رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السابع عشر 17 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل السابع عشر 


نهض "نصر" يقف مقابلاً له وقال:
-عشان مسافر لمدة شهر, وقولت انورلك طريق قبل ما امشي, مش كنت بقولك هقدملك مختار على طبق من دهب.

عبس "شاهين" وقال:
-وعدى شهر لا شوفت منك ابيض ولا اسود, ولولا إني عندي فضول اعرف الاسرار اللي عندك كان زماني خلصت. 

ابتسم "نصر" يقول:
-وانا جيت ارمي سر يهمك اوي. 

-سر إيه؟ 

لمع الخبث في اعين "نصر" وقال:
-مش حابب تعرف مين أبو تيم؟ 

سأل "شاهين" بحذر مترقب:
-انتَ تعرفه؟ 

هز رأسه نافيًا:
-لأ, بس عندي طرف خيط يمكن يوصلك. 

-إيه هو؟ 

ابتسم "نصر" بتهكم يلقي قنبلته:
-إيه قولك لو عرفت إن سيف مش ابن مختار.. وإن مختار مخلفش غير شدوى.. 

رمش بعدم استيعاب وردد بدهشة:
-انتَ بتقول إيه؟ يعني إيه مش ابنه؟ 

استرسل "نصر" موضحًا:
-مختار كان عنده مشكلة كبير في الخلفة, قعد سنين مش عارف يخلف, ودخلوا في عمليات كتير, وبعد سنين خلف شدوى, بس هو كان مهتم اوي يكون له ولد, لكن الدكاترة قالوله ان مستحيل يدخلوا في عمليات تاني, كان له واحد صاحبه مراته حامل وصاحبه ده مات في حادثه, ومراته ماتت وهي بتولد الطفل, ده كان بعد سنتين من ولادة شدوى, وقتها قال ان مراته حامل في الشهر التالت وسفرها تغير جو هي وشدوى لألمانيا, وطبعًا بعت معاها الطفل من غير ما حد  يعرف, وبعد سنتين نزلوا ومعاها سيف, اللي اتكتب على اسم مختار, ومحدش شك لحظة إنه مش ابنه. 

قال "شاهين" "قاطبًا ما بين حاجبيهِ بتذكر:
-ايوه انا فاكر حاجه زي كده, وقتها كان عندي 7 سنين تقريبًا لما رجعوا من بره ومعاهم سيف وكانت اول مرة اشوفه, بس انتَ عرفت منين كل ده؟ 

سأله باستغراب ليجيب بابتسامة متهكمة:
-انا عمري ما آمنت لمختار, طول الوقت كانت عيني عليه, لما حصل الحوار ده كنت بعدت عن العيلة وفكروا إني ميت, فمقدرتش افضح حقيقته, ورجعت قولت اسيب الموضوع يمشي زي ما يمشي لحد ما احس بخطر ووقتها هعرف ازاي اكشف سره, كنت فاكر إن الخطر ده هييجي من ورث ولا حاجه تخص العيلة, لكن ماتخيلتش الموضوع هيلطك, على فكرة لما عرفت حوار شدوى مشكتش ابدًا في سيف ده, ماتخيلتش يكون هو.

-وإيه غير رأيك؟ وبعدين كلامك كأنك متأكد إنه هو, مش معنى إنه مش اخوها يبقى هو أبو تيم. 

 رد "نصر" بتوقع مبني على المنطق:
-اولاً لو فكرت فيها وفي إصرارها الرهيب انها متقولش مين أبو تميم هتعرف ان هو, والإصرار ده عشان سرها لما يتفضح هيفضح معاه سر اكبر, ثانيًا, الواد ده اصلاً بتاع حريم, ومش مظبوط, تفتكر هتكون معاه ست زي شدوى تحت بيت واحد والعلاقة بينهم قريبة كده ومش هيوقعها؟ 

ضيق ما بين حاجبيهِ وشرد بتفكير:
-ما عشان ده يحصل, لازم تكون هي عارفه إنه مش اخوها. 

-فعلاً, بص هي في النهاية كل دي توقعات مني, بس قولت اديك الصنارة وتصطاد انتَ بقى. 

حرك رأسه بعدم استيعاب وردد حانقًا:
-ده انا طلعت واقع في عيلة حلنجية ونصابين, كل واحد عامل مصيبة قد كده ومداري, يا ترى هكتشف إيه تاني! 

كان يعلم جيدًا أنه من ضمن المذكورين, لكنه قرر أن يتجاهل الحديث كي لا يتطرق لآخر سيخرج منه خسران, فقال في هدوء:
-بالنسبالي انا اسراري خلصت, وكده انتَ بقيت عارف كل حاجه انا اعرفها. 

-الديب الكبير.. 
رددها بجمود واكمل يحرك أصابعه:
-اللي عارف بمكر الديابة كلهم بس عامل نفسه ميعرفش, اللي عنده كل الاسرار, وبتوصله وهو في مكانه, ويقرر امتى يستخدمها وامتى لأ. 

نظر له "نصر" في هدوء حتى انتهى من حديثه فقال بحزن:
-الديب ده في المنفى, ميقدرش يستخدم الاسرار دي لان محدش يعرف بوجوده حتى. 

سأله السؤال الذي جاء في خاطره كثيرًا لكنه لم يصل لإجابة, بدت نظرته حينها غاضبة وناقمة:
-ليه ما خدتش حق امي من ممدوح؟ ازاي سكت عليه كل السنين دي؟ ولا خلاص مابقتش تخصك وحقها كمان مبقاش يخصك؟ 

اجابه "نصر" في صدقٍ:
-امك ميته بقالها 4 سنين, وانا معرفتش بالحقيقة غير بعد موتها بسنة, وانتَ عارف إن ممدوح منزلش مصر من بعد موتها بشهر, وبعدين ممدوح كان عندك حاجة كبيرة وكان عزيز عليك, لو كان اتقتل كنت انتَ اول واحد هتزعل عليه وهتدور على حقه. 

حرك رأسه بإدراك كأنه عرف سر خطير للتو, وقال بابتسامة ساخرة:
-ااه, كده فهمت, انتَ كنت عاوزني اعرف واخلص منه بنفسي, عشان معزته تموت في قلبي, عشان تضمن إني كرهته مش كده؟ 

نظر لساعته ليقطب ما بين حاجبيهِ باهتمام زائف ونهض يقول:
-يدوب الحق ميعاد الطيارة, اشوفك على خير.

لم يرد ولم ينهض وظل ينظر له نظرات متهكمة, غاضبة, حتى عدل "نصر" من سترة بدلته والقاه بنظرة يائسة أخيرة قبل أن ينصرف. 

بقى جالسًا مكانه ينظر أمامه بأعين تشتعل بالوعيد, حرك لسانه بداخل فمه في شر يحاول دفنه عبثًا, وقال بهمس وعينيهِ ثابتة على نقطة وهمية في الفراغ:
-شكل العداد بيلم ولسه فيه كتير.. ومش هسمي على حد. 
----------- 
في دهب... 
أرض الجمال, الصحراء التي تشبه الذهب الصافي, في لمعته ومنظره المبهج, والبحر الذي يتمثل فيهِ إبداع الخالق, وزرقته الممتعة للعين, كل شيء فيها جميل ومميز, يكفي أن تفتح عينيكَ صباحًا على طبيعتها الخلابة التي تنعكس في مقلتيكَ فتزيدها جمالاً, وقفت تبتسم بسعادة, حتى أتى من خلفها يحيط كتفيها بذراعه, لتغمغم فورًا:
-المكان هنا تحفة, سبحان الله.

نظر للمنظر أمامه, فقال مؤيدًا بابتسامة:
-فعلاً, حلو اوي, مريح للعين والنفس, يكسب شاهين إنه جابنا هنا. 

التفت له بحماس مرددة:
-إيه رأيك اجهز الفطار ونخرج الطربيذة اللي جوه نحطها على الشط ونفطر هناك. 

-وليه نخرجها, انا هكلمهم يجهزولنا قعدة حلوة. 

صفقت بحماس تركض للداخل:
-وانا هروح اجهز الفطار. 

دلف خلفها ليوقفها مبتسمًا بمكر:
-لا مانا هكلمهم يحضروا الفطار كمان, يعني يجهزوا كل حاجه. 

سألته باستغراب:
-ليه؟ اومال انا هعمل إيه؟

-مش إياد لسه نايم؟ 

لمحت المكر في نبرته ونظرته لتبتعد بحرص ضاحكة:
-هيحصى حالاً..

اقترب خطوات ممثلة يقول بتلاعب:
-يصحى إيه ده لسه نايم من ساعة.. يدوب نلحق وقتنا.

-انتَ نيتك مش بريئة صح؟

سألته بقلق مصطنع, ليهز رأسه مؤكدًا:
-خالص... 

ركضت خطوتان قبل أن يمسك بها تحت ضحكتها فقال بابتسامة:
-هتهربي مني على فين؟ 

نظرت له بأعين لامعة وردت في هدوء مبتسمة:
-عمري ما هفكر اهرب منك, انا اهرب ليك وبس, ده انتَ حبيبي, في حد يهرب من حبيبه!!

ابتسم بأعين لامعة وقد ارضته كلماتها, كما كانت ترضيه مؤخرًا, واقترب منها يبثها حبه الذي صمد لسنوات, حتى ظن أنها لن تكن نصيبه, ولكن قدر الله نافذ وأصبحت له, فمن حقه أن يشعر بكل مشاعر فرحة الانتصار, وحلاوة الوصول. 

----------- 
بعد أسبوع...
 
رفع نظره لها وهي تطوف في الغرفة بلا توقف منذُ دقائق, وهو جالسًا على الاريكة يتابع بعض أعماله, ضيق ما بين حاجبيهِ بغرابة وهو يراها تعبث بمحتويات الغرفة, ترفع الشيء وتضعه بمحله مرة أخرى, فخرج سؤاله الذي لم يستطيع كبحه:
-في إيه يا فيروز؟ مالك عماله تلفي حوالين نفسك ليه؟ 

نظرت له بتنهيدة ضيق لكنها ردت:
-مفيش حاجة يا حبيبي, كمل شغلك متركزش معايا. 

وضع الأوراق جانبًا وأشار لها لتقبل عليهِ:
-تعالي طيب. 

اقتربت تجلس مجاورة له ليحاوطها بذراعه متسائلاً:
-قوليلي يا روزا مالك؟ في حاجة مضيقاكي؟ تعبانة؟ 

زفرت أنفاسها بقوة قبل أن ترد وهي تضع رأسها على كتفه باستكانة:
-معرفش يا شاهين, زهقانة اوي.. حاسه إني عاوزه اخرج في مكان مفيهوش غير هوا.. مكان واسع ميكونش فيه حيطان حواليا, حاسه حيطان الاوضة بتضيق على نفسي, انا يعتبر محبوسة هنا, مبخرجش غير كل فترة طويلة اوي, وانا عمري ما كنت كده, انا كنت طول الوقت بره البيت وبرجع على البيات.. 

صمتت قليلاً حتى ابتسمت بعدم تصديق لِمَ ستقوله:
-هتصدقني لو قولتلك نفسي دلوقتي انزل الف في الشوارع زي زمان لما كنت ببيع الفُل. 

سألها باستغراب:
-طب ده زهق ولا هرمونات وكده, ولا إيه الحكاية؟ 

ردت بجهل:
-مش عارفة. 

-عمومًا, انا ميرضنيش يكون نفسك في حاجة ومنفذهاش لكي. 

ابتعدت عنه تسأله بحذر لطيف:
-يعني إيه؟ 

ابتسم تلك الابتسامة اللذيذة الصافية وقال:
-هننزل دلوقتي نتمشى بس مش هينفع في أي مكان, عشان انتِ فاهمه إن الفترة دي لبش شوية, فممكن نتمشى على كورنيش النيل مثلاً. 

-والحرس هيكونوا معانا؟ 

-انتِ عاوزه إيه؟

هزت رأسها تجيب:
-هو نفسي اخرج انا وانتَ لوحدنا من غير ماحس اننا متراقبين, بس لو في خطر يبقى لا طبعًا خليهم معانا. 

رد بغرور:
-على أساس إن لو في خطر مش هقدر اسد؟ ده انا أقوم بكتيبة لوحدي. 

ضحكت برقة تقول:
-احسن ميزة فيك يا حبيبي التواضع. 

نظر لساعة الحائط ليقول بعدها:
-طب قومي اجهزي, قدامك نص ساعة وتكوني جاهزة عشان ماكنسلش الموضوع. 

نظرت هي الأخرى للساعة لتعيد النظر له بدهشة:
-دلوقتي! الساعة 12. 

-يعني اسيبك تنامي مخنوقة كده! وبعدين ماله دلوقتي ده احسن وقت تلاقي الدنيا فاضية فيه وتاخدي راحتك. 

نهضت مسرعة بحماس وهي تقول:
-هوا وهتلاقيني جهزت. 
------------ 

فتحت ذراعيها بفرحة طاغية, وهي تستنشق الهواء اللذيذ الذي يضرب وجهها, وغمغمت:
-معاك حق, الكورنيش والدنيا رايقة احسن كتير اوي. 

احاطها بذراعه لتضم نفسها له وهما يسيران, وقال بمرح:
-مش تحسي إن الكورنيش ملكك, ماشية عليه لوحدك. 

ضحكت توافقه:
-معاك حق, برضو مفيش حد عاقل يتمشى على الكورنيش الساعة 2 ونص بليل. 

-اعمل إيه لحضرتك, قولتيلي هوا وهكون جاهزة, وقعدتِ ساعة تلبسي, غير وقفتنا عشان نجيب عشا. 

ابتسمت بحماس:
-اصل قعدة الكورنيش متحلاش من غير حاجه نعضعض فيها. 

ردد باستنكار:
-نعضعض! تصدقي إن دي اول مرة اقف على كاشير في مطعم. 

لوت فمها متهكمة:
-مصدقة, مانتَ قولتله الاوردر ودفعت وجريت على العربية وخليته يجبهولك بره, متكبر تقف زي باقي الناس تستنى اوردرك. 

ضغط جسدها لجسده بتحذير وقال:
-لازم تعرفي إني مش هكون ابدًا زي أي حد, شاهين المنشاوي عمره ما هينزل من برجه العالي. 

ردت نزقة:
-عارفه والله, باين مش محتاج تقول. 

سارا قليلاً حتى اشارت لأحد الأماكن:
-تعالى بقى نقف هنا عشان تعبت من المشي, وكمان عشان ناكل. 

أعطاها كيس الطعام, لتخرج الطعام المغلف منه, ووجدت معه الفاتورة, نظرت فيها بفضول تقول:
-جبت سندوتشات إيه بقى؟ 

شهقت بخضة بعدها وهي ترفع نظرها له بصدمة:
-ساندوتشين شيش طاووق ب930 جنية! ليييه؟ ده الفرخة كلها متجبش المبلغ ده!

قلب عينيهِ بملل:
-فيروز! متركزيش يا حبيبتي وافتحي الاكل يلا. 

قلبت ملامح وجهها للبكاء وهي تفتح المغلف:
-ده ربنا هيحاسبنا والله على التبذير ده, مش طايب على نفسي اكلهم. 

انتهوا من الطعام, ليقفا ينظران لماء النيل والمراكب المتحركة فيه بصمت, قطعته وهي تنظر له مبتسمة بأعين لامعة:  
-قولي إنك بتحبني.

ابتسم ثغره تلقائيًا وهو ينظر لها تحت ضيّ القمر المنير في السماء لينعكس ضوئه على وجهها فبدت كالنجمة اللامعة، نجمته هو التي تضيء عتمة أيامه ولياليه، وردد بنبرة هادئة مستغربة:
_ليه اللي يسمعك يقول إني حارمك منها، أنا دايمًا بقولهالك يا فيروز!

تنهدت بوله وثِقل في آنٍ وقالت:
_ انتَ فعلاً من وقت ماكنا في المستشفى وانتَ بتقولها كتير, بس..عاوزاك تقولها دايمًا.. متبطلش تقولها، أنا... أنا بحس بالخوف وهي دي الكلمة الوحيدة اللي بطمني.

امتد كفه يسحب كفها ليتمسك بهِ في قوة وهو يسألها معاتبًا:
_بتحسي بالخوف وانتِ معايا؟

التمعت عيناها بالدموع التي وخزتها فورًا، وشعرت برغبة غريبة في البكاء، لكنها تماسكت وهي تقول بنبرة مهتزة أثر شعورها بالاختناق:
_ أنا عمري ما حسيت بالأمان اللي عيشته معاك.. بس أنا.. أنا طول عمري تايهه، طول الوقت حاسه نفسي بدور على حاجة مش عارفة بالضبط هي إيه، وخايفة... خايفة من الزمن يغدر بينا، خايفة من كل المشاكل اللي حواليك, والناس الكتير اللي عاوزه تأذيك, أنا... أنا مش عارفه ازاي ممكن اعيش بعيد عنك يا...

قاطعها وهو يرفع كفها لفمه يطبع عليهِ قبلة حانية تشبهه تمامًا وقال ناظرًا في عينيها بعمق:
_ محدش على وش الدنيا يقدر يفرقنا.. بعدين لو كل الدراما دي عشان اقولك بحبك فأنا يا ستي مش بس بحبك.. استني..

صرخت فجأة بضحك مفاجئ حين اتجه لها يرفعها لتجلس على السور وهو يقف أمامها يحاصرها جيدًا بجسده كي لا تسقط في المياة خلفها، وقال متغنيًا بعشقها:
_ أنا بحبك.. وبهوى طلتك، عيني بترتاح لما بتشوفك، ونفسي بتهدى لما اسمع صوتك، لمسة إيدك ليا بتحسسني إني لسه عايش، وصوت قلبي اللي بيدق وهو قريب منك بيفكرني إنك حبيبته وإنه مبسوط بوجودك جنبه، لو قولتلك إني بحبك أكتر من نفسي هتقولي عني ببالغ وازاي واحد من أيام كان جامد ومبيقولش كلمة حلوة دلوقتي بيقول كده, ويمكن تقولي كداب، لكن ربنا شاهد إني بوصلك اللي حاسه...

صمت قليلاً وكأنه يفكر في طريقة أعمق ليصل إليها احساسه، تحت دموعها التي تتهاوى ببطء على صفحة وجهها، تحت لمعة عيناها المزامنة للمعة وجهه على ضيّ القمر..

نظر إليها مرة أخرى وهو يقول بصدق يقطر من نبرته:
_ يعني لما اكون مستعد يحصلي أي حاجة في الدنيا بس انتِ تكوني بخير، ده مش دليل إني بحبك أكتر من نفسي! يا شيخة ده انتِ حتى في أحلامي مش سيباني في حالي... اقول انام يمكن ارتاح من الجنية اللي جننتي دي شوية الاقيكي مستنياني في الحلم بتقوليلي "تعالى نخلي الحلم حقيقة تعالى تعالى...."

ضحكت من بين دموعها ولم تعقب فورًا بل كان أول رد فعل لها أنها جذبته إليها تحتضنه بقوة وكأنها تخشى أن يتبخر من بين يديها بعدما وجدته، وهمست بجوار أذنه:
_وأنا عمري كله فداك وعمري ماحبيت حد قد ما حبيتك, ومستعدة كل مرة اقف في وش أي حد يحاول يأذيك وتيجي فيا المهم إنك تكون بخير..

شدد من احتضانها وقال بنبرة تشبه قطع الوعد:
-وانا مش هسمح لحد يلمسك تاني.. ولا أذاه يطولك. 

---------------- 
لن تهدأ حتى تراضيه, منذُ أسبوع وهو يتجنبها تمامًا, ويعاملها بحدود مقيتة, حدود تشبه تلك التي كانت منذُ أشهر قليلة قبل فترة الهدنة التي قررا إعطائها لعلّها تكن فرصة تانية لحياتهما معًا, لن تقبل أبدًا بأن تعود علاقتهما للتوتر والبُعد مرة أخرى. 

لذا لجأت لحيلة رُبما تزيل القليل من التوتر السائد, وهو مرضها, اوهمته بأنها تشعر ببعض التعب ليقلق فيقترب منها بالفعل ليهتم بصحتها, حتى أنه لم يذهب لعمله من أجلها.. 

-يلا عشان تتغدي. 

نظرت لصينية الطعام التي يحملها وقالت بضيق:
-برضو تعبت نفسك ووقفت طبخت, انا كنت هقوم والله بس شوية كده على ما بطني تهدا وتروق. 

جلس أمامها فوق الفراش والصينية فوق ساقيهِ وقال:
-لا تعب ولا حاجة, دول شوية شوربة ونص فرخة, محبتش اعملك حاجه تاني عشان متقلبش بطنك اكتر. 

رفع الملعقة لفمها لتنظر له برجاء مرددة:
-مش هاكل غير لما تسامحني. 

انزلها مرة أخرى وهو يقول بضيق:
-وإيه علاقة الاكل بالمواضيع دي, متدخليش الأمور في بعضها يا أمل. 

-مادام قولت أمل تبقى لسه زعلان مني. 

تنهد قبل أن يقول منهيًا الحديث:
-سبيني لحد ما اروق.

اعترضت وهي تعتدل في جلستها تقول بحزن:
-انتَ عارف إنك بقالك أسبوع بتقولي كده, ومروقتش, إيه هنفضل كده لامتى؟ انا ما صدقت بقينا كويسين مع بعض. 

نظر لها في عتاب:
-قولي لنفسك, مين السبب في كل ده؟ 

ردت باعتراف:
-انا, وندمانة, وقولتلك الف سامحني.. مجد انتَ لما غلط فيا وقسيت في معاملتك ليا من اول جوازنا وجيت ندمت وقولت نفتح صفحة جديدة, انا فتحت معاك كشكول جديد مش صفحة.. لا قولت لأ, ولا اتمنعت, ولا قسيت في العفو.

سألها بتنهيدة عميقة:
-انتِ عاوزه إيه دلوقتي يا أمل؟ 

نزلت دموعها وهي تجيبه في حزن واضح:
-عاوزاك تسامحني, وتفتح صفحة جديدة, نفرح بابننا ونرتب لمجيته, مش هنقضي عمرنا في الزعل. 

صمت قليلاً يوازن حديثها, حتى زفر أنفاسه ورفع سبابته بتحذير قائلاً:
-اخر مره تكدبي عليا او تخبي حاجه عني, عشان البيت ده يفضل قايم ويبقى فيه بركة لازم نبقى كتاب مفتوح لبعض, لا الكدب ولا الغش يدخل من بابه, دول اكتر حاجتين يقدروا يهدموا أي بيت ومعاهم الخيانة طبعًا.. او التخوين, إننا منبقاش مأمنين لبعض, فاهمة يا مستكة؟ 

ابتسمت بسعادة وهي تزيل دموعها وقالت:
-فاهمة يا نن عين مستكة, اوعدك عمري ما هخبي عليك حاجه تاني. 

اومأ برأسه برضا وقال:
-شاطرة يا حبيبتي, يلا بقى كلي انتِ مكلتيش حاجة من الصبح. 

فتحت فمها تستقبل الملعقة بنفس راضية وعيناها تلمع بفرحة وراحة بعد ان عادت علاقتهما لمجراها.

فما فائدة أن نقضي عمرنا في خِصام وجفاء, فهل يعلم أحدنا متى سيحين موعده؟ هل يعلم إن كان مازال في العُمر الكثير أم لم يعد فيهِ إلا أقل القليل؟ لن نفرح حين نندم عن كل ساعة أضعناها في البُعد عن من أحبننا, ولن تفيد كلمة يا ليت في شيء! 
----------------- 
في شركة العقرب... 
دلفت "ميرنا" بخطوات هادئة تقول بابتسامة:
-شاهين سيف المنشاوي طالب يقابلك, ادخله؟ 

لمعت عيناه بمكر وهو يجيبها:
-طبعًا, دخليه. 

نظرت له باستغراب ليعلق متعجبًا:
-إيه واقفة كده ليه؟ 

رفعت منكبيها بتعجب:
-مستغربة, اصلك مبطيقش تشوفه. 

أشار لنفسه باستغراب مندهش:
-انا! ده ابن عمي, في حد مايحبش يشوف ابن عمه! يا شيخه هتلاقيكِ فهمتِ غلط, دخليه بسرعة, واطلبيلي مصطفي بتاع البوفية. 

-اطلب منه حاجه يعني؟

-لا يجيلي بنفسه. 

رفعت حاجبيها باندهاش لم يطلب "مصطفى" ابدًا دومًا كانت هي من تتواصل مع "مصطفى" لجلب المشروبات للعملاء او له, لكن حركت رأسها وهي تخرج هامسة لنفسها:
-في حاجة غلط. 

دلف "سيف" بعد قليل يقول:
-خير يا شاهين؟ عمرك ما طلبتني يا ترى طالبني ليه؟ 

رد بتعجرف واضح:
-ولا كنت احب اطلبك, بس كل شيء له حد, وعمايل ابوك اتخطت كل الحدود قولت اطلبك, اكبر بيك, تشوفلك حل معاه بدل ما اتدخل انا, ووقتها مش هعمل حساب لحد.

جلس "سيف" فوق الكرسي يتساءل باستغراب:
-عمل إيه ابويا؟ 

-بقى انتَ متعرفش؟ 

-هعرف إيه! انا اصلاً كنت مسافر اسكندرية بقالي 10 أيام عشان ام زينة مراتي كانت تعبانة وفي المستشفى, عمل إيه ابويا؟ 

دق الباب ودلف بعدها "مصطفى" ليسأل "شاهين" سيف:
-قولي تشرب إيه؟ 

-يا عم مش عاوز, قولي الكلمتين خليني امشي. 

احتدت نبرته رافضًا:
-هو إيه اللي مش عاوز! ليه داخل شركة يهودي! اخلص تطفح إيه؟ 

جز على اسنانه حانقًا ورد:
-قهوة سادة. 

-اعمل يا مصطفى قهوة للبيه. 

-وحضرتك يا شاهين بيه؟ 

-لا انا لسه شارب, اعمله هو بس. 
وغمز له في الخفاء, ليخرج "مصطفى" فورًا ويغلق الباب خلفه. 

-ها كمل. 

ارتفع أذان العصر من مسجد قريب, ليردد "شاهين":
-الله اكبر الله اعظم.. اكمل إيه يا عم الصلاة وجبت, هقوم اتوضى واصلي وارجعلك. 

-صلاة! 
رددها بدهشة وهو يرى "شاهين" يغلق باب الحمام المرفق  بالغرفة وراءه, وقال باندهاش:
-إيه الجنان ده! من امتى وهو بيركعها اصلاً! 

ظل جالسًا حتى خرج "شاهين" ينزل أكمام قميصه, ليعلق ساخرًا:
-من امتى وانتَ بتصلي يا شيخنا؟ 

ابتسم له ابتسامة صفراء وأجاب:
-بقالي يومين بس, ادعي ربنا يهديني. 

رفع جانب فمه ساخرًا:
-ودي بركات فيروز هانم؟

أجابه بصدق:
-لا دي بركات أمها, خليك في حالك. 

وقد كانت "مديحة" هي من نبهته للأمر بالفعل, بعد جلسة استمرت لساعة كاملة بينه وبينها واهم ما قالته فيها جعله يراجع حساباته

"عاوز ربنا يوفقك في حياتك ازاي وانتَ بعيد عن عبادته, عاوز ازاي ربنا يحفظلك مراتك ويباركلك فيها وفي حياتك وعيشتك وعيالك الجايين وانتَ مبتصليش, الصلاة هي اول عبادة لربنا, الواجب اللي عليك له, هتقولي مانا بعمل بلاوي وبغلط كتير, هقولك وماله صلي... ربنا مقالش إن اللي بيذنب ميصليش, بالعكس قال إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر, يعن الصلاة هي اللي ممكن تبعدك عن أي طريق وحش ماشي فيه, هي اللي تصحي ضميرك وتوجهك للصح, 
اقولك على حاجة؟ 
لو بتقتل.. وصلاة الضهر وجبت روحي صليها, اه والله متستغربش, مره مع مره, هتلاقي نفسك مكسوف تقف بين ايدين ربنا وانتَ عامل ذنب زي ده, لو عاوز ربنا يباركلك في مراتك وعيالك قرب منه وأديله عبادته على الأقل, لحد ما يهديك وتبعد عن كل الوحش اللي يغضبه, بلاش تسيب نفسك لحد ما تخسر كل حاجه وترجع تقول يا رتني.. كفاية خسارة اختك, اصل اللي مش مع ربنا عمره ما يكسب ابدًا, بيكسب كسب مؤقت كده, وبييجي وقت ويخسر كل حاجة" 

انهى صلاته وعاد له ليجده قد شرب نصف فنجان قهوته.
-أتمنى تكون القهوة عجبتك. 

نظر له بتشوش ورد بلسان ثقيل:
-اه.. كويسة.

ولم يكمل كلمة بعدها حتى سقطت رأسه فوق صدره نائمًا.. 

-مانا عارف إنها كويسة.
قالها "شاهين" وهو يتجه لدرج مكتبه يخرج مقص وكيس شفاف, واقترب منه يقص خصلة من شعره ووضعها بحرص في الكيس واغلقه بإحكام.

وقف أمامه ورفع رأسه بقوة ناظرًا لوجهه بشر:
-تبقى امك الله يرحمها داعية عليك لو طلع كلام نصر صح, وتبقى امي الله يرحمها دعيالي عشان جاتلي فرصة على طبق من دهب اني اطلع كرهي كل السنين دي فيك. 

بعد ساعة.. 
فتح "سيف" عينيهِ بتشوش حتى استقرت رؤيته, فنظر ل"شاهين" الجالس خلف مكتبه يتابع اعماله باستغراب:
-هو إيه اللي حصل؟ 

رفع نظره له بابتسامة:
-إيه يا عم! ده انا قولت مات ده وهيجبلي مصيبة في مكتبي ولا إيه, بس بسيطة طلبت دكتور الشركة وقالي إن ضغطك وطي فجأة, واكلناك حاجة حادقة وانتَ نايم, وقالي هتفوق لوحدك, ابقى قيس ضغطك واطمن على نفسك, متخضناش عليك كده تاني. 

فرك جبهته بإرهاق وردد هامسًا:
-معقول! 

---------------- 
-الحقني يا شاهين... 

رسالة وصلته على هاتفه جعلته يسرع لشقة "شدوى" في قلق, ضرب جرس الباب ففتحت له بملامح حزينة تقول بلهفة:
-كويس إنك جيت, تيم تعبان اوي ومش عارفة اتصرف ازاي. 

دلف للداخل متجهًا لغرفة "تيم" يقول:
-انا طلبت الدكتور وزمانه جاي, تعبان من امتى؟ 

-من الصبح, بس زاد عليه من شوية. 

وصل للصغير في فراشه فجلس جواره يلمس جبهته بقلق ليجد حرارته مرتفعة بشدة, ومتعرق الوجه, فتح الصغير عينيهِ ببطء وهمس ما إن ابصره:
-بابي.. انتَ جيت؟ 

مال "شاهين" يقبل جبهته يجيبه بحنو:
-انا هنا يا حبيبي, متقلقش هتكون كويس, شوية تعب وحشين وهيروحوا على طول. 

نظر ل "شدوى" التي تقف تنظر له بشرود مبتسمة ليسألها بحدة:
-هو كل حاجة من بره او خد برد؟ 

انتبهت لتخفي ابتسامتها تجيب بحزن مصطنع:
-ابدًا.. فجأة كده قالي ان زوره واجعه شوية الصبح وبعدين بدأ يسخن. 

-ومروحتيش بيه المستشفى ليه؟ إيه مسكتك كل ده! 

اصطنعت الارتباك وهي تجيبه:
-معرفش انا اتوترت, معرفتش اتصرف.

سمعا رنين الجرس, لينهض فورًا متجهًا للباب:
-ده اكيد الدكتور. 

كشف الطبيب عليهِ ليقول بعدها:
-متقلقوش يا جماعه, ده التهاب لوز, بس مش خطير يعني, هكتبله مضاد حيوي ومضاد التهابات, وخافض حرارة وهيبقى زي الفل. 

انتهى الطبيب من عمله ليذهب, ويجلس شاهين جواره, ففتح "تيم" عينيهِ يترجاه:
-بابي ممكن تنام معايا النهاردة. 

مسد على خصلات شعره بحب مجيبًا:
-طبعًا يا حبيبي, مش هسيبك متخافش, بس مامي هتعملك اكل وتاكله كله عشان تاخد ادويتك لما مرسي يجيبها, لازم نسمع كلام الدكتور عشان نخف, ماشي؟ 

-حاضر يا بابي. 
قبل وجنته بحب وهو يبتسم له:
-شاطر يا عيون بابي.

رفع نظره لها يقول بجدية:
-مسمعتيش؟ جهزيله اكل كويس عشان ياكل وياخد ادويته. 

-اه اكيد. 

وخرجت لتعد بعض الطعام للصغير. 

اكل واخذ ادويته وخلد للنوم, ليخبرها "شاهين" بفظاظته المعروفة:
-روحي نامي, انا هنام معاه. 

ابتسمت بمكر تقول:
-بجد؟ فكرتك بتقوله كده وأول ما ينام هتمشي عشان مراتك!

رد بوجوم صارم:
-وانا من امتى بكدب عليه! 

هزت رأسها بدلال مجيبة:
-على رأيك... سوري, هروح انا انام, لو احتاجت أي حاجه انا في الاوضه اللي جنبكوا. 

-مش هحتاج. 

اختفت ابتسامتها من رده الجامد, وهزت رأسها بضيق قبل أن تلقيهِ بنظرة أخيرة وهي تراه يتمدد جوار الصغير وخرجت مغلقة الباب خلفها.

ما إن خرجت حتى نهض يخرج من جيبه مقص صغير للغاية, قص بهِ خصلة من شعر "تيم" ووضعها في منديل التقطه من العلبة الموجودة, واغلقه بإحكام ثم وضعه في جيبه وعاد يتمدد جواره. 

-مهما كانت حقيقتك عمري ما هكرهك, لأنك ملكش ذنب, وانا حبيتك كأنك ابني فعلاً, واللي بحبه مبعرفش اكرهه مهما حصل. 
-----------------   
صباحًا.. 
استيقظت تنظر جوارها باستغراب, لقد ظلت جالسة فوق الأريكة تنتظر عودة "شاهين" لكنه لم يعود, حتى سقطت في النوم دون أن تشعر, نهضت تلتقط هاتفها لتطلبه قلِقه من غيابه عن المبيت معها, قطبت ما بين حاجبيها باستغراب وهي تجد رقم لا تعرفه بعث لها صورة عبر تطبيق الواتساب, فتحتها لتتسع عينيها بصدمة وغضب وهي ترى "شاهين" ينام براحة بجوار "تيم" ويحتضنه, وتحت الصورة رسالة:
"قولت اطمنك على شاهين لو قلقانة عليه إنه مرجعش البيت امبارح, عمومًا متقلقيش شاهين بايت عندي.. قصدي بايت مع ابنه, لما يصحى هخليه يكلمك لتكوني قلقانة, رغم إنك المفروض تطمني هو في ايد امينة, ومع عيلته الحقيقية, اصل الراجل مهما لف ودار في الآخر مرساه عند اول حب وأول حضن, عند ام ابنه, وابنه" 

ارتفعت أنفاسها في غضب وغيرة حارقة, وقبضت على هاتفها بقوة كادت تهشمه وعيناها تلمع بنيران مشتعلة... 

تعليقات