رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثامن عشر
كانت عبراتها تنسال في صمت تام وهي تنظر للبعيد شاعره بتلك الغصة التي تقتلع خلايا قلبها المعذب .. إنها تتألم بحق .. إنه محق .. لا يقول سوى الصدق .. هذا ما ستتعرض له ذات يوم ولن تجد من يخبرها بهذا الحديث في صدق .. لأن صاحبة النصيحة ستنفض يدها ما إن تعلم بما فعلته هي بها .. بل وما تزال تتابع في هذه اللعبة الرخيصة ..
بينما تستمع بدر لما يقوله هيثم بإعجاب غريب يتسلل إليها مع كل كلمة ينطق بها .. هل هيثم الذي تبغضه منذ الوهلة الأولى ليس بالشخص السيء كما ظنت ؟!.. هل يخرج هذا الحديث عنه هو الآن !!
لكن لا .. لن تضعف الآن أبدًا .. ولن تجعله يسيطر على عقلها وقلبها ببعض الكلمات التي لن تجعله يكون محقًا بها .. هذا تحدي .. ولن تخسر ..
التفتت بكامل جسدها تجاهه وهي تناظره من أعلاه لأخمصه في شبه نظرة استفزازية مع حروفها التي خرجت بحدة مقصودة :
- مين حفظك الكلمتين الحلوين دول بقا يا ترى ؟!.. على كل حال اللي حفظهملك فاشل لإنه معلمكش تاخد ريآكشن الكلام وانت بتقوله .. يعني مثلا لما تقولها لازم تقفي على رجلك وتكملي وتختاري واحد يستاهلك ويكون شبهك في كل حاجه عشان تكونوا متكافئين .. ساعتها لازم صوتك يكون هادي مش متسربع وكإنك حافظ مقال وجاي تسمعه .. ثم إني يؤسفني وبشدة كمان إني أقولك إن الجملة دي غلط .. يعني إيه تدور على اللي يشبهها عشان يكونوا متكافئين !.. اسمها دوري على اللي يكملك عشان توصلوا لمرحلة الروح الواحدة فتهَوِّنوا على بعض كل حاجة .. تدور على حد يستاهل اللي هتقدمه وميكونش أناني بياخد وبس .. كلامك على الراس يا استاذ هيثم بس الحقيقة إننا متخليين عن خدماتك الجليلة وتقدر حضرتك دلوقتي تروح تقف مع صاحبك عشان يشتري بدلة الخطوبة .
كان يناظرها بأعين تنطق بالشر .. لن يجعلها تحيى في سلام تلك الغبية .. يقسم .
التفت برأسه لرحاب التي توزع نظراتها بينهما في تيه .. فحمل هاتفه ومفاتيح سيارته وغادر دون أن ينطق بحرف واحد .
أخرجت زفيرًا قويًا وهي تنظر في البعيد تحاول تجميع شتات أمرها قبل أن تتحدث من جديد :
- يلا يا رحاب .. يدوب نرجع النادي .
تحركت رحاب وهي لا تدري كيف لها أن تصلح ما أفسدته هذا !.. بدر بريئة ولا تستحق ما تسعى رحاب لفعله بها .. وهيثم تحدث عن مستقبل تثق تمام الثقة أنه آتٍ لا محالة .. آتٍ لا محالة .
(🌸إن المصائب ما جاءت لتهلكك إنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، والله مع الصابرين.🌸)
وصل حيث الجهاز وصف سيارته ودخل حيث اللواء سامي الذي ناظره بقلة حيلة متحدثًا بجدية :
- أفهم سيادتك جاي تعمل إيه ؟
عمار وهو يجلس إلى أقرب مقعد :
- شغلي .. أنا مبحبش رقدة المستشفيات .. إيه مشكلتكم !
سامي بقلة حيلة :
- لا مشكلة ولا حل يا عمار .. المهم .. المحاكمة الأسبوع الجاي .. وانت وفريقك قمتوا بعمل فوق الرائع بمراحل .. تكاتفكم وسيطرتك عليه وخططك كانت ممتازة .. بس طبعا ده ميمنعش أبدًا إن في خطر بيحوم حوالينا حاليًا .. أو خليني أكون صريح أكتر .. في خطر بيحوم حواليك إنت تحديدًا .
ولجت غادة مع آخر جملة للواء فناظرته بقلق وهي تجلس مقابل عمار :
- في خطر عليه ليه ؟.. ومن إيه ؟!
سامي بتوضيح :
- عمار اتكشف عندهم .. منظمة مترستقة في كل مكان زي دي مش هتقف على شحنة السلاح والمخدرات اللي مسكناها .. ومش بعيد أصلًا يكون ده فخ عشان يعرفوا اللي ماسك القضية بالظبط وبيدور وراهم .
غادة بسرعة :
- بس القضية دي كانت مع إسماعيل الأول .. وأنا خدتها منه ورجعت سلمتها لعمار .
سامي بتنهيدة وتصريح :
- القضية في الأصل كانت مع عمار مش اسماعيل .. اسماعيل كان تمويه مش أكتر .. وانتي طلعتي بالقوة بتاعتك بناءً على أمر من اسماعيل اللي خد أمر أصلًا من عمار .. ودي كانت طلعة اسماعيل مش انتي بس هو لولا الحادثة اللي حصلتله وهو جاي الجهاز كان تمها .
غادة بعدم تصديق :
- طب وهما معرفوش حاجه من البداية ؟
عمار بتوضيح :
- هما ميعرفوش كل ده .. انتي لما داهمتيهم ع الطريق بالقوة اللي كانت معاكي دي كانت البداية .. والشحنة اللي اتمسكت مكنتش حاجه قصاد الشحنة اللي مسكناها امبارح .. وفكرة إنهم يقوموا بعمليتين ورا بعض وكمان عملية كبيرة زي دي تبقى في الجبل .. في المكان اللي معروف إن عنينا عليه .. ده بيدل على إنه فخ عشان يعرفوا هوية الظابط اللي ماشي وراهم خطوة خطوة .. ومبانش في الصورة غيري امبارح .
صمت لدقيقة قبل أن يتابع :
- واللي ضربني بالنار إمبارح كان قاصدني تحديدًا .
غادة وهي ترمش سريعًا :
- قصدك إيه ؟
سامي :
- ضرب عمار عشان يكشف الظابط اللي ماسك القضية لعينهم اللي في الجبل عشان يوصل لكبيرهم شخصية عمار .
شهقت غادة وهي تنظر لعمار ثم اللواء ومن ثم تحدثت بجدية :
- أنا ليه معرفش أي حاجه عن اللي بتتكلموا فيه ده ..
وجهت حديثها لعمار :
- إنت كنت عارف إنهم هيعملوا كده ؟.. كنت عارف إن ده فخ عشان يعرفوك ؟
صمت عمار لتغمض غادة عينيها بقوة محاوله التماسك قبل أن تنظر للواء بجدية وهي تتحدث بحذر :
- إيه اللي هيتم بعد كده ؟
سامي بهدوء :
- كل حاجه هتمشي في مسارها الطبيعي يا غادة .. في مجرمين وفي قضية مفتوحة وفي محاكمة .. كل حاجه هتاخد مجراها الطبيعي .
غادة بحذر :
- وعمار ؟!
نظر سامي تجاه عمار الشارد في اللاشيء ثم نفى برأسه في قلة حيلة لتزفر غادة بضيق من صمته هذا .. عليها أن تضيف لقاموس صفاته كونه شخص بارد .
تحرك عمار وهو يتحدث بجدية :
- هروح أرتاح شوية .. لو في أي جديد تليفوني شغال .
غادر عمار لتتحدث غادة بغيظ :
- هو بارد كده ليه ؟.. هو مش حاسس بحجم المشكلة اللي هو فيها ؟
سامي بهدوء وثقة :
- عمار عارف كويس هو بيعمل إيه يا غادة .. ما يتخافش عليه .
غادة بقلة حيلة :
- أنا رايحة أشوف شغلي .
غادرت هي الأخرى وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة .. ذاك الـ عمار سيصيبها بالجنون قريبًا من غموضه وبروده هذا .
(🌸لا بد لنا من عزيمة نفطم بها أنفسنا عن اللهو وأن لا نقعد فراغاً والموت يطلبنا🌸)
بقي بشير يتابع إيلاف بعد أن أخبرها بما عليها فعله .. لن ينكر ذكائها واستيعابها السريع للأمور .. لكن التوتر يجعلها تخطئ .. والغريب أن توترها هذا ليس توتر عمل .. بل توتر من أن تُخطئ في إتمام هذا العمل .. بقي يتابعها ويصحح معها أخطائها بصبر تام دون أن يظهر من الضيق ما يجعلها تخشى سؤاله عن شيء .. وهذا ما سيفعله دومًا من أجل أن تتجرأ قليلًا وتتحدث بحرية .. فهو يشعر
بتحفظها الكبير وكذلك لاحظ كونها تخفض وجهها كلما ولج شخص ما إلى المكتب .. ولا تنظر لمن يحادثها ..
بعض الأشياء البسيطة التي لمحها عنها جعلته يُكوِّن بعض الحلقات الخاصة بما هي عليه .. لكنه لم يصل بعد لما يروي فضوله مما عانته كما أخبره والدها ..
(🌸فرغ قلبك لله بما أمرت به، ولا تشغله بما ضمن لك، وسيرزقك ربك من حيث لا تحتسب🌸)
دخل لمنزله بتعب وإرهاق شاعرًا برأسه تدور وشعور بالقيء يكاد يُفقده وعيه .. أكثر ما يكره في حياته أن يشعر بقيء دون أن يستطيع فعلها .. نفخ بضيق من حاله وصعد للمنزل مباشرة كي يستعد للقاء ذاك الـ كِنان مع والده .
دخل من الباب بعدما استقبلته أصاله بوابل من الأسئلة التي تطمئن بها عليه ليهدر بغيظ :
- سيبيني بقا أتنيل آخد شاور وأغير هدومي .. وافصلي يا راديو .. ما انتي شيفاني كويس قدامك أهو .. يوه .
أصالة بغيظ وهي تضربه على كتفه :
- يعني بلاش أتطمن عليك !
صرخ من ضربتها لتضع يدها على فمها وبسرعه تحركها تجاه كتفه تمسد حيث ضربته وهي تعتذر بندم :
- آسفه آسفه والله نسيت .. حقك عليا .. بتوجعك ؟.. حاسس بتعب بعد خبطتي ؟.. ها ؟.. تعبان ؟.. ممكن تكون نزفت تاني ؟.. اقلع قميصك ده عشان أشوف الجرح كده لو فيه حاجه .. انت مبتردش عليا ليه ؟
صرخ عمار في وجهها وهو يجاهد كي يكتم ضحكته :
- افصلي .. افصلي عشان أعرف أرد .. إييييه .. سؤال ورا سؤال ورا سؤال .. وفي الآخر تقوليلي مبتردش ليه !.. هو انتي سيبالي فرصة ؟
ضحكت لتذمره ليشاركها الضحكة بغيظ قبل أن تتحدث بهدوء وهي تمسد كتفه :
- كده أنا اتطمنت إنك بخير .. يلا خد الشاور بتاعك وغير هدومك هكون جهزتلك لقمة كده ع السريع .
عمار بتنهيدة وهو ينظر تجاه غرفة والده :
- أمك مش هنا ولا إيه ؟
نفت أصالة ليزفر عمار بضيق وهو يتحرك للداخل قبل أن تتنهد أصالة بقلة حيلة وتذهب للمطبخ .
مرت الساعات التالية بسرعة وكانت أصالة في غرفتها تحيا في حيرة بسبب ما يمكنها ارتداؤه لاستقبال ضيوف الليلة ..
طرقات خفيفة على الباب تبعها دلوف عمار الذي ينظر للغرفة بتعجب متسائلا :
- هو في حرامي قلب الأوضة وهرب ولا إيه !!
أصالة بغيظ :
- معنديش لبس يا عمار .. مش لاقيه حاجه عدله أخرج بيها للضيوف .
تعجب عمار لحالها .. هل هذه أصالة حقًا !.. إنها لم تهتم مسبقًا بأي قادم لها .. لماذا هذا تحديدًا !!.. كما أنه لم يسبق أن رأى توترها وحيرتها هاته !
أصالة بحماس مفاجيء :
- إيه رأيك في ده يا ميمو ؟
نظر عمار لما انتقته ليبتسم بهدوء وهو يمدحه :
- جميل أوي .. هادي وبسيط وبيبقى شيك عليكي .
أصالة بفرحة :
- حبيبي يا ميمو .
عمار بابتسامة :
- لو احتجتي حاجه ناديني .
خرج من الغرفة وهو يتساءل في نفسه عن حال أخته .. هل فاته شيء يخصها !!
دقائق وصدح جرز المنزل ليخرج عمار كي يستقبل الضيوف لكنه تفاجأ بوالدته ..
ابتسم بتهكم وعاد من جديد للجلوس في صالة الاستقبال يتابع قراءة أحد الكتب ..
دخلت سبأ وهي تتنهد بتعب .. بدلت ثيابها سريعًا وركضت للمطبخ كي ترى إن كانت سلسبيل قد أتمت كل شيء .. وبالفعل وجدتها قامت بما هو مطلوب ويزيد ..
دقائق أخرى وأعلن الباب عن وصول ضيوفهم .. استقبلهم مالك وعمار وفجر .. وجلس كِنان ووالده لبعض الوقت يتحدثون عن العمل وظروفه مما أثار ضجر عمار .. نظر لفجر الذي يحاول كتم ضحكاته ليزداد غيظه ..
وأخيرًا تحدث والد كِنان بابتسامة :
- يشرفنا طبعًا يا مالك إننا نطلب إيد الآنسة أصالة لابني كِنان .
مالك بابتسامة :
- ده شرف لينا إحنا يا أحمد ..
بعد القليل من الحديث طلب مالك من عمار أن يأتي بأخته ..
تحرك عمار ولا يعلم سبب هذا الضيق في نفسه .. لكنه آثر أن يكتم في نفسه حتى تنتهي الليلة على خير ..
طرق الباب ودلف ليجد أصالة تذرع الغرفة جيئة وذهاب .. تحدث بهدوء محاولًا الابتسام :
- يلا يا صولا .. الناس بره .
سبأ بتساؤل :
- سلسبيل ناولتك الجاتوه والساقع ؟
نظر لها عمار لثوان قبل أن يتحدث بهدوء تام :
- آه .. وطلعت الشاي والياميش .. وبعد ما أصالة تخرج هتطلع العصير .
لا يعلم لماذا استفاض في الشرح معها لكنه شعر أنه يود ذلك .. كأنه يريد إيصال رسالة لها أنها لم تقدم على فعل ما هو واجب عليها هي في وقت كهذا ..
كان ليعذرها إن دخل ووجدها تتحدث مع أصالة كي تهدئ من توترها هذا .. لكنه وجدها تعبث بالهاتف .. يا للسعادة التي يحياها !
مد يده لأصالة التي أمسكت به بقوة وهي تتحدث أثناء خروجهم :
- أنا متوترة أوي .
ضغط على يدها كأنه يبثها الثقة والقوة معًا وهو يتحدث بلطافة :
- ده كيوت أوي وشيك .. وشبهك كمان .
أصالة وهي تقف محلها وترمش عدة مرات وتحدثت بمرح :
- بجد !!.. يعني هو شبهك يا ميمو ؟!
عمار بحاجبين معقودين :
- أنا قلت شبهك مش شبهي !
أصالة :
- ما أنا شبهك يا ميمو !
عمار بمزاح :
- لا طبعًا أنا مليش شبيه .. عمار واحد وبس .
ضربته على كتفه بغيظ ليضم وجهه في ألم فمسدت كتفه وهي تعتذر بلطافة ... ليبتسم لها بحب وهو يتقدم بها شاعرًا بعودة توترها من جديد ..
جلس الجميع لبعض الوقت وتحدث والد كنان مع أصالة في العديد من الأشياء قبل أن يستأذن مالك كي يعطي لهما الفرصة في التحدث معًا ..
تحرك مالك ووالد كنان إلى البلكون .. في حين تحرك فجر لغرفة أصالة كي يخبر سلسبيل بما حدث في الخارج كعادته الدائمة في إخبارها بكل شيء يحدث في غيابها .. خاصة إن كان الأمر مضحكًا أو يصلح للمزاح فيه ..
بينما جلس عمار على مقعد يبعد عنهما بقليل فقط وأمسك بهاتفه ..
ابتسمت أصالة في داخلها كونه بقي إلى جوارها .. ليخرجها عن صمتها سؤال كِنان :
- إزيك يا آنسه أصالة؟
أومأت دون حديث ليبتسم لفعلتها وهو يتابع :
- طب الحمد لله .. أنا إسمي كِنان أحمد العيسوي .. متخرج من حاسبات ومعلومات بقالي تلت سنين .. شغال في شركة مشتركة بين والدي وعمي .. شغلتي هي سكرم ماستر .. وده يا ستي تقدري تقولي عليه حلقة وصل بين الشركة والخارج .. بقدم تطوير في البرمجة مع فريق تبعي وحاجات زي كده .. هاوي القراءة جدًا من الناحية الأدبية .. وهاوي النحت من الناحية الفنية .. وهاوي للسباحة وركوب الخيل من الناحية البدنية .. وطبعًا تقنية تبع شغلي في تطوير البرامج وكمان التصميم الجرافيكي .. أنا تقريبا عايش عشان أكون هاوي باين .
ابتسمت بخفة ليتابع بهدوء بعدما استنشق شهيقًا قويًا أخرجه ببطء مع ابتسامة هادئة :
- في الحقيقة أنا مش الشخصية الملتزمة أوي في الصلاه .. مش هقولك بقا أنا راجل مبفارقش السجاده أو كده .. بس كمان مش شخص ضايع يعني .. بحاول بقدر الإمكان وبفضل الله مبتركش فروضي الأساسية لكن النوافل للأسف مش ملتزم بيها .. شخص عصبي بس حنين والله .
ضحكت بخفة ليبادلها ضحكتها وهو يتابع :
- هي كيميا غريبة شوية فيا يعني .. اللي هو أنا وقت ما بكون مركز أوي في حاجه وحاجه تانيه تقاطعني بحس إني عايز أهد الدنيا كلها ودماغي بتقفل جدا يعني .. دي تقريبا الحاله اللي ممكن تعصبني .. امم ايه تاني ؟
أصالة بابتسامة هادئة :
- علاقتك بأهلك يعني .. اا .. جوانبها إيه ؟
كنان بهدوء :
- تقدري تقولي كويسة بشكل كبير .. أنا ليا أخت واحده هي أكبر مني ومتجوزه وعايشة بره .. بس بنتواصل ديما إلكتروني .. علاقتي بوالدي الحمد لله قوية جدًا .. تقدري تقولي إننا أصحاب مش أب وابنه .. والدتي متوفية من سبع سنين .. مليش غير عم واحد وبينا موده الحمد لله كبيرة .. وأولاده بره مصر .. وتواصلنا بيبقى من فتره للتانية كده .. مليش اخوال .. ودي كل عيلتي بقا .
أومأت أصالة وهي تتابع :
- وبالنسبة لعلاقاتك الاجتماعيه .. أصدقاءك ؟
كنان ببساطة :
- علاقاتي كلها خاصه بشغلي .. صحاب .. اممم .. مفيش .
أصالة بتعجب :
- مفيش !
كنان بصدق :
- الصاحب ساحب .. وان مكنش هيسحبني للخير والصح بلاش منه .. وفي الوسط اللي عشت فيه ملقتش الصاحب ده .. الكل بالنسبالي فترات .. زمايل فرق الجامعة .. زمايل دراسة يعني .. لكن صاحب صاحب مفيش .. هو بابا بس .
أومأت أصالة بابتسامة هادئة :
- تمام .
كنان بهدوء :
- طبعا بما إن ربنا بيقول سيماهم على وجوههم .. فأنا الحقيقة معنديش ليكي أي أسئلة .. فلو محتاجه تعرفي حاجه تانيه .. اتفضلي .
أصالة بتساؤل :
- مفيش حاجه معينة عايز تسألني فيها أو تستفسر عنها ؟
نفى كنان ببساطة وهو يجيب :
- شوفي يا أصالة .. البنت اللي بتسعى لرضا ربها وتخاف منه فتغض بصرها وهي ماشيه في الطريق وتلتزم بالزي الشرعي ليها وصوتها ميعلاش في مكان عام أبدًا .. واللي تكون راضية أهلها عنها .. مظنش ينفع تتسئل في أي حاجه ... لأن الأساس السليم قوي .. اللي بعد كده حتى لو غلط يتصلح .
أصالة بذهول :
- هو .. هو حضرتك تعرفني ؟.. يعني تعرف عني الحاجات دي منين ؟
كنان بابتسامة هادئة :
- لو بينا نصيب هتعرفي بأمر الله .
أومأت أصالة بصمت قبل أن تستأذن للدخول ..
َ
عاد الرجال وأخبر والد كنان مالك كونه سينتظر مكالمة هاتفية يخبره برأي ابنته ..
(🌸احذر المعاصي فإنها تمحق بركة الطاعة وتحرم المغفرة في مواسم الرحمة.🌸)
مر اليوم دون أحداث تُذكر ليأتي اليوم التالي والمفضل بالنسبة لوجد والفتيات .. فاليوم سيعودون لدائرتهم الدينية التي ابتدأنها معًا في الأسبوع الماضي لتتابع وجد التحدث عن رحلة الخلود ..
المرة اللي فاتت وقفنا عند جزء من مراحل رحلة الخلود .. قولنا سبع مراحل في الطريق للجنة والنار .. وقلنا إن المراحل بتبدأ بالقبر مرورًا بالنفخ في الصور ثم البعث فالحشر فالشفاعه ثم الحساب ومن بعدها تطاير الصحف .. النهاردة هنكمل المراحل دي من بعد المرحلة السابعة ونقول إن المرحلة التامنة هي " الميزان "..
الميزان الخاص بالحق له كفتين دقيقتين جدًا ربنا بيوزن بيهم أعمال المؤمنين .. طيب إيه اللي ممكن يتقل الميزان ده ؟.. اللي بيتقل الميزان حاجات كتير .. منها :
(لا إله إلا الله .. وحسن الخلق .. والذكر زي الحمد لله وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ..)
بعد الميزان بقا بيبدأ كل واحد ربنا بيقاضيه على حسناته وسيئاته .
وده كده هينقلنا للمرحلة التاسعة واللي هي " الحوض " ..
كل نبي من أنبياء الله له حوض .. وأعظمهم حوض النبي صلى الله عليه وسلم .. حوض النبي ماؤه أبيض من اللبن .. وأحلى من العسل .. وأطيب من المسك .. والإنماء بتاعه أو اللي بيحيط بيه يعني من ذهب وفضة كعدد النجوم .. طوله أبعد من أيلةَ بالأردن إلى عدَن .. والمية بتاعته بتيجي من الكوثر ..
كل واحد بيشرب من حوض نبي من الأنبياء أو من حوض الرسول .. مبيحسش بالعطش أبدًا بعد كده ..
بعد كده ننقل للمرحلة العاشرة واللي هي " امتحان المؤمنين " ..
في آخر يوم من الحشر .. الكفار بيبدأوا يتتبعوا الألهة اللي كانوا بيعبدوها فتاخدهم للنار جماعات جماعات كده وصفهم بإنهم كقطعان الماشية على أرجلهم أو على وجوههم ..
وبكده هيتبقى المؤمنين والمنافقين .. دول بييجي ربنا سبحانه وتعالى ويسألهم " ما تنتظرون؟ " .. فيردوا " ننتظر ربنا " .. فيعرفوه من رجله لما يكشفها فيسجدوله المؤمنين .. لكن المنافقين مش هيسجدوا طبعًا .. وده ذُكر في قوله تعالى " يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون " ..
بعدها يمشوا وراه فينصب الصراط ويدي المؤمنين النور ويطفي نور المنافقين ..
بعد كده ندخل مباشرة في مرحلة " الصراط " ..
الصراط ده أشبه بجسر ممدود على جهنم .. بيعدي المؤمنين عليه للجنة .. وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بإنه ( مدحضة .. مزلة .. عليه خطاطيف وكلاليب كشوك السعدان .. أدق من الشعرة وأحد من السيف ).. وعلى الصراط ده بياخد كل مؤمن النور على قد أعماله .. أعلاهم كالجبال وأدناهم في طرف إبهام رجله .. هينورلهم فهيمشوا عليه .. المؤمن هيمشي زي البرق وزي الريح والطير .. من المؤمنين اللي هيعدي سليم .. ومنهم اللي هيعدي بخدوش .. ومنهم اللي هيقع في جهنم ..
أما المنافقين فملهمش أي نور .. فبيرجعوا وبيتبني بينهم وبين المؤمنين سور .. واللي يعوز يعدي الصراط منهم بيقع في جهنم على طول .
وده هينقلنا للمرحلة رقم اتناشر اللي هي " النار " والعياذ بالله ..
طبعا من صغرنا وإحنا عارفين إن الكافر هو اللي بيدخل النار ..
لكن دلوقتي لازم نعرف إن النار دي بيدخلها الكفار وبعض العصاة من المؤمنين وكمان المنافقين .. يعني من كل ألف(١٠٠٠) هيدخلها تسعمية تسعه وتسعين (٩٩٩) ..
النار ليها سبع أبواب .. وطبعا هي أشد من نار الدنيا سبعين مره ..
شراب أهل النار من حميم ومهلٌ وصديد والعياذ بالله ..
أكلهم اللي ذُكر في القرآن هو الضريع والزق م والغسلين ..
لبسهم من نار وقطران ..
أهون المعذبين في النار بيتحط تحت رجليهم جمرتين دماغه تغلى منها ..
ومن عذابها زي ما عرفونا من صغرنا بردو إن جلود تنصهر وتتجدد وترجع تنصهر وتتجدد .. ومن ضمن العذاب بردو السحب والسلاسل والأغلال ..
قعرها بعيد جدًا لدرجة لو رمينا فيها طفل هيبقى عنده سبعين سنه لحد ما يوصل القاع ده ..
الوقود الخاص بجهنم هما الكفار والحجاره ..
الهواء بتاعها سموم .. والظل بتاعها يحموم ..
بعد عذاب المؤمنين في النار بيبدأ مرحلة جديدة اللي هي المرحله التلتاشر .. ودي إسمها ( القنطرة ) ..
رسولنا صلى الله عليه وسلم بيقول في حديث شريف له " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذبوا ونقوا أُذن لهم في دخول الجنة فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزلة كان في الدنيا "
(رواه البخاري)
فكده القنطرة دي هي مكان الحساب بين الناس وبعض ..
وبعد كده تيجي المرحلة الأخيرة في رحلة الخلود .. واللي هي " الجنة " ..
الجنة هي مأوى المؤمنين ..
بناها من فضة وذهب .. ليها تمن أبواب .. عرض الجنة مسيرة تلت أيام .. فيها مية درجة .. ما بين الدرجة والتانية مسيرة ما بين السما والأرض ..
الفردوس هي أعلى منازل الجنة .. سقف الفردوس هو عرش الرحمن .. أنهارها عسل ولبن وخمر وماء .. بيجروا فيها بدون أخاديد .. بيجريها المؤمن زي ما هو عاوز ..
فيها خيمة مجوفة عرضها ستين ميل .. في كل زاوية من الخيمة بيكون للمؤمن فيها زوجة ..
مفيش في الجنة لا بول ولا غائط ولا قذارة ..
نساء الجنة جميلات وأبكار .
أول من يدخل الجنة هو نبي الله صلى الله عليه وسلم والأنبياء .
خدم الجنة ولدين مخلدين كلؤلؤ منثور ..
ومن أعظم نعيم الجنة رؤية ربنا سبحانه وتعالى ورضوانه والخلود ..
وهنا نوصل لختام الكلام عن رحلة الخلود ..
مسموح بالضرب لكن الشتيمة لا .
ضحكن الفتيات لحديثها ومن ثم تنهدن بقوة لتتحدث ميار بابتسامة :
- بارك الله فيكي والله يا وجد .. ربنا يثبتك ويزيدك كمان وكمان .
شكرنها الفتيات لما تقدمه لهن وغادرن على وعد بالقدوم في الجمعة التالية ..
إيلاف بابتسامة هادئة :
- بجد انتي نعمة في حياة أي حد يعرفك .
وجد وهي تتحسس وجنتيها بخجل مصطنع :
- لا لا بقولك إيه أنا مش قد الرومانسيات لحسن بتكسف .
صدحت ضحكة إيلاف التي يسمعها ذاك المار من أمام الغرفة عن طريق الصدفة ليضرب قلبه طبولًا وغادر المكان ركضًا .. ولكن لاحظته مريم التي ابتسمت في أثره وهي تغمغم بهدوء :
- ربنا يعملك الصالح يا حبيب جدتك ويهدي قلبك للخير .
(🌸ليس العيد لمن تجمل باللباس والمركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب🌸)
صدح صوت هاتفه الذي أيقظه من سباته ليجيب دون النظر لهاتفه :
- آلو ؟
بشير بخفة :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. الحمد لله بخير .. إزيك وإزي عيالك ؟
ضحك عمار وهو يمسد بين عينيه متحدثًا بمرح :
-الواحد يصحى من النوم على صوتك كده .. ده باين عليه يوم أبيض وزي العسل ولا إيه ؟
أبعد بشير الهاتف عن أذنه ينظر فيه ثم أعاده من جديد لتصدح ضحكة عالية من عمار الذي دفن رأسه في الوسادة قبل أن يتابع :
- طب انت كنت بتبص في الفون ليه ؟
بشير بسرعه :
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. إيه يا عم انت مخاوي ولا إيه !!
ضحك عمار ضحكة خفيفة قبل أن يضع ذراعه أسفل رأسه وهو يجيب ببساطة :
- لا ياعم .. بس توقعت الحركة يعني .
بشير بغيظ :
- ما هو أصل لازم أشك فيك يعني وانت بتقولي اليوم هيبقى عسل طالما أصطبحت بصوتي .
عمار بتوضيح مازح :
- بجرب الرومانسية فيك بقا .. مش أحسن ما أطلع مبعرفش أقول وأعبر بقا وكده .
بشير بضحكة :
- لا هتنفع يا سيدي ما تقلقش .. المهم بقا يا عم اتصلت بيك عشان أقولك على المشوار اللي كلمتك عنه من كام يوم ده .. فاكر ؟
عمار محاولًا التذكر :
- مشوار من كام يوم !!.. اا .. لا حقيقي مش فاكر .. كان مشوار إيه فكرني؟
بشير :
- لما اتقابلنا ع المسبح يا عم .. قلتلك هنعمل خير كده على يوم الجمعه .
عمار بتذكر :
- آه آه افتكرت .. طب استناني .. هعمل شاور وأجيلك .
بشير :
- خلاص تمام .. مستنيك .. متتأخرش .
عمار :
- على طول بأمر الله .
أغلق معه وأنهى طقوسه سريعًا وخرج مرتديًا بنطال جينز أسود يعلوه قميص أسود وساعة سوداء مع نظارته الشمسية التي لا يتخلى عنها أبدًا ..
خرج من غرفته قاصدًا منزل عمه وليد لكن أوقفه صوت أصالة المتذمر :
- متشيك كده ورايح على فين !
عمار وهو يغمض عينيه بغيظ :
- يا أصالة يا حبيبتي أنا والله لو متجوزك ما هتعملي كده .. رايح فين ؟ جاي منين؟ كلت ولا لا؟ شربت ولا لا ؟ اتنفست كام مره ؟.. وفري يا حبيبتي الأسئلة عشان كنان .
اتسعت عينيها بذهول قبل أن تتدرج وجنتيها بحمرة الخجل وهي تتحدث بتأتأه :
- احـ احترم نفسك يا عم بقا يوه .. قال كنان قال .
اقترب عمار منها وهو يغمض عينيه بمكر :
- ألا قوليلي يا صولا يا حبيبتي .. هو أنا غايب عني حاجه كده ولا كده !
هربت بعينيها وأخذت تفرك يديها معًا وهي تسأل بتوتر :
- حـ حاجة إيه ؟!.. لـ لا طبعًا ولا حاجه .
عمار وهو يضع يديه في جيب بنطاله :
- ولا أي حاجه خالص ؟!
ازدردت ريقها قبل أن تهدر بغيظ :
- إيه هو ده !.. عمال تاخدني في دوكة عشان متقوليش انت رايح فين .. لكن ده بُعدك يا خويا .. يلا قِر واعترف .
عمار وهو يداعب أرنبة أنفه :
- هنروح من بعض فين يا حبيبتي ؟.. كلها شوية وراجعلك .
تحرك خارج المنزل ولكنه تحدث قبل أن يُغلق الباب :
- رايح بيت عمي وليد .. هشوف بشير في مصلحة كده وراجع .
أنهى حديثه وأغلق الباب لتزفر هي بارتياح ولكنها صرخت من الفزع حينما أتاها صوت فجر الذي تحدث بصوت خفيض خلف أذنها :
- كده تثيري الشكوك حواليكي .
وضعت يدها على قلبها بفزع وهي تنطق الشهادة ثم حملت أحد الوسائد وركضت خلفه وهي تصيح بغضب :
- بطل أم حركاتك النيلا دي .. انت عارف إني خفيفه وبردو بتصمم تخضني .. خد تعالى هنا .. تعالي بس مش هضربك .
وقف خلف باب غرفته وهو يصيح متسائلا بضحكة :
- أُمال ماسكة المخده ليه يا حبيبتي ؟.. هتنامي عليها مثلا !
كزت أسنانها بغيظ وهي تصيح بغيظ :
- ماشي يا فجر .. ماشي .
بينما استقل عمار دراجته النارية وأخذ طريقه لمنزل بشير حتى وصل واستقبله بشير بترحاب حار ..
ولج للمنزل لتستقبله مريم بابتسامة مرحبة :
- أهلًا وسهلًا يا عمار .. إزيك يا حبيبي عاش من شافك .
عمار بابتسامة ودودة :
- ربنا يخليكي يا تيتا .. إزيك وأزي صحتك ؟
مريم برضا :
- الحمد لله في زحام من النعم .. انت عامل إيه ؟ واخواتك وسبأ ومالك ؟.. وحشتوني كلكم .
عمار بتنهيدة :
- ربنا يحفظك يا تيتا .. كلهم بخير الحمد لله .
ما إن أنهى حديثه حتى لمح تلك التي خرجت من إحدى الغرف وهي تضحك بمرح ..
