رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل التاسع عشر 19 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل التاسع عشر 

جلس إلى المقعد موليًا ظهره للفتيات حتى خرج الجميع عدا بدور التي ذهبت تجاه مريم وهي تتحدث بحرية دون أن تنتبه لذاك الجالس موليًا إياها ظهره :
- شوفي بقا يا تيتا .. انتي تشوفيلك حل في بنتك اللي ماشية تخطف في القلوب دي .. أنا مش مسئولة لـ .. 

ابتلعت باقي حديثها وهي تلمحه يجلس باسترخاء وابتسامة غريبة ترتسم فوق ملامحه .. 

تحدثت وجد بترحيب :
- أهلًا وسهلًا يا عمار .. إزيك ؟ 

عمار وهو يومئ بابتسامة :
- الحمد لله يا عمتي .. بخير . 

وجد وهي تزم شفتيها للأمام :
- عمتي !!.. لا الله يسترك أنا صغيرة متكبرنيش .. أنا وجد وبس يا سيدي . 

عمار وهو يفرك ذقنه بتفكير :
- أنا مش عارف حقيقي .. دكتورة جامعية مش كده ؟ 

وجد بتمني :
- يسمع منك ربنا .. أنا لسه معيدة وهحضر أهو ادعيلي . 

عمار :
- إن شاء الله دكتوه قد الدنيا .. ربنا يوفقك . 

وجد :
- آمين يارب .. اقعدي يا بدور هعمل حاجه نشربها كلنا وآجي . 

بدور وعمار في صوت واحد :
- لا لا .. يدوب همشي . 

تحمحم عمار وهو يصحح :
- يعني أقصد إننا رايحين مشوار بس أنا وبشير .. فيدوب يعني نلحق . 

مريم بابتسامة :
- هتروحوا سوا ؟ 

بشير بتأكيد :
- آه يا تيتا .. هنخلص قبل العشا بأمر الله ونرجع .

مريم بابتسامة رضا :
- ربنا معاكم ويوفقكم للخير ديمًا . 

عمار وبشير :
- آمين يارب . 

غادرت بدور بعد السلام وولجت وجد لغرفتها في حين استعد عمار وبشير للمغادرة لتتحدث مريم سريعًا :
- هتتعشى معانا يا عمار .. هستناك . 

عمار بنفي :
- لا لا يا تيتا .. أنا عامل لأصاله مفاجأه النهاردة وهعشيها بره .. مره تانيه بقا . 

مريم بابتسامة :
- إن شاء الله يا حبيبي .. يلا ربنا يهنيكم ويحميكم لبعض . 

عمار :
- آمين يارب ويباركلك .. يلا في حفظ الله . 

غادر كلاهما إلى حيث اعتاد بشير كل جمعة من كل أسبوع .. حيث يقوم بشراء بعض الأكلات المعلبة وكذلك الفواكه والحلوى وينظم الأكياس ويذهب إلى كل منزل بعد صلاة المغرب فيضع الحقيبة التي تخصه عند الباب قبل أن يطرق عليه ويغادر .. 
وهذا ما أثار سعادة غريبة في نفس عمار .. شيء جديد عليه وغير اعتيادي لكنه جلب سعادة كبيره وراحة أكبر داخله .. 

(🌸أثقل شيء في الميزان الخلق الحسن.🌸) 

ارتدت فستانها البنفسجي البسيط مع خمارها الأبيض المنقوش وحملت حقيبتها واستعدت للذهاب مع والدها بعدما صاحبتها دعوات والدتها لها تحت أنظار بدر التي تراقب ملابس بدور الغاية في الأناقة رغم احتشامها .. لكنها نفضت رأسها سريعًا دون أن تعطي لعقلها فرصة التفكير في شيء .

ولجت بدور إلى سيارة والدها الذي سيقلها إلى حفل خطبة شقيقة صديقتها في العمل .

سفيان بابتسامة :
- إيه الجمال ده بس .

بدور بضحكة خفيفة :
- دول عيونك الحلوين يا سوفي .. أنا بقا أخاف أمشي جنبك وانت قمر كده أتحسد عليك .

سفيان بضحكة عالية :
- آه لو تسمعك أمك .. هنتعلق على باب العمارة .

ضحكت بدور بمرح ليذهب بها سفيان حيث الحفلة التي كانت كبيرة للغاية وتضم الكثير من الشخصيات المهمة في المدينة .. وقد علمت بدور مسبقًا أن لشدا وعائلتها علاقات كبيرة ومتفرعة .. فلم تتعجب للأمر ..

أتتها شدا التي رحبت بها وبوالدها كثيرًا واصطحبتهما إلى إحدى الطاولات واستأذنتهما لدقائق . 
كانت حفلة لطبقة من الطبقات المخملية بأناسها الكثيرة وكثرة طاولاتها وكذلك البزخ الواضح في المكان من أضواء وورود وبوفيه خاص بالطعام وآخر بالمشروبات .. كما أنها تشك أنه لا محجبة غيرها في المكان ..

هذه الطبقة المدعوة بالمخملية رغم كونهم مسلمين إلا أنهم يقترفون ما يرونه طبيعيًا بسبب طبقتهم .. ليس الجميع بالطبع .. بل هناك استثناءات قلة .. لكن النظر لهذا المظهر محزن للغاية ..

انتبهت بدور لقدوم علي وحازم تجاهها فابتسمت بهدوء حينما صافح حازم والد بدور مرحبًا به وكذلك علي ..

حازم بمرح :
- نورتوا حفلتي المتواضعة .. دقايق وبدور خطيبتي هتيجي تسلم عليكي يا بدور يا زميلتي .. ده عشان عدم الاختلاط بين الشخصيات معلش . 

ضحك الجميع ليتحدث علي بهدوء موجهًا حديثه لسفيان :
- مش عارف ليه حاسس إن ملامح حضرتك مش غريبة عني . 

حازم وهو ينظر تجاه سفيان لثوان ثم تحدث فجأة :
- هو مش حضرتك الدكتور النفسي سفيان الشوادفي ؟! 

سفيان بتأكيد مع ابتسامته :
- بالظبط كده . 

علي بابتسامة واسعة :
- أنا بردو قلت ملامحك مش غريبة عني .. شفت حضرتك كذا مره في التلفزيون . 

سفيان بتأكيد :
- فعلا .. لكني مبطلعش كتير . 

علي بابتسامة :
- ربنا يوفق حضرتك ديما بجد .. وفعلا ونعم الأخلاق .. أنا بردو قلت تربية بنت زي الآنسة بدور متجيش غير من شخصية محترمة زي حضرتك . 

توترت بدور وشعرت بالخجل فحاولت الهرب بعينيها في المكان ليصل لمسامعها صوت شدا التي تقدم أختها لبدور :
- بدور يا أختي .. دي بدور زميلتي في الشغل .. بدور يا زميلتي دي بدور أختي . 

ضحك الجميع عليهم لتتصافح الفتاتان بابتسامة ودودة قبل أن تعود بدور مع حازم حيث مكان جلوسهما .. وغادرت شدا لترى ضيوفها .. بينما استأذن علي ليقف مع زملائه .. 

نظر سفيان تجاه بدور وهو يتساءل :
- زمايلك دمهم خفيف .. وعلي محترم جدا ما شاء الله عليه .. هو مش من الطبقات المخملية دي مش كده ؟ 

بدور وهي ترفع كتفيها بجهل :
- مش عارفه حقيقي .. أنا حتى مكنتش أعرف إن شدا وعيلتها من طبقة مخملية .. علاقتي بيهم في حدود الشغل بس .. لكن الحياة الخاصة مبنتكملش فيها تقريبا . 

أومأ سفيان بهدوء والتفت بنظره لتقع عينيه في عيني علي الذي ينظر تجاههما ومن ثم حول نظره سريعًا بعيدًا حينما نظر تجاهه سفيان . 

تنهد سفيان بهدوء وهو يدعو أن يحفظ الله ابنته . 

(🌸أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد سبحان الله وبحمده.🌸) 

توالت الأيام وبشير يتابع مع إيلاف حتى استطاعت الإلمام بقدر كبير بمهمتها ..

كما لا تزال القضية التي يعمل عليها عمار وغادة تسير كما هي مع خوف غادة الذي يتزايد يوم بعد يوم كلما اقتربا من كشف حقيقة المتورطين بهذه الأعمال الغير شرعية وخوفها على عمار يزداد لكونه هو من يقف بوجه المدفع .. لكن الأمور تسير بهدوء تام .. تظنه هدوء ما قبل العاصفة .

كما تتابع وجد في جامعتها ويزداد عدد الطالبات اللاتي يتقربن منها ليستفدن مما تقدمه لهن من معلومات دينية وأخرى اجتماعية ..

بينما تقطعت سُبل وصول بدر لرحاب التي اختفت فجأة بعد ما حدث .. فقررت بدر أن تنتظر أي شيء عنها في القريب .. لكنها لم تصادف هيثم أو هشام بعد آخر مره .. 

في حين أن سندس لم تستطع معرفة مواعيد ذهاب ريان لعيادة الأورام كي يأخذ جرعته .. كما لا تعلم إن كان يأتي للجامعة من أجل خوض اختباراته أم لا .. وقد رأت أن جميع الطرق التي تؤدي له مغلقة .. أو هي من ظنت ذلك ..

بينما يتألم قلب ريان كلما مر يوم عليه دون أن يراها أو يصل له خبرٌ بكونها حاولت الاطمئنان عليه ..
وتلاحظ حالته تلك الممرضة التي تتكفل بتجهيزه في كل مرة يتلقى فيها العلاج ..

لذلك قررت أن تتحدث معه عله يفتح قلبه لها .. 

تحدثت بصوت هادئ :
- ليه شكلك باهت كده ؟

أجابها دون أن يحيد بناظريه عن النافذة التي ينظر منها إلى العالم الخارجي وكأن لسانه يتوق للحديث :
- قلبي خدني للمكان الغلط، معرفش ليه عمل فيا كده ! أول مره إحساسه يخيب كده ! عمره ما ضلني !

تابعت دون أن تتوقف عن الحركة من حوله :
- اممم .. بردو مجاوبتش على سؤالي .. ليه باهت كده ؟!

أجابها بإصرار :
- قلبي خدني للمكان الغلط .. وده كفاية .. كفاية أوي إنه ينهي شغفي .. يدمر طموحي .. يطفي بهجتي .. يكسر روحي .

أفصحت عما رأته بعينيه دون أن ينطق به :
- انت شايف كده عشان انت عايز تبقى كده .. وده كفاية أوي إنه يديك حافز تغير من نفسك للأحسن .

تنهد بلامبالاه وهو يتفوه بصوت بالكاد يُسمع :
- مبقتش عايز حاجة .. أنا كويس .

توقفت عن الحركة من حوله أخيرًا وألقت بكلماتها إليه كأنها تود تفريغ شحنة ما بداخلها .. تناست حقيقة مَن أمامها أمام رغبتها في الانفجار :
- كويس دي بنقولها عشان نداري بيها كل الوجع اللي جوانا .. بنقولها واحنا متأكدين إننا أبعد ما يكون عنها .. بنقولها بعد ما بنكون وصلنا للذروة من الوجع والألم والخذلان .. بنقولها بعد ما نكون حضرنا كل الكلام اللي جوانا عشان نخرجه وفجأة نلاقي إننا اختذلناه كله في كلمة "كويس" .. يمكن عشان مفيش طاقة إننا نشتكي .. وممكن عشان مفيش طاقة إننا نخرج المكتوم من وقت طويل مره واحده عشان متحسش إنك عريت نفسك تمامًا .. والخوف يتملكك وقتها إنك تكون عريت نفسك قدام الشخص الغلط .. وبنقولها بردو لما يكون الشخص اللي قدامنا فضولي واحنا مش عايزين نتكلم مع أي حد وخلاص .. بس صدقني .. لما تيجي تختار اللي تفضفض معاه إختار الشخص اللي متعرفوش .. معاشرتوش .. شخص مش هتقابله بعد المره اللي هتتكلم فيها دي .. فضفض مع شخص هياخد فضفضتك ويغيب بيها .. اه مش هيحل معاك ومش هيشاركك ... بس هيسمعك .. فكرة انه يسمعك لوحدها دي راحة تانية وأكبر من أي راحة هتشعر بيها .. وان كنت من النوع اللي مبيتكلمش .. إكتب .. إكتب واحرق الورق .. الورق الوحيد اللي مش هيقولك حرقتني ليه ..  مش هيعاتبك ويزود من تعبك .. لكن متكتمش وتقول كويس .. إحنا ابعد ما يكون عن كلمة كويس دي .

رفع عينيه المتعبة إليها بشيء من الانبهار وهو يتساءل بحذر :
- انتي .. انتي ازاي كده ؟!!.. انتي قلتي كل اللي مش قادر أقوله أو حتى أجمعه مع نفسي .. قلتيه بكل بساطة .

أرادت أن تُلطف الأجواء قليلًا فتحدثت بمزاح :
- مش كل مره هتلاقي الكلام ده ها .. متتعودش .. ده بيطلع مره واحده بس .

انفلتت ضحكة خفيفة عنه قبل أن يتنهد بقوة وهو يتابع بعدما ابتلع الحزن ضحكته من جديد :
= واضح إنك شايلة في قلبك كتير انتي كمان !

تحدثت بتنهيدة :
- يعني .. في الآخر هي دنيا وبتتعاش .

أفصح لسانه عما يرفض قلبه :
- تقدري تفضفضي لو حابه .

أجابته بابتسامة أشرقت على وجهها فور أن تحدث :
- تيجي نتفق اتفاق ؟

ناظرها باستفهام انقلب لمزاح في الحال :
- إيه ؟ هتفضفضي وتحرقيني زي الورق ولا إيه ؟

ضحكت بخفة قبل أن تُفسر بهدوء :
- لا مش كده متقلقش ..  بس أنا هحكي جزء من معاناتي .. وانت كمان كده .. نبدأ خفيف خفيف يعني .. ولو لقينا بعد ما اتكلمنا راحه نكمل .. ها ؟

تردد قليلًا لكن أفصح لسانه من جديد دون إرادة منه :
- موافق .

(🌸الدنيا مسألة حسابية، خذ من اليوم عبرة.. ومن الأمس خبرة.. اطرح منها التعب والشقاء.. واجمع لهن الحب والوفاء.. واترك الباقى لرب السماء.🌸) 

وقفت أمام بوابة النادي تنتظر قدوم والدها الذي أخبرها أنه سيذهب بصحبتها لانتقاء ملابس جديدة ..

جذب انتباهها تلك السيارة المصفوفة على بُعد من النادي .. إنها ترى هذه السيارة هنا للمرة الثالثة على التوالي ..
نفضت رأسها وهي تقنع نفسها أنها مجرد صِدفة لا أكثر ..

وصل سفيان الذي ترجل من سيارته كعادته وفتح الباب لابنته كأحد الأميرات لتبتسم له بحب وهي تلِج للسيارة بحماس .. فاليوم الذي يذهب معها والدها لشراء شيء ما يكون يومًا مميزًا لما يحمله من مرح .. 

سفيان بتساؤل :
- هتروحي معايا بعد الشوبينج ولا وراكي حاجه تاني في النادي ؟

بدر :
- لا هروح .. الدورات التدريبية بتاعة الصيف ده كده تقريبا على وشك .. هرجع أقعد في البيت تاني أربع شهور .

تنهدت بهم ليبتسم سفيان لها وهو يتحدث بمرح :
- بسيطة أوي نقدر نخرج سوا أكتر .

ضحكت بدر بخفة وهي تخبره بلطافة لا تستخدمها سوى معه هو :
- على أساس إنك بتفضالي يا بو البنات .. ده انت من العيادة للمستشفى للتلفزيون لملك هانم .

سفيان وهو يقرص وجنتها :
- ما هو إنتي لو تسمعي كلامي وتسمحي بقا لـ ..

بدر مقاطعة :
- أبوس إيدك يا سوفي متفتحش موضوع الجواز تاني .. يا سيدي أنا مش عايزة أتجوز .. أنا على قلبك كدهو .

سفيان بابتسامة حاول جعلها طبيعية :
- وأنا عمري ما هجبرك على حاجة يا حبيبة سوفي .. دي حياتك .. بس لو في حاجه في حياتك أو لو مستنية ..

قاطعته مجددًا :
- مفيش حد عشان أستناه يا بابا .. وصدقني والله مفيش أي حاجه خالص خالص .. كل ما في الموضوع إني مش عايزة أرتبط ببيت وراجل وأولاد دلوقتي .. أنا لسه صغيره ولسه موصلتش لطموحي بإني أكون مدربة سباحة معروفة .

سفيان في محاولة أخيرة :
- على فكرة ممكن تختاري إنسان مناسب ياخد بإيدك لهدفك ويكمل ويوصل معاكي .. الحياة الزوجية مش تقييد حرية يا بدر .. ده تقريبا الحرية في الجواز أصلا .. لإنك ببساطة بتقدري تعملي اللي مينفعش تعمليه وإنتي بنت .. يعني مثلا تأخرك بره البيت لبعد المغرب ولا للعشا مثلًا .. هيخلي الناس تتكلم وإزاي تبقى بره بيتها للوقت ده .. لكن لو متجوزة ورجعتي معاه وش الفجر محدش يقدر ينطق .. تقدري تقعدي بكامل حريتك في لبسك جوه بيتك .. وده متقدريش تعمليه في البيت دلوقتي عشان أنا ممكن أكون موجود مثلا .. تقدري تاخدي رأيه في كل كبيره وصغيرة ومش هيبقى عندك سر تخبيه عنه أو تتكسفي تتكلمي معاه ... على عكس دلوقتي .. ممكن أنا أكون صاحبك أوي آه لكن مش لدرجة إن كل حاجه هتحكيهالي وتاخدي رأيي فيها .. هتحسي بالنضج فعلا وإنك مسئولة لما تدخلي في حياه إنتي اللي بتحركيها وإنتي اللي بتديريها .. مش هتبقي في روتين .. وكل ده بيعتمد على اختيارك للشخص اللي يقدر يكون انتي مش مجرد زوج وخلاص .. لكن انتي مبتسمحيش لحد ييجي أصلا ولا بتقعدي مع حد .. طب هتعرفي ازاي الناس من بعض ؟.. ده غير العمر اللي بيجري بيكي وانتي مش حاسه .. البنت حبيبتي مهما كان عرض وطلب وفي وقت معين لازم البنت تبدأ تاخد خطوة ناحية النضج .. تأكدي إني عمري ما هجبرك على حد أو على وضع انتي مش عيزاه .. لكن متنتظريش مني إني أشوفك بتغلطي وأقف أتفرج .. أنا من واجبي عليكي النصيحة .. وانتي من واجبك عليا تفكري في نصيحتي وتردي عليا في أقرب وقت .. اتفقنا يا دودو ؟

تنهيدة قوية خرجت عنها مع كلمتها :
- اتفقنا .

نظرت من زجاج السيارة إلى الطريق وهي تفكر في حديث والدها .. إنه أصدق من أن تجيبه بالرفض .. لكنها لا تريد أن تصبح مقيدة برجل من الوارد جدًا أن يتغير مع مرور الوقت .. هذا إن كان جيدًا من البداية في الأصل .. كما أنها لا تريد أن تفقد حريتها في ممارسة هوايتها من تدريب السباحة في النادي .. بالتأكيد سيخبرها لاحقًا أن منزلها يحتاج لهذا الوقت الذي تهدره بالنادي .. الأمر معقد .. أو هكذا تقنع ذاتها .

وصلا إلى المحلات التجارية وقامت بدر بشراء كل ما يلزمها ومن ثم أخذها سفيان لأحد المطاعم الهادئة كي يتناولا الغداء معًا ..

وبينما هما يأكلان مع تبادل الحديث المرح بينهما فإذا ببدر تلمح صديقتها رحاب بصحبة هشام في طاولة بعيدة عنها بعض الشيء ..
دققت النظر قليلًا فربما هي مخطئة .. لكنها ليست كذلك .. إنها هي ..
راعى انتباهها تحدث رحاب في الهاتف إلى أحدهم .. فرفعت هاتفها وقامت بإجراء اتصال لها .. لكن الهاتف مغلق !!.. كيف يكون مغلقًا في حين أنها تراها تجيب عليه !!.. إلا إذا .....

أجل اكتملت الرؤية الآن .. رحاب تتهرب منها لسبب لا تعلمه هي .. أو تعلمه جيدًا .. فهي لن توافق على عودة رحاب وهشام بعد ما فعله هشام بها  .. فاختصرت رحاب الطريق وأزالت بدر من طريقها وعادت لهشام من جديد ..

ولكن لتكتمل الصدمة .. رأت هيثم ينضم لهما وبصحبته فتاة ما .. لوقت لا بأس به وهم يتضاحكون أربعتهم في مرح ..
هل لأجل لمة كهذه أزالتها رحاب من حياتها ؟!.. تبًا للصداقة الرخيصة !

سفيان وهو يلاحظ شرود ابنته في تلك الطاولة :
- في حاجه يا حبيبتي ؟!

بدر بانتباه :
- لا لا .. كله تمام .. نمشي ؟

سفيان بتأكيد :
- أوك أنا خلصت .. لو خلصتي يلا بينا .

أومأت بدر بهدوء وتحركت مع والدها خارج المطعم وهي مشغولة البال بما حدث في الداخل .. لا تمتلك تفسير آخر سوى ما فسرته ..

(🌸أروع القلوب قلب يخشى الله، وأجمل الكلام ذكر الله، وانقى الحب الحب لله فهو الأساس🌸) 

جذبت أمنية أحد المقاعد وجلست مقابل ريان وهي تتحدث بمرح :
- أنا يا سيدي بقا إسمي أمنية الشوربجى .. عندي تمنية وعشرين سنه .. اتخرجت من التمريض طبعًا واشتغلت على طول .. وفي يوم تعبت وكشفت واكتشفت إني ..

أخذت شهيقًا طويلًا أخرجته ببطء ثم تابعت :
- إني عندي كانسر .

انتبه لها ريان وقد بدا على وجهه علامات الذهول .. لتبتسم بخفة وهي تتابع بابتسامة :
- متستغربش كده .. آه أنا كنت مريضة كانسر .. اكتشفنا المرض في بدايته وبدأت رحلة العلاج .. وفضلت بمارس شغلي مع علاجي .. التمريض بالنسبالي حياه .. مقدرش أتخلى عن مساعدة الناس .. سواء الدكاتره اللي بيبقوا جوا العمليات متوترين جدًا وبيطالبوا بالأدوات .. أو المرضى اللي بيعانوا ومحتاجين دعم وسند لهم .. كنت دعم وسند في الوقت اللي محتاجه فيه أي إيد تتمدلي وتدعمني وتقويني .. قدمت كل اللي أقدر عليه بدون ما أستنى المقابل .. أنا أصلا بقدم حاجه بحبها بكل الحب .. كنت بقدم حاجه أنا مش لقياها ولا ملكاها .. كسرت مقولة  " فاقد الشيء لا يعطيه ".. لإنه وبكل ثقة فاقد الشيء هو أكتر حد بيعطيه لو امتلكه لمجرد إنه عارف معنى وشعور الحرمان منه ..
كنت بتعالج وبشتغل وابتسامة كل مريض في وشي كانت هي قوتي والدافع ليا عشان أكمل وأتحدى وأوصل ..

تنهدت بقوه وهي تنظر لعمق عينيه :
- ووصلت .. وصلت بعد ما كان الكل فقد الأمل .. وصلت بعد ما كنت هموت في عملية ليا وقلبي وقف ورجعوا أنعشوني .. وصلت بعد ما شعري كله كان راح .. وصلت بعد ما فقدت الحق في اختيار حياة وبيت وزوج وأولاد .. مجتمعي سحب مني الحق ده بدون وجه حق .. لكن عادي .. بردو وصلت .. 

وصلت بعد ما كانوا وقت ما يشوفوني يترحموا عليا ومنتظرين اللحظة اللي هفارق فيها الحياة .. وأديني أهو .. لسه على وش الدنيا وبتنفس .. لسه بحقق أهدافي وأحلامي ولسه بساعد المرضى والدكاترة .. رجعلي شعري بس على أنعم بقا .. لا وقصير على الموضه وبغيظ صحباتي اللي ماماتهم أو أزواجهم رافضين إنهم يقصوا شعرهم كيرلي .. اتمسكت بالحياه وكملت عشان عايزة أكمل وأثبت لنفسي إني لوحدي هقدر وبنفسي هقدر ولنفسي هكمل .. يمكن تشوف كلامي فلسفة زي ناس كتير ما قالولي .. لكن صدقني يا ريان .. دي الحقيقة اللي مش هيقدر يحس بيها ولا يصدقها ولا يعيشها ويحس بطعم القوه والوصول إلا أنا وانت واللي زينا .. أنا كان عندي والدتي .. قاومت ورجعت عشانها .. عندي شغلي اللي رجعت بردو عشانه .. عندي حياه معشتهاش لسه عشان كده رجعتلها .. عندي اللي سابوني في أزمتي وبعدوا .. رجعت عشان أقولهم أنا بنفسي مش بحد .. رجعت عشان أخرجهم أنا من حياتي مش يكونوا هما اللي سابوني .. رجعت أقولهم مش أنا اللي اتساب .. أنا أسيب لكن متسابش أبدًا .

كانت تبكي مع كل كلمة تنطقها .. كأنها لأول مره تجد حريتها .. لقد أفرغت شحنة لا بأس بها .. كما أنها وهبت شحنة لا بأس بها لمن لا شحنة له .. 

تحدثت من بين عبراتها بضحكة :
- هقوم بقا أشوف شغلي وهرجعلك تاني عشان أسمع منك ... وإياااااااك تنصب عليا وتكون بتجرجرني بالكلام وانت مش هتتكلم .. صدقني هعض ودانك . 

حرك ريان يده سريعًا وأمسك بأذنه في حركة مزاح مما جعلها تضحك عليه ليبادلها بابتسامة هادئة قبل أن تغادره لينظر في أثرها بشرود تام .. وعقله يحلل ما قالته للتو .. وأخيرًا اتخذ قراره واهتدى لما يجب عليه هداه ... 

(🌸ربنا نسيناك فذكرتنا، فلك الحمد ولك الشكر، سألناك فأعطيتنا، فلك الحمد ولك الشكر، نستغفرك فاغفر لنان فدائما يا ربنا لك الحمد ولك الشكر🌸) 

حمل بعض الأوراق المهمة عن مكتبه وكان على وشك المغادرة حينما تناهى إلى مسامعه صوت طرقات خفيفة على الباب يعلم صاحبتها جيدًا .. فارتسمت ابتسامة لا إرادية فوق شفتيه وهو يأذن لها بالدخول . 

إيلاف بتنهيدة قوية وهي تنظر للملف الذي بيدها بقلة حيلة وتقلب شفتيها كطفلة متذمرة :
- مستر بشير أنا آسفه لو هعطلك بس فيه كام بند في العقود دي مش قادره أفهمهم وحقيقي تعبت .

ازدادت ابتسامته اتساعًا وهو يرى تذمرها هذا لكنه نفض رأسه سريعًا وهو يتحمحم بحرج ويغمغم بالاستغفار ممسدًا صدره بيده لتتساءل إيلاف بقلق :
- حضرتك تعبان ؟.. في حاجه؟ 

بشير بنفي :
- أنا كويس يا إيلاف .. تعالي اتفضلي .. وبلاش حضرتك عشان بتضايقني .. اللي بينا مش كتير للدرجة . 

إيلاف ببساطة :
- بردو .. المهم .. الـ .. 

قاطعها بشير وهو يمد يده لها لتسلمه الملف :
- هاتي طيب الملف أشوفه بسرعة عشان متأخرش على معادي . 

أعطته إياه بتوتر ومن داخلها قلق لكونها قد تكون عبئًا عليه .. 
ناظره بشير سريعًا وقام بشرح البنود التي يحويها وأخبرها بما عليها فعله ثم تحرك سريعًا وهو ينظر لساعة معصمه متحدثًا بهدوء :
- أنا حاليًا معتمد عليكي يا إيلاف .. هسافر يومين والشغل هيبقى تقيل عليكي بس واثق فيكي وعارف إنك قده وزياده .. لو احتجتي حاجة كلميني . 

أومأت إيلاف بارتباك وكانت على وشك الخروج لكن أوقفها سؤال بشير :
- إيلاف انتي معاكي رقمي ؟ 

التفتت له ودارت الغرفة بعينيها ورفعت كتفها للأعلى مع حركة شفتيها التي تقوست للأسفل وهي تنفي برأسها ليبتسم بشير وهو يعقد ذراعه أمام صدره في تساؤل :
- أمال لو احتجتي حاجه هتكلميني إزاي ؟! 

تقوس حاجبيها أيضًا مما جعل بشير يكتم ضحكته على تعابيرها اللطيفة قبل أن يفصح بهدوء :
- الرقم اللي على كروت الشركة رقمي ورقم بابا يا إيلاف .. أرقام الشغل . 

أومأت بصمت ثم خرجت وهي تلعن غبائها المعتاد أمامه .. بينما أفرج بشير عن ضحكة خفيفة قبل أن يتحرك خارج المكتب وغادر الشركة بعدما مر على والده الذي استودعه الله . 

(🌸انك بكل شىء عليم وعلى كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة لنا الا بك سبحانك🌸) 

كانت المحكمة تعج بالعامة والصحفيين وكذلك العساكر التي تمنع الاقتراب بحزم وقوة ..

وصل عمار الذي ترجل عن سيارته بثبات تام وقام بغلق أزرار بذلته السوداء قبل أن يطرقع رقبته جهة اليسار ثم تحرك إلى الداخل بعدما ثبَّت نظارته الشمسية فوق عينه ومن خلفه غادة وبقية الفريق المصاحب له ..

أفسح العساكر لهم الطريق والأصوات الخاصة بالصحفيين تجعله لا يميز حرف مما يقولون ..

زفر بضيق من التزاحم بالمكان وهو ينفي بقلة حيلة بسبب الصحافة الغبية ..

ولج للمحكمة بثبات وهناك تقابل مع رؤسائه وتشاوروا لبعض الوقت قبل أن يُعلن عن قدوم القضاه ..

مر وقت لا بأس به قبل النطق بالحكم الملائم لكل مجرم من بينهم .. ولكن نظرة غريبة في المكان كانت من نصيب عمار الذي انتبه لذاك الشخص الذي خرج من الباب وناظره بتدقيق من أسفل نظارته الشمسية ..

انتبهت غادة لاستعداد عمار للذهاب فتحركت لتقتطع عليه الطريق بتساؤل :
- رايح فين ؟.. في إجراءات هنا لسه مخلصتش !

عمار ببرود :
- بتقولي حاجه ؟!

غادة زافرة بغيظ :
- عمار .

عمار بتصحيح :
- سيادة النقيب عمار .

تعجبت غادة من لهجته وازداد تعجبها حينما تخطاها عمار بكل هدوء وخرج من المحكمة بخطوات سريعة كأنه يبحث عن أحدهم . 

فهد بتنهيدة :
- عمار مش هيتغير .. بقالنا فترة مش قليلة بنشتغل مع بعض .. غامض ومحدش بيعرف يدخله بسهوله .. ملوش ثغرات تقريبًا . 

غادة بنفي :
- مفيش حد ملوش ثغرات يا فهد . 

تعجب فهد من نبرتها التي أصبحت أشبه بالتحدي .. ولا يعلم من تتحدى أو علام التحدي !!.. آثر الصمت وتحرك مع غادة وباقي الفريق كي ينتهوا من الإجراءات الخاصة بنقل المتهمين . 

(🌸كلما وسعت على النفس باتباع الشهوات وارحت البدن، فقد ضيقت على حظ القلب من نور الله وثقلت الروح وهبطت، وكلما ضيقت على النفس بترك الشهوات وسعت على القلب، حتى ينشرح ويرى نور الله وتسعد الروح وتعلو.🌸) 

خرجت من الجريدة ركضًا وهي تستقل سيارتها وبصحبتها إحدى زميلاتها .. كما خرج علي وبصحبته ثلاثة آخرون من زملائه ..

وصلوا جميعًا حيث المحكمة لينفي علي بضيق من الازدحام :
- واضح إننا مش هنقدر نعمل أي حاجه .

وقف خمستهم في أحد الجوانب التي تزدحم بالصحافة لتتنهد بدور بهم وهي تنظر لعلي بتساؤل :
- هو احنا المفروض نعمل إيه ؟.. وأمانه متقوليش إننا هنجري ورا الظباط والجهات عشان ناخد منهم المعلومات زي ما بشوف في التلفزيون .

ناظرها علي بعينين مصدومتين وهو يحك مؤخرة رأسه بقلة حيلة :
- وهو انتي مش صحفية زي اللي بتشوفيهم في التلفزيون !

بدور بتنهيدة :
- آه يبقى هنجري وراهم .. وده شيء أنا لا يمكن أقوم بيه .

زميلتها وتدعى ابتسام :
- وماله .. يبقى منتيش مستعدة تعملي سبق صحفي في الجريدة .

بدور بغيظ :
- يا للحظ .

وقف الجميع لفترة لا بأس بها حتى انتهت المحاكمة ..

فغرت بدور فاهها وهي تنظر تجاه عمار الذي ينظر حوله كأنه يبحث عن أحدهم .. رمشت سريعًا وهي تغمغم :
- عمار !!

علي بانتباه :
- مين عمار ؟

بدور وهي تؤشر تجاهه :
- عمار ابن خالي .. إزاي مجاش في بالي !

علي وهو يتطلع لهيئة عمار :
- هو بيعمل إيه هناك ؟

بدور بتوضيح :
- عمار محامي .. بس معرفش له علاقه بالقضيه دي ولا لا الحقيقة . 

علي بدهشة :
- وسيبانا كده يا بدور !.. أكيد يقدر يفيدنا بمعلومات تخص القضية دي بحكم شغله .. حتى لو مش شغال عليها ببساطه ممكن يعرف . 

بدور بعدم فهم :
- إزاي !

علي ببساطة :
- تسأليه كام سؤال يخصوا القضية وهو يجاوبك وبكده هتعملي سبق صحفي بدون أي مجهود .

بدور برفض :
- انت عايزني أستغل قرابتنا ؟

علي ببساطة :
- استغلال إيه يا بنتي ؟!.. هو لو في معلومات مينفعش تتقال عمره ما هيقولها أصلا .. هو هيديكي اللي ينفع يتنشر .. واللي عاجلا أو آجلا هيتنشر .. الموضوع كله وقت مش أكتر .

بدور :
- ولما هو كده كده هيتنشر .. أنا أكلمه ليه بقا !

علي :
- عشان ده هيبقى سبق صحفي ليكي يا بدور .. هتكوني أول حد ينشر حاجه تخص القضية .. أو تنشري الأحكام اللي أخدها كل مجرم من دول .. أو حتى أسماءهم .

بدور باقتناع :
- وصلت .

انتبهت بدور لعمار الذي ولج للداخل من جديد لبعض الوقت ثم خرج وبصحبته فتاة وشاب آخر .. مر من بين الصحافة والازدحام واستقل سيارته ..

وما جعلها تكز أسنانها بضيق هو استقلال الفتاة للسيارة معه ..

علي :
- غالبًا هيروح مكتبه  .. وأظن دي أفضل فرصة تتكلمي معاه .

أومأت بدور وتحركت تجاه سيارتها وتبعتها ابتسام زميلتها وعلي كذلك .. 
استقل ثلاثتهم السيارة بصحبة بدور التي تحركها طاقة الغضب من وجود عمار وفتاة في سيارة واحده .. حتى وان كانت مساعدته ..

لم يكن يدري أي منهم أنهم في طريقهم للقدر المجهول بالنسبة للجميع .. ولم يحسب أيهم حسابًا لخطوة آتية في حياته .. جميعهم يبحثون عن اللحظه الحالية .. وهذا من أعظم الأخطاء التي نقع بها ..

تعليقات