رواية احببناها مريمة الجزء الثالث (كلمة قدر) الفصل الثامن عشر 18 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الثالث (كلمة قدر) الفصل الثامن عشر 

يجلس أمام غرفة الكشف الخاصه بمريم .. ينتظر خروج الطبيب وهو يشعر بالإرهاق الذي أصبح باديًا عليه بوضوح .. لا يبدو عليه تقدم العمر والإرهاق سوي بمرض مريم او اصابتها بأي سوء .. كيف لا وهي شريكة عمره ودربه .. صديقته .. حبيبته .. امه .. أخته .. الحياه التي يحياها ..

بينما يجلس بجانبه ابنه الذي لا يختلف حاله عن والده كثيرًا .. فوالدته هي بئر أسراره ونصيحته الأولي والأخيره .. صديقه الصدوق .. ليست مجرد أم .. لقد نجحت في احتوائه وجعله صديقها وابنها وحبيبها .. كانت تتعامل معه في كل موقف بشخصية مختلفه .. تجيد أن تكون أمًا تحتويه وتحتضنه وتهدئ من اضطرابه وتعطيه جرعة حنان تكفيه العمر بأكمله .. كما تجيد أن تكون أختًا تشاكسه وتمازحه وتتفق معه علي اتمام مقالب عديده في والده .. وتجيد كذلك أن تكون صديقًا .. صديقًا يستمع له بكل صدر رحب ويهبه النصيحه دون مقابل .. صديقًا يشاركه همومه وأحزانه .. أفراحه وأتراحه ..

وعلي الجانب الآخر يجلس إسلام الذي يحاول تهدئة توتره وخوفه واضطرابه .. كيف له أن يحتمل فقدانها .. لقد كانت له الأم والأب بعد وفاة والديهما .. لقد كانت ونعم الأخت التي لم تتواني عن جعل أخيها يفخر بها بين الجميع .. لقد كانت له الدفء حينما يشعر ببرودة العالم .. كانت الحياة .. ولا تزال الحياه .. وسيفقد الحياه ان فقدها .. فيومه لا يكتمل سوي برؤيتها .. حياته لا تسير بطبيعيه دون صوتها .. لن يحتمل .

وبجانبه يقبع سفيان الذي يحاول قدر الإمكان أن يكون متماسكًا وألا يترك العنان لعيناه .. فهو يود الإنفجار باكيًا .. لقد كان الناصح الصديق للجميع .. لكنها هي من كانت صديقه الوحيد .. لقد كان رجلًا قويًا متماسكًا أمام الجميع .. بينما أمامها فهو يعود للطفل ذو السنوات الخمس الذي لا يهنأ او يطمئن سوي بين ذراعيها .. يكون الرزين الحكيم مع الجميع ويعود اليها طفلًا يحتاج النصح والإرشاد .. انه لا يكف عن مناداتها بـ " أمي " .. وهي له كذلك حقًا .. لن يستطيع فقدانها .. لا لن يستطيع ..

لم يشعر بدموعه التي تسللت عن جفنيه تركض في طريقها الي لحيته الخفيفه .. ليجد من يحاوطه بقوه ويربت علي ذراعه ..
انه جود .. حبها .. عشقها .. حياتها .. جنتها علي الأرض .. أطلق العنان لضعفه وتشبث بثياب جود بقوه .. ليشعر جود بمدي ضعف الجميع دونها ..
أخذ يردد بالدعاء وسفيان يؤمِّن خلفه ..

فُتح باب غرفتها ليطل الطبيب ويركض تجاهه الجميع متسائلون عما حدث معها ..

تنهد الطبيب ليتحدث بنبرة تحمل بعض الغموض ويتمتم بروتينيه وهدوء : مين جوزها ؟ 

جود باندفاع : انا .. انا جوزها . 

ربت سفيان علي يديه بقوه ليتابع الطبيب : المدام حامل .. وعشان فوق الأربعين بس في بعض المخاطر على صحتها هي والجنين .. بس ان شاء الله ميحصلش غير الخير .. انا طلبتلها بعض التحاليل والأشعة عشان نتأكد من كل حاجة خاصة أن فيه حاجة غريبة ظهرت أثناء الكشف ولازم نتأكد منها و .. 

جود باندفاع مقاطعًا اياه في صرامه : لو وجود الجنين خطر على حياتها ينزل .. انا تهمني مريم . 

امسك اسلام بيده وهو يتمتم : جود ! 

جود بحدة : سمعتني ؟.. لو بيمثل ولو واحد فـ المية خطر على حياتها ينزل . 

اماء الطبيب بهدوء وهو يتمتم : سلمها لله . 

غادر الطبيب على الفور .. فمظهر جود لا يبشر بالخير أبدًا .. في حين تعجب الجميع لحالته .. فالطبيب لم يتحدث عن الامر بشكل خطوري لتلك الدرجة .. فما الذي جعله يثور هكذا !! 

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

كانت تدور في غرفتها وهي تنتظر اتصال من إسلام يُطمئنها علي صديقتها .. وأخيرًا اتاها الاتصال ..

اروي بلهفه : السلام عليكم .. اسلام طمني .

اسلام بهدوء : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. خير يا حبيبتي ان شاء الله .

أروي بنبره باكيه : اسلام .. قولي في اي ؟.. صوتك مش مريحني .. اسلام الله يخليك حصل اي ؟

اسلام : حامل .

شهقت أروي ومن ثم استغفرت وهي تردد : بسم الله ما شاء الله .. الله اكبر .. طـ طب وصوتك ماله ؟.. هـ هو فيها حاجة طيب ؟ 

اسلام : جود حالته وحشه اوي .. وتقريبا الدكتور شاكك ان في خطر ع حياتها بسبب الجنين .. وجود مش عايزه .. ادعيلها يا اروي .. ادعيلها كتير .

اروي ببكاء : بدعي والله .. بدعي ربنا يعلم .. يارب  .. يارب .

اسلام بهدوء : هقفل دلوقتي عشان اكون مع جود ووليد .

اروي : تمام .. طمني تاني الله يكرمك يا إسلام .

اسلام : ان شاء الله يا حبيبتي .. في امان الله .

أغلقت أروي مع اسلام وهي تمحي دموعها وركضت تجاه دورة المياه كي تتوضأ وتصلي لله تضرعًا ان يحمي صديقتها واختها التي رُزقت إياها من رحم الحياه ..

انهت صلاتها لتجد اريج تنتظرها ..

اروي : خير ياحبيبتي ؟

اريج : هو في اي يا ماما ؟؟

اروي بتنهيده : عمتك مريم تعبانه شويه .. بس ان شاء الله هتكون كويسه .

اريج : طب احنا لازم نروحلهم .. لازم اكون جنب وليد وعمتي .

اروي : حاولت مع ابوكي ورفض .. ان شاء الله اول ما يتصل تاني هقوله وربنا يهديه ويوافق .

تحركت اريج بقلق وبدأت تتقرب لله تضرعًا هي الأخري ..

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

ظهرت نتائج التحاليل .. والجميع يجلس في توتر تام ..

حضر الطبيب وتحدث الي جود بهدوء : هو مفيش اي مانع ان الحمل يكمل .. هي بتعاني من ضعف في الرحم ومشاكل بسيطة نقدر نعالجها خلال فترة الحمل .. بس مش هتغاضي عن الآثار الجانبيه لحملها في سن فوق الأربعين .. ودلوقتي هشوف نتيجة التحاليل وهبلغ حضرتك . 

جود بسرعه : اعمل كل اللازم عشان تكون بخير .. هي عندي الأهم . 

الطبيب بروتينيه : تمام .. إن شاء الله ميكونش غير الخير 

وبالفعل بدأ الطبيب في فحص التحاليل والأشعة الخاصة بها .. ليتحول القلق الي رعب حقيقي بعد كلمات الطبيب التي غُرست كسهم مسموم في قلوبهم جميعًا والتي تمثلت في  : اشتبهنا في وجود ورم وعشان كده طلبت الأشعة ورجعت طلبت التحاليل .. هو ورم ليفي موجود بفضل الله خارج الرحم .. وعشان نزيله لازم نستنى لبعد الولادة بفترة معقولة .. بالإضافة ان ولادتها في الحالة دي مش هتكون طبيعي .. ومحتاجة رعاية ومعاملة خاصة خلال الفترة دي عشان نمنع الولادة المبكرة .. تقريبا ده كل شئ .. بس احب اطمنك ان الموضوع مش هيبقى فيه خطورة لو توخينا الحذر ومشينا ع العلاج مظبوط . 

جود بتيه : مـ مريم اا اجهضت قبل كده بسبب ضعف الرحم . 

الطبيب : كله بإيد ربنا يا بشمهندس .. هي فعلا بتعاني من ضعف في الرحم .. بالإضافة انه في احتمال مع اكتمال الحمل الطفل يكون ضعيف لقدر الله .. لكن احنا ديما بنتمسك بالأمل في الله لإن ربنا قال  " انا عند حسن ظن عبدي بي " .. فلازم تحسن الظن بالله وتتأكد ان كل شئ لحكمة . 

جود بتنهيدة متعبة : يارب .. يارب . 

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

دلف للمنزل بإرهاق شديد لتقابله شهد بسرعه : ها يا مالك .. في اي  ؟؟.. مريم كويسه دلوقتي ؟ 

مالك بتنهيده وهو يربت علي ذراعيها : متقلقيش .. ان شاء الله هتكون كويسه .. 

أخذ شهيقا طويلا وهو يتابع  : بخير يا ماما الحمد لله .. هي حامل .. وتقريبا عشان السن وكده .. فحصلت مشاكل عندها . 

أخذت شهد تدعو الله ان يحميها ويحفظها .. 

بينما دلف هو لغرفته والقي بجسده فوق الفراش .. 

يشتاق لها .. اجل يشتاق وبشده .. لقد تعمد الا يحادثها طيلة اليوم .. وهي لم تكلف نفسها عناء الاتصال به والاطمئنان عليه .. 

تُري كم من الوقت سيمضي دون ان تهاتفه لو لم يفعل هو ؟!! 

عاد بذاكرته لذاك اليوم الذي كان يجلس فيه أمام البناية يُطالع حركة السيارات وقد شاركه الجلسة صديقه ناجي .. لم يمر على جلوسهم حينها اكثر من نصف ساعة حتى ظهرت هي أمامه بملامح لا تُفسر .. صعدت للأعلى دون أن تحادثه .. وكان هذا اكثر شئ قد ازعجه على الإطلاق .. هل تراه رياحًا لا قيمة له .. تخرج من منزلها دون أن تخبره .. كما تمر من أمامه دون أن تحادثه ؟!!.. 

صعد خلفها بعدما غادر ناجي ليجدها تجلس بصحبة رهف .. 

مالك بهدوء : سبأ .. عايزك شوية . 

تحركت سبأ معه للخارج ليتمتم بتساؤل : ممكن افهم ايه اللي حصل ده ؟ 

سبأ ببرود  : حصل فين ؟.. خير ؟! 

مالك محاولا كتمان غيظه  : يعني مش شايفة نفسك غلطتي في اي حاجة خالص ؟ 

سبأ ببرود : لا .. انت شايف غير كده ؟ 

مالك وقد بدأت نبرته في التزايد : ايوه شايف .. ولو انتي مش شايفه فلازم تشوفي .. انا مش عيل قدامك عشان تخرجي من بيتك بدون إذني .. ومش هفأ عشان تعدي من قدامي بدون حتى ما تبصيلي .. لسه مش شايفة انك غلطتي ؟ 

سبأ وقد ازدادت نبراتها هي الأخرى : والله محدش قالي اني المفروض استأذن سعادتك عشان اخرج من بيتي .. وتحت سعادتك كنت مع صاحبك .. ومظنش ان اللي بينا كويس اوي لدرجة اجي جري اقولك وحشتني ولا اقولك اخبارك .. ياريت كل واحد يعيد ترتيباته وكل واحد يشوف غلطه وبعدين يتكلم .. انا ماما عارفة اني جايه لرهف وانا متعودتش اخد الاذن غير منها . 

اهتاجت ملامح مالك ولولا تدخل شهد التي وقفت بينهما ورهف التي سحبت سبأ للداخل يقسم انه كان ليصفعها .. 

منذ ذاك اليوم وكل شئ بناه في شهرين قد تدمر في دقيقتين .. لماذا يأخذ البناء ساعات وأيام وربما شهور الي سنوات .. في حين ان الهدم يأتي في أقل من دقيقة .. كم هي صغيرة دنيانا .. صغيرة وبلا فائدة . 

عاد من شروده متنهدًا بضيق ليصدح صوت باب غرفته .. 

مالك بهدوء : اتفضلي يا ماما . 

ملك باباتسامه هادئه : طب انا انفع بدل ماما . 

مالك بسرعه : ملك . 

فتح ذراعيه لتلقي بنفسها بين أحضانه ليربت علي ظهرها بهدوء : عامله اي يا بت ؟!.. وحشاني اوي . 

ملك بجانب عينها  : اه ما انا عارفه اني وحشاك .. انت هتقولي . 

مالك : حقك عليا يا ملاك .. انا عارف اني مقصر معاكي خالص بس انتي عارفه بابا سايب حمل النادي علي كتافي غير لعبي في السله وغير دراستي وسبأ . 

ملك وهي تربت علي ذراعه بحنان : ربنا يقويك يا حبيبي انا مقولتش حاجه .. انت بس بتوحشني .. لكن طالما هشوفك بخير ده عندي بالدنيا . 

تنهيده عميقه خرجت عنه لتقترب ملك بهدوء وتمسك بيديه : مالَك يا مالِك ؟

مالك وهو ينظر لعمق عينيها  : قوليلي سفيان بيعاملك كويس ؟ 

ملك بتعجب من سؤاله  : اي السؤال الغريب ده يا مالك ؟!! 

مالك بتنهيده قوية : قلتيلي لما تقربوا من بعض هيتغير حاجات كتير .. قلتيلي سبأ قلبها بيميل بسرعه وبيتعلق واني بشخصيتي دي هقدر افهمها .. بس مش شايف كده يا ملك .. لو حد اتعلق بحد فهو أنا .. ولو حد حب بجد برضو فهو أنا .. بس مقدرتش افهمها يا ملك .. الحاجه الوحيده اللي مقدرتش اكونها ..  هي اني افهمها .. مش حاسس ان في اي حاجه جواها ناحيتي .. بقالنا شهور مكتوب كتابنا وعملت عشانها المستحيل .. ولحد دلوقتي مقدرتش افهمها .. 

تنهيده عميقه خرجت عنه قبل ان يتابع : مش عارف يا ملك . 

ملك بهدوء وهي تربت على يده  :  سبأ مبتبينش مشاعرها .. سبأ مش هتقدر تبين مشاعرها غير لما تحس ان مشاعرك فعلا ليها .. هي محتاجه وقت .. وانت محتاج تديها وقت .. وانتوا الاتنين محتاجين فرصه .. ادي لعلاقتكم فرصه .. حاول تكون البادئ .. ده مش هيقلل منك او من كرامتك .. بالعكس انت بتحبها .. متخبيش ده .. الحب قوه يا مالك .. قوه كبيره اوي .. الحب بيغيرك للأفضل .. بيخليك عايش عشان حبيبك .. بيخليك تحس بيه مهما كانت المسافات بينكم .. الحب محتاج جراءه .. انتوا تستاهلوا تاخدوا فرصه . 

مالك بهدوء : خليني وراكي لما اشوف اخرتها اي . 

ملك بضحكه خفيفه : ابو زعببببببل . 

ضحكا معًا بخفه .. لتربت ملك علي يديه بحنان وهي تتمني له الراحه بحق . 

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

كانت تغط في نوم عميق ويتصبب العرق عن جبينها وتتحدث بخوف وفزع .. وكما يبدو انها تحيا داخل كابوس .. كابوس تفاصيله تصعب كثيرًا عليها .. ويتبين ذلك من ملامحها التي تنكمش بألم وفزع وخوف ..

وكالعاده منذ أيام تدلف سالي بخضه وفزع من صوت ابنتها وتراهاتها التي لا تنتهي بسبب الكوابيس التي ترافقها ليلًا .. لا تدري ما يمكنها فعله .. ظنت بأن زواجها من مالك سيغير الأمر تمامًا ..

لكن الامر لم ينتهي .. أرادت ان تحادث مالك كثيرًا في الأمر لكن سبأ تقتطع عليها وعدًا في كل مره بألا تخبر احدًا .. خاصة وأنها تخبرها كونها لا تذكر تفاصيل ذلك الكابوس .. 

أخذت تهز ابنتها بخفه وهي تمسك بكوب الماء .. 

انتفضت عن فراشها بخوف وهي تتنفس بسرعه .. نظرت تجاه والدتها لترتمي بين يديها وتبكي بقوه .. تبكي بألم .. تود أن ينتهي هذا الكابوس .. ولا تعلم كيف ذلك ..

أخذت سالي تربت علي كتفها بحنان وهي تطمئنها ببعض الكلمات حتي انتظمت أنفاسها .. 

عدلت سالي من وضع نومتها ومن ثم خرجت من الغرفه بهدوء .. وقد عزمت علي أن تتحدث مع مالك .. فلن يكون هناك طريقة أخري .. لن تصمت أكثر ..

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

أشرقت الشمس تعلن عن بداية يوم جديد  .. 

الجميع يقف امام الغرفة التي تقبع بداخلها مريم .. ينتظرون خروج الطبيب لطمأنتهم علي حالتها .. منهم من يقرأ القرآن ومنهم من يدعو في صمت .. 

لم يمر الكثير من الوقت .. ولكن بالنسبه لمن ينتظرون فهو الكثير والكثير والكثير .. 

الطبيب بابتسامه هادئه : حمد الله علي سلامتها  .. الحمد لله كل حاجه تمام .. وتقدر تروح معاكم كمان .. بس تنتظم على العلاج اللي هكتبه ده وكمان الراحة وعدم التوتر وتبعدوها عن اي ضغط .. وتقلل حركة . 

تنهيده راحه خرجت عن الجميع قبل ان يحتضن كل منهم الآخر وهم يتحمدون الله علي سلامتها .. 

اخرج اسلام هاتفه وطمأن أروي وأريج اللتان تجلسن في توتر تام ينتظرن خبرًا جيدًا عن مريم .. 
وكذلك فعل مروان الذي هاتف شهد وطمأنها وسفيان طمأن ملك .. 
في حين انسحب مالك بعيدًا بعض الشئ وأخرج هاتفه وقد وجد حجة مناسبه كي يهاتف سبأ .. 

لم يدم الاتصال سوي ثوان فقط ليأتيه الرد سريعًا .. ولكن ليس الصوت الذي انتظره .. 

طمأن مالك سالي وأخبرها ان الامور تسير علي ما يرام .. وقد أخبرته سالي انها تريده في أمر ما لكن بالوقت المناسب .. 

ليغلق معها مباشرة وهو يتنهد بألم يتضاعف .. فها هو منذ يومين لم يهاتفها ولم تفكر هي كذلك بالأمر .. كأنه عبء عليها .. أترغب في البعد عنه لهذا الحد !! 

أخرجه صوت الهاتف مجددًا من شروده ليجد اسمها يحتل منتصف الشاشه  " نصيبي الأجمل  " .. 

أجاب مجددًا ليقابله الصمت .. 

مالك بتنهيده : انتي كويسه ؟ 

سبأ : كويسه الحمد لله .. حمد الله علي سلامة طنط مريم . 

مالك : الله يسلمك .. اا .. مـ مال صوتك ؟!! 

سبأ ببحه : مفيش انا كويسه ... ماما ردت علي فوني لاني كنت في الحمام وهي كانت عايزه تتطمن علي طنط . 

تنهد مالك ببعض الراحه .. علي الأقل هاتفته مجددًا ونفت عن ذهنه كونها ربما قد رأته متصلا وقبلت ان ينهي الاتصال دون ان تحادثه .. 

سبأ حينما طال الصمت : مالك انت معايا ؟ 

مالك بدون وعي : وحشتيني . 

صمت تام .. دقيقه .. اثنتان .. أتاه صوتها من جديد : ميوحشكش غالي . 

مالك بعبث : انتي الغالي . 

شعر بابتسامتها وخجلها ليتنهد بهدوء وهو يتمتم : وحشتيني .. يومي مش يوم بدونك .

صمت قليلا ومن ثم تابع : سبأ . 

همهمت بتيه ليتابع بتنهيدة : بجد وحشتيني . 

سبأ بعد فترة صمت : خـ خلي بالك من نفسك و .. وطمني على طنط لما تروح .. و .. وهحتاج ازورها . 

اغمض عينيه بقوه ومن ثم تمتم بهدوء : حاضر .. في امان الله . 

سبأ : في حفظه . 

تنهيده عميقه خرجت عن صدره وهو يحلم بهذا اليوم الذي ستخبره انها تشتاق اليه هي الأخرى .. مجرد التفكير بالأمر فقط جعل ابتسامته تتسع .. 

اجفله صوت أتي ساخرًا من خلفه في مزاح : الابتسامه هتشُق ودانك يا عم الحبيب . 

مالك وهو يفرك مؤخرة رأسه بابتسامه خفيفه : معلش بقا نسيت نفسي . 

سفيان بضحكه : لا .. خد راحتك يا بو الكباتن ..  ولو عاوز تشد خيط طير وانا هداري عليك . 

مالك بجانب عينه : ما خلاص يا عم بقا . 

سفيان بضحكه خفيفه : مبسوطلك والله يا لوكا .. انا بقالي فتره شايفك مش تمام ومش عايز اتطفل وسيبتك براحتك خالص وقلت لو عايز تفضفضلي زي زمان هتيجي . 

مالك بتنهيده : كنت جايلك .. بس اليومين اللي فاتوا كانوا شداد شويه والحمد لله عدت علي خير .. بس ده ميمنعش اني لسا محتاجك . 

سفيان وهو يربت علي كتفه : مريم تفوق بس واتطمن عليها وهتصل بيك نتقابل .. فـ الحق وقتك من دلوقتي يلا . 

مالك بتردد : ايوه بس اا . 

سفيان : بلا بس بلا مبسش .. يلا يا عم هوينا . 

مالك بابتسامه : والله انت اجدع واحد في الدنيا . 

سفيان بغرور مصطنع : عارف عارف . 

ضحك مالك قبل ان يغادر ليتنهد سفيان بهدوء وحزن علي مالك الذي لا يكاد يري السعاده حتي تنقلب حياته رأسًا علي عقب .. 

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

كان يقف أمام إحدي النوافذ المطلة على حدائق الجامعة يتابع العمارة بشرود ..

التفت بغتة ليراها تقف أمام المدرج والتوتر بادٍ عليها .. وتنتظر اجابة أحدهم على هاتفها ..

بقى يتابع حركتها المتوترة حتى رأي تلك الفتاة التي رآها معها مرارًا .. تقترب منها بهدوء ..

ديالا : ها خلصتي ؟

رهف : لا .. بس هروح لعمتي .. مش هينفع افضل هنا وهي في المستشفى .

ديالا : طب يلا هنروح سوا .

وبالفعل غادرتا المكان ليتنهد ياسر بقلة حيلة .. الي متي سيدوم هذا الوضع !!

بدأ موعد محاضرته ودلف إليها ينهيها بهدوء .. ومن ثم غادر متجها الي المستشفى ليقابله ناجي عند الاستقبال بصحبة وليد .

ياسر بتعجب : ناجي !

ناجي : اهلا وسهلا يا دكتور ياسر .. اه صح .. وليد .. اا ... دكتور ياسر طبيب نسا .. اي رأيك يطمنا على صحة طنط اكتر .

ياسر : خير .. مين هنا تبعكم .. ومين متابعها ؟

وليد ببحته : ماما .. مقدرتش افهم بالظبط .. بس اللي فهمته انها حامل وفي ورم ع الرحم وضعف مش عارف في ايه .. بس الدكتور اللي تابعها بيقول انها هتبقي كويسة .. ممكن تطمنا اكتر لو سمحت .

ياسر بهدوء : متقلقش خالص ... هي هتخرج ؟

اماء وليد لينظر ياسر تجاه ناجي بعتاب متمتمًا : متصلتش بيا ليه يا بني ؟.. طب انا هطلع دلوقتي اكلم الدكتور بتاعها واشوف الدنيا... متقلقش .. إن شاء الله خير .. والف لا بأس عليها .

وبالفعل غادر ياسر حيث غرفة مريم التي يجلس جود الي جانبها ممسكًا بيدها في قوة وإحكام .. طرق بخفة على الباب ومن ثم دلف ليُفاجأ بوجود رهف ايضًا والفتاة التي أتت إليها بالجامعة .. تذكر أن زهرة أخبرته سابقًا انهم عائلة .. القى السلام مقتربًا بهدوء تجاه فراش مريم وهو يتمتم : مبارك يا ست الكل ... ايه ده ماشاء الله .. ده لما دكتور حسن قالي الحالة مكنتش متوقع اني هاجي الاقي واحدة بالجمال والنضارة دي ما شاء الله عليكي .

جود بعدم فهم : قصدك اي ؟

ياسر بابتسامة : انا دكتور ياسر .. أمراض نسا ودكتور جامعي لسه اول سنه ليا في التدريس .

صافحه جود بهدوء ليتابع ياسر : تسمحلي بقا اشوف ست الكل ؟

اماء جود وهو يتمتم : انا عايز الحقيقة .. بلاش كلام الدكاترة لمجرد الاطمئنان ده الله يكرمك .

مريم بتعب : جود .

لم ينظر لها او يجيب .. فآخر شئ يود فعله الآن هو الانفجار باكيًا بجانبها .. يعلم انه يجب أن يبقي قويًا من أجلها ..  لهذا يحاول قدر الإمكان الا تقع عيناه بداخل عينيها المرهقتان ..

ياسر بهدوء : ممكن تخلو الغرفة لو سمحتم ؟

خرج الجميع باستثناء جود الذي أقترب ممسكًا بيدها في هدوء تام ليقوم ياسر بفحصها من جديد ومن ثم اتطلع على الأشعة والتحاليل الخاصة بها وأعاد حديث الطبيب السابق له من جديد ..

ياسر بهدوء : لو سمحت حضرتك ممكن تيجي معايا شوية .

جود بقلق : اا .. اه طـ طبعًا .

خرج جود بصحبة ياسر الذي وقف به بعيدًا عن مسامع الجميع بعض الشئ وتمتم بهدوء : اهم حاجة في حالتها الراحه والهدوء .. ماينفعش تقلق او تزعل .. الموضوع ممكن يكون مؤثر على حضرتك وانا مقدر ده من الحب اللي شايفه بعيونك ليها .. بس استغل الحب ده في انه يقويها ويديها امان وثبات وتمسك .. حضرتك اهم عامل لشفاها بعد امر ربنا سبحانه وتعالى .

جود بتنهيدة : انتوا مقلتوش غير الحقيقة صح ؟.. الحمل مش هيأثر عليها بالسلب ؟.. والـ والورم اللي عندها .. اا .. انا مفهمتش منه حاجه .. و .. ورم اي .. و ..

ياسر مقاطع اياه بهدوء : متقلقش .. صدقني ربنا كبير وكريم .. ولو فيه شك بخطر عليها صدقني مش هخاطر بحياتها .. هي بس زي ما قلت لحضرتك محتاجة راحة تامه وعناية ومتابعة طبية .. وبأمر الله كل حاجة هتبقي بخير .

اماء جود وهو ينظر لياسر بامتنان ليربت ياسر علي يده بابتسامة مطمئنة ..

(~~~ 🌸 صلي علي رسول الله 🌸 ~~~ )

دلفت الي الكافيه الذي أخبرها مالك منذ نصف ساعة فقط بأن يتقابلا فيه .. ألقت نظره على المكان لتجده يجلس في أحد الأركان الهادئه ويشرد في البعيد .. 

اخذت شهيقا عميقًا زفرته بهدوء ومن ثم اتجهت اليه .. 

انتبه لوقوفها امامه .. فوقف سريعًا مصافحًا اياها ببعض التوتر  ومن ثم جلسا ليطلب لها كوبًا من العصير  .. 

سالي بتنهيده : عامل اي يا مالك يا بني ؟ 

مالك بترقب : انا .. اا .. كويس الحمد لله .. وحضرتك و .. وسبأ ؟ 

سالي بتنهيده : انا بخير الحمد لله .. اهو ماشيه الدنيا  .. لكن سبأ .. 

صمتت لثواني ليردف مالك بقلق : مالها سبأ ؟؟.. في اي ؟ 

سالي مسترسله بهدوء : سبأ مش كويسه يا مالك .. 

تحولت نبرتها للإختناق بالدموع .. لتطلق سراحها فور ان تابعت كلماتها : بنتي مبتنامش بقالها كذا ليلة .. عايشه ومش عايشه .. رغم ان عدا علي حادثتها فترة مش قليلة .. ورغم محاولتي اني اخليها تفضل مع سفيان المتخصص النفسي بتاعها عشان ترجع لطبيعتها .. 
رغم اني بكل الطرق بحاول ابعدها عن اي حاجه تفكرها باللي حصل .. لكن .. لكن معرفتش .. سبأ عايشه يوميا جوا كابوس .. كل ليله اصحيها من نفس الكابوس .. شكلها .. شكلها بيبقي وكإنها بتحارب .. بتحاول تدافع عن نفسها .. بتصرخ بكل صوتها .. بتعافر .. سبأ اللي بتضحك وتمرح طول النهار بتعيش أسوء كوابيس بليل .. 
انا .. انا وعدتها اني مقولش لحد حاجه وهي وعدتني انها تتابع مع سفيان باستمرار .. لكن مفيش فايده .. سفيان قالي انها مبتكملش الجلسه واوقات تتحجج بالجامعه ومتروحلوش .. 

انا .. انا يا مالك يابني ملقتش حد الجأله غيرك .

كان يستمع لكلماتها شاعرًا بخناجر تدلف لقلبه بالتتابع دون رحمه .. يشعر ان الدنيا تضيق ذرعًا به .. كأنما .. كأنما الأيام تكاتفت والظروف اتحدت كي تكون ضده .. 
ها هي التي اختارها لتكون رفيقه الدرب تعاني كل ليلة من كابوس مرّ عليه شهورًا بليالٍ .. تحيا في العذاب دون ان يشعر بها او ان يعلم عنها شيئًا .. 

أخذ شهيقًا طويلًا أخرجه ببطء مؤلم قبل أن يميل الي الطاوله التي تفصل بين مقعديهما .. وقام بالإمساك بيديها برفق وهو يومئ لها بابتسامة مطمئنه : مش هخيب ثقتك فيا أبدًا يا حماتي . 

نظرت له سالي لعدة ثوان فقط حتي استطاعت ان تستوعب كلماته لترتسم ابتسامة ممتنه فوق شفتيها وهي تضغط علي يديه بيديها معًا مؤكده حديثه .. 

لم يمر الكثير من الوقت حتي تحرك بها مالك الي المنزل وقرر الدلوف قليلًا لرؤيتها .. 

كانت عقارب الساعه تشير حينها للثامنة مساءًا .. 

دلفت سالي للمنزل لتجد الهدوء يعم المكان ..
تمتمت بنبرة هادئه : اتفضل يا بني .. هشوفها صاحيه ولا اي .

مالك بهدوء : اا .. ينفع ادخلها انا ؟.. شوفيلي بس الطريق وانا هدخلها .

اماءت سالي بابتسامه ومن ثم طرقت عدة طرقات خفيفه علي باب غرفة ابنتها ليأتيها صوتها الهادئ : اتفضلي يا ماما .

سالي بهدوء : تعالي يا مالك .. اتفضل .. هي صاحيه جوه .. وانا هدخل اعملنا ساندويتشين واجي .

اماء مالك بابتسامه لتذهب سالي تاركه اياه يأخذ شهيقًا طويلًا ويخرجه ببطء قبل أن يدير مقبض الباب ليدلف بهدوء ..

سبأ وهي تُعير جميع تركيزها علي اللابتوب الخاص بها : كنتي فين يا ماما لحد دلوقتي ؟.. اتصلت بيكي مرتين والفون مقفول .

لم يأتها الرد فرفعت عينيها عن الجهاز لتصطدم عينيها بعينيه ..

تحركت سبأ سريعًا عن المكتب وهي ترمش عدة مرات في عدم تصديق  : مـ مالك ؟!!!.. انـ انت بتعمل اي هنا ؟

~~~~~🌸~~~~~🌸~~~~~🌸~~~~~


تعليقات