رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السابع عشر
وصلت إلى النادي مع هذا البكور الغير معتاد منها وهي تزفر بحنق .. لا تزال ترغب في النوم ..
تثاءبت بكسل وهي تجلس إلى أحد المقاعد الموجوده حول حمام السباحه وتضع ما تحمله فوق الطاولة ..
نظرت في ساعة معصمها تنتظر قدوم رحاب التي أتت بعد فترة وجيزة وعلى وجهها أمارات الحزن والبكاء وتشهق بين كل فنية وأخرى ..
قلبت بدر عينيها بحنق وناظرتها لبعض الوقت قبل أن تُطالبها بهدوء :
- قومي اغسلي وشك وتعالي يلا عشان نفطر .
كانت على وشك أن تجيب لكن قاطعتها بدر بصرامة وهي تتابع :
- ومسمعش ولا كلمة .. قومي اغسلي وشك وتعالي عشان نفطر وبعدها نتكلم .
تحركت رحاب تجاه دورة المياه لبعض الوقت ومن ثم عادت لتجد بدر قد وضعت بعض السندوتشات فوق الطاولة وبجانبها علبتين من عصير الفواكه وكذلك حافظة الشاي مع كوبين ..
جلست رحاب بهدوء وبدآ في تناول الإفطار في جو صامت تمامًا لا يتخلله سوى دخول الفتيات إلى النادي وتلويحهن لبدر من بعيد فتجيبهم بابتسامة هادئة ..
بعد وقت لا بأس به تحدثت بدر بتردد :
- رحاب .. أنا وانتي عارفين إن هشام ..
رحاب مقاطعة :
- لا لا يا بدر .. كل حاجه كان بيعملها كانت بتدل على إنه بيحبني .. مكنش بيستحمل عليا حاجه .. مكنش بيزعلني أبدًا ولو حصل بيراضيني بعدها على طول .. مبينساش أي مناسبة بينا .. وديما يتطمن عليا ويسأل عني .. انتي عارفه كويس إن هشام كان بيحبني .
بدر وهي تزفر بإرهاق :
- وتفسري كلامك من شوية ده بإيه ؟.. واحد رايح يخطب آخر الأسبوع .. أفسره أنا بإيه ؟!
هربت بعينيها وهي تبحث عن كلمات مناسبة :
- صدقيني مبقتش عارفه يا بدر ... مش عارفه .
أنهت عبارتها وانخرطت في البكاء لتزفر بدر بحنق من هذا الوضع واقتربت تربت على كتفها بخفة وهي تتحدث بهدوء تحاول الحفاظ عليه :
- لازم تبقى قوية كده يا رحاب وتوريه إن مش رحاب البنداري اللي تتساب بالشكل ده .. هتقفي على رجلك وترفعي راسك لفوق ومتبينيش قدامه أبدا إنك متأثره .. وتعيشي وتضحكي وتجري هنا وهنا .. خليه يغلي وهو شايفك عايشة من غيره ولا هامك غيابه .. وبكره هو اللي هيجري وراكي عشان ينول الرضا بس .
لا تدري رحاب لما آلمها قلبها لحديث بدر .. ربما هو الضمير الذي لا تعرف عنه شيء ..
قاطع حديثهما صوت رنين هاتف رحاب برقم غير مسجل لتعقد حاجبيها وهي تزدرد ريقها مفصحة ببحة خفيفة :
- رقم غريب !
بدر بلامبالاه :
- ما تردي عادي .
أخذت رحاب شهيقًا قويًا أخرجته على مهل وهي تجيب بهدوء :
- ألو ..
صمتت لثوان قبل أن تتابع :
- أهلا يا هيثم .. أنا كويسه الحمد لله .. خير في حاجه؟
صمتت مجددًا تستمع لحديثه قبل أن تنخرط في نوبة بكاء جديدة وهي تهتف من بين شهقاتها :
- صحبك عمل فيا كده ليه ؟.. أنا مكنتش أستاهل منه ده؟ طول الفترة دي وهو بيعشمني بالجواز .. أنا عملت إيه وذنبي إيه غير إني حبيته !
اغتاظت بدر من لهجة صديقتها المنكسرة .. لا تريد أن تراها بهذا الضعف .. جذبت الهاتف من يدها وأغلقته بوجه هيثم وناظرتها بغيظ وهي تكز أسنانها :
- كنت لسه بقولك إيه وانتي بتعملي إيه ؟!.. مش لاقيه غير هيثم اللي تشكيله أفعال صاحبه !.. ولما يروح يقوله إنك هتموتي من غيره ؟.. ولما يروح يقوله دي دايبة فيك وبتعيط وهتموت ؟.. انتي مش سطحية ولا غبية للدرجادي .. آه أثبتيلي إنك غبية لما حبيتي واحد زي هشام ده .. لكن متصريش إنك تثبتي إنك وصلتي لأعلى ليڨل في الغباء لما توصليله إنك بتموتي من غيره وهو ولا على باله أصلًا وبيجهز لخطوبته السعيدة .
تنهدت بقوة إثر اندفاعها هذا .. وأخذت شهيقًا قويًا أخرجته ببطء مع كلماتها :
- مع الوقت هتكتشفي إنك مبتحبيهوش أصلا يا رحاب .. ده مش حب .. ده كان ارتياح .. تعود .. أي حاجه غير الحب .. ممكن يبقى حب الحاجه اللي كان بيقدمهالك .. لكن انتي مبتحبيش هشام نفسه .. انتي بتحبي اللي بيقدمه ليكي .. اهتمام وهدايا وكلام رومانسي وأُمسيات شاعرية وغيره .. لكن هشام .. هشام مش طموحك يا رحاب .. طموحك أعلى من كده .. فلازم تقفي على رجليكي كده وتتقاوي .. فهماني ؟!
لم تستطع تفسير تلك النظرات التي تلقتها من أعين صديقتها .. لكنها لم تأخذ منها سوى إماءة خفيفة قبل أن تعرض رحاب بهدوء :
- أنا حابه أقعد ع الكورنيش أشم شوية هوا .. تحبي تيجي معايا ؟
بدر بعد تفكير دام لدقيقة :
- معنديش مانع .. بس نحاول منتأخرش .
وافقتها رحاب التي ابتسمت بتذبذب وتحركت بصحبة بدر إلى الكورنيش ..
(🌸اثنان لا تنسهما: ذكر الله والموت، واثنان لا تذكرهما: إحسانك للناس وإساءتهم إليك.🌸)
تخطت الثامنة صباحًا ولم يعد عمار للمنزل مما أثار القلق والخوف في قلب أصاله التي تعلم أنه خرج في إحدى مهماته ..
أخذت تضرب البلكون جيئة وذهابًا .. وأخيرًا قررت مهاتفته .. ربما أصبح هناك خدمه بهاتفه بعدما هاتفته للعديد من المرات دون فائدة ..
وأخيرًا الهاتف يرن ..
وقفت محلها تقضم أظافرها بقلق بيِّن تنتظر الرد حتى أتاها صوت أنثوي متردد :
- اا .. الو .
أصاله عاقدة حاجبيها :
- انتي مين ؟.. وعمار فين ؟
ازدردت غادة ريقها وهي تجيب بهدوء :
- آسفه إني رديت على الفون بس قلت أطمنك .. معاكي غادة خالد .. ظابط مخابرات .
أصاله بقلق :
- عمار كويس ؟.. انتوا فين ؟.. في إيه ؟؟
غادة وقد شعرت بخطأ ردها من البدايه .. فمذا ستقول الآن ؟!..
أصاله بحده :
- انطقي عمار فين ؟.. أخويا فين ؟
انتبهت غادة للقب أخي الذي تفوهت به أصاله .. هل يسجل أخته في هاتفه بـ " الحياة " !.. لقد ظنت أنها حبيبته مثلًا .. لكن متعجرف مثله لن يقع في الحب .. ولن يجد من تحبه بطبعه المتكبر المغرور هذا .. لقد نسيت وصفًا مهما فيه .. المستفز .
أفاقت من شرودها على صوت أصاله التي شعرت بها تبكي :
- ردي عليا أرجوكي .. أخويا فين ؟.. وحصله إيه ؟.. طب هو اتصاب في مهمته ؟.. انتوا رجعتوا أكيد .. طالما فونه اتفتح يبقى رجعتوا .. هو فين ها ؟
غادة وهي تلعن غباءها لجعل أعصاب الفتاة تحترق بهذه الطريقة :
- هو كويس متقلقيش .. اتصاب بس في كتفه وهو دلوقتي جوه مع الدكتور بيخرجله الرصاصه وهيبقى كويس إن شاء الله متقلقيش .
أصاله بسرعه :
- أنا جاية .
لم تنتظر أصالة ردًا منها وأغلقت في الحال وركضت لترتدي ثيابها في عجلة من أمرها وخرجت بعدما أخبرت سلسبيل أنها ستزور إحدى صديقاتها المريضة .. ولم ترد أن تهاتف والدها الذي خرج لعمله منذ وقت وجيز وكذلك والدته التي ذهبت للجامعة بصحبة والدها ..
فضلت أن تطمئن عليه هي أولًا ..
بينما في الجهة الأخرى تقف غادة مستندة برأسها إلى الحائط مردده وهي تبتسم بدون وعي منها :
- أخته .. طلعت أخته .
انتبهت لنفسها مع خروج الطبيب فتحركت تجاهه وسألته بعملية زائفة :
- كله تمام ؟
الطبيب بهدوء :
- تمام .. خرجناله الرصاصه .. والحمد لله موصلتش عضم كتفه وإلا الأمر كان هيبقى صعب جدًا .. ونقلناله الدم اللازم لإنه فقد دم كتير .. محتاج بس شوية راحه كده ع الأقل لحد الليل .. ولو إني عارف إنه مجرد ما هيفوق هيمشي .
تذكرت غادة أمر تلك المكالمة ومجيء تلك الفتاة .. لطالما يُلقبها بالحياة .. فهذا يعني أنها تعني له أكثر من أخت .. ستستخدمها إذًا في الإبقاء على عمار حتى الليل .
قطع شرودها صوت الطبيب المتسائل :
- حضرتك كويسه ؟
غادة بانتباه :
- اا .. ايوه متشكره أوي يا دكتور .. وبالنسبة للراحه بتاعة عمار فمتقلقش .. هحاول أتصرف .
أماء الطبيب بعملية وغادر المكان تزامنًا مع وصول فهد وأماني وسعيد ..
فهد بتساؤل :
- ها .. قال إيه الدكتور ؟
غادة بتنهيدة :
- خرجت الرصاصة الحمد لله ومحتاج راحه ع الأقل لحد الليل .
سعيد بيأس :
- عمار يقعد لبليل هنا ؟!.. ده أول ما هيفوق هتلاقيه في الجهاز .. عنيد .
أماني بغيظ وضيق منه :
- ومستفز .
ضحكت غادة في داخلها .. ليست وحدها من تراه مستفزًا .. هناك إجماع على ذلك .. هذا رائع .
قاطعهم جميعًا وصول أصاله التي تحدثت بتيه :
- عمار ..
تقدمت غاده منها بابتسامة مشرقة وهي ترى تقارب التشابه الكبير بينها وبين عمار ..
قدمت يدها في مصافحة :
- أنا غاده اللي كلمتك من شويه .. أتشرف بيكي ؟
أصاله وهي تدور بعينها على الجميع ومن ثم صافحت غادة بأيد مرتعشة :
- أصالة السيوفي .. عمار كويس؟
غاده بتأكيد :
- زي الفل .. الدكتور خرج الرصاصه ودلوقتي بقا كويس .. بس عندنا Problem ( مشكلة ) صغير أوي .
أصاله بانتباه :
- في إيه قولي على طول .
غادة :
- الدكتور قال لازم يرتاح .. يقعد على الأقل لبليل في المستشفى .
أصاله بفهم :
- ربنا يسهل .. ينفع أدخله ؟
غاده بجهل :
- دلوقتي تخرج ممرضة ونشوف .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
استقبلها علي بابتسامة مشرقة متحدثًا بحماس :
- الأسبوع الجاي محاكمة قضية سلاح ومخدرات كبيرة أوي دخلت البلد ومسكوها قبل ما تتوزع .. اجهزي عشان لازمنا سبق صحفي ودي هتبقى خطوة كويسه أوي ليكي .
بدور بشغف :
- يارب يجعله خييير .
أمن على دعائها وجلس إلى مقعده ليبدأ عمله لهذا اليوم .. قبل أن تأتي شدا التي تحدثت بحماس وهي تصفق بيديها معًا كي ينتبه لها الجميع ..
شدا بسعادة :
- نهاية الأسبوع خطوبة حازم وبدور أختي .. الدعوة عامه أهو عشان اللي هسمعه يقولي مقولتيش هشرب من دمه هااا .. والغايب يعلم الحاضر .
علي بضحكة :
- بوظتي الإعلان يا بنتي .
شدا بعدم فهم :
- ليه قولت حاجه غلط ؟
بدور بضحكة :
- هي اسمها الحاضر يعلم الغايب يا دودو .
عبثت شدا بخصلاتها وهي تضحك ببلاهه :
- معلش بقا .. المهم الكل يبقى موجود ها .
(🌸من عرف الله هانت مصيبته، ومن أنس به زالت غربته ومن رضي بالقضاء سعد.🌸)
وصلت إلى مبنى الشركة ووقفت أمامها بضيق بيِّن .. لقد كانت تكذب بقولها أنها تخرج للبحث عن العمل .. وها هو والدها قد أخبرها أنه اتفق مع بشير وسيقوم بإجراء مقابلة معها من أجل العمل ..
ودت لو ترفض الأمر برمته .. لكن شيء ما داخلها دفعها للموافقة .. ربما هو القدر ..
أخذت شهيقًا قويًا أخرجته بتروي وهي تصعد درجات السلم متخطية الباب الرئيسي للشركة ..
بينما في مكتب وليد ..
يجلس بشير بصحبة والده يحتسيان القهوة بهدوء تام وأمامهما بعض من السير الذاتية الخاصة بالمتقدمين للعمل ..
وليد بتساؤل :
- ياسر قالك بنته هتيجي النهارده أكيد ؟
بشير بتأكيد :
- أيوه .. إن شاء الله .
وليد بهدوء :
- مش عايز أوصيك يا بشير .. هي هتكون المساعد المالي .. فلازم تعلمها وتدربها كويس أوي .. الحياه العلمية مش حاجه قدام العملية والتطبيق .. أنا مش بقلل منها بس دي أول مره هتشتغل فيها .. فمحتاجه دفعه وقوه .
بشير بابتسامة :
- حاضر يا بابا إن شاء الله .. متقلقش .
طرقات على الباب ولج بعدها السكرتير الخاص بوليد مُعلنًا عن وصول إيلاف .
وليد بهدوء :
- خليها تتفضل طبعًا .
خطت إيلاف خطواتها الأولى بتذبذب وتوتر بادٍ على عينيها التي تهرب في كل مكان ويديها التي تفرك بهما حقيبة يدها ..
َوليد بترحيب :
- أهلا يا بنتي اتفضلي .
أهدته ابتسامة متوتره قبل أن تجلس في صمت تام ليتابع وليد بذات الهدوء :
- بابا عامل إيه ؟
إيلاف بتنهيدة خفيفة :
- الحمد لله بخير .
وليد بابتسامة :
- دايم عليه وعليكم الخير يارب .. شوفي يا إيلاف يا بنتي .. دلوقتي انتي تقدري تقولي ربنا بعتك لبشير ابني نجدة .. لإن الفترة الجاية بشير هيسافر ومحتاج مكانه في الشركة مساعد مالي .. وحاليًا مفيش حد موثوق منه بالدرجة الكافية .. فعايزك تثبتي نفسك في مكانك .. بشير هيتابع معاكي بأمر الله لفترة قبل سفره .. ها جاهزه ؟
إيلاف وهي ترمش بذهول من سرعة الأمر :
- اا .. اا انا .. أنا بصراحة بابا .. يعني .. أصل أنا يعني جاية على أساس هعمل مقابلة عمل و ..
وليد مقاطعًا :
- اعتبري نفسك بتقدميلنا خدمة .. بمعنى إنك هتمسكي الشغل مكان بشير الفترة اللي هيسافر فيها .. والله رجع بالسلامه بأمر الله وانتي مرتاحة في شغلك وحابة تكملي يبقى إحنا مع بعض .. حسيتي إنك مش عايزة أو عايزة تغيري المجال أو أيًا يكن الوضع .. فإحنا مع رغبتك ومش هنختلف بأمر الله .
إيلاف بتردد :
- تـ تمام إن شاء الله ربنا يجعلني قد المسئولية .
وليد بابتسامة :
- قدها بأمر الله .. يلا يا بشير تقدروا تبدأوا من دلوقتي .. لو طبعا مستعدة يا إيلاف .
إيلاف بعدما أخذت شهيقًا قويًا تحاول الثبات :
- تمام .. جاهزة بأمر الله .
بشير بابتسامة شغوفة :
- يبقى اتوكلنا على الله .. يلا هوريكي مكتبك ونبدأ .
أومأت إيلاف وتحركت معه بهدوء وتوتر لاحظه بشير فقرر خوض التحدي مع نفسه في أن يكتشف مقصد عمه ياسر من حديثه عنها وكذلك في أن يجعل منها شخصية أقوى ثابتة واثقة النفس .
(🌸في المآزق يكشف لؤم الطباع، وفي الفتن تكشف أصالة الرأي وفي الشدة يكشف صدق الإخاء.🌸)
خرجت الممرضة من غرفة عمار لتتحرك تجاهها أصاله بسرعة متحدثة بلهفة :
- لو سمحتي أقدر أشوفه ؟.. عايزة أتطمن عليه .
الممرضة بابتسامة وهي تربت على يد أصالة التي تُمسك بيدها :
- ينفع طبعًا مفيش مشكلة .. هو كلها شوية وهيفوق بأمر الله .
ابتسمت لها أصاله بامتنان ثم تحركت للداخل سريعًا ..
جلست إلى جواره وأمسكت بيده طابعة قبلة هادئة فوق كفه مع دمعة إنسالت رغمًا عنها وهي تمسد خصلاته بيدها في حنان بالغ غير منتبهه لتلك التي تتابعها من بعيد في تعجب لحالهم .. هل الأخوة بهذا الجمال ؟.. أن تكون على يقين أنك لست وحدك وستجد من يقف إلى جوارك حينما تتأزم أمورك ؟.. أن تجد من يبكي ألمًا لألمك ويسعد لسعادتك ؟.. أن يجافي النوم عينيه لشعوره أنك لست بخير ؟.. أن يأتيك ركضًا ما إن يعلم أنك تعاني أمرًا ما ؟.. يبكي إلى جوارك ويحتضنك بحنانه ؟.. هل هذه هي الأخوة ؟.. يبدو أنه شعور رائع لم تشعر به يومًا .. عمار محظوظ للغاية بامتلاكه أخت كهذه .. كما أنها محظوظة هي الأخرى تلك الأخت التي يسميها أخيها بـ " الحياة " ..
انتبهت من شرودها على صوت أصالة السعيد والتي تتحدث بلهفة :
- ميمو حبيبي .. انت فوقت ؟.. سامعني يا ميمو ؟
عمار بتعب :
- صولا ؟!.. انتي بتعملي إيه هنا ؟.. وأنا فين ؟.. إيه حصل ؟
أزالت أصالة عبراتها سريعًا وهي تقرص وجنته بمزاح :
- هجاوبك من ورا لقدام .. انت اتصابت في مهمه كنت فيها ودلوقتي انت في المستشفى .. وأنا هنا عشان أبقى جنبك .. ها إيه تاني ؟
عمار وهو يضرب يدها التي تقرص وجنته :
- طب بطلي تقرصي خدي .. أنا مضروب رصاصة حتى .
أصالة وهي تعبث بحاجبيها :
- الرصاصة في كتفك مش في خدك يا حبيبي .. ولو سمحت متخليش حاجه تيجي جنب خدودك عشان أعرف أقرصهم على طول .
عمار بحاجب مرفوع :
- يعني عادي أتعور في أي مكان لكن خدودي لا !
أصالة بلهفة :
- بعد الشر عليك من أي حاجه تؤذيك .. لا طبعًا حافظ على نفسك ومتتهورش بأي شكل ولا تخاطر .. العمر مش بعزقه يا عمار .. وأنا قلبي مش حِمل قلق وخوف عليك من كل مهمه تطلعها .. وبعدين في حد يتصاب ويرقد في المستشفى واخته عريسها جاي آخر اليوم كدهو .
عمار باستفزاز :
- طب بس ابعدي كده شوية ووطي صوتك ده لحسن لو ممرضة أموره ولا حاجه دخلت علينا تفكرك حبيبتي وتقطعي عليا .
شهقت أصالة وهي تضرب كتفه بخفة متحدثة بغيظ :
- بقا انت بتشقط بنات يا ميمو !.. يا ميلة بختك في تربيتك يا تيتا شهد .
قاطع وصلة مزاحهم ضحكة خفيفة اختفت سريعًا وهي تتحدث بهدوء لعمار :
- حمد الله على سلامتك يا عمار .
عمار بإيجاز :
- الله يسلمك .
أصالة بابتسامة وهي تتحرك تجاهها :
- أهو لولا القمر دي أنا كان زماني بضرب أخماس في أسداس دلوقتي وبعيط واتشحتف .
عمار بتساؤل :
- اشمعنا ؟.. انتوا تعرفوا بعض إزاي أصلا ؟
أصالة بتوضيح :
- ما هو أنا لما اتصلت بيك هي ردت عليا وعرفتني باللي حصل .
عمار بغيظ :
- حضرتك شغلتي تليفوني وكمان رديتي عليه ؟.. وفوقها كمان قولتي اللي فيا بدون أي وجه حق !
لجمت الصدمه لسان غادة التي تنظر له بأعين متسعه .. لم تكن تنتظر هذا منه ؟.. أهو غبي أم ماذا ؟!.. لقد كاد قلبها يتوقف هلعًا وهي تراه ينزف .. وكادت تُجن وهي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل أو مع من تتحدث ليكون إلى جانبه في وقت كهذا .. كل ما جال في خاطرها هو أن تأتي بهاتفه الذي لمحته في سيارته وتقوم بتشغيله ثم تنتظر مهاتفة أحدهم .. وكانت أخته هي أول من هاتفه فأرادت أن تأتي بها كي تقويه .. هل يوبخها الآن !
تحدثت أصالة بعتاب :
- فيها إيه يا عمار .. كنت عايز تسيبني قلقانه عليك كل ده من غير ما تطمني يعني .. دي عملت خير فينا يعني عشان فكرت كده .
أدار عمار وجهه إلى الجهة الأخرى في صمت لتتحدث غادة بصوت مبحوح بعض الشيء :
- حمد الله على سلامته .. أنا هرجع الجهاز عشان أخلص إجاراءت الشحنة اللي مسكناها وإجراءات التحقيق في القضية وهبقى أخلي فهد يبلغك أول بأول باللي يتم .
عمار بغيظ :
- ومين ده اللي هيستنى فهد يبلغه بحاجه ؟.. أنا رايح الجهاز وهتابع بنفسي كل حاجه .
نظرت غادة تجاه أصاله التي تحدثت بضيق مغلف بالبكاء :
- عمار .. الدكتور قال لازمك راحه على الأقل لبليل .. وهنسمع كلامه عشان نتفادى أي تعب ومشاكل .
عمار وهو يعتدل فوق فراشه :
- وأنا ورايا شغل يا أصاله .. مش هينفع أقعد هنا زي المرضى واستنى أخبار شغلي تجيلي .
أصالة وهي على وشك البكاء :
- عشان خاطري يا عمار .. متخاطرش بنفسك عشان مفيش حاجه تستاهل .. طالما حد يقدر يتابع الشغل مكانك لحد ما تفوق وتقوم بالسلامه يبقى بلاش تعاند الله يهديك .. أنا مش هستحمل أروح أقعد على أعصابي كده لحد ما ترجع وأنا عارفه اللي فيك .
عمار وهو يمسد وجنتها بحب :
- حبيبتي أنا كويس ومفيش أي حاجه صدقيني .. وعشان تتطمني أوعدك إني أروح أنهي شوية إجراءات وقبل المغرب هكون في البيت عشان أستقبل سي كنان مع بابا .. اتفقنا ؟
أصالة بصدمة :
- المغرب !!.. هفضل على أعصابي للمغرب !
عمار بتنهيدة وهو يتحرك من فراشه :
- أصالة .
تنهدت هي الأخرى باستسلام .. تعلم أنه لن يستمع لها .. وما عليها الآن سوى الاستسلام .
خرج من المستشفى قاصدًا الجهاز وقد سبقته غادة وهي تشعر بالغضب تجاهه .. ذاك الأحمق المغرور .. ماذا يظن نفسه !
(🌸متى امتلأ قلب العبد إيماناً ويقيناً فإن الله لن يخذله : {قال إن معي ربي سيهدين} 🌸)
في أحد الكافيهات الهادئة المطلة على الكورنيش .. تجلس بصحبة رحاب الشاردة في صمت تام وتحرك إصبعها فوق كوب النسكافيه خاصتها بشكل دائري ..
بدر بتنهيدة :
- رحاب .. احنا جينا هنا عشان نروق ونهدا ونفوق لنفسنا مش عشان نسرح ونفكر في الماضي ونبكي على الأطلال .. كام مره لازم أقولك الكلام ده ؟
قبل أن تحصل على إجابة من رحاب أتاها صوت تعلم صاحبه جيدًا .. بل وتبغضه كذلك :
- هو أنا المفروض أتصل عليكي كام مره عشان تردي عليا ؟!
رحاب بتنهيدة :
- آسفة يا هيثم بس مش عايزة أتكلم .
هيثم بهدوء موجهًا حديثه لبدر :
- ممكن أقعد ولا هتطرديني زي المره اللي فاتت ؟
بدر بحاجب مرفوع :
- والله كلك نظر .
هيثم بتنهيدة مغتاظة :
- أنا مش عايز أكتر من إني أقولها كلمتين ممكن يفوقوها .
أشاحت بدر بوجهها بعيدًا ليجلس هيثم وهو يزفر بغيظ .. تحدث إلى رحاب بغموض :
- اسمعيني يا رحاب .. خطوبة هشام ولا جوازه مش هتكون نهاية الحياه .. لازم تقفي على رجلك وتكملي وتختاري واحد يستاهلك ويكون شبهك في كل حاجه عشان تكونوا متكافئين .. هشام مكنش الشخص ده أبدًا لإن هشام يوم ما هيفكر يرتبط بواحدة هتكون من نفس طبقته .. وده عشان الشكل العام حتى لو على حساب قلبه .. وده مش معايبة في صاحبي .. لكن ده الواقع اللي عايشينه ..
تنهد قليلًا وهو يتابع :
هشام مش أول ولا هيكون آخر واحد يتنازل عن حبه عشان الشكل الاجتماعي .. أنا مش بقلل منك .. بالعكس إنتي إنسانة جميلة ومتعلمه ومثقفة وقوية ومرحه كمان وألف من يتمناكي .. لكن صدقيني اللي هيحميكي ويحافظ عليكي ويحارب الدنيا ويشتريكي هو ده بس اللي يستاهلك .. هشام اتخلى من أول كلمة اتوجهتله من أبوه اللي قرر إنه يعمل شراكة مع شركة تانية كبيرة عشان يوسع من شغله .. وفكرة ارتباط ابنه ببنت صاحب الشركة دي هتقوي العلاقات بينهم أكتر وأكتر .. صدقيني كمان لما أقولك إن هشام ضحية زيك لإنه مكنش بيفكر يسيبك أو يبعد .. لكن والده هدده بإنه يحرمه من كل حاجه لو موافقش على الارتباط ده عشان الشغل .. وافق بدون ما يواجهك أو يحاول يتواصل معاكي عشان مينفعش يعشمك بحاجه مش في إيده .. أو مبقتش في إيده .. وهرجع وأقولك أنا مبدافعش عنه .. أنا لو مكانه وبحب واحدة بالشكل ده هقول لكل فلوس الدنيا غوري قصاد ساعه واحده في قرب البنت اللي بحبها .. لكن هو كان أضعف من إنه يعمل كده .. وجايز ده خير ليكي يا رحاب .. يمكن حياتك مع واحد تاني وفي مكان تاني وفي ظروف تانيه أحسن من دي مية مره .. عشان كده عايزك تقفي تاني وتعدي المرحلة دي باللي فيها .. وترجعي لحياتك وتكوني واثقة إن العوض جاي جاي .. وإوعي في يوم من الأيام تزعلي على حد محاربش عشانك .. انتي تستاهلي يتحارب عشانك وتستاهلي يتنحت في الصخر عشان يتْوِصلك .. إوعي تقللي من نفسك عشان حاجه أبدًا خاصه لو الحب .. فهماني ؟!
كانت عبراتها تنسال في صمت تام وهي تنظر للبعيد شاعره بتلك الغصة التي تقتلع خلايا قلبها المعذب .. إنها تتألم بحق .. إنه محق .. لا يقول سوى الصدق .. هذا ما ستتعرض له ذات يوم ولن تجد من يخبرها بهذا الحديث في صدق .. لأن صاحبة النصيحة ستنفض يدها ما إن تعلم بما فعلته هي بها .. بل وما تزال تتابع في هذه اللعبة الرخيصة ..
بينما تستمع بدور لما يقوله هيثم بإعجاب غريب يتسلل إليها مع كل كلمة ينطق بها .. هل هيثم الذي تبغضه منذ الوهلة الأولى ليس بالشخص السيء كما ظنت ؟!.. هل يخرج هذا الحديث عنه هو الآن !!
