رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل التاسع عشر
"لا تضع إصبعك تحت ضرس أحد, فقبل أن يفرق بين أسنانه حتى أغلق فمه تمامًا"
خرج صوتها مرتعشًا وسألته بوجهها الشاحب كالموتى:
-يعني إيه؟ انتَ عملت بيه حاجه؟ عملت بيه إيه؟
صفق بكفيهِ بمرح مصطنع وقال وهو يشير لسيف:
-شوفت.. الحقيقة بانت اهي, ماستمرتش على انكارها كتير وبقت تسأل في المفيد.. عمومًا هريحكم..
نظر لساعته وقال ملقيًا قنبلته الأخيرة:
-الساعة 10, دلوقتي حالاً المحامي بتاعي في المحكمة بيرفع قضية طعن نسب, وبيقدم التحليل اللي معاه من ضمن أوراق القضية...
تجاوز "سيف" صدمته وهو يقول بثبات ظاهري:
-طب انا من رأيي تلحقه قبل ما يرفع القضية عشان مطبلش على راس الكل واولهم انتَ.
نظر له "شاهين" غير مصدقًا جرأته في التهديد:
-انتَ مش في موضع تهديد اصلاً! فوق انتَ رقبتك تحت جذمتي! وانا مش هخاف من الفضايح لو ده اللي مقوي قلبك.
ضحك "سيف" بسماجة مجيبًا:
-لا مش الفضايح اللي مقوية قلبي, قولي صحيح, فين ميرنا؟ مش هي الموجودة بره, اكيد قالتلك انها تعبانة ومش هتقدر تيجي النهاردة, هتلاقيها خافت تقولك الحقيقة...
اقترب منه خطوتان وقال بملامح شامتة:
-خافت تقولك ان في ناس ولاد حرام هجموا عليها امبارح في شقتها.. وسرقوا منها ورقة الجواز العرفي اللي بينكوا.. قولي بقى, لو الورقة دي وصلت حرمك المصون هيبقى رد فعلها إيه؟
احمرت اعين "شاهين" من الانفعال والغضب, وظهرت عروق رقبته من كثرة محاولة للتحكم في غضبه, وهو يسمع تهديد الآخر له, وأشار لنفسه بذهول مستنكر:
-انتَ بتهددني يا سيف؟ بتهددني انا؟
توحشت ملامحه وهو يكمل بصوت قوي عنيف:
-ده انتَ بتقف قدامي ترتعش يالا! جه اليوم اللي تقف في وشي وتهددني وانتَ في وضع زي اللي انتَ فيه ده!
تحدث "سيف" ببرود رغم ارتجاف دواخله:
-انا مش بهددك, اعتبره اتفاق, حاجه قصاد حاجه, وقف موضوع القضية, واوعدك مراتك مش هتعرف حاجه عن جوازك السري.
ضيق عينيهِ يسأله بتعجب حقيقي:
-جبت منين الثقة إني هتهدد بمعرفة مراتي! من امتى وانا بيفرق معايا حد ولا بعمل حساب لحد! مش وارد اقولك ولا يفرق معايا تعرف ولا لأ.
ضحك "سيف" ضحكة صفراء قصيرة وهو يجيبه:
-لا ما الكلام ده لو انا مش عارف علاقتك بيها واصلة لفين, واه يا شاهين, بقى موجود اللي تعمله حساب وتخاف من زعله, احنا عارفين كويس اوي إن مراتك بقت نقطة ضعف ليك, من يوم ما روحت جبتها بعد شهور بعيد عنك, وبعد ما طردتها من حياتك, واحنا عرفنا انها مش حد موجود في حياتك وخلاص, لأ انتَ بقيت مش قادر تكمل حياتك من غيرها, وإلا مكنتش عمرك تجري وراها وترجعها لحياتك.
وكلمات "سيف" أحرقت "شدوى" التي ورغم معرفتها بكل هذا من قبل إلا أن سماعه له وقع آخر في نفسها, "فيروز" وصلت لِمَ صبت إليهِ شدوى كثيرًا ولم تطل ربعه, وصلت له في أشهر معدودة وهي التي حاولت سنوات فشلت, تلك الفتاة التي ليس بها شيء واحد يميزها عنها أعلنت انتصارها, وهزمتها في معركة كانت لابد أن تكون هي الفائزة الوحيدة فيها, فالجمال والنسب والرقي والأنوثة في جانبها هي, كيف خسرت رغم كل هذا!
وصدمتها وقهرتها العظمى حين عرفت من "سوسن" خادمتها الوفية صباح اليوم بخبر حمل "فيروز", ومن حينها وقد اشتعلت بقلبها نيران لا تخمد, فحتى الطفل الذي حلمت بهِ يومًا من "شاهين" حققته هي.. وكأن "شدوى" تحلم و "فيروز" تحقق..!!
خرجت من صمتها مندفعة بغضبها ونيران غيرتها:
_صحيح نسيت اباركلك، عرفت ان فيروز حامل مبروك يا بابا..!
استدار ينظر لها بوجه محتقن، وأعين تملأها القسوة والاستعداد، الاستعداد التام لكل ما ذُكر يومًا في قاموس الشر أن يمارسه عليهما.
تصنع "سيف" الفرحة وهو يقول بدهشة زائفة:
_اخص عليكِ يا شدوى، بقى تعرفي خبر زي ده وتخبيه عليا!
ردت "شدوى" بارتعاش واضح في ملامحها وجسدها يعبر عن استمرار خوفها من الماكث أمامها خصوصًا تحت نظراته المستعرة بالجحيم لها:
_لسه عارفه الخبر الصبح.
فاحت نبرته الخبيثة وهو يعقب مرة أخرى:
_ بس أجلي مباركتك دلوقتي، اصل اليومين دول في حمل كتير اوي مبيكملش، لاحسن شاهين يقول بعدين إنك حسدتيهم! استني لما ييجي على الدنيا وبعدين ابقي باركي.
شهقت برعب حين رأت كف "شاهين" تطبق على عنق "سيف" في اقل من ثانية، وسار بهِ خطوتان فقط حتى صدمه بالحائط ووقف أمامه تمامًا كلاعبي كمال الأجسام، بوقفتهم المرعبة، التي جعلت "سيف" يدرك أن اللعب مع "شاهين" وجهًا لوجه، غباء...
وبادر يقول بصوتٍ جهوري هز اجسادهما رعبًا:
_ده انا اقطع ايدك قبل ما تفكر تمدها بأذى لابني او مراتي.. فوق يالاااا... انا شاهين المنشاوي، يعني مبتهددش ياروح امك.. واللي ييجي على حد يخصني يبقى حفر قبره بايده..
لفظه بعيدًا عنه بقوة ردت جسده في الحائط فكتم الآخر تأوهه مظهرًا الجمود, ورفع "شاهين" سبابته ينقلها بينهما باشارة:
-واسمعوا بقى انتوا الاتنين, اعلى ما في خيلكوا اركبوه, القضية هتكمل, واللي عاوز يعمل حاجة يعملها.
قال جملته الأخيرة مسلطًا نظره على "سيف" وأكمل بتهديد سافر:
-بس لازم يعرف, ان كل فعل له عقاب عندي, فلما يعمل الفعل يستنى العقاب.. ودلوقتي..
ابتعد خطوتان للخلف واقفًا بشموخه المعتاد, وردد بنبرة جافة, خالية من أي باب للمناقشة:
-بره, ومش عاوز المح طيف واحد فيكوا تاني, لا انا ولا قريب من أي حد يخصني, نتقابل في المحكمة.
تبادلوا جميعًا النظرات للحظات, ونهضت "شدوى" بوجهها الشاحب بشدة وكأنها على وشك فقدان الوعي, وتحرك "سيف" يطوي الأرض تحت قدميهِ من شدة الغضب خارجًا من المكتب, وما كادت تتحرك خلفه حتى سمعت صوت "شاهين" يقول باستحقار أصابها في مقتل:
-كنت فاكر إنها غلطة لعيلة طايشة, يمكن واحد ضحك عليها تحت اسم الحب زيها زي بنات كتير في سنها, لكن متخيلتش ابدًا إنك بالو**** دي, حتى لو مش اخوكي ومش من دمك, الفكرة نفسها مقرفة, واللي يقرف اكتر إنك لحد دلوقتي لسه مستمرة في علاقتك دي.. واه.. كنت هنسى..
اقترب منها يجرها من ذراعها حتى وصل أمامه باب مكتبه المفتوح بعد خروج "سيف", وقف أمامها بملامح تجسد فيها المعنى الحقيقي للتوعد بالشر:
-انا مش هعديلك ابدًا إنك كنتِ بتخونيني معاه وانتِ على ذمتي, ومش هنسى عقابك متقلقيش.. هخليكِ تلعني اللحظة اللي فكرتِ فيها تخوني العقرب.
وذِكره للعقرب يعني انه سيعاقبها كالعقرب وليس كشاهين, إذًا فعليها تمني الموت قبل أن تطولها يده.
دفعة قوية منه لها أخرجتها من المكتب وطرحتها أرضًا أمام بابه, ليغلق الباب ورائها في وجهها بقوة, مسببًا لها إهانة مخجلة أمام الفتاة التي تجلس على مكتب السكرتارية بدلاً من "ميرنا", نهضت وهي لا تستطيع رفع وجهها من الأرض, والتقطت حقيبتها تسير بخطوات مسرعة للخارج كأنها تهرب من شبح يطاردها.
---------------
جلس على مكتبه يحاول تنظيم أنفاسه وافكاره بعد هذه المواجهة المرهقة, ظل ينظر للفراغ بشرود لنصف ساعة كاملة, حتى رسم الخطة التي سيتبعها الفترة المقبلة لتجنب أي خسائر والوصول لبر الأمان حيث يريد هو, التقط هاتفه يطلب رقمها ليأتيه ردها بعد قليل بصوت تملأه الحيوية والحماس:
-حبيبي.. كنت هكلمك, بس قولت تكون مشغول.
ارتخت ملامحه الجامدة, ولانت نظراته فور سماع صوتها, وأراح ظهره للكرسي يجيبها بهدوء تام:
-ولو مشغول, اتصلي وهرد.
علم دون أن يراها انها ابتسمت على رده, وقالت بنفس طاقتها:
-توقع كنت بعمل إيه قبل ما تكلمني.
رد بذكاء وملاحظة:
-واضح إنها حاجة محمسة, باين على صوتك.
تضاعف الحماس في صوتها مجيبة:
-فعلاً, كنت بقلب في النت وشوفت شوية حاجات للأطفال تحفة يا شاهين, تجنن بجد.
ابتسم وقد عرف سبب حماسها, فقد بدأت اهتماماتها كأم, علق باهتمام:
-وطلبتيها؟
صمتت لحظة قبل أن تجيبه:
-لا.. يعني قولت لسه بدري, نبقى نطلبها بعدين.
اعترض قائلاً بما اذاب قلبها:
-متهتميش للتوقيت, اللي عينك تقع عليه ويعجبك هاتيه.
ابتسمت تردد:
-خلاص لما تيجي نطلبه سوا.
-وهتفرق في إيه يا حبيبتي؟ اطلبي انتِ مانا كده كده هشوفه لما يوصل.
اجابته في حرج طفيف:
-اصل المبلغ عالي شوية, والموقع عاوز دفع مقدم بيقول ان الحاجات اللي بتعدي 5 الاف جنية بتتشحن بعد الدفع مش قبله.
علق باستغراب وعدم فهم:
-تمام اطلبيه, انا مش فاهم فين المشكلة؟ أيًا كان السعر اطلبيه عادي.
أجابته بتوضيح ونبرة خافتة قليلاً:
-يعني مش حابه اطلب حاجات غالية زي دي من غير ما تعرف بيها, مش يمكن سعرها ميستاهلش, وكمان هم طالبين دفع بفيزا وانا مش معايا يعني..
اغمض عينيهِ بإدراك لِمَ غفل عنه, وقال:
-حقك عليا يا روزا نسيت خالص اعملك فيزا, بكره الصبح هروح البنك افتحلك حساب واطلعلك فيزا باسمك, وبالنسبة لاسعار الحاجات فانتِ اكيد عارفه إن مش هيفرق معايا ولا هقف اناقش في سعر يعني.
تضاعف حرجها فعلقت:
-مش مهم موضوع الحساب ده, يعني لما تيجي ادفع بالفيزا بتاعتك وخلاص.
-لا طبعًا مينفعش, لازم يبقى لكِ حساب خاص تصرفي منه زي ما تحبي, وبعدين انتِ صوتك وطي اوي كده ليه, اوعي تكوني مكسوفة! اصل صوتك اللي زي سرينة الإسعاف مبيوطاش إلا لو مكسوفة او تعبانة.
ابتسم باتساع حين أتاه صوتها المصدوم:
-انا صوتي زي سرينة الإسعاف!
تجاوز جملتها يقول بجدية:
-روزا انتِ مراتي, يعني أي حاجة تتعلق بالماديات اللي بتسببلك احراج دي, مسؤوليتي, وحقك عليا, فمش داعي ابدًا لشعورك المبالغ فيه في الأمور دي.
اتاه ردها المبرر:
-اصل انا عمري ما طلبت حاجه من حد, ولا اتعودت حد يصرف عليا, طول الوقت كنت انا اللي بشتغل وبصرف, من بعد موت بابا الله يرحمه, فالموضوع محرج ليا ومش متعودة عليه.
-لا اتعودي, واتعودي كمان تطلبي أي حاجة تحتاجيها مني.
ابتسمت وهي تتجاوز هذه النقطة تخبره بما ستطلبه عبر الموقع:
-شوفت سرير هزاز للأطفال, ومخدة طبية شكلها لذيذ اوي عشان البيبي يبقى مستريح ومستوي وهو نايم عليها وكمان....
ظلت تخبره بما لفت نظرها, وهو يستمع باهتمام, لم يتخيل وضعه هذا يومًا, يضيع ساعة كاملة من وقته الثمين في مكالمة هاتفية اغلبها عن شراء مستلزمات أطفال! ولكنه سعيد, ولا يهمه حتى وإن أضاع اليوم بأكمله..
-هبعتلك صورهم على الواتس واطلبهم انتَ من عندك.
كان هذا ما اخبرته بهِ قبل أن تغلق المكالمة وتبعث له بصور المنتجات التي أرادتها, فتحها على حاسوب العمل الذي أمامه متصفحًا الموقع التي أخبرته عنه, لتلمع عيناه بحماس ماثل حماس نبرتها وهو يتخيل طفله الصغير يستخدم هذه الأشياء, وشعر بمتعة بمذاق خاص وهو يقوم بشراء ما سيحتاجه الصغير بل ويبحث عن أفضل الخامات والأعلى جودة ليكون مريحًا له..
-ادخل.
قالها بعد سماعه لدقات فوق الباب فدلفت الفتاة تخبره بأن هناك من يريد رؤيته, وامتعض وجهه قليلاً فور أن اخبرته بالاسم, لكنه بالأخير سمح له بالدلوف.
-خير؟ إيه اللي حدفك عليا.
دلف بعاصفته الهوجاء المعتادة:
-بقولك إيه يا شاهين عرف اللي قاعدين بره دول وقت ما جي ادخل من غير إذن, عشان بعد كده هتلاقيني بقتحم مكتبك بكل قلة ذوق, فمتضطرنيش لده, مش انا اللي اقف بره استنى تديها الإذن.
رفع حاجبه بتهكم:
-وإيه الغريب! من طول عمرك بتتصرف بقلة ذوق.
اتجه له يجاوره الجلوس فوق الأريكة التي تحتل ركنًا من المكتب, وقال مجيبًا على سؤاله الأول:
-كنت قريب من الشركة, ومعاذ كان كلمني كذا مره ومردتش عليه قولت اجي اشوفه عاوز إيه, طلع بيقولي على خطوبته يوم الخميس.
-ايوه لسه قايلي الصبح.
-قولت عيب اجي الشركة ومعديش اشوفك, خصوصًا إني مشوفتكش من يوم فرح مازن.
علق ساخرًا:
-اللي هو كان من 10 أيام, مش من سنه.
ابتسم "غسان" ببرود:
-يا جدع! وال10 أيام في بُعدك قليلين! ده عدوا كأنهم 10 ثواني.
-سخيف.
رددها "شاهين" بنزق, لينظر "غسان" لشاشة الحاسوب فقطب ما بين حاجبيهِ مستغربًا, وعلق:
-إيه ده! هو انتَ غيرت نشاط شركتك؟ مش دي شركة تجميع سيارات برضو, إيه علاقتها بعربيات الأطفال دي؟
نظر له "شاهين" بنفاذ صبر:
-ملكش دعوة, مش شوفتني وعملت الواجب يلا شرفت.
رفع "غسان" حاجبه باندهاش:
-الاه! ده انتَ بتعمل شوبينج! وإيه اللي دخلك في الحاجات دي... لاااا متقولش..
قال الأخيرة وقد اتسعت عيناه بإدراك, وسرعان ما هتف بابتسامة واسعة:
-انتَ حامل!!! قصدي هتبقى أب!
ضغط "شاهين" على شفته السفلى بأسنانه بقوة غيظًا من الأحمق الذي أمامه, وأشار له بتحذير:
-والله لو ما لميت لسانك ده لأرزعك قلم يلزقك في الحيطة اللي وراك دي.
ضحك "غسان" بقوة على غضبه وعلى ما تفوه بهِ, وقال بعدها من بين ضحكه بصدق:
-والله ما قصدي يا بني.. انا بس اتفاجئت فطلعت معايا كده, المهم يعني الف مبروك, والله عشنا وشوفنا العقرب قاعد يدور يعمل شوبينج مخدات وشنط... بقولك إيه متنساش بقى تاخد لفة في قسم الألعاب هيعجبك اوي.
دفعه في كتفه ليوقفه فنهض معه "غسان" ومازال مستمرًا في الضحك:
-لا انا عارف غلاسة امك دي, مش هخلص منها.. غور بقى.
دفعه للباب ليلتفت له "غسان" وهو يستند على الباب بعد فتحه وقال بعبث:
-الحق عليا بفيدك.. طب بجد بقى متنساش الببرونة, دي مهمة جدًا خلي بالك..
-يلا يا بن...
اغلق الباب فورًا قبل اقتراب "شاهين" منه وابتسامته لم تختفي, وهو حقًا سعيد, لم يتوقع أن يصلح "شاهين" من حياته البائسة ويستقر بها, وتصبح له أسرة حقيقية وزوجة وأطفال.
--------------
وبمكان بعيد..
بمحافظة الإسكندرية, وبأحد الشقق السكنية المطلة على البحر..
كانت تجلس بالشرفة تتابع البحر أمامها ودموعها لا تتوقف, وعيناها تورمتا من كثرة البكاء, دلفت شقيقتها تضع أكواب العصير فوق الطاولة الصغيرة, وجلست أمامها تقول بعتاب:
-وبعدين يا ميرنا؟ هتفضلي كده كتير!؟ يا بنتي عينك ورمت وضغطك هيعلى كده من كتر اللي عملاه في نفسك من امبارح ده.
نظرت لها تجيبها ببكاء حاد:
-مش قادرة.. حاسه إني هموت..
-لا إله إلا الله, يا حبيبتي هو كان بايدك, دول كانوا هيقتلوكِ لو ماكنتيش ادتيهم ورقة الجواز.
ردت بندم:
-ياريتهم قتلوني, يا رتني سبتهم يموتوني بس مافضحش سره, والنتيجة إيه..
ضرب فخذيها بكفيها بقوة نادمة ومتحسرة:
-هربت.. هربت وسبتله القاهرة كلها عشان عارفة إن شاهين لو لاقاني هيموتني, عارفه إنه دلوقتي مش طايق يسمع اسمي ولا يشوفني.. والمصيبة إني سلمت الورقة لأكتر واحد بيكرهه ومبيرتاحش فيه.
-اللي عملتيه هو الصح, ماكنش ينفع تفضلي هناك وتجازفي, هو فعلاً ماكنش هيقدر موقفك وكان هيأذيكِ وانتِ اكتر واحده عرفاه, وخلاص هو مش هيقدر يوصلك عامله في نفسك كده ليه؟
انهارت في البكاء ثانيًة تقول وهي تضع كفها على قلبها:
-عشان مش قادره, مش قادره اسلم ان خلاص كده, قصتنا انتهت, واني نهيتها بإيدي, قلبي محروق عليه.. انا بحبه, بحبه اكتر من أي حاجه في حياتي ومش عارفه هعيش من غيره ازاي.
اقترحت عليها شفقًة من وضعها:
-طيب ماكنتيش رميتِ موبايلك وكنتِ بعتيله رسالة وحكتيله فيها اللي حصل, وشوفتي رده إيه, يمكن كان سامحك.
نظرت لها بأعينها الحمراء بشدة, وردت بتهكم مرير:
-فاكرة لو مش مسامحني هيقولي! ده عادي جدًا يوهمني عشان يعرف انا فين ويجبني تحت رجله.. انتِ متعرفيهوش, شاهين لما بيقلب على حد مبيراعيش أي حاجه في الدنيا.
عقبت شقيقتها بقوة:
-يبقى مينفعش تظهري في حياته مرة تانية, وكويسة إنك ماكنتيش قيلاله إني اطلقت ونزلت من كندا, يعني هو دلوقتي فاهم إنك ملكيش حد تروحيله وإن شاء الله ميعرفش يوصلك, وانتِ برضو كني الفترة دي ومتنزليش من البيت, وإن كان على قلبك.. سبيه للأيام, بس لازم تعرفي يا ميرنا إن علاقتك بيه ماكنتش هتستمر وكان هييجي يوم وتنتهي, وخصوصًا بعد جوازه, والاكتر بقى إنك ماكنتيش مأثره فيه ولو 1 في المية, يعني عمره ما كان هيبقى عليكِ.
عادت تنظر لأمواج البحر المتلاطمة, ودموعها ترافقها, وقلبها يكوى بنيران الحب والهجر, هي تحبه ولن تستطيع ان تحب رجلاً بعده, بل لن ترى رجلاً غيره, وبعدها عنه هو إقرار موثوق بعذاب دائم لها ولقلبها..
-------------
مساءً...
تنهدت بملل لتسمع صوته يسألها باستغراب:
-مالك؟ التنهيدة دي وراها حاجة.
انفجرت تعبر عن مللها:
-زهقت يا شاهين, انتَ من وقت ما جيت من الشركة وانتَ حابسني معاك في الأوضة ومبنعملش أي حاجه غير اننا نايمين كده.
كان ممداً فوق الأريكة بنصف جسده وهي بالمثل تستند على صدره بظهرها ويده تعبث في خصلاتها دون ملل, واكملت وهي تنظر للتلفاز:
-حتى الأفلام اللي بنجيبها مملة وانا اصلاً مش عاوزه اتفرج على أفلام.
اتاها صوته العابث يقول بأسف:
-ما هو يا حبيبتي ياريت في ايدي اعمل حاجه تانية, بس للأسف هو ده اخرنا حاليًا, لحد ما نطمن على الباشا.
تضجرت وجنتيها بحمرة الخجل ولكزته بكوعها في جانبه تقول بنهر:
-بطل قلة أدب, انا اكيد مقصدش كده, بس انتَ حتى مش بتتكلم معايا, وسرحان وساكت.
شعرت بتنهيدة تخرج من صدره قبل أن تسمعها وقال بعدها:
-معلش في حاجات كتير شاغلة بالي.
ابتعدت عنه تستقيم جالسة أمامه وقالت وهي تمسك كفه بمواساة:
-ما تحكيلي يا حبيبي, شاركني حيرتك دي يمكن نلاقي حل مع بعض.
نظر لها قليلاً قبل أن يفجر مفاجئته لها:
-النهاردة رفعت قضية طعن في نسب تيم ليا.
اتسعت عيناها رويدًا بصدمة, لا تصدق انه اخيرًا اخذ خطوة جدية في الأمر, وسرعان ما زينت الابتسامة شفتيها وادمعت مقلتيها وهي تلقي نفسها عليهِ تحتضنه بقوة غاشمة:
-بحبك.. بحبك اوي والله.
ضحك بخفة على فعلتها, وقال باستغراب:
-حاسبي طيب هتكسري رقبتي اللي متعلقة فيها دي, ماكنتش اعرف الموضوع هيفرحك كده.
ابتعدت تنظر له بفرحة ونظرة عاتبة:
-يفرحني! انا فرحانة بيه اكتر من فرحتي بخبر حملي, انا كنت بموت كل ما افكر ان يوم ما هيجيلي ابن منك مش هيكون اول ابن ليك.. على الأقل على الورق, مش هيكون اول طفل يتكتب على اسمك.. مش كفاية انا مش اول زوجة ليك, كمان ابني هيكون له نفس النصيب..
هزت رأسها بأسف وهي تتلاعب في الأربطة المتدلية من كنزتها الوردية, وقالت بنبرة تمني مخذولة:
-كان نفسي أكون اول ست تتكتب على اسمك, بس اللي مصبرني إني عارفه ان شدوى كانت زوجة على الورق, لولا كده مش عارفه كنت هحس بإيه, بس بحمد ربنا إنك حطيت حدود بينك وبينها كل السنين دي.
ابتلع ريقه بتوجس و...
