفقة أونور وقبل أن يمنعها حارسه الخاص من الدخول قالت يحدة...

"إياك أن تقول بأنه غير موجود، لقد رأيته بأم عيني يدخل القصر"

ليرد الحارس وهو ينظر للأرض باحترام بالغ ...

الزعيم مشغول انستي، ولن يستقبل أحدا من أفراد العائلة....

وقبل أن تحتج عليه بلعت لسانها من الصدمة حين ظهرت باولا في الممر تحمل بعض الأوراق ليفتح لها الحارس الباب وتدخل بينما ترمقها بطرف عينها والشماتة تعلو محياها، ثم أوصدت الباب في وجهها متعمدة وهذا كان القطرة التي أفاضت الكأس حقا...

هي تدخل إليه ساعة تشاء وأنا أقف هذا أتسول اهتمامه، اللعنة عليكم جميعا"

التضرب بحركة عصبية وغير مقصودة مزهرية من الفخار بحجمها تقريبا كانت قبل برهة شامخة على دعامة قرب باب مكتبه والآن صارت أشلاء متناثرة في المكان أمام دهشة الحارس بينما وضعت يديها على أذنيها ضاغطة على أسنانها من وقع التحطم لترفع رأسها إلى الحارس قائلة...

" أخذت الشر وراحت "

التغادر المكان وشعور بالراحة قد تملكها، فقد فشت غليلها ولو قليلاً، ومن يدري قد تفي تلك المزهرية بالغرض وتوصل رسالتها لذاك القابع في الداخل...

في تلك الليلة ظلت تتقلب في سريرها غير قادرة على النوم من التوتر

غدا سيعقد قرانها أمام حضور هائل، وسوف تحمل لقب أو زيتش وترتبط بميثاق غليظ مع رجل نفر الشياطين من وجهه حين يغضب جموحه عصي عن الترويض، يفوق القطب الشمالي برودة، وأحر من الحمم البركانية، هو الخطر بعينه، فتنة القلب والروح والجسد.

لكن الأوان قد فات للتراجع فقد ختم على قلبها بخاتم عشقه الايدي إما أن يخفق له أو يسكت للأبد..

لا أحد جعل قلبها يدق يعنف لدرجة الألم سواه، معه تختبر سيلا جارفا من المشاعر القوية، رهبة الحضور مع دفئ المشاعر الخوف والأمان في أن واحد....

مجرد التفكير به يجعل الأدرينالين يرتفع المستويات قياسية، تماما كما يحدث معها في هذه اللحظة وأشد بكثير حين سمعت الباب يفتح بهدوء ليتسرب منه ضوء خارجي يتخلله ظل طويل لمحته يمتد من خلفها وعلى سريرها وسرعان ما تلشى ذلك الظل وسط عتمة المكان بعد

أن أغلق الباب...

تجمدت في مكانها بلا حراك، حابسة أنفاسها وهي تسمع وقع قدميه على أرضية الغرفة

فاجتاحها عطره المميز ليعلن ويؤكد حضوره المهيب...

انه هو، ومن غيره يفتح الأبواب بلا استندان جاء ليوبخني !!.. القديس الذي لا يخطئ.

وقف خلفها يتأملها بعيون ملتهبة كالجمر وهي نائمة على جانبها الأيمن وضع كأس البراندي على المنضدة قرب سريرها ليعم بعدها صمت طويل ممتع لأحدهما ومرهق للآخر...

التقرر هي إنهاء هذا الصمت دون أن تلتفت إليه...

مزهرية صينية بآلاف الدولارات من مزاد علني لمقتنيات آخر قيصر روسي، لكنها بشعة وتعيق الدخول إلى مكتبك فكسرتها، هل لديك مانع ؟"

لتشعر به يدنو منها وأنفاسه الممزوجة بالبراندي تلفح خدها...

" وهل هكذا يجب أن يكون سلوك كنة ال أوزيتش ؟ "

ابتعد ليفسح لها المجال لتستدير نحوه تزامنا مع إشعاله للأبجورة بجوارها، كانت ملامحه غارقة في الظلمة والبرود، لا تستطيع تحديد موقفه منها إلا عن طريق ما يتفوه به...

"الحياة لا تمنحك كل شيء، أنت اخترت زوجة متمردة معتدة بنفسها، لا كنة مطبعة التكفل الصورة المثالية للعائلة "

هز رأسه يتفهم ثم أخرج هاتفه ليضعه على المنضدة لتنبعث منه معزوفة لأوجين دوغا..

(Eugen doga-gramofon)

وأمسك يديها لتقوم عن السرير يقتادها إلى منتصف الغرفة.

كانت ترتدي قميص نوم قصير بحمالات رقيقة وسروال قصير ليقف أمامها ودون أن يفلت يدها قربها نحوه واضعا يده الأخرى خلف ظهرها ليرقص معها في تماه مع الموسيقى ثم تحدث

بدوره قائلا

" الحياة تمنح أكثر من المتوقع لمن يسعى ويجتهد قطتي الصغيرة، وما هو عصي عن الوصول إليه اليوم، سيكون سهل المثال غداء تمردي كما تشائن اليوم وغدا ستخضعين لي وتصبحين كنة بالمقاييس التي أريد أنا"

الترفعت رأسها نحوه مقطبة الحاجبين .....

وهل سكوت الكنة عن قلة الاحترام والاستفزاز هو السلوك الذي يناسب مقاييسك أنت ؟"

رد عليها وانامله الموضوعة على ظهرها تداعب بشرتها...

"لا أحد يجرؤ على التقليل من احترام زوجة الزعيم، وإن لمحت بطرف عيني نظرة ناقصة تجاهك سأفقأ عين صاحبها في التو اللحظة، وضعتك في مرتبة من المفروض أن تنأى بك عن مثل هذه الحماقات المفروض أن لا تهز أي امرأة ثقتك بنفسك الكل يغار منك لكن أنت غير مسموح لك بالغيرة من أحد"

دفن رأسه في عنقها ساحبا نفسا عميقا وهو يمرر شفتيه على جلد رقبتها بإغراء لنقول بتوتر...

" هذه الحركة ليست ضمن الرقصة "

كانت هذه الرقصة التي تمرنت عليها مع مدربة الرقص على أساس أنها سترقص معه اليوم بحضور المدربة لكن سيادته لم يأتي لانشغاله فيهمس لها ...

"أعرف.. فقط أريد أن أفعل ما أنشاء لأنني في الزفاف يجب أن أكون مؤديا وعاقلا"

تم أحست بیده تتسلل تحت القميص على ظهرها لتسري قشعريرة في أنحاء جسدها...

"أريد أن افتخر بك بين الحضور غدا، فلا تخفك أو تريكك نظراتهم لك، فقط أنظري داخل عيني واعزلي نفسك عن الجميع، كأننا وحدنا، تماما كهذه اللحظة، غدا انت الملكة، فتصرفي على هذا الأساس وتباهي وافتخري بنفسك فقد حق لك ما لم يحق لغيرك "

رقص معها بكل حب وأسمعها كلمات تملك مفعول السحر لطيف وحنون على غير العادة، هي من المرات القليلة التي يتعامل فيها بهذه الشاعرية والرقي واللطف كأنه يرفع معنوياتها و يشجعها على تخطي توترها أو ربما يعوضها عن غيابه عنها أو يعتذر عن تجاهله لها، من يدري ؟!.. لكن تلك اللحظات الجميلة والتي لم تخلو من القبل والمداعبات اللطيفة كانت سريعة رغم امتدادها الثانية بعد منتصف الليل، ليقرر إنهاء هذه السهرة الجميلة فقبل يدها ثم أخذ هاتفه وكأس

البراندي....

"لا تحركي شفتيك وأنت تعدين خطواتك أثناء الرقص فالكاميرا ستكون مسلطة عليك غدا"

"غادر، تاركا إياها معلقة بلحظة نادرة لا تشبه أي شيء في عالمه المشتعل بالتقلب والتناقض. حظوره خلف زلزالا ناعما وقلب موازينها كالعادة، خلف ارتباكا لذيذا لا تملك له مقاومة .....

غادر لكن عطره مازال يطوف بالغرفة يغزو بنعومة حواسها في غيابه.


تعليقات