رواية وجوه الحب الجزء الثاني 2 الفصل الثالث
- أنين الروح .
انتقض أثنائهم في مجالسهم وهبوا واقفين عندما رأوا " سليم " يركض في اتجاه غرفته في حالة هياج غير معتادة بالمرة فهتف به " نوح " بغرابة والقلق يتأكله.
سليم...
هو ماله فيه إيه ..15 قالها وهو ينقل أبصاره بين " عزيزة " و " سليم " الراكض بسرعة كبيرة وعلامات الدهشة تكسو ملامحه.
فلوت " عزيزة " شفتيها وهي تجهل حقيقة الأمر حالها كحاله تماما تحت نظراتهم المندهشة.
وفي أقل من لمح البصر استمعوا كلاهما إلى صوت صرخات " سليم " العالية المصحوبة بأصوات تهشم لزجاج محدثا صوتا آثار الرعب في نفوسهم مما جعلهم يهرولون إليه في فرع آلا أنهم صدموا حقا من هول ما رأوا.
فكان " سليم " يقوم بقذف ورمي التحف والأنتيكات الثمينة الفزينة بها غرفته بعدما كسر
بلور المرأة الخاص بالتسريحة والدماء تسيل من يديه دون وعي أو درايه منه ، كل ذلك وهو يصرخ ويصرخ صرخات كادت أن تحدث شرحًا عميقا بداخل قلبه بل روحه بأكملها.
فاقترب " نوح " منه فسرغا محاولا السيطرة عليه وكنم دماء يداه وهو يصيح به في فلق وذعر واضحان.
سليم ، إيه اللي بتعمله في نفسك ده..؟!
إيه اللي حصل رد عليا ..؟! قالها وهو يمسك براحته وجهه محاولا جذب انتباه إلا أن طريقته لم تنجح هذه المرة واستمر " سليم " في هياجه وثورته.
فاقتربت منه " عزيزة " يقلق وهي ترى جسده يتصبب عرق بغزارة مما جعل ملابسه تلتصق بجسده وكأنها طبقة أخرى من جلده وأصبح وجهه يتوهج من شدة إحمراره و همست له بحنان
امومي خالص.
مالك يا حبيبي اسم الله عليك ، استعيذ بالله من الشيطان الرجيم واستهدى بالله كده وانت هتبقا كويس صدقني...
" سليم " بصراخ ونحيب وهو يمسك بيديه موضع قلبه بوجع ناظرا إلى الأعلى وكأنه يتحدث. مع الله وكأن المكان ليس به سواه مع خالقه وهو على يقين بأنه قريب يسمع لاتينه ويشعر بالامه.
اااااااااه ، حیووواااااان غبااااااااااي غبي ...
" عزيزة " بلهفة وقلق وهي تقترب منه واضعه يديها على كتفه بحنان تتلاعب بها الأفكار هنا
وهناك تخشى كثيرا عليه من ثورته تلك.
يا حبيبي فيك إيه بس ده انت خارج زي الفل إيه اللي صابك ..؟!
ثم أضافت وهي تتحسس وجهه بلهفة وقلق أكبر.
يوووووه ده انت مولع نااااار يا كبدي ...
" سليم " بصراخ وهو يتجاهل وجودهم وكأنه بعالم آخر فقد بداخله شعوره وإحساسه بمن حوله.
اااااه مش بايدي ياااااااااارب مش بايدي ده غصب على صدقتي...
اااااه يا أمي ياااااااارب ااااه...
انا خونت عهدی با صولااااااا اهي اهي ...
فأكمل وهو يحادث ربه في انهيار شديد وعيناه تنظر إلى الأعلى وكأنها تبحث عنه بعيناه. أنا مش و...... يارب هما اللي غصبوني على ده هما اللي أجبروني ياااااارب ....
فادرك " نوح " للتو أن الأمر يتعلق بحقيقة أبيه وهمس له وهو يقترب منه بحنان ليجذبه إلى
الفراس برفق.
تعاااااالى ، تعاااالى يا حبيبي ريح جنتك حبه ده أنا عمري ما شوفتك في الحالة دي أبدا... فابتعد عنه الأخير كمن لدغة عقرب ملكما ليديه في عرض الحائط بقوة وعنف كبيران غير مكترثا لدمائها والعبرات تتساقط من عيناه بغزارة مما دفع " نوح " إلى اجتذابه إليه بغضب محاولاً تلجيم حركته والسيطرة عليه حتى لا يؤذي حاله أكثر من ذلك مع استمرار حركاته العنيقة المقاومة لاجتذاب الأخير له تزامنا مع نيرته التي يغلب عليها الصراخ.
سيبني يا نوووووووح ...
يا نووووووح سيبني بقولك....
سيبنااااااااي ... صرح بها ومن ثم سقط بين يديه فاقدا للوعي تماما.
فأسرع " نوح " في الإمساك به بقوة وما أن سقط فاقدا للوعي والمنطق حتى ضربت " عزيزة
" على صدرها بقوة وهي تصيح وتقترب منه حاملة رأسه بين يديها بهلع.
- يا لهووووووي ، إسم الله عليك يا ضنايا ، إسم الله عليك يا حبيبي ...
" نوح " وهو يهتف في " عزيزة " بنبرة يتأكلها القلق.
روحي اطلبي نمرة سليمان قوليله يجيب أي دكتور ويجي حالا عبال ما ارفعه على فرشته
والغير له هدومه ...
فانصاعت إلى حديثه وهتفت وهي تؤمي له برأسها سريعا.
- حااااااضر ... قالتها وهي تهم بالرحيل لتفعل ما إملاه عليها للتو.
وبعد مرور نصف ساعة خرج الطبيب من الغرفة بعدما قام بالازم من اجله ومن ثم لحق به كل
من " نوح " و " سليمان " وظلت " عزيزة " بالداخل تضع له ( الكماد ) كما أمرها الطبيب وما
أن أغلق " سليمان " باب الغرفة حتى هتف إلى الطبيب بقلق ينهش صدره.
طمني يا دكتور ارجوك سليم فيه إيه ..؟!
الطبيب بعملية شديدة.
- يهمني قبل أي حاجة أعرف الحالة دي انكررت قبل كده ولا دي أول مرة ..؟!
" نوح " والقلق يسيطر على كل خلية به.
لا دي أول مرة ، سليم زي الفل وعمره ما اشتكى من حاجة ...
هي إيه العبارة يا دكتور طمني أنا قلبي متوغوش عالواد...؟!
الطبيب برسمية.
أستاذ سليم بيعاني من انهيار عصبي حاد وللأسف الواضح قدامي أنه اتعرض لضغط نفسي
وخافض للحرارة لأن عنده حمه شديدة.
وعصبي كبير الفترة اللي فاتت جسمه مقدرش يتحمله عشان كده أنا كتبتله على شوية مهدئات
" نوح " بذهول وعدم الصديق.
انهيار عصبي وحمه ..؟
ثم تابع بذهول أكبر وهو يضرب كف على الآخر.
ربي لا اسألك رد القضاء ولكني اسألك اللطف فيه...
أقول لأمه إيه لما ترجع ، سترك يارب..؟!
" سليمان " بقلق.
طب بالنسبة لوضعه دلوقتي يا دكتور هيفوق أمته وتتعامل معاه إزاي ..؟!
الطبيب بعملية.
هو دلوقتي تحت تأثير المهدء هيفوق عالضهر كده بس طبعا مش محتاج أقول الأدوية في ميعادها وياريت تبعدوه عن أي توتر وضغط عصبي الفترة دي وبلاش عصبية وعليكم بالتغذية
ثم التغذية يا جماعة وربنا يطمنكم عليه أن شاء الله.
" نوح " وهو يصافح الطبيب برقي وامتنان
ألف شكر يا دكتور تعبناك معانا في وقت متأخر زي ده...
الطبيب بسعة صدر.
لا شكر على واجب يا سيدي إحدا في الخدمة أي وقت....
نوح " وهو يوجه حديثه إلى " سليمان " بحتو.
مع الدكتور يا سليمان وخلي حد يوصله مكان ما يؤمر...
فأطاعه " سليمان " على الفور وقام بإيصاله إلى البوابة ومن ثم رافقه السائق بسيارة " نوح
" الخاصة ليصله كما أمره سيده.
وبالداخل اجتمع ثلاثتهم حول الفراش حيث كانت " عزيزة " تجلس إلى جواره تقوم بوضع ) الكماد ) أعلى جبهته لكي تنخفض حرارته وعيناها تفيض بالحزن على حالته فهي دوما ما كانت. ترى فيه صغيرها وتدعو من المولى أن يحفظه لوالدته من أي مكروها قد يصيبه. وبالمقابل
يجلس " لوح " مستندا برأسه على راحته وهو يميل بجسده نحو " سليم " يتساءل كيف له أن يواجه " أصالة " عند عودتها ومعرفتها بذلك الخبر المتوم ..؟!
كيف سيكون وقع الخير على عاتقيها ، وكيف ستتقبله وتتعامل معه فصغيرها كان بعهدته وأمانته والآن اكتشف أن الأمانة قد خرت من بين يداه ..؟!
يلوم نفسه وبشدة على ما أصاب صغيره لكن يظل ذلك السؤال يطارده ، كيف حدث معه هذا ولماذا ؟!
لكنه عجز عن إيجاد إجابة له إلا أن شكوكه كانت تتمركز حول شيئا واحد فقط ألا وهو عائلة ) نجم الدين).
أما عن "سليمان " فكان ينظر من الشرفة يتابع شروق الشمس داعيا المولى عز وجل لتنجلي تلك الغمة عن رفيق دربه بل أخيه الذي لم تلده ( أمه ) ووالدته الأيام والمواقف. استمر الوضع هكذا لمدة ساعتين والحزن والشجن يعمان أرجاء المكان ولم يقطع ذلك السكون إلا صوت " نوح " وهو ينظر بساعة يديه نظرات يملؤها القلق وتابع بنيرة هادئة وكأنه يهمس بحذر.
" عزيزة " يقلق وتعاطف كبيران.
يا كبدي عليها متلاحقها منين ولا منين بس كله كوم ووجع الضنا ده كوم تاني اسألوني أنا ...
" سليمان " بهدوء ورزانة رغم حزنه البادي على معالمه.
- خليكم انتم جميه وانا هاخد العربية وهروح المطار اجيبها وهحاول امهد ليها الموضوع واحدة
واحدة ...
" نوح " باستحسان.
- فكرة حلوة ، بس أهم شي الهدوء وطمنها أوعى تفجعها يا سليمان لأحسن دي ممكن يجرالها حاجة وخد بالك لحد ياخد باله كده ولا كده أنت فاهم... نطق بها بتحذير شديد ونبرة ذات. مغزى قد فهمها الأخير جيدا وعلم أن المقصد هو " مراد " وليس سواه.
" سليمان " وهو يهم بالخروج بعدما التقط علاقة المفاتيح الخاصة به وهاتفه من أعلى الطاولة بعجالة.
متقلقش معرف أتصرف أن شاء الله ...
وما أن غادر الغرفة بأكملها حتى ضرب " نوح " بكفيه غير قادر على تصديق كل ما حدث خلال
الساعات القليلة الماضية وتابع بقلة حيلة.
الله الأمر من قبل ومن بعد...
استرها یا ستااااااار...
على الجانب الآخر كانت " أصالة " قد وصلت إلى أرض وطنها الحبيب ( مصر ) بصحبة " فراد " ولكن الغريب في الأمر أنها لم تتذكر أي حديث قد وقع في ليلة أمس وكيف صعدت إلى عرفتها والأفكار تتلاعب بها هنا وهناك فهي قد فاقت وهي ترتدي لنفس ملابسها مما آثار ريبتها علاوة على ذلك تشعر بالصداع الشديد والألم الذي يفتك برأسها ولكن الغريب في الأمر هو تحاشي " مراد " لحديثه لها إلا أن نظراته إليها بها شئ لم تعتادة من قبل ، نظرات عجزت عن ترجمة معانيها لكنها كانت تستشعرها جيدا وكأنها كالسهم يصيب بصميم قلبها ، وعلى الرغم من تجاهلها لنظراته إلا أنها كانت تتابعها خلسة دون أن يتفوه أيا منهم للآخر ينصف كلمة ، أما عنه فكان بداخله الآلاف المشاعر والأفكار التي تتلاعب به دون هوادة مشاعر كثير تتقاذف بداخله بين الحزن والألم والوجع والخسارة.
ها هي حب حياته وستون غمره الماضية والقادمة بأكملها تجلس أمامه ولكنه لا يستطيع التعرف على حقيقتها أو فهمها.
فإذا كانت حقيقتها ما قد جذبه لعشقها فهو حقا بعشقها وإذا كانت حقيقتها كما تصور له منذ
سنوات فحجم الألم الذي بداخله يكبر بمراحل حبه وعشقه لها، أما إذا كان كل ما مضى من سنوات عمره مجرد خدعة فياويل قلبه من الألم والندم الذي سوف يتأكله دون شفقة حينها
سيضيع من بين يديه كل شئ ولن يبقى معه سوى سراب
سراااااااب فقط..!
ظل هائما بأفكاره وهو ينظر إليها دون وعي أو درايه منه إلى أن هبطت الطائرة وفاق على صوت المضيفة لتنبه بضرورة ارتداء حزام الأمان حينها استفاق ووعى على حالته وخطت قدماهم بعد ذلك رمال ( القاهرة ) فقام على الفو يسحب حقيبته وانصرف دون ينبت لها بأي كلمة مما آثار حنقها وغيظها الشديد ودفعها لتفسر ردود أفعاله تلك على أنه كان يريد تلك الفرصة ليتخلص من مصاحبتها والقرار من أمامها وعند تلك النقطة شعرت بخيبة الأمل وكأن قلبها قد انكسر مجددا وهي تتخيله يعود إلى غريمتها لتستقبله بالأحضان والأشواق مما جعل الغيرة تنهش صدرها حتى أصبحت كالنيران تماما لكنها تغلبت على مشاعرها وتحكمت في عبراتها وسحبت حقيبتها وخرجت على الفور لتجد " سليمان " في انتظارها مما اثار غرابتها لكنها قابلته بترحاب أمومي شديد ومن ثم استقلت السيارة إلى جواره لينطلقوا في طريق العودة إلى المنزل واثناء حديثهم عن سبب حضوره لإيصالها بدلا من صغيرها حتى أخذ الأخير يروي عليها مقتطفات بطريقة متمقة ، مرتبة مطمئنة ولكن وقع عليها الخبر كالصاعقة تماما مما جعل الدماء تهرب من بين أوردتها رغم أنه طمئنها كثيرا عن صحته إلا أن قلب الأم يظل هكذا يقلق ويقلق حتى تطمئن بنفسها، لم تدري كيف ومتى وصلت السيارة إلى المنزل ولكن كل ما تعلمه جيدا كيف هبطت منها مسرعًا وتوجهت مباشرة وهي تركض إلى غرفة صغيرها حتى أنها لم تسمتع إلى حديث " عزيزة " و " نوح " اللذين هتفوا به فور رؤيتها وهم يهنئونها على
عودته سالمة ويحمدون الله على ذلك. لكنها لم ترى ولم تسمع سوى صغيرها الرائد أعلى فراشه. يتصبب عرقا ويأوي وبأنه من الألم. فهبت " عزيزة " واقفة عندما اقتربت " أصالة " بلهفة لتجلس إلى جوار اينها تقبل كل أنش به بهوس ( أم ) قلبها ملكوم، لا تستطيع وصف مشاعرها الأحد لكن عبراتها هي من تتحدث وتسقط من عيناها كحبات اللؤلؤ الفتناثر على وجه صغيرها
وهي تهمس من بين عيراتها بقهرة.
سلامتك يا نور عيني...
سلامتك يا روحي أن شاء الله أنا وأنت لا....
" نوح " بتأثر شديد.
عشان خاطري يا صولا أهدي الدكتور طمنا وأن شاء الله ساعات وهيفوق وهيبقا عال ، اطمني يا بنتي ..!
" أصالة " بتعقل وهي تعود لتحاول التحكم بمشاعرها.
- إيه اللي حصل ..؟!
إيه اللي وصله لحالته دي..؟!
" عزيزة " يحزن.
ده كان زي الفل ونازل يا حبة عيني لابس ومتانتك باكش بس عين و صابته ...
" نوح " بخجل.
والله يا صولا كان كويس ومحصلش أي حاجة أنا كنت قاعد مستنية وأول ما رجع جرى على أوضته من غير ما يتكلم وحصل اللي حصل بس متقلقيش الدكتور طمنا وقالي تستمر على
الأدوية وتهتم بتغذيته وصحته هتبقا عال ...
" أصالة " وهي تضيق عيناها وتنظر إلى " سليمان " بشك.
سليم مقالكش أي حاجة قبل ما يتعب ..؟!
" سليمان " بغرابة وتفكير.
- حاجة زي إيه ..؟!
" أصالة " يتلهف.
يعني كان فين أو مع مين ..؟!
" سليمان " بصدق.
خالص، أنا كل اللي أعرفه أنه كان في عشا عمل مش أكثر لكن إيه اللي حصل بالظبط أو كان مع مين معنديش أي فكرة إطلاقا...
فعادت " أصالة " تنظر إلى صغيرها يحزن وبدءت تربت على خصلاته بحنان والحزن يقطر من عيناها ومن ثم طلبت من الجميع أن يستريح وستبقى هي إلى جواره وانصرف بعد ذلك كل منهم إلى غرفته ليستريح بعد أن أصرت " أصالة " على مكون " سليمان " معهم في تلك
الأيام المقبلة حتى تتحسن صحة صغيرها علاوة على أنه ظل ساهرا طوال الليل إلى جوار
صديق ولم يستريح للحظة واحدة أو يغمض له جفن ، فظلت " أصالة " إلى جوار " سليم "
تمرضه حتى غفت سهوا دون أن تعي على حالتها من فرط انهاكها الشديد.
