رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل الثامن عشر 18 بقلم اسماعيل موسي



 رواية ملك بلا مملكة الجزء الثاني الفصل الثامن عشر  بقلم اسماعيل موسي 



تراجع يامان أعمق داخل الغابة حتى ابتلعت الأشجار صوته ولم يعد يرى خلفه سوى ظلال الليل،كان جسده متعبا والجراح التى تركتها معركة القلعة ما زالت تنزف ببطء. جلس قرب جدول ضيق تحيط به الأعشاب البرية ووضع يده فى الماء البارد ليغسل الدم عن ذراعيه.

ظل صامتا فترة طويلة وهو يفكر فى الفيروس الذى حقنته به سولين، كان يشعر أحيانا بوخز بارد يتحرك فى عروقه كأنه شىء يحاول أن يجد مكانا داخل جسده.


رفع رأسه ببطء ونظر إلى الأعشاب المنتشرة حوله. فى تلك اللحظة عاد إلى ذاكرته ما قرأه قديما عن الساحرة Circe كانت ابنة Helios وقد تعلمت سحرها من النباتات التى كانت تطحنها لتصنع ما كانت تسميه الفارماكا،عندما تحدت الالهه 

تذكر أسماء الأعشاب التى كانت تعتمد عليها فى خلطاتها،

نهض يامان ببطء وبدأ يبحث فى محيط الجدول حتى وجد نباتا طويلا بأوراق عريضة داكنة،عرفه فوراً، كان نبات المولي الذى كان له قدرة على مقاومة السموم والسحر، اقتلع الجذر بحذر ثم وضعه فوق حجر مسطح.

بعد ذلك سار بين الأشجار حتى وجد شجيرة صغيرة تحمل أزهارا بنفسجية. كانت زهرة الماندراجورا التى كانت سيرسى تستخدم جذورها فى أقوى خلطاتها،حفر حول الجذر حتى أخرجه من الأرض ثم حمله معه.

واصل البحث حتى وجد نبتة أخرى تنمو قرب الماء ذات أوراق فضية خفيفة،كانت نبتة الهينبان التى كانت تستعمل فى الفارماكا لإبطاء تأثير السموم داخل الجسد.


جمع يامان الجذور الثلاثة ثم عاد إلى الصخرة قرب النار الصغيرة التى أشعلها بين الحجارة،،

غسل جذور المولي أولا فى ماء الجدول ثم بدأ يسحقها بحجر ثقيل حتى تحولت إلى عجينة لزجة ذات رائحة قوية، بعد ذلك قطع جذر الماندراجورا وأخذ جزءا صغيرا منه وسحقه مع المولي، كانت الرائحة تزداد حدة مع كل ضربة حجر.

ثم أضاف أوراق الهينبان وسحقها مع الخليط حتى أصبح لونه داكنا يميل إلى الأسود

تذكر ما كانت تقوله سيرسى فى وصف الفارماكا، كانت تقول إن الأعشاب لا تعطى قوتها حتى تختلط بحرارة النار

وضع يامان الخليط فوق حجر مسطح قرب اللهب وتركه يسخن ببطء، بدأ البخار يرتفع من العجينة ومعه رائحة مرة تشبه الدخان المر

عندما برد الخليط قليلا أخذ جزءا منه ووضعه مباشرة فوق الجرح الذى دخل منه الفيروس،شعر بحرارة قوية تنتشر تحت جلده وكأن الدم نفسه يقاوم شيئا غريبا يحاول السيطرة عليه،ثم أخذ قليلا من العصارة الداكنة وشربها رغم مرارتها،جلس بعدها بصمت طويل بينما النار الصغيرة تشتعل أمامه، كان يشعر بأن الحرارة تسير فى عروقه وأن جسده بدأ يقاوم البرودة الغريبة التى تركها الفيروس،فتح عينيه أخيرا ونظر إلى الظلام بين الأشجار،كان يعرف أن ما فعله مجرد بداية، الأعشاب التى استخدمتها سيرسى لم تكن مجرد علاج بل كانت سلاحا خفيا

وإذا أراد أن يهزم سولين فى اللقاء القادم فعليه أن يتعلم كيف يجعل الأرض نفسها تقاتل معه


مع انطفاء آخر جمرات النار وقف يامان عند حافة الجدول بينما كان الليل ينسحب ببطء من فوق الغابة،كان جسده ما يزال مثقلا بالجراح لكن عقله أصبح أكثر صفاء بعد الشراب العشبى الذى صنعه،أغلق عينيه ببطء كما كان يفعل حين يتحول إلى ذئب ويصغى للعالم من حوله.

ترك أنفاسه تهدأ حتى أصبح صمت الغابة واضحا فى أذنيه، لم يكن يبحث هذه المرة عن فريسة أو عدو بل عن نباتات الأرض نفسها

مد يده إلى الأمام مغمض العينين ومشى ببطء بين الأشجار، كانت أصابعه تمر فوق الأوراق والزهور كما لو أنه يقرأ الأرض بلمسه.

عندما قبض على أول زهرة عرفها من رائحتها الخفيفة،كانت زهرة البياتيكس، اقتلع الجذر برفق ووضعه فى كيس صغير ربطه عند خصره.

واصل السير نحو التلال الصخرية، كان يشعر كأن شيئا خفيا يقوده،وعند سفح التل مد يده بين الأعشاب العالية حتى قبض على نبتة ذات رائحة ثقيلة، فتح عينيه قليلا ليتأكد فوجدها زهرة ااقمر بجذرها المتشعب العميق ابتسم ابتسامة خفيفة ثم حفر حولها حتى اقتلع الجذر بعناية.

تقدم بعدها نحو الصخور المرتفعة حيث تنمو النباتات التى تحب الشمس القاسية،هناك وجد أوراق الهينبان 

لكن بحثه لم يتوقف عند التلال،كان يشعر أن الأرض تخبئ له المزيد.

اتجه نحو الوديان الضيقة حيث ينمو العشب فى الظل الدائم، مر بين الشجيرات الكثيفة حتى وصل إلى رقعة من النباتات ذات الزهور الزرقاء الصغيرة،انحنى ومد يده وقبض على إحداها، كانت نبتة الأكونيت التى عرفت فى الأساطير بقدرتها على قتل الوحوش أو إضعافها.

رفع رأسه نحو الجبال البعيدة ثم بدأ الصعود عبر الممرات الصخرية،كانت الرياح أقوى هناك والهواء أبرد، عند مدخل كهف صغير شم رائحة نبات مر،اقترب أكثر حتى رأى شجيرة قصيرة بأوراق رفيعة، كانت نبتة الرو التى كانت تستخدم فى التطهير وطرد السموم.

دخل الكهف قليلا حيث لا يصل الضوء إلا خافتا،هناك نمت أعشاب صغيرة قرب الرطوبة المتجمعة بين الصخور،لمسها بحذر ثم ابتسم عندما عرفها، كانت الشيح البرى الذى يستخدم فى تقوية الدم وتنقية الجسد،

خرج من الكهف وعاد إلى أحراش السهول حيث تختلط النباتات البرية بعضها ببعض،كان يمشى مغمض العينين مرة أخرى،يمد يده ويلتقط زهرة ثم يتوقف لحظة يشم رائحتها قبل أن يعرف اسمها،قبض على زهرة الزعتر البرى

ثم أوراق المريمية،ثم جذور السنفيتون التى تساعد الجروح على الالتئام

كل نبات كان يضعه فى كيسه وكأنه يجمع سلاحا جديدا لا يراه أحد.

طوال اليوم كان ينتقل بين الجبال والتلال والوديان والكهوف وأحراش السهول، أحيانا كان يفتح عينيه ليتأكد من النبات الذى وجده، وأحيانا كان يعتمد فقط على الرائحة والملمس كما لو أن الأرض نفسها تخبره أين ينمو كل عشب.

عندما عاد أخيرا إلى قلب الغابة كان الكيس عند خصره ثقيلا بالأعشاب والجذور،

جلس عند صخرة مرتفعة ونظر إلى النباتات التى جمعها،كان يعرف أن هذه ليست مجرد أعشاب،كانت بداية علم جديد سيتعلمه بنفسه،علم الأرض الذى استخدمته سيرسى قديما.

وإذا تعلم كيف يمزج هذه النباتات كما فعلت الساحرة يوما فربما لن يكون الفيروس الذى صنعته سولين كافيا لإيقافه عندما يلتقيان مرة أخرى ،بل لن يكون هناك اى فيروس قادر على إيقافه.


حمل يامان كيس الأعشاب إلى الكوخ حيث كانت جود فى انتظاره ،طلب منها ان تشعل النار ووضع القدر على النار

وعندما سألته جود ما هذا؟

قال يامان انه مخلوط أما ان يقتلنى وإما يجعل جسدى رافض للأمراض الفيروسية ،وانه اذا لم يمت الليله فسوف يستيقظ مخلوق جديد ،قالت جود يعنى ذلك اننى من الممكن أن افقدك ؟

ابتسم يامان هل سيشكل ذلك أدنى فرق ؟

ضربته جود فى كتفه وهمست لا تمزح، سأشرب المخلوط معك ونرى ما يحدث

الفصل التاسع عشر من هنا

stories
stories
تعليقات