رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل العشرون 20 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل العشرون 

"انا التعيسة التي عاشت حياتها بأكملها تتمنى دون أن تقترب من أمنياتها..
انا الحمقاء التي أغلقت باب الحب سنوات عمرها, وفتحته لمن لا يستحق..
انا البائسة التي تتلاعب بها الحياة لعبة ليست عادلة ابدًا.. تأرجحها كيفما تشاء, كورقة سقطت من فوق الشجرة فالتقفتها الرياح العاصفة, تبعدها تارة وتقربها تارة أخرى.. ولو بأمنية الورقة لتمنت ان تعود لشجرتها.. 
ظننت ان الحياة قد رضت عني اخيرًا, ظننتها تبسمت لي, وبعثت السعادة تطرق بابي.. 
لكن فجأة أصبحت توقعاتي سراب, وكل ما حصلت عليهِ وظننته نعيم من الجنة, أصبح جمرة من جهنم.. 
وليتها كانت نهاية المطاف.. بل أنها لم تكن سوى بداية حرب جديدة دخلتها رغمًا عني... لكنها وعلى أي حال غيرتني, وجعلتني شخصية أخرى, لم اكن اعرف إنها تكمن بداخلي..!" 
"فيروز" 

نظر لها قليلاً قبل أن يفجر مفاجئته لها:
-النهاردة رفعت قضية طعن في نسب تيم ليا. 
اتسعت عيناها رويدًا بصدمة, لا تصدق انه اخيرًا اخذ خطوة جدية في الأمر, وسرعان ما زينت الابتسامة شفتيها وادمعت مقلتيها وهي تلقي نفسها عليهِ تحتضنه بقوة غاشمة:
-بحبك.. بحبك اوي والله. 
ضحك بخفة على فعلتها, وقال باستغراب:
-حاسبي طيب هتكسري رقبتي اللي متعلقة فيها دي, ماكنتش اعرف الموضوع هيفرحك كده. 
ابتعدت تنظر له بفرحة ونظرة عاتبة:
-يفرحني! انا فرحانة بيه اكتر من فرحتي بخبر حملي, انا كنت بموت كل ما افكر ان يوم ما هيجيلي ابن منك مش هيكون اول ابن ليك.. على الأقل على الورق, مش هيكون اول طفل يتكتب على اسمك.. مش كفاية انا مش اول زوجة ليك, كمان ابني هيكون له نفس النصيب.. 
هزت رأسها بأسف وهي تتلاعب في الأربطة المتدلية من كنزتها الوردية, وقالت بنبرة تمني مخذولة:
-كان نفسي أكون اول ست تتكتب على اسمك, بس اللي مصبرني إني عارفه ان شدوى كانت زوجة على الورق, لولا كده مش عارفه كنت هحس بإيه, بس بحمد ربنا إنك حطيت حدود بينك وبينها كل السنين دي.
ابتلع ريقه بتوجس و... 

ابتلع ريقه بتوجس خفي وسألها بهدوء:
-يعني لو كنت انا وشدوى زي أي زوجين طبعيين كان هيفرق معاكِ؟ مانا خلاص طلقتها ومعاكِ انتِ دلوقتي, بعدين انتِ عارفه إني محبتش غيرك. 

نفت برأسها بحدة رافضة:
-لا طبعًا, بتفرق.. ازاي متفرقش, كنت هكون كل مرة في حضنك فيها عارفه إن كان في واحده غيري في نفس الوضع ده, كل مرة هتقربلي فيها دماغي غصب عني هتتخيلها في نفس الوضع, ماكنتش هحس إن مشاعرك معايا صادقة وجديدة عليك زي ما هي جديدة عليا... 

زفرت بضيق وقد امتعضت ملامحها وقالت:
-احنا بنفتح في المواضيع دي ليه! ده مجرد الكلام جابلي كرشة نفس.

عادت تبتسم بحب وهي تعوض لوضعيتها السابقة لكن هذه المرة جعلت وجهها مقابلاً لوجهه:

- كده كده انتَ ليا انا وبس...

احتضن رأسها لصدره وتنهد بقوة, صعبت الموقف عليهِ, ضيقت اللجام حول رقبته أكثر, وقد كان مترددًا قيراط فيما قرره من مصارحتها, والآن قد تردد الأربعة والعشرين, فكيف سيحطم آمالها بهذا الشكل؟ كيف ستتقبل ما لم تستطع تخيله والحديث عنه! كيف سيوجع قلبها بهذه الطريقة المؤلمة؟ 
تجمعت عاطفته ومشاعره الصادقة نحوها وهو يخبرها:
-وعمري ما كنت غير ليكِ.. 

------------- 
ظهر اليوم التالي... 
نزلت درجات السلم في فيلة والدها بقدم ترتجف وقد أخبرتها الخادمة بأن احدهم يريدها بالاسم, اقتربت من الباب تطالع من يريدها ليسقط قلبها ارضًا وهي تبصر "محضر محكمة" وهل لها الا تعرفه! فلقد ظلت تنتظره طوال اليوم السابق ومن صباح اليوم.. 

-حضرتك مدام شدوى مختار المنشاوي؟ 

ردت بنبرة خافتة, مضطربة:
-ايوه. 

-اتفضلي امضيلي على استلام الورق ده. 

سألته رغم معرفتها بالجواب, ولكن هناك بصيص أمل بداخلها يتمنى ألا يكون قد فعل:
-ورق بخصوص إيه؟ 

-إخطار من المحكمة, طليقك السيد شاهين عمران المنشاوي رافع قضية عليكِ, اتفضلي استلمي وامضي. 

مضت بأصابع مرتعشة, والتقطت الورقة بجسد ينتفض, وظلت تنظر لها كأنها قنبلة موقوتة ستنفجر بوجهها بين لحظة والأخرى. 

-واقفة كده ليه يا شدوى؟ وإيه اللي في ايدك ده؟ 
استدارت لترى "مختار" خلفها قاطبًا جبينه يسألها باستغراب وعدم فهم لحالتها العجيبة, انهارت باكية وهي تسقط ارضًا فجأة, لينحني عليها سريعًا يسألها بقلق:
-في إيه يا شدوى؟ مالك؟ 

مدت له الورقة ليلتقطها بقلق, وفتحها لتجحظ عيناه بصدمة صاعقة وردد بعدم تصديق:
-طعن نسب! ليه؟ ليه يعمل كده ما بقاله سنين ساكت وراضي!؟ 

ادلت بما حدث أمس وبما لم تخبره بهِ, فقد اجلت الأمر علّ شاهين يرجع ويخضع لتهديد سيف له. 

-شاهين.. شاهين عرف بان سيف أبو تيم, وعشان كده صمم يرفع قضية طعن نسب. 

-إيه؟ ازاي؟ وامتى, وليه ماقولتليش؟ 

صرخت بقهر من بين دموعها:
-كنت فاكرة إنه هيتراجع بعد ما هدده سيف امبارح انه هيبلغ مراته بجوازه من السكرتيرة, مفكرتش انه هيعملها ويرفع القضية, مقولتش عشان كنت فاكرة انه هيسكت.. كنت فاكرة ان حد يقدر على شاهين ولو مرة واحدة, معرفش عرف ازاي ومش ده المهم.. هنعمل إيه؟ 

دار حول نفسه بجنون وهو يطبق بكفه على ورقة الاخطار, تخيلت للحظة إنه سيصدم رأسه في الحائط من شدة انفعاله, وقف فجأة وقال بشر متقن:
-هنعمل إيه؟؟ دي فضيحة, كده اللي داريته من 28 سنه هيتكشف, وعلى ايد مين؟ ابن عمران؟ والله ما يحصل.. 

ركض لمكتبه يلتقط مسدسه وخرج بهِ, لتهرع خلفه بفزع حين رأت المسدس بيده, وهي تصرخ بهِ:
-لااا.. هتعمل إيه, استنى يا بابا لا مش هسيبك تعمل كده. 

تعلقت بذراعه رغم محاولته للفرار منها, صرخ بها بوجه محمر غضبًا:
-اومال هنعمل إيه؟ مادام حطنا في دماغه مش هيسبنا غير لما ينهينا, لازم نخلص منه قبل ما يخلص منا.. سبيني. 

قالت برجفة فزع وهي تتمسك بهِ اكثر:
-والحل تقتله؟ لو روحت لشاهين انتَ اللي هتموت مش هو, بلاش تفتح حرب جديدة مش هتخلص, وخصوصًا انك قولتلي ان عمي عمران لسه عايش, وعمي مش هيسكت لو اذيت ابنه.. اهدى عشان خاطري. 

القى المسدس ارضًا وهو يستوعب ما قالته:
-عمران... عمران.. ينعل عمران وابنه, هيفضلوا لامتى شوكة في زوري, هيفضلوا لامتى يدمروا حياتي, وانا اقف اتفرج ومتكتف مش عارف اعمل إيه معاهم.. 

-الحل الوحيد دلوقتي انك تتصرف ولما المحكمة تعمل تحليل نسب لازم يطلع سلبي, لو اتعرف ان تيم ابن سيف كلنا هنتفضح. 

شهقت بفزع حين اطبق على عنقها بقوة رافعًا إياها قليلاً عن الأرض, وردد بغل وكره:
-لولا ***** ماكناش زمانا في الوضع ده, انتوا اللي وصلتونا لهنا.. يارتني كنت قتلت اللي في بطنك زي ما نويت, بس انتِ.. انتِ اللي اتمسكتِ بيه وقولتي انه ورقة ضغط على شاهين عشان يتجوزك, وإنه مش هيقبل بفضيحة عيلته. 

كانت تحاول التحرر من قبضته مع شعورها بالاختناق, وما إن استطاعت بعد ان تركها حتى سعلت مرتين ثم قالت بوجه محمر ومنفعل:
-ما نزلتوش عشان عرفت متأخر والدكتور قال لو نزلته هيبقى خطر.. ماكنتش هقتل نفسي عشان اريحك, ولو عاوز تحاسب حد على اللي حصل, حاسب البيه اللي جبته يعيش مع بنتك تحت سقف واحد. 

نظر لها بغيظ واستحقار:
-وبنتي و***, محافظتش على نفسها, وكان عندها استعداد كويس اوي لأي حد يجرها له بكلمتين. 

وتركها طاويًا الأرض تحت قدميهِ عائدًا لمكتبه مرة أخرى ليجد حلاً سريعًا قبل أن يخرج الأمر من بين يده.. 

------------- 
مساءً... 
رتبت خصلاتها جيدًا وعدلت من ثيابها وهي تنظر لمازن النزِق بضحكة مكتومة, انزل كنزته بضجر يغمغم:
-يعني ما قولتش لحد اننا وصلنا عشان برضو الفصلان ده, ومفيش فايدة.. انتِ قولتِ لحد إننا وصلنا؟ 

ردت بضحك:
-والله ابدًا, بس اللي على الباب حمض.. روح افتح يلا.. 

ارتفعت ضحكتها على غمغمته بكلمات غير مفهومة وهو يخرج من الغرفة.. 
خرجت بعده بلحظات لتُبهت ملامحها وهي ترى من يقف أمام "مازن", إنه "معتز" طليقها.. 

-اهلاً بالمدام.. مبروك يا عروسة, يا ترى جيت في وقت مش مناسب؟ 
قالها بنبرة مستهزئة ونظرات مستحقرة وكأنه ضبطها في وضع مخل مع شخص غريب! 

-انتَ إيه اللي جابك؟ وعرفت منين بيتي؟ 
سألته بحدة ليرد بتهكم:
-مش صعب اعرف مكانك يا مدام, وجيت عشان اشوف ابني.. واخده, ولا فاكره هسيبه يتفرج عليكوا وانتوا بتقضوا شهر العسل؟ 

-مااازن.

صرخت بها وهي تركض تجاهه حين قبض على ياقة قميص الآخر يهدده بنبرة هادرة:
-الزم ادبك وشوف انتَ بتقول إيه بدل ماطلع روحك في ايدي.. 
--------------- 

-يعني عاوزني اهرب؟ 
نطقها "سيف" بسخرية وهو يواجه البركان المشتعل المتمثل في "مختار" والذي قال بإصرار:
-لازم تختفي الفترة دي, عشان لما المحكمة تطلبك تكون بره البلد, وعمومًا مش باخد رأيك, انا حجزتلك تذكرة لفرنسا, ميعادها بكره الساعة 7 الصبح, جهز نفسك يا سيف وخد مراتك معاك.. ومترجعش غير لما انا اقولك.

كظم غضبه وحرك رأسه عدة مرات برتابة, حتى قال اخيرًا:
-ماشي...همشي, بس الأول وقبل ما احط رجلي في الطيارة, هدفع ابن عمران التمن, هخليه يعرف مين هو سيف المنشاوي اللي مستقل بيه. 

اشاح "مختار" بذراعه بتهكم:
-بطل خيابه, انتَ فاكر هتعلن فوزك عليه لما تعرف مراته انه متجوز! بلاش شغل حريم يا سيف, دي مش ضربات رجالة. 

قالها وهو يفتح تطبيق الواتساب يبعث برسالة صوتية لأحدهم فهدر صوته يقول:
-ارجع شوف ابنك يا عمران, عشان مترجعش تلاقيه جثة, ارجع وقف ابنك عن الهبل اللي بيعمله عشان انا ماسك نفسي بالعافية. 

واغلق الهاتف يلقيه فوق المكتب بعنف, ليسمع صوت "سيف" يجيب عن حديثه الأخير له:
-لا مش هعرف مراته حاجه.. في ضربة اشد.. 

نظر له "مختار" بملل وأجاب:
-اعمل اللي تعمله المهم بكره تكون في فرنسا. 

------------------ 

انتهت من تناول "سندوتش الكبدة" التي أصرت على تناوله حين مروا بعربة كبدة من تلك العربات التي تنتشر في الشوارع بطبيعة الحال, لتضرب رائحتها أنفها, فأصرت على التناول منها رغم اعتراض "شاهين"... 

نظر لها بضجر وهي تستند على كتفه بعد التهامها للطعام بشراهة, مرددًا بضيق:
-انا مش مرتاح لعربية الكبدة اللي حضرتك وقفتينا عندها وصممتي تاكلي منها!

-اعمل إيه اول ما شميت الريحة مقدرتش اقاوم, تقريبًا ده وحم الحمل. 

علق باستنكار:
-وحم؟ بقى ابن شاهين المنشاوي هيتوحم على كبدة! متلزقيش التهمة في ابني انتِ اللي نفسك راحت لها.

ابتعدت عنه تنظر له برفعة حاجب مستنكرة:
-اومال هيتوحم علي إيه؟ سوشي! وبعدين الواد ده هيطلعلي, هيفطر فول وطعمية ويضرب كشري وكبدة عادي, انا مش عاوزاه يبص للناس من فوق, كفاية عيلتكوا اللي ماشيين مش شايفين غيرهم دول. 

نظر لها بزفرة قوية, وسألها بقلق طفيف:
-حاسه بأي مغص؟ انا قلقان عليكِ من الكبدة المعفنة اللي كلتيها دي.

_لا إله إلا الله، شاهين يا حبيبي الموضوع ابسط من كده، احنا كعمة الشعب الحاجات دي مبتأثرش فينا زي مانتَ فاهم، مش اول ما أكلها هيحصلي تسمم يعني! لكن بالنسبالك.. اظن ده يحصلك.. لان معدتك متربية على النضيف والغالي.

حدقها بغيظ مرددًا:
_مهو مش طبيعي حد ياكل حاجه متأكد انها من مصدر معفن، يعني إيه سندوتش كبدة ب ٣٠ جنيه! بذمتك ده منطقي! ازاي اصلاً ممكن تآمني تاكلي حاجه زي دي.

- على فكره حتى المطاعم الغالية مش مضمونة.

-ما هو مش أي مطعم غالي وخلاص، الفكرة مش في السعر، بس في مطاعم موثوق منها، بتبقى مطاعم فايف ستارز زي الفنادق كده، فبتكون جودتها مضمونة، خصوصًا أن كل زباينهم ناس تقيلة ميقدروش ينزلوا لهم حاجه مش كويسة ولا جودتها أي كلام دول يروحوا في داهية.

-خلاص يا حبيبي بقى، عديها، المهم قولي موضوع إيه اللي عاوزني فيه؟ وواخدني على فين بقى؟ واول مرة كمان نخرج لوحدنا من غير حرس ولا حتى سواق! 

صمت للحظات كأنه لا يود الإفصاح عما يخفيه عنها للآن، لكنه قال بعدها بملامح ثابتة ونظره مسلط على الطريق أمامه:
_موضوع مهم مينفعش نتكلم فيه في البيت، هاخدك مكان هادي نعرف نتكلم فيه.

--------------- 
بعد قليل وصلا أمام النيل من جهة منخفضة تسمح بالنزول إليها حيثُ ترسى المراكب على ضفته, سارت معه وهو يمسك كفها بحرص وهي تتفحص المكان حولها, رددت بتساؤل مرِح:
-واخدني ترميني في النيل ولا إيه؟ 

  أجابها في هدوء جاد:
-لا, رحلة نيلية هتحبيها, جربتيها قبل كده؟ 

-عمري.

-جه الوقت تجربي. 
تحمست كثيرًا وهي تسرع في خطواتها معه للوصول للمركبة الفخمة التي تنتظرهم والتي ابصرت "مرسي" يقف عندها. 

-براحة يا روزا عشان رجلك متتكعبلش, متنسيش إنك حامل. 

ردت بابتسامة واسعة:
-متحمسة اوي. 

ضمها لصدره بفرح لحماسها, وهو يسير معها وقد وصلا بالفعل للمركبة, اقترب منه "مرسي" يقول:
-باشا زي ما حضرتك امرت, المركبة فاضية مفيهاش غير المراكبي, وهنستنى حضرتك هنا لحد ما ترجع. 

-تمام. 

ساعدها على الصعود للمركب وتبعها ملتقطًا كفها وصعد بها للطابق الثاني بها, لتجد طاولة عليها طعام مزينة بشكل راقي, واقترب منها يلتقط باقة زهور وُضعت على أحد كراسيها يقدمها لها في حركة خطفت قلبها:
-ورد لأحلى وردة في حياتي. 

ضحكت بسعادة وادمعت عيناها بفرحة طاغية, تأخذ الباقة تشم رائحتها بحب, ورفعت نظرها له تقول بابتسامة: 
-شكرًا يا حبيبي. 

سحب لها الكرسي لتجلس فوقه, وباشرا في تناول الطعام وبعض الأحاديث التي لم تخلو ابدًا من تغزله بها وتعبيره عن حبه وعن مكانها في حياته. 

وهي لم تبخل عليهِ وهي تبادله عاطفته القوية, وتبثه مشاعرها الصادقة نحوه, فنهضت تتعلق بحضنه وهي ترفع نظرها لتطالع عينيهِ بحب:
-أنا بحبك يا شاهين, كل اللي بعيشه معاك متخيلتش أعيش ربعه, بحبك اوي والله, ومهما وصفتلك حبي ده مش هعرف, بس كفاية اقولك اني كنت بموت في الفترة اللي بعدتني عنك فيها, ومع ذلك مندمتش اني دخلت حياتك وحبيتك, كان حبك كفاية عشان يعيشني الجاي من عمري, انا اسعد واحده في الدنيا دلوقتي.. معايا جوزي اللي محبتش غيره, وحامل في ابنه, انا كل يوم بحمد ربنا على السعادة دي.. وبخاف, بخاف اوي تيجي حاجه تلغبط حياتي.. تطلعني من الجنة اللي انا فيها معاك. 

حديثها كالعادة, يوجع قلبه ويردده, ولكن الآن لا مجال للتردد, فإن لم يفعل موقن انه سيندم لاحقًا, فحاوط وجهها بكفيهِ يقول بحب:
-عندك شك في حبي ليكِ؟ 

نفت برأسها بثقة, ليكمل بثبات ظاهري:
-طيب, في موضوع مهم لازم اقولك عليه, بس عاوزك تهدي وتسمعيني, وتعملي حساب لحبي وحبك, ماتسبيش وجعك وغيرتك يأثروا على رد فعلك. 

تجمدت ملامحها بقلق, وسألته بأعين زائغة:
-موضوع إيه؟ قول. 

-اوعديني إنك هتسمعيني للآخر, وهتفهميني. 
أكد عليها بنبرة قوية, ليزيد هلعها حيال ما سيقوله, لكنها قالت بنفاذ صبر:
-اوعدك.. قول بقى, قلقتني. 

-انا متجوز. 
هكذا دون مقدمات! نظرت له بعدم تصديق تسأله بعتاب ووجع تخلل نبرتها:
-رجعت لشدوى؟ رجعتلها بعد ما قولتلك انها وقفت قدامي تتحداني انها هتاخدك مني؟ حققتلها اللي فضلت تلف وتدور حواليه؟ ليه يا شاهين؟ قصرت معاك في إيه عشان ترجعلها؟ ليه تعمل كده؟ ده انتَ لسه رافع قضية عليها؟ ازاي طيب؟  

وتهاوت دموعها في أخر حديثها وهي تنظر له بصدمة ووجع, ابتعد عنها تلقائيًا للخلف بخزي مما سيقبل على قوله, وقال متجنبًا النظر لعينيها:
-مش شدوى يا فيروز.. انا مرجعتش لها, ولا عمري هفكر ارجعلها. 

 جحظت عينيها بعدم فهم, ورددت تسأله بصدمة مستنكرة:
-يعني إيه مش شدوى؟ هو في حد تاني؟ 

استدار يعطيها ظهره, لن يستطيع ابدًا الحديث وهو امام عينيها, يرى ردود افعالها التي توجعه وتردده, نظر للنيل المظلم بعد حلول الليل, وقال مفضيًا اعترافه بالكامل:
-ميرنا.. سكرتيرة مكتبي, متجوزها من 4 سنين.. انا عارف ان كان المفروض اقولك, بس الجوازة دي طول عمرها في السر, وعمري ما كنت هطلعها للعلن, وبعد جوازي منك كنت هطلقها بس هي رفضت وصممت تستمر معايا, وانا مقدرتش اكسرها اكتر واطلقها غصب عنها, جوازي من ميرنا كان مشروط من الأول.. كان جواز مؤقت وهي كانت عارفه ده كويس.. وكان شرطي ان وقت ماهحب ابعد هبعد, وهي كذلك, وانه هيفضل في السر طول العمر, وممنوع خلفة.. 

اتاه صوتها من الخلف وكأنه يخرج من قاع بئر عميق, نبرة هادئة أكثر من اللازم:
-ليه؟ اتجوزتها ليه مادام مخبيها؟ وليه ماعلنتش جوازك منها؟ وليه انا معرفتنيش؟  

صمت قليلاً يصعب عليهِ البوح بكل اسراره التي دفنها لسنوات مرة واحدة, وبعد قليل قال:
-اتجوزتها عشان انا راجل.. راجل متجوز واحده عمره ما هيفكر يقرب منها بعد اللي عملته فيه, فضلت 3 سنين متجوزها ومحرم على نفسي أي قرب بينا, ماكنتش قادر أحاول حتى بعد خداعها ليا, وخيانتها, شدوى وقتها بنت جوايا حاجز صعب يتكسر.. حاجز بين الجواز والخلفة.. ماكنتش ناوي ابدًا ادخل في أي علاقة مع أي حد, كنت خلاص قررت ان دي حياتي وهستمر عليها, شدوى مراتي قدام الناس وبس وتيم ابني على الورق وقدام الناس وفي الحقيقة, لاني فعلاً كنت بعامله انه ابني, كنت شايف إن كده مش ناقصني حاجه, فبلاش اجرب تاني موضوع الجواز واجيب لنفسي وجع القلب.. واصلاً بعد اللي حصل مع شدوى وليلى من بعدها, كرهت التجربة نفسها.. ومفيش ست واحده كانت بتلفت نظري ولا احس ناحيتها بأي حاجه, بس في نفس الوقت.. 

صمت قليلاً ثم اكمل بخفوت:
-اكيد انتِ فاهمه إن كل راجل بيكون له احتياجات, اكيد رغم كل ده ماكنتش هعيش مترهبن, كان عندي طرق تانية اكفي بيها احتياجاتي دي, لكن عمري ما كنت هقبل اقع فيها, ماكنتش هقبل أكون مع كل ست شوية, مفكرتش حتى اغضب ربنا بالشكل ده, حتى لما اتجوزت ميرنا كان جواز رسمي مش عُرفي, واختها كانت تعرف, وانا جدي ومعاذ كانوا عارفين, غير إني بقدس العلاقات دي وأي علاقة عمومًا سواء حب او جواز, فعمري ما همارسها بالشكل المقرف ده.. 

-وجوازك السري مش مقرف؟ 

أجابها وهو على نفس وضعه:
-لا مش مقرف طبعًا.. عرف بيه اللي يهموني واللي يهموها, وكنت على قد ما اقدر بحاول ماظلمهاش, ولما حسيت بظلمي ليها بعد حبي ليكِ وقبل حتى جوازي منك, عرضت عليها نطلق بس هي رفضت. 

-اشمعنا هي؟ 

كان صوتها مختنقًا يدل على البكاء, ونبرة الخذلان والوجع التي ظهرت فيهِ آلمته, فأجابها بتنهيدة حرقت دواخله:
-عشان شوفت حبها ليا من قبل ما افكر اتجوزها حتى, وكنت عارف إنها الوحيدة اللي هتقبل بأي شرط ليا ومش هتعترض, ولا هتفكر تلعب بديلها من ورايا.. وأول ما عرضت عليها الموضوع مافكرتش لحظة واحده. 

-انتَ مش بتبصلي ليه؟ 
سألته بنبرة قوية عكس جميع ما سبق, ليجيبها بخفوت:
-عشان مش عاوز اشوف الوجع في عينيكِ, كفاية إني سامعه في صوتك.. عارف إن كان المفروض اقولك قبل جوازنا, بس انا كنت واخد القرار اني هطلقها, فقولت بلاش اعمل مشكلة بينا وكده كده الموضوع هينتهي.. 

-طب بصلي بقى.. 
قالتها بقوة صارخة وهي تديره لها بعنف تجذبه من ذراعه, نظر لها مضطرًا ليهوله احمرار عيناها ووجهها الشديدان, والدموع التي تغرق وجنتيها حتى سال كحل عينيها معها, بدت بحالة سيئة تمامًا.. حالة اوجعت قلبه عليها.. 

نظرت له باعين مشتعلة صارخة وخصلاتها تطاير خلفها بفعل الهواء الخفيف:
-كنت لسه بقولك امبارح اني مرتاحة عشان جوازك من شدوى كان على الورق وبس.. جاي النهاردة تقولي معلش انا كنت بقرب من واحده تانية.. جاي تقولي انك دوقت النعيم في حضن واحده تانيه قبلي! قبلي؟ وقبلي ليه, ده معنى كلامك انك لسه متجوزها, يعني كنت بتسبني وتروحلها؟ كنت بتنام في حضنها في نفس الوقت اللي بتنام فيه في حضني؟ كان ليك بيت تاني وانا اللي كنت فاكرة اني الوحيدة اللي في حياتك, نهار اسود..نهار اسوووود..

لطمت وجنتيها بقوة مع جملتها الأخيرة وكأنها قد أصابها الجنون, ليقترب منها سريعًا يمسك كفيها يمنعها من أذية نفسها وقد بدت في حالة غير واعية لِمَ تفعله, دفعته بقوة لم يتخيل انها تملكها, وابتعدت عنه صارخة:
-ابعد عني.. ابــــــــعـــد متلمسنيش. 

حافظ على المسافة بينهما كي لا يتأزم الوضع اكثر ورفع كفيهِ باستسلام لعدم القرب, وقال يبرأ نفسه:
-والله ابدًا.. انا مقربتش من ميرنا من قبل جوازنا بكتير, انا بقالي اكتر من سنه وانا بعيد عنها, مش فاكر حتى من امتى, بس يمكن من بعد ما دخلتِ حياتي بشهر ولا اتنين.. صدقيني يا فيروز انا اكيد مش هكدب, ومش مضطر اكدب لانها برضو مراتي ولها حق عليا, لكن انا بقولك الحقيقة.. وده اللي خلاني احس اني ظالمها واعرض عليها الطلاق, ولما رفضت بعدت وقولت هي حرة انا كده خلصت ضميري. 

-بس مراتك.. وانا...انا زوجة تانية...لا تانية إيه قصدي تالتة.. 
توقفت للحظة ودموعها مستمرة وكأنها انتبهت لشيء, و باغتته بسؤال لم يتوقعه ابدًا وهي تقول وقد اُضيء عقلها تجاه فكرة ما:
-الكام يوم اللي غيبتهم وقت ما عرفت ان أبوك عايش.. كنت عندها؟ 

-فيروز... 

ناداها باستنجاد ألا تفتح على نفسها هذا الطريق, لتقاطعه بإصرار:
-رُد.. كنت عندها؟ 

اغمض عينيهِ بقوة ومسح جبهته وشعره بتعب واختناق, ثم أعاد فتحهما ينظر لها بيأس:
-روحتلها عشان ماكنتش عاوز حد يسألني فيا إيه, وكنت عارف إنها مش هتسأل وهتديني مساحتي من غير ما تقرب مني مادام انا عاوز ده, كنت عاوز انعزل عن الكل.. كنت محتاج وقت مع نفسي استوعب. 

هزت رأسها عدة مرات برتابة, وأصبحت عينيها ككتلة دماء مكتومة, وهي تنظر لقدميها بشرود قاسي, ودموعها تتساقط بلا هوادة, حتى قالت أخيرًا وكأنها تحدث نفسها:
-روحتلها.. لما الدنيا ضاقت بيك اختارتها هي, وتقولي بحبك! انا كنت هموت من القلق عليك وبلف حوالين نفسي.. وانتَ كنت معاها, كنت خايفة عليك وانتَ كنت مع ست تانية... 

رفعت رأسها له تطالعه بأعين يملأها القسوة التي لم يراها بها يومًا, وقالت بنبرة مغلولة:
-انتَ مبتعرفش تحب.. صدقني...انتَ بتجري ورا مصلحتك وبس, بتاخد الحاجه اللي تلفت نظرك, بتملكها, مبتحبهاش.. واحده منيت عليها واتجوزتها وسترتها هي وابنها وفي المقابل ذلتها.. جبت واحده وقولتلها دي خطيبتي وانتَ اصلاُ متعرفهاش, عيشتهم الاتنين مع بعض تحت سقف واحد عشان تقهرها وتبينلها انها مش فارقة معاك.. 

رفعت حاجبها بحدة ونظراتها وكأنها تتمنى ان تنقض عليهِ فتغرز اظافرها بعنقه لا تخرجها سوى وهي محملة بدمائه:
-والتانية حكمت عليها بالموت عشان بتحبك, اتجوزتها في السر ومنعتها من الخلفة وعرفتها انك في أي وقت هتسيبها وهي المفروض تحط جزمة في بوقها وترضى مادام بتحبك وعيزاك.. 

ابتلعت ريقها ولم تهتم لصدمته الظاهرة لها من وقع حديثها عليهِ واكملت بمرارة:
والتالتة.. استغفلتها ومقولتلهاش انك متجوز, وسلختها من حياتها وشكلتها باللي يليق بيك, خلتها تناسب عالم شاهين بيه المنشاوي, ويوم ما فكرت تفتح معاك موضوع انك تغير نسب تيم كنت هتاكلها.. رغم إنك في الاخر عملت ده اهو, بس عملته بمزاجك.. خليتها تقبل تتجوزك وانتَ كاتب عيل غريب على اسمك وطليقتك بتلف حواليك زي الحية.. وسكتت, وقبلت.. برضو عشان بتحبك.. ودلوقتي جاي تعترفلها بجوازك, والمفروض انها تحط جزمها في بوقها هي كمان وتخرص وتقبل.. ماهي بتحبك, والأنيل إنها بقت حامل منك, حامل بولي العهد, فمعندهاش طريق نجاة. 

كانت كلماتها كسهام نارية توجه لصدره, تقتله, هل تراه بهذه الصورة؟ هل أصبح سيء في عينيها لهذه الدرجة؟ لقد أظهرته بأبشع صورة قد تكون لرجل يدلف لحياة امرأة, والأدهى تشكك في حبه لها, تخبره ببساطة إنه لا يفكر سوى في نفسه, وإنه لم يحبها يومًا, وهل بات حملها الآن نقمة! هل أصبح الآن أمر تتمنى لو لم يحدث, ألم تكن تطير فرحًا بهِ قبلاً, نظراتها التي تطالعه بها ردته قتيلاً, عيناها التي لم يرى فيها شرًا ولا غلاً يومًا يراه الآن واضحًا.. ولمن؟ له هو... 

حاول تجميع شتاته, وقال بنبرة يظهر فيها الألم لأول مرة:
-انتِ شيفاني وِحش كده؟ معقول؟ بتشككي في حبي ليكِ يا فيروز؟ يبقى عمرك ما فهمتيني ولا حسيتي بيا.. ومفهمتنيش دلوقتي برضو. 

-انا عاوزه الحمام.
قالتها فجأة وقد توقفت عن البكاء, وصارت ملامحها جامدة كالصخر, أوصلها له  لتتجه ناحيته وقبل أن تغلق الباب قالت بحدة:
-قول للمراكبي يرجع.. عاوزه اطلع الاقينا رجعنا. 

وأغلقت الباب في وجهه دون حرف آخر, اتجه لكابينة القيادة, واخبر الرجل بالعودة, ولم يكونوا قد ابتعدوا كثيرًا.. 

عاد لمكانه بالأعلى يقف على حافة المركب ينظر للنيل أمامه بشرود, وكل حرف قالته يتردد في أذنيهِ, ومظهرها وانهيارها لا يغيب عن باله, ليجد الوجع ينحر أعماقه, وعينه استجابت للتأُثر فظهرت فيها دمعة طفيفة لم يمنعها فسقطت على وجنته اليسرى.. 
لم يفعلها قبل, لم يسمح لدمعه واحده بالظهور, حتى حين عرف بصدمته الكبرى في وفاة نورهان, وحين علم بحقيقة والده, حتى في وفاة والدته, علم الخبر متأخرًا فأخذته الصدمة وبلدت مشاعره فلم يكن هناك مجال للبكاء, لكنها سقطت الآن..  
يعلم يقينًا ان هناك شيء انكسر بينه وبين فيروز, شيء رُبما لن يعود, وإن عاد سيحتاج لوقت طويل, يعلم أن الفراق والهجر والحواجز بُنيت بينهما من الآن, وأن القادم لن يكن سوى وجعًا.. 

وبالأسفل بعد وصلة انهيار كادت تزهق روحها, وضعت كفيها تحيط بطنها بهما, ورددت بيأس وحزن تحدث طفلها:
-انا آسفة.. حقك عليا.. بس معنديش حل تاني, انا عارفه إنه مش ذنبك.. بس والله ما هقدر.. 

وبعد دقائق كانت تخرج من الحمام بصعوبة, وجه متعرق, وجسد بالكاد يتحمل الوقوف, واتجهت لمكانه حتى أصبحت خلفه, لم تستطيع حتى أن تناديه, فسقطت على ركبتيها بتعب.. والتف هو على صوت سقوطها فُفزع وهو يراها بهذه الحالة, ليركض لها يلتقط جسدها بين ذراعيهِ, فرددت بإعياء شديد تحت جحوظ عينيهِ المرتعب:
-الحقني.. ابني... 

تعليقات