رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الاول
" أن ينقلب الحال إلى النقيض في غمضة عين دون أن نضع هذا في الحسبان، فهذا يدعونا للتيقظ من غفلتنا، يدعونا للتدبر في حكمته، يدعونا لقول"لا إله إلا الله القادر"، يدعونا للعودة إلى طريقه ..
فقط لنعود قبل فوات الأوان، ولنكون على ثقة بأن للأقدار أسباب، حتى لا يأتي اليوم الذي نردد فيه بندم " ماذا لو " "
-----*-----*-----
تثاءبت بكسل وهي تبتسم بسعادة كبيرة وتشعر أنه لا سعادة على وجه الأرض تضاهي سعادتها الآن .. فاليوم هو يوم زواجها ممن دق قلبها له .. هل هناك ما هو أجمل من ذلك ؟!
تحركت بسرعة وهي تجذب منشفتها وفرشاة أسنانها ودلفت إلى دورة المياة بعدما لاقت العديد من التهنئات والتبريكات من زوجات أعمامها وأخوالها وكذلك جاراتها اللاتي تقمن بتجهيز طعام العروس مع والدتها .. فهذا ما يُعرف في الأحياء الشعبية بيوم العروس .. حيث يكون الجميع يد واحدة .
أنهت طقوسها سريعًا ومن ثم رفعت هاتفها الذي أعلن عن اتصال تعلم صاحبه جيدًا بسبب نغمته المميزة لتجيب بسعادة حقيقية :
- حبيبي .
خالد بابتسامة هادئة ظهرت جلية في صوته :
- صباح الجمال يا جميلة الجميلات ، عاملة إيه ؟
نرمين بسعادة :
- فرحانة ... فرحانة أوي يا خالد .. أوووي .
خالد بضحكته الرجولية التي تسلبها فؤادها :
- ربنا يفرحك كمان وكمان يا قلب خالد ، جهزتي ولا لسه ؟
نرمين وهي تقوم بوضع بعض الأغراض بحقيبة يدوية :
- أيوه حبيبي خلصت أهو، العربية تحت ؟
خالد :
- على وصول .. لسه قافل مع أحمد ابن عمي دلوقتي وقالي إنه داخل على البيت .
نرمين :
- خلاص أوك .. على كل حال أنا جاهزة أهو .
خالد :
- تمام يا حبيبتي ، خلي بالك من نفسك ها ، ولو في حاجة كلميني على طول .
نرمين :
- عيوني يا عيوني .. يلا سلام .
أغلقت معه وهي تحتضن الهاتف إلى قلبها ليجفلها فتح الباب المفاجئ وطلة صديقاتها اللاتي صرخن لتصرخ معهن وبدأن بالدوار في الغرفة تعبيرًا عن سعادتهن بهذا الزواج الذي طال انتظاره ؛ فخالد لم يكن سوى عامل ميكانيكي في ورشة تصليح بمدينة القاهرة ، التقى بمحض الصدفة بنرمين التي امتلكت بهدوئها وجمال طلتها كل خلايا روحه وقلبه ، ولحسن حظه أن صديقًا له كان خاطبًا لإحدى صديقاتها ، لذلك فقد سهُل الأمر كثيرًا عليه في أن يتعرف إليها .
يوم بعد يوم أصبحا صديقين مقربين لبعضهما ، لتتوالى الأيام ويعترف خالد بحبه لها ، والذي قابلته هي الأخرى باعترافها بالوقوع في حبه .
قصة عادية تحدث على مدار الأيام وتتكرر كثيرًا .
لم يكن من خالد الذي كان يدرس في هندسة الميكانيكا بجامعة القاهرة وبالفرقة الخامسة إلا أن يتقدم لخطبة نرمين والتي كانت لا تزال بالفرقة الثالثة من كلية العلاج الطبيعي حينها ، وذلك بعدما استطاع تدبير منزل بسيط بالإيجار في أحد الأحياء بالقاهرة .. فقد كان يحلم خالد بمستقبل باهر فيها .. وكان ذلك حلم صديقه المقرب أيضًا واللذان تواعدا على أن يبدآ من الصفر معًا ..
لكن ما لم يحسب له خالد حسابًا هو أن يُقابل طلبه ليدها بالرفض من والدها الذي كان يرى أن ابنته لا يجب أن تتزوج من مجرد عامل ! فهي ستكون طبيبة مستقبلية ، وسيبقى هو عامل حتى بعد أن يحصل على شهادة الهندسة .
وحتى يستطيع بناء هذا المشروع الفاشل من وجهة نظر والدها فسيحتاج للكثييير من السنوات ، ففي النهاية نحن في بلاد هدم الطموح لا بنائها .
لم يعرف اليأس طريقًا لقلبه ، كما لم تخالف هي عهدها بأن تحاول لألف مرة كي تصبح له .
عاود طلب يدها وعاد من جديد خائبًا ، وأيضًا لم يعرف اليأس طريقًا لقلبه ، ليعاود ثالثًا ورابعًا وهو يقسم لوالدها في كل مرة أنه لن يندم إن أعطاه ابنته ، وأنه سيسعى بكل ما يستطيع ليجعلها تحيا في نعيم العيش ورغده حتى وإن تطلب الأمر أن يعمل ليلًا ونهارًا .
مع إصرار خالد وعودته بعد كل مرة يُرفض بها ، ومع محاولات نرمين المستميتة لاستعطاف قلب والدها ، وافق أخيرًا .. وتمت خطبتهما لعامين استطاع خالد بهما أن يثبت نفسه ويثبت حبه لها ، وها هو اليوم الذي طال انتظاره يأتي بعد معافرة وقضم حجارة الجبال .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
كانت تعقد رباط حذائها في عجلة من أمرها حينما أتاها صوت والدتها المتسائل :
- صليتي الصبح يا فاتن ؟
فاتن وهي تسحب أغراضها الدراسية :
- مش هلحق يا ماما معاد الدرس هيضيع مني .
والدتها بقلق :
- يابت الصلاة أهم عشان ربنا ييسرلك طريقك .
فاتن:
- ما خلاص يا ماما بقا هصلي قضى عشان متأخرش ، يلا سلام .
خرجت فاتن دون أن تنتظر أي رد من والدتها ، فهي في غنىً تام عما ستسمعه من موشح اعتادت عليه كل يوم بسبب إهمالها لصلاتها .
تعلم أنها بعيدة كل البعد عن ربها وأنها تصلي فرض وتترك عشر ، لكن الحجة الفارغة لمن هم في مثل عمرها تتمثل في كونهم طلاب ثانوية عامة ولا يملكون الوقت للتنفس حتى .
بينما تقف والدتها تنظر في أثرها ببعض القلق الفطري ، وأخذت تدعو الله أن يحمي ابنتها ويحفظها من كل سوء ويردها إليه ردًا جميلًا .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
- إيه يا صاحبي ؟ إيه مقعدك ع القهوة من صباحية ربنا كده ؟ وبعدين مش النهاردة فرح أختك ؟
كان هذا صوت حسني صديق محمود ، والذي يشاركه جلسات القهوة ولعب كرة القدم .
محمود وهو ينفخ بضيق :
- متفكرنيش يا حسني الله يكرمك .
حسني :
- إيه ده ؟ إنت لسه متصالحتش إنت وأختك يا محمود ، ياخي عشان خاطر اليوم حتى ، ده انت أخوها الوحيد ولازم تبقى جنبها في يوم زي ده .
محمود بعصبية :
- بقولك إيه يا حسني ، متجيش تقولي جملتين أبويا وأمي دول ، هي اختارت تتزوق وتعمل فرحها في القاهرة عشان جوزها عايز كده يبقى براحتها بقى .
حسني :
- الله .. إيه يا عم محمود ، وانت هتمشي الدنيا على مزاجك ، يا عم هي وجوزها أحرار ، وأبوك موافق ، وبعدين ما الحنة كانت إمبارح يا محمود وأهل الحتة كلهم كانوا حواليها وفرحوا وزقططوا ، واللي قادر يروح الفرح هيروح ، وبعدين أصلا الفرح ده مش بيبقى فيه غير غدا الرجاله وبيفضوها سيرة يعني ، ده غير إن الفرح ده بيبقى تبع العريس .
محمود وهو يهم بالذهاب :
- يا عم أنا مجنون ياعم ، فوكك بقا مني ، أنا مروح ، سلام .
ضرب حسني يديه معًا في يأس من صديقه الذي يعلم جيدًا أن رد فعله هذا ليس إلا حزنًا على فراقه لأخته .
الأمر لا يتعلق بالزفاف إطلاقًا ، بل يتعلق بحزنه من فراق أخته، لقد كان يبكي بمفرده بالأمس وهو يراها بين صديقاتها سعيدة ، هو لا يكره سعادتها ، لكن الأمر صعب عليه قليلًا .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
وفاء وهي تصفق يديها بمرح :
- يانهااار .. مش مصدقة إني هحضر زفة وفرح في القاهرة .
فاتن بلامبالاة :
- إيه يا ماما براحة على نفسك شوية ، إيه يعني زفة وفرح في القاهرة يعني !
وفاء :
- يخربيت وشك الفقر يا شيخة .. ألا هو انتي مقلتليش هتيجي بإيه ؟
فاتن :
-لا أنا مش هروح أصلا .
وفاء :
- يانهاري يا فاتن .. ليه بس ؟
فاتن :
- مبحبش الدوشة يا وفاء ، ومليش مزاج أصلًا .
وفاء :
- فقرية أقسم بالله .. يلا أنا هروح بقا عشان ألحق أجهز وأشوف هروح في عربية مين .
وفاء :
- طيب ياختي سلام .
غادرت وفاء إلى منزلها ، وكذلك فاتن التي بعد جلوسها لبعض الوقت تستذكر دروسها دلفت إليها والدتها بهدوء وهي تتمتم بتساؤل :
- يوه .. مجهزتيش ليه يا فاتن ؟
فاتن:
- أجهز لإيه يا ماما ؟
والدتها :
- عشان تروحي فرح نرمين بنت خالك .
فاتن :
- لا أنا مش عاوزة أروح ، انتي عرفاني مبحبش الدوشة والزيطة .
والدتها :
- لا يا فاتن لازم تروحي، لا أنا ولا أبوكي رايحين ، انتي تسدي مكاني أنا وأبوكي وتكوني جنب بنت خالك .
فاتن :
- يا ماما مش عايزة .
والدتها برجاء :
- عشان خاطري يا فاتن .. اطلعي وهتفرحي والله ، وبعدين مش وفاء بنت عم نرمين رايحة ؟ يعني أهي صحبتك وتفرحوا مع بعض .
فاتن وهي تزفر بضيق :
- طيب يا ماما .. هتصل بيها وأشوف الدنيا .
خرجت والدتها لتقوم فاتن بمهاتفة وفاء التي صرخت من سعادتها بقدوم فاتن لتدلف والدتها إلى الغرفة وهي تتمتم :
- إي يا بت في إيه ؟
وفاء :
- مفيش ، أصل فاتن مكنتش ناوية تيجي الزفة والفرح وأمها أقنعتها وهتيجي .
والدتها ببعض القلق :
- ما بلاش يا وفاء الزفة دي .. إحنا حضرنا الحنة إمبارح .
وفاء بإصرار :
- لا يا ماما طبعًا مينفعش ، دي بنت عمي بردو ولازم أحضر .
والدتها :
- ربنا يعديها على خير بس .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
كانت تقف في جانب ما من صالون التجميل وهي تتحدث إلى أخيها في رجاء متمتمة ببكاء :
- والله لو ما جيت يا محمود لهلغي الفرح وكل حاجة ، وإنت عارفني .
محمود من الجانب الآخر :
- خلاص بقى يا نرمين في إيه ، هجيلك بكره الصبح مع أمي وأبويا .
نرمين ببكاء :
- عيزاك جنبي يا محمود ، يا نهاري عليك ، هتسيبني يوم فرحي لوحدي يا محمود ، اخص عليك بجد والله .
محمود بتنهيدة :
- خلاص يا زفتة ، خلاص جاي .
نرمين :
- حبيبي والله العظيم .. يارب ما يحرمني منك أبدا يا حودة ، يلا هستناك بقا .. سلام .
أغلقت معه وهي تزفر بارتياح ومن ثم جلست أمام متخصصة التجميل التي تقوم بتزيين العروس وبدأت برسم ملامح نرمين بدقة واحترافية ، ومن حولها صديقات نرمين اللاتي يقُمن بالتقاط الصور في سعادة .
بينما على الجانب الآخر ..
تم توزيع الشباب على السيارات التي ستخرج من المدينة حيث يحيا أهل نرمين وتتجه إلى القاهرة حيث العروس التي يتم تزيينها هناك .
استقل خالد سيارته ومعه كل من والده ووالدته وصديقه المقرب حسام وكذلك أخته الصغرى رحيق .. بينما أهل نرمين فقد استقلوا سيارة ميكروباص لما يحملونه معهم من عشاء سيذهب لمنزل ابنتهم .
في حين استقل أحد أصدقاء محمود سيارته واستقل أحمد ابن عم خالد إلى جانبه وبرفقتهم بعض الشباب اللذين لم يرتح قلب أحمد لهم على الإطلاق .. لكن ما باليد حيلة .
بينما استقل محمود الأخ الذي يصغر نرمين بعامين سيارة أحد أهل منطقته والتي تتمثل في خمسة من الركاب وإلى جانبه صديقه حسني ومعه ابنة عمه فاتن وابنة خاله وفاء والأخ الأصغر لوفاء والذي لا يزال في الصف الثالث الإعدادي ، وهناك سيارة أخرى تمتلئ بالشباب اللذين سيقومون بالزفة لجعلها زفة التاريخ .
لم يكن يدري أيًا منهم أنها ستكون حقًا زفة التاريخ ، لكن بعكس ما يتوقعونه تمامًا .
انطلق خالد بأهله وكذلك انطلق أهل نرمين ، ومن بعدهم بدقائق تحركت سيارات الشباب .
كان الطريق يشهد على أصوات الغناء والموسيقى العالية وتصفيق الشباب الحار ، وخروج رؤوسهم عن زجاج السيارات وهم يصرخون ويصفقون ، والسيارات تتراقص والأبواق تعلُ أصواتها لتتشاجر مع أصوات المهرجانات التي تعلُ ضرباتها حتى كاد الطريق يتصدع من قوتها .
كانت السيارة التي يركب إليها أحمد ابن عم خالد تتراقص بشكل مخيف بالنسبة لأحمد الذي قرر أن يرحم نفسه من تلك المخاوف التي يُحييه بها هذا السائق الذي يخرج برأسه من الزجاج تارة ، ويأخذ أنفاسًا قوية من سجائره تارة وهو يتحرك في مقعده بصياح مع صوت الأغاني التي تتوالى من هذا المسجل اللعين .
قام بمهاتفة خالد ابن عمه وأخبره أنه يود تغيير السيارة التي يستقلها ، فقام خالد بدوره بمهاتفة محمود نسيبه والذي وافق على أن يستبدل صديقه حسني مقعده مع أحمد .
توقفت السيارتان وخرج أحمد وهو يتمتم بالشهادة لكونه إنتهى من هذا الرعب الذي يحياه مع ذاك المجنون ، لم يكن يدري أن قدر الله نافذ ، وأنه وإن كان في فراشه فسيأتيه قدره لا محالة .
تحركت السيارات من جديد ، ولا يزال ذاك الأبله يتراقص بسيارته ، وفجأة !!!! ومن دون سابق إنذار .. حدث ما لم يكن متوقع .
انحدرت السيارة التي تتراقص إلى جانب الطريق ، لكن حاول سائقها أن ينتشلها سريعًا عن الجانب الرملي ، وأثناء محاولته للصعود إلى الطريق تلامست مقدمة سيارته مع مؤخرة السيارة التي صعدها أحمد للتو ، ليختل توازن السيارة الأمامية ، وقبل أن يستوعب محمود سائق السيارة الأمامية ما يحدث التقطت عيناه ذاك الميكروباص الآتي معاكسًا له ، وفي أقل من ثانية كانت السيارة تتطاير على الطريق براكبيها والميكروباص قد انقلب عدة انقلابات ، ليتحول الطريق الذي شهِد على الغناء والفرحة إلى طريق مُلطخ بالدماء ، وما كان يشهد على صرخات السعادة أصبح يشهد على نواح الحزن .
كان التوقيت تحديدًا حينها هو الرابعة والنصف ، بدأت السيارات المارة في التوقف لرؤية ما حدث ، وتم حضور الشرطة والإسعاف ، كانت السيارة المتراقصة بما فيها هي الناجية ، بينما السيارة التي تحمل أحمد ومحمود وكذلك وفاء وفاتن هم من لقوا حتفهم .
تم نشر الخبر بسرعة البرق وذلك عن طريق مواقع التواصل الإجتماعي ، وقد وصل الخبر لتلك التي انقلب حالها للنقيض تمامًا وهي تستقبل خبر فقدانها لأخيها ، لا .. لم تفقده .. هو لم يكن معهم .. لم يكن معهم .. هي لم تُصر على مجيئه من الأساس .. هو لا يزال بمنزلهم ولم يأتي .. لا يزال حزينًا لفراقها .. فراقها ؟!!! من فارق من الآن ؟.. لا لا .. لن يفترقا .. لن يحدث .
لم تكن تدري بنفسها وهي تجذب قماش الفستان الذي تقطع واهترء بفعل يدها ، لم تكن تدري بصرخاتها التي تملأ المكان ، لم تكن ترى وجهها الذي أصبح كلوحة فنية مختلطة ألوانها .
حاول جميع مَن حولها أن يهدءوا من انفعالها وصرخاتها ، لكن لم يستطع أحد منهم ، قامت بكسر التاج بين يديها ، وجعلت من فستان زفافها خرقة بالية لا نفع منها بعدما تقطع ، بقيت تصرخ حتى فقدت وعيها بينهم ، ليحملنها إلى أقرب مستشفى على الفور .
في حين عاد خالد أدراجه حيث تم الحادث وهو يدعو الله ألف مرة بداخله أن يكون الحادث بعيد كل البعد عن سيارات زفتهم .. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن .
تم حصر عدد الوفيات ، ليتبين لهم أنهم خمس أفراد من نفس المدينة بالإضافة لأحمد ابن عم خالد ، وعشر أفراد بالسائق من الميكروباص الذي تمت معه الحادث .
كانت زفة التاريخ بحق ..
ذهبت روح فاتن التي رفضت أن تؤدي فرضها في الصباح ، ورفضت أن تستمع لنصائح والدتها التي لا تريد من الدنيا سوى أن تكون ابنتها على الطريق الصحيح .
ذهبت روح وفاء التي كانت تصفق وتغني مع المهرجانات دون أن تهتم لكونها من أعظم المحرمات .
ذهبت روح محمود ..
وذهب أحمد الذي ظن أنه يهرب من قدره .
حلقت أرواحهم ، وستُبعث يوم القيامة على ما ماتت عليه ، ستُبعث على عبث ، على غناء وملهى ، ستُبعث على ما هو دون رضا الله عما يحدث من ملهاة دون رقيب أو حسيب .
هذا لم يكن كل شئ فحسب ...
فصديقات وفاء وفاتن اللاتي يعرفهن من المدينة قمن بمشاركة صورهن على مواقع التواصل الإجتماعي وهن ينعينهن ويكتبن ما لا يُرضي الله من حزن على فراقهن وهن صغيرات .. ومن سرقة الموت لشبابهن .. ومن عدم تصديقهن لموت صديقاتهن وأنهن يمزحن فقط .. والكثييييير من التراهات التي تزيد الطين بِلة ..
تمت مشاركة صورهن التي تمثلت في بناطيل وحجاب لا يُصنف تحت مسمى الحجاب .
لم يسترن أنفسهن أحياءً .. ولم يسترهن صديقاتهن أمواتًا .. تلك الفادحة التي تلازم عصرًا يرى التحرر أسلوب حياة .
هكذا انتهت نرمين من سرد ما مرت به حفلة زواجها من خالد الذي أماته الله منذ عامين فقط تاركًا خلفه زوجة بلغت من العمر أرزله وفتاة تحمل ملامحه الهادئة والنقية .. كما ورثت عنه العزيمة والإرادة والسعي خلف الحلم دون تخاذل .
تمتمت بتنهيدة قوية :
- شفتوا واستحملتوا كتير أوي يا ماما .
ابتسمت نرمين بهدوء وهي تقرص وجنتها بخفة متمتمة :
- وربنا عوضنا خير بأجمل بنوتة في الدنيا .
قبلت يدها بحب وهي تتمتم :
- ربنا يقدرني واعوضك بجد يا حبيبتي .
قاطعهما صوت رحيق الساخر عند الباب :
- قومي يا ختي .. وكفاية حب وحكاوي ورانا مصالح .
تنهدت غادة بغيظ وهي تتمتم :
- عمتو هادمة اللذات ومفرقة الجماعات .
ضحكت نرمين قبل أن تقبلها غادة قبلة عميقة في جبينها وتخرج إلى وجهتها التي ستكون عندها بداية تغيير جذري في حياتها كُليًا .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
تُشير عقارب الساعة للثانية صباحًا بتوقيت القاهرة ؛ ذلك التوقت الذي يجمع بين أُناسٍ يقيمون الليل تعبُّدًا لخالقهم ، وآخرين يغطون في سبات عميق غير مدركين شيئًا عن الحياة من حولهم ؛ فهم في موتهم المؤقت ، وآخرون يبكون إشتياقًا .. وربما ألمًا أو حرمانًا .
تتعدد الأسباب ولكن النتيجة واحدة " البكاء "، ومنهم من يقف مودعًا ، وآخر مُستقبلًا ، منهم من يفكر بعمق ، ومنهم من يفكر بألم ...
بينما هنا في منزل يتسم بالبساطة والأناقة في ذات الوقت ، رغم ثراء أهل بيته ، إلا أنه متواضع بهم ، هذا الشئ الذي يُثير حفيظة ذاك الجالس فوق سور البلكون الخاص بغرفة الجلوس بصدر نصف عاري ؛ نتيجة فتحه لأول أزرار قميصه الأسود الذي يشبه خصلاته المرفوعة الغرة دائمًا ، والمصففة بعناية للخلف ، يستند بظهره إلى الحائط رافعًا إحدى قدميه إلى سور البلكون ، والأخرى تتدلى منه إلى الداخل ، يستند برأسه - الصلبة العنيدة - إلى الحائط مغمض الجفنين ، يُخفي بهما سوداوتيه ، ويمسك بين إصبعي يده اليسرى إحدى السجائر المشتعلة ، والتي كانت ولا تزال سببًا أساسيًا في شجاراته الدائمة مع والده ووالدته دون أن يستثني العائلة الكريمة .
أخرج زفيرًا قويًا معبء بدخان سيجارته اللعينة قبل أن يُلقي بها إلى الطريق .. رفع كوب الشاي الذي برد بفعل الهواء وبسبب تركه له منذ فترة طويلة .
ارتشف منه رشفتين قبل أن يلقي بالكوب بما يحويه إلى الطريق غير عابئ لكون أحدهم قد يُجرح بسبب الزجاج الذي تهشم فوق الرصيف ، خاصة أن ساكني المنازل من حولهم بها أطفال يعبرون هذا الطريق من أجل الذهاب إلى الجهة الأخرى التي يصطف بها محلات السوبر ماركت وغيرها .
أخرجه من شروده بالطريق صوت يعلم صاحبته جيدًا ، كما يعلم أن هذا الصوت سيحتد قريبًا حتى تنشب بينهما مشكلة جديدة فيترك لها المكان مغادرًا إما إلى النادي أو إلى غرفته .
- سيادتك هتفضل ترميلي في كوبايات المطبخ لحد امته ؟
كان هذا صوت سبأ ، والدة عمار الماثل أمامها في البلكون الآن .
خرج صوته المبحوح أثر حشرجة صدره بسبب الدخان الذي يدلف إلى رئتيه بغزارة دون رحمة :
- هبقى أشتري كوبايات بلاستيك أشرب فيها بعد كده ، عشان أحافظ على كوبايات المطبخ .
سبأ وتكاد تجذب خصلاتها من منابتها بسبب بروده :
- انت بتستفزني يا عمار ؟
عمار دون أن ينظر لها :
- واستفزك ليه يا ماما ؟ قلت حاجه غلط ؟!
سبأ بتنهيدة :
- عمار ، لما أبقى بكلمك تبصلي .
استدار برأسه إليها يناظرها بانزعاج منتظرًا حديثها ، لكن الصمت طال ليهتف بضيق :
- إيه ؟ الكلام خلص بدون خناق ولا إيه ؟
جذبت سبأ أحد المقاعد وجلست إليه تحاول أن تهدئ من انفعالاتها ، فقط لو تستطيع فهم ما يدور بداخله ، لو بإمكانها وضع يدها فوق جرحه لتداويه ، لو بإمكانها أن تسكن روحه كي تعطيه من بهجتها ما يكفيه ليصبح طبيعيًا في التعامل مع من حوله ، لو يعود بها الزمن فتعيد تربيته وتعطيه أكبر قدر من الإهتمام والرعاية وتنفض فكرة الإنجاب من بعده حتى يبلغ الصبية ، جميعها أمنيات تتمنى لو تتحقق ، لكنها تبقى أمنيات .
سبأ بهدوء متضرع :
- اشكيلي يا عمار .. أنا أمك ، لما تبقى متضايق تعالى اشكيلي وقولي إيه مضايقك وتاعبك ، تعالى شاركني يومك يا عمار ، تعالى اترمي في حضني وأنا حضني أوسع مما تتخيل ويساعك ويقفل عليك ، إنت ليه كده يا عمار ، ليه بتزعل الكل منك .. إنت مبقتش صغير !!
نظر لها بعينين تحملان الكثير والكثير .. لكنه سرعان ما نزل عن السور ووضع يديه بجيب بنطاله كعادة والده حينما كان في مثل عمره وتحرك خارج البلكون ، ولكن قبل أن يتخطاها تمتم بصوت بالكاد استطاعت سماعه :
- حضنك واسع ويساع الكل ، لكن مش أنا .
نزلت تلك الكلمات على قلبها فأدمته ، على روحها فأثلجتها ، على كيانها فصلبته ، على أذنيها فأصنجتها عن سماع كل ما يدور حولها من أصوات أواخر الليل وبوادر الفجر ، على عينيها فأدمعتها لتصبح الرؤية مشوشة أمامها .
سمعت باب غرفته يُغلق فخرجت شهقتها التي تلتها العبرات حسرة على ما هم عليه .
تحركت كي تتوضأ وتصلي ركعتين تناجي بهما ربها .. عله يُصلح من حال بِكرها .
بينما يتمدد هو إلى فراشه ناظرًا لنقطة ما بالفراغ ويبتسم ابتسامة تهكمية لما آل إليه حاله ، الجميع يُطالبه بالتحسن ، الجميع ملائكة بأجنحة .
صدرت ضحكة ساخرة خافتة من بين شفتيه قبل أن يغط في نوم عميق فور إعلان المآذن عن نداء صلاة الفجر .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
تثاءبت وهي تتقلب في فراشها استعدادًا للنهوض، أفرجت بدر عن بنيتيها وهي تحرك يدها داخل خصلاتها السوداء الداكنة ، وقامت بطرقعة رقبتها كالصبية ، تلك الحركة التي علمها إياها خالها وتوأم والدتها ، والذي أخذت من ملامحه الكثير حتى يظن من يراها أنها ابنته هو لا ابنة أخته ، كما توأمها بدور التي لا يستطيع أحد التفرقة بينهما بسهولة لتقارب ملامحهما بشكل مريب ، لا يميزهما عن بعضهما سوى كون بدور تمتلك غمازة في وجنتها اليمنى ، في حين أن بدر تمتلك غمازة في وجنتها اليسرى .
قفزت عن فراشها وهي تجذب المنشفة من خزانتها ، ومعها معجون الأسنان وفرشاتها وثوب الاستحمام .
خرجت لتلقي نظرة سريعة على غرفة الجلوس الفارغة قبل أن يصل إلى أذنيها أصوات صحون من المطبخ .. فعلمت على الفور أن والدتها تُعد الإفطار .
دلفت إلى المطبخ وهي تسير على أطراف أصابعها وقامت بدغدغة والدتها التي توليها ظهرها ، فشهقت بخضة وبدأت تستغفر مرارًا وتكرارًا كي تهدئ من ضربات قلبها الثائرة قبل أن ترفع نظراتها الحادة إلى بدر التي تضع يديها على فمها تكتم ضحكاتها فقامت بإلقاء الملعقة عليها ولكن تفادتها بدر لترتطم بصدر ذاك الذي أتى على صوت زوجته فتأوه ضاغطًا بيده على صدره في ألم ....
🌸 لسه الأمل موجود 🌸
عشان الناس اللي ناسيه الأبطال القدامى ..
مروان وشهد ( كان عيالهم مالك وملك ودول كانوا توأم )
مالك اتزوج سبأ ( سبأ دي بنت سالي .. واللي كانت اتعرضت لحادثة محاولة الاغتصاب في الجزء التاني من مريمية ).. ( مالك وسبأ عيالهم اللي في الجزء ده هما عمار وأصالة وسلسبيل وفجر .. اللي ليهم دور معانا هما عمار وأصاله )
ملك كانت تزوجت من سفيان ( سفيان ده كان الأخ الأصغر لمريم .. وكان طبيب نفسي .. وكان دوره كبير جدا في الجزء التاني والتالت من مريم في النصيحة والارشاد للشباب ايام المراهقة )... ( ملك وسفيان عيالهم هما بدر وبدور ودول توأم .. وكمان روضه ورضوى ودول بردو توأم .. بس اللي ليهم دور في الروايه هما بدر وبدور )
وعشان اللخبطة هما الأجزاء اللي فاتت مش هحتاج نتذكرها لأن ده جزء منفصل تمامًا .. واللي هيظهروا من القدامى هيكونوا زي ضيوف شرف .. والحقيقة في ضيوف شرف تانيين كمان من روايه تانيه بردو هيشرفوا هنا 😉🙊
غاده شخصية جديده تماما في الروايه وليها دور كبير جدا في الاحداث اللي جايه ..
كده الابطال اللي ظهروا في حلقة النهارده ( بدر وبدور وعمار وغادة )
