رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الواحد والعشرون 

"وعلى كل حال ينبغي علينا أن نقرر بعقلنا وليس بمشاعرنا, وألا نخضع لرغباتنا, وألا تأخذنا الأنانية وننسى أن هناك أشخاص تتعلق مصايرهم بقرارتنا, ويتعلقون هم في رقابتنا, فيجب أن نفكر فيهم قبل أن نفكر في أنفسنا وما تهواه" 
وبعد دقائق كانت تخرج من الحمام بصعوبة, وجه متعرق, وجسد بالكاد يتحمل الوقوف, واتجهت لمكانه حتى أصبحت خلفه, لم تستطيع حتى أن تناديه, فسقطت على ركبتيها بتعب.. والتف هو على صوت سقوطها فُفزع وهو يراها بهذه الحالة, ليركض لها يلتقط جسدها بين ذراعيهِ, فرددت بإعياء شديد تحت جحوظ عينيهِ المرتعب:
-الحقني.. ابني... 

لم يعرف ما ينبغي عليهِ فعله, ولأول مرة يتطور للحد الذي يتوقف فيهِ عقله عن العمل, لطالما تميز بسرعة تصرفه وبدهيته, ولكن الآن.. بدى شخص أحمق للغاية, يطالعها في صدمة وقلق وهو يتفقد جسدها بطريقة لن تفيدها ابدًا! مما جعلها تهتف بخفوت:
-مستشفى.. مستشفى.. 

وقد نبهت عقله للحل! فهز رأسه بإيجاب وهو يحملها مرددًا بذعر:
-صح المستشفى.. احنا وصلنا خلاص..

قالها وهو يبصر المركب ترسي على الضفة, وتحرك بسرعة تشبه للركض أثارت قلق "مرسي" الذي ينتظره على الجهة الأخرى خاصة وهو يحملها بين ذراعيهِ هكذا, أشار له برأسه يصرخ بهِ ما إن اقترب من حافة المركب:
-جهز العربية.. على اقرب مستشفى بسرعة.. 

ركض الأخير ينفذ أمره, وأصاب رِجاله حالة من الاضطراب جعل كل شخص يأخذ مكانه في استعداد للانطلاق... 

وضعها في السيارة واستقر جانبها في الخلف, وتولى سائق أخر القيادة يجاوره "مرسي", اراحها على صدره وهو ينظر لوجهها بخوف حقيقي يسأل بعصبية بالغة:
-اقرب مستشفى باقي عليها قد إيه؟ 

أجاب "مرسي" بعدما تفقد هاتفه سريعًا في البحث:
-10 دقايق يا باشا بسرعتنا.. 

وبالطبع ستبلغ النصف ساعة إن كانت السرعة متوسطة, خطر بعقل "شاهين" خطورة السرعة عليها, فلعن من بين أسنانه وهو بين شقي الرحى, لا يعرف أيهما أسلم حلاً.. لكنه أردف بالأخير محدثًا السائق:
-متزودش عن سرعة 120.. وخد المطبات بالراحة.. الهانم حامل. 

ظهر الاندهاش على "مرسي" لوهلة قبل أن يردد بطاعة:
-قلل السرعة يا بني.. تلت ساعة ونوصل يا باشا. 

-فيروز؟ 
رددها يختبر إن ما كانت مازالت في وعيها أم لا, لتفتح عينيها بضعف تقول:
-كويسة.. 

مرر بصره عليها بتوتر وقلق وسألها بعدم فهم:
-فيكِ إيه؟ إيه اللي حصل؟ 

اغمضت عينيها بإرهاق بالغ وهي تشعر بخدر في كامل جسدها وهمست:
-مش عارفة.. 

---------------- 
في أحد المستشفيات القريبة.. 
خرج الطبيب من غرفة الفحص ليبصر زوجها يتحرك كمن يتحرك على جمر من النار, قلقه وخوفه كان ظاهرًا منذُ أتى بها, لدرجة أنه لم ينتبه لباب الغرفة الذي فُتح, اقترب منه الطبيب أكثر لينتبه له أخيرًا فيتحرك نحوه الخطوة الفاصلة يسأله:
-هي... 

-ممكن تهدى! يعني لو هي قلقانة انتَ بقلقك ده هتخوفها, مفيش داعي لكل القلق ده.

قاطعه الطبيب مبتسمًا في هدوء, ليستمر قلقه وهو يسأله:
-يعني هي كويسة؟ حصل إيه؟ 

رد الطبيب بنهج فكاهي يتبعه في مثل هذه الحالات للتخفيف من توتر المرضى وذويهم, فنظر له كأنه يتوقع سرًا خطيرًا وقال: 
-شكل ده اول حمل للمدام, هو احنا كده بيبقى قلبنا خفيف مع اول عيل, لكن بعد كده تبقى بتصرخ جنبك من الطلق وانتَ اللي تقولها لسه بدري لما تقربي تولدي صحيني. 

لم يستجيب "شاهين" لفكاهته, ودلت ملامحه على الصرامة ونفاذ الصبر, فحمحم الآخر يكمل:
-هي كويسة وزي الفل, واللي حصل ده عادي جدًا يحصل خصوصًا إنها لسه في بداية الحمل, بس عندي سؤال.. هي كلت حاجة من فترة قريبة؟ 

وفورًا خطر على باله الكبدة مجهولة المصدر التي أصرت على تناولها فأجاب:
-من كام ساعة كده كلت سندوتش كبدة مقلية. 

هز الطبيب رأسه بعدم رضا:
-طيب هي الكبدة عمومًا مش صحية ابدًا للحامل, وبنسمح بيها بكمية صغيرة اوي, يعني ممكن قطعة واحدة كل شهر.. لأنها غنية جدًا بفيتامين A, وده مش صحي للطفل وممكن يعمل لا قدر الله تشوهات لو اتاكلت بكمية كبيرة, وفي ناس بيحصلها زي اللي حصل للمدام لما نسبة الفيتامين بتعلى في الجسم.. دوخة, وتعب عام, ومغص بسيط, وقيء.. وبتختلف الاعراض من جسم للتاني, بس للحذر بلاش تاكل الكبدة نهائي لحد ما تولد بالسلامة.. بس وانا بكشف عليها لاحظت حاجتين.. اولاً في حركات عصبية لا إرادية صادرة منها رغم إنها فاقدة الوعي.. وثانيًا ضغطها عالي.. كان في ضغط نفسي اتعرضت له؟ 

اومأ برأسه دون حديث, ليكمل الطبيب:
-عمومًا نحاول على قد ما نقدر نبعدها عن الضغط النفسي, الضغط العالي مشكلة كبيرة ومش عاوزينه يعلى عندها كتير, وبعدين العصبية والتوتر والزعل أعداء الحمل, خصوصًا في بدايته. 

-وإيه الوضع دلوقتي؟ 

-هي تمام, هتقعد معانا ساعتين او 3 نظبطلها الضغط وتعلق محلول مقوي, وبعدها تقدر تخرج. 

-------------- 
فتحت عينيها ببطء لشعورها ببعض الدوار, وادارت رأسها يمينًا وهي تشعر بنفس أحد يجاورها وكف يمسك كفها بحنو, قابلت وجهه وهو يجلس فوق الفراش ممسكًا بكفها بين كفيهِ ينظر لها دون أن يحيد, لتسأل فورًا بقلق:
-إيه اللي حصل؟ 

هز رأسه بهدوء:
-متقلقيش, انتِ كويسة. 

لاحظ كفها الذي وُضع فوق بطنها فورًا, ونظراتها تموج بالخوف, ليضع كفه فوقه وهو يكمل:
-هو بخير متخافيش. 

تنهدت تنهيدة قوية براحة وهي تغمض عينيها لوهلة, وكأن روحها رُدت إليها, ثواني قليلة وخرجت شهقة منها ولا يعرف متى بدأت في البكاء بهذه الطريقة, مال بجسده عليها سريعًا يحيط وجهها بكفيهِ يمسح دموعها برفق:
-في إيه طيب؟ انتوا كويسين والله بتعيطي ليه؟ اهدي يا روزا.. اهدي يا حبيبتي كده غلط الدكتور قال بلاش انفعال. 

نظرت له بمقلتيها المليئتين بالدموع, وردت من بين شهقاتها:
-لما.. لما وقعت.. فكرت إني.. إني هصحى مش هلاقيه, كنت خايفة اوي.. انا حسيت بالممرضة وهي بتعلقلي المحلول قبل مانتَ تدخل.. بس.. خوفت اسألها.. خوفت تقولي إنه راح مني.. 

اقترب بجسده ورفعها لتصبح في حضنه, يحيطها بقوة ورأسها الموضوع على صدره لم يبخل على قميصه بالدموع, اغمض عينيهِ بقوة, كيف يخبرها أنه كاد يموت قلقًا لنفس السبب؟ كيف يخبرها أنه شعر بالطبيب فور فتحه لباب الغرفة لكنه لم يقوى على سؤاله, خشى أن يخبره بما ليس مستعدًا لسماعه ابدًا, حاله لا يختلف عن حالها ابدًا, بل وهمه هو همين, فقد أكله الخوف عليها وعلى طفله. 

-الحمد لله هو كويس وانتِ كويسة, اهدي بقى عشان خاطري.. شوفتِ الطفاسة وصلتنا لفين, الدكتور قالي إن اللي حصلك بسبب الكبدة اللي كلتيها. 
ابتعدت عنه برأسها تسأله كالطفلة التي لا تصدق أمها:
-بجد؟ 

اومأ بتأكيد وهو يمسح وجهها من الدموع:
-بجد, وضغطك كمان علي شوية, فيروز انتِ عاوزه ابننا؟ متمسكة بيه يعني؟ 

قطبت ما بين حاجبيها مستنكرة وحدقته بأعين نارية:
-إيه اللي بتقوله ده! ايوه طبعًا, هو ده سؤال!؟ انا كنت هموت عشان بس تخيلت انه اتأذى. 

-بعد الشر عليكِ. 
قالها وهو يقبل جبهتها بحنو, وابتعد يخبرها بجدية:
-طيب لو بتحبيه وخايفه عليه, حاولي تبعدي عن أي انفعال او زعل الفترة دي, عارف إن الزعل مش بإيدينا, بس على الأقل بلاش انفعال ومجهود وعياط.. 

وبحديثه أعادها لِمَ عرفته قبل وعكتها الصحية, فنئت بنفسها بعيدًا عنه تسحب جسدها للخلف تاركة لحضنه قسوة الهواء البارد بعد ابتعادها وقالت وهي تنظر للجهة الأخرى:
-محدش هيخاف على ابني زيي, وانا فعلاً هبعد عن الانفعال والزعل.. انا قررت خلاص. 

سألها بتوجس من نبرتها وحديثها:
-قررتِ إيه؟ 

نظرت حولها تقول بجمود:
-ده مش مكان مناسب للكلام. 

زفر أنفاسه قبل أن يقول بندم وحزن:
-انا اسف.. عارف إني اختارت الوقت الغلط عشان اعترفلك فيه, بس.. غصب عني.. لو بإيدي مكنتش قولتلك دلوقتي في وضعك ده. 

لم تفهم لِمَ اختار هذا الوقت تحديدًا, ولم تفهم معنى جملة "غصب عني" التي نطقها, لكنها لم تغفل عن اعتذاره النادم, وشيء ما بداخلها هدأ.. يكفي ان يعتذر, المغرور يعتذر.. 

-لو هتتكلم عن التوقيت الصح كان لازم يكون قبل جوازنا.. بس اول مرة اسمعك بتعتذر لحد.

ابتسم ابتسامة واسعة رغم أنها لم تصل لعينيهِ وكأن الاحداث التي توالت على مر الساعات السابقة تركت مزاج سيء له:
-انتِ مش حد.. انتِ حبيبتي. 

-انا هنام..
قالتها بوجوم, وتسطحت فوق الفراش تعطيه ظهرها تهرب من الحديث معه ومن رؤيته ومن أي شيء يخصه, شعرت بكفه تتحرك على خصلاتها فأصدرت صوت معترض من حنجرتها وقالت دون ان تلتفت له:
-الاه! وسع ايدك. 

أتاها صوته الهادئ ومازال مستمر فيما يفعله:
-نامي يا روزا.. استرخي يا حبيبتي ونامي. 

والتزمت الصمت وهي تغلق عينيها محاولة منها للنوم فعلاً كي لا تفكر في شيء, فتحزن وتنفعل فتأذي طفلها الحبيب. 

همس بمرار بعد أن شعر باستكانتها:
-نامي باين الأيام الجاية مش شايلة خير. 

---------------
في شقة مازن...  
-خلاص يا مازن اهدى عشان خاطري.

قالتها "ليلى" وهي تحاول منذُ ساعة كاملة أن تهدأ من غضبه وانفعاله, بعد الموقف السخيف الذي تعرضا له مع طليقها "معتز", رد بانفعال:
-انا مش عارف وقفتِ بينا ليه, والله كنت هطبقله وشه. 

أجابته بتعقل:
-يا حبيبي مش عاوزين مشاكل, متنساش إن في طفل بينا, وهو لو عَند هيرازينا, أصلا مش عارفه اعمل إيه لو رفع قضية ضم حضانة إياد له, انا مش هقدر أعيش بعيد عنه يا مازن. 

قالت جملتها الأخيرة بصوت مرتعش, وباشرت البكاء, خوفًا من أن ينفذ "معتز" تهديده ويضم الطفل له بعد زواجها, ضمها "مازن" لحضنه وهو يقول يطمئنها:
-اهدي, انا هتصرف, اكيد مش هسيبه ياخده, باين عليه مجنون اصلاً ومش قد المسؤولية. 

-معتز عنيد جدًا, وغشيم, ولو حط الموضوع في دماغه مش هيسكت غير لما ياخد إياد. 

قال في غضب:
-إن كان على العند انا اعند منه, وإن كان على الغشم اهو شاهين اغشم من بلده بحالها, واهم حلاليف زي بعض. 

ضحكت بخفة على قوله, لتعقب وهي تضع رأسها على كتفه باستكانة:
-خد بالك لو سمعك هيزعلك. 

هدأ قليلاً وهو يقول:
-بكلمك جد, انا هشوف حل معاه بأي شكل, حتى لو هدخل شاهين معايا في الموضوع, رغم إني عارف لو اتدخل هيعمل إيه. 

-هيعمل إيه؟ 
سألته بفضول, ليرد بتهكم:

-هيعمل منه فراخ بانية. 

علت ضحكاتها وهي تلكزه في جانبه برفق, ليضحك هو الآخر بيأس وقال:
-مش بعيد يقتله والله...مش بقولك غشيم! ولا اقولك انا هبعتله الواد غسان, اهو ده بقى اللي هيخلص معاه من الآخر. 

ابتعدت تنظر له بقلق تقول:
-صحيح فكرتني, هو انا ليه بحس غسان ده طالع من فيلم ما"فيا اجنبي. 

-لا يا شيخة مش لدرجة الما"فيا يعني, بس هو تحسيه بلطجي, على مجنون, على صايع, على بتاع ستات.. كوكتيل كده يخليكِ ترجعي. 

ضحكت عاليًا حين أُضيء هاتف "مازن" بالرنين وأبصرت اسم "غسان" على شاشته, فأشارت ضاحكة:
-وبييجي على السيرة.. 

------------- 
في فيلا العقرب..

وضعها على الفراش بحرص بعد أن وصلوا للمنزل, طوال الطريق كان الصمت هو سيد الموقف, ولم يريد أن يضغط عليها بالحديث عنوة, ولحسن حظه حين عاد وجد الهدوء يعم الفيلا, إذًا فوالدتها نائمة..

نظر للساعة ليجدها تدق الثانية عشر ليلاً.. 
فعاد بنظره لها يخبرها:
-هبلغ صفاء تعملك اكل خفيف عشان العلاج. 

لم ترفع نظرها له وهي تقول بجمود:
-شوربة لسان عصفور بس.. انا مش قادرة اكل حاجة. 

اتجه لهاتفه يبلغ "ًصفاء" بما ارادت وأخذ ملابسه واتجه للحمام ليستحم في محاولة أن تساعده المياه الدافئة في الحصول على بعض الاسترخاء, أو على الأقل تفك عضلات جسده المتيبسة والمشدودة من الأحداث..

بعدما تأكدت من دلوفه للحمام وسماع صوت المياه, أحاطت بطنها بكفها تحدث طفلها بدموع:
-معقول كنت بتفكر تسبني! ده انا دلوقتي مليش غيرك يقويني على الدنيا, انتَ الحاجة الوحيدة اللي مخلياني متماسكة وبحاول افكر صح عشانك.. انتَ الأمل اللي مخليني حابه الأيام... 

تذكرت حين اعتذرت له في المركب, وما قصدته حينها فأكملت بشرود:
-انا كنت قررت امشي.. كنت قررت ارجع مكان ما جيت, بس دلوقتي مترددة, عارفه إني كده هكون بظلمك معايا.. بس حاسه كأن حيطان البيت ده طابقة على نفسي.. مش عارفة اعمل إيه, محتارة اوي.. 

شعرت أنها وإن لم تشكِ همها لأحد الآن ستنفجر من الغيظ والحيرة, فأخذت قرارها ونهضت بحرص تبحث عن هاتفها, حتى وجدته في حقيبتها الصغيرة, اخرجته تنظر للساعة بتردد, هل ستحدث "أمل" في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ وماذا إن كان زوجها يجاورها نائمًا!

نظرت للهاتف بتردد وشرود, لا تعرف من يستطيع أن يرشدها للطريق الصحيح الآن.. 
حتى وجدت أصابعها تطلب رقم من لم تتوقع أن تلجأ له ابدًا!

خرجت للشرفة لتتحدث بحرية بعيدًا عن إمكانية سماع زوجها لها.

أتاها الرد, لتهتف فورًا بجمود:
-انتَ كنت عارف إن اخوك متجوز سكرتيرة مكتبه؟ 

صمته للحظات أقلقها, لكن نبرته المندهشة أكدت لها عدم معرفته:
-انتِ بتقولي إيه؟ ميرنا؟ ازاي وامتى؟ 

ردت بتهكم: 
-من سنين يا حضرة الضابط, ازاي معرفتتش وانتَ كنت بتراقبه طول الوقت؟ ازاي معرفتش إن عدوك متجوز في السر؟ واضح إنه كان بيخليك تعرف اللي هو حابك تعرفه.

أكد يقول:
-انا فعلاً اول مرة اعرف, بس مش فاهم, ليه متجوزها؟ وليه في السر؟ 

عقبت بجمود رغم دموعها المتساقطة:
-تفتكر اسئلتك دي مهمة دلوقتي؟ ولا في أسئلة اهم. 

صمتت قليلاً ثم قالت:
-زي مثلاً ليه قالي دلوقتي؟ وليه مطلقهاش رغم إنه بيقول إنه علاقته شبه انقطعت بيها من فترة كبيرة, إما بقى لو كان كداب ولسه على علاقة قوية بيها. 

-طيب مادام هو اللي قالك, مسألتهوش ليه كل الأسئلة دي؟ 

اختنقت نبرتها تعترف:
-مش طايقة.. مش طايقة أتكلم معاه ولا اسمع منه حاجة. 

-طيب اهدي يا فيروز, اهدي ومتنسيش إنك حامل بلاش تضغطي نفسك, انا مش عارف ليه اختار التوقيت ده, وازاي اصلاً يوم ما يفكر يعترف يكون وانتِ لسه في اول حملك كده؟ مادام كان ناوي يقول مقالش من بدري ليه! 

سألته مستغربة:
-انتَ عرفت إني حامل؟ 

اجابها في هدوء:
-طبعًا, شاهين مش هيخبي عليا حاجه زي دي كمان, ما هو ده اللي ناقص بجملة اسراره اللي مبتخلصش, كلمني امبارح الصبح وقالي, الف مبروك ربنا يقومك بالسلامة.     

نظرت امامها بشرود وقالت:
-عاوزه امشي.. مش قابلة إني اكمل معاه. 

ساد الصمت لثواني كأن "مازن" يستوعب رغبتها, حتى قال ناصحًا:
-لما حياتنا بتتغير وبيكون عندنا طفل مينفعش ناخد قرارات متهورة, او قرارات تصب في مصلحتنا احنا بس, لازم نعمل حسابه في قراراتنا دي, فكري في ابنك يا فيروز, فكري في مصلحته وراحته, لو مشيتِ ابنك لما يتولد هيعيش في الحارة اللي انتِ كنتِ فيها؟ طب هتصرفي عليه منين؟ هتعيشيه نفس العيشة اللي عشتيها والحرمان اللي عانيتِ منه, هتخليه يعيش في الفقر وابوه مع مليارات ويقدر يعيشه ملك, ده في حالة إنك ترفضي أي تدخل من شاهين في حياتكوا.. 
ولو مرفضتيش وقبلتي إنه يجبلك شقة في مكان كويس ويصرف عليه, ويدخله مدرسة كويسة وكل حاجة, هيكون برضو ناقصه حاجه مهمة اوي... انه يعيش مع ابوه, انه يقرب منه, وهيفضل طول الوقت في حاجز بينه وبين ابوه محدش هيقدر يكسره, انتِ عيشتِ من غير اب من وانتِ صغيرة, تحبي ابنك يعيش ويجرب نفس الإحساس؟ وهيكون أسوأ لان ابوه هيكون عايش وقدام عينه بس زي الغريب, البُعد بيولد الجفا يا فيروز, ومهما حاولتِ تقربيه من شاهين طول ما كل واحد في مكان هيبقى صعب, وبعدين مش بالسهولة دي تربي عيل لوحدك, خصوصًا في زمانا ده اللي المغريات الوحشة فيه بقت زي صباح الخير.. 

-انتَ ليه بتصعبها عليا؟ 

-والله ما بصعبها, ولا اقصد ارجعك عن قرارك او اضغط عليكِ تعيشي مع شاهين غصب عنك, بس القرار اللي بتفكري فيه صعب اوي, الانفصال مش بالسهولة دي, الناس مبتلجأش للقرار ده غير لما بتكون الحياة استحالة بينهم, او إن وجودهم سوا هيأذيهم ويأذي عيالهم اكتر من انفصالهم, لكن الوضع بينك وبين شاهين موصلش لكده ولا هيوصل.. شاهين بيحبك.. 

أخذ نفسًا قويًا واكمل:
-انا عارف اخويا, وأول مرة اشوفه بيحب بجد, وبيخاف على زعل حد, وبيخاف يخسره.. انتِ مشوفتيش حالته يوم ما تعبتي من القهوة وروحتِ المستشفى, شاهين عينه بتلمع لما بتكوني كويسة معاه وقريبين من بعض, الفرحة اللي سمعتها في صوته وهو بيقولي على حملك مسمعتهاش من سنين طويلة اوي, انا مش هكون اناني واقولك إن يهمني مصلحة اخويا.. ويهمني إن حياته تتعدل ويرجع يعيش من تاني وهو مبسوط ومرتاح, وده مش هيتحقق غير بيكِ وبابنكوا اللي جاي.. 
لكن صدقيني همي الأكبر على الطفل اللي ملوش ذنب, واللي انا شايف بحق ربنا الموضوع ميستاهلش انفصال.. يا ستي عاقبيه وعلميه الادب زي ما تحبي, طلعي عينه كمان لو عايزه, بس تكون النهاية انكوا تكملوا سوا مش تنفصلوا.. 

هل تخدع نفسها؟ هي بالفعل مجروحة منه, ولا تطيق رؤيته او سماع صوته, لكن هل ستستطيع البعد؟ هل ستقدر على الانفصال؟ رُبما ارادت أن يبرر لها أحد استمرارها معه كي ترضي كرامتها ليس إلا, ان يخبرها احد أن الانفصال هو أسوأ قرار ممكن أن تأخذه, وها هو "مازن" قد فعل مشكورًا, لترتاح ملامحها قليلاً, وتهدأ الحرب القتالية بين كرامتها وقلبها, وتقول بتوعد:
-متنساش إنك انتَ اللي قولت. 

اتاها صوته مستغربًا:
-قولت إيه؟ 

ردت بترفع:
-إني اعلمه الأدب.. ومتفكرش عشان كلمتك دلوقتي إني سامحتك انتَ كمان على كدبك وخداعك ليا, انا بس كنت محتاجه حد أتكلم معاه من كتر حيرتي. 

وأغلقت الهاتف في وجهه!

على الجهة الأخرى نظر للهاتف بدهشة وردد باستنكار:
-يا بنت المجنونة! والله لايقين على بعض نفس قلة الذوق, وتقولي انفصل.. ده حلة ولقت غطاها. 
------------ 
صباحًا...
فيلا مختار المنشاوي..

انهى "سيف" مكالمته يقول بخبث وتشفي:
-عاوز كل صفحات السوشيال ميديا تتكلم عن الخبر, عاوزه يطلع ترند, وكلها تكون صفحات فيك ميعرفش شاهين يوصلها عشان يوقف الخبر, فاهم؟... تمام... لا نفذ دلوقتي حالاً. 

اغلق المكالمة وهو يقول بابتسامة متشفية لمن أمامه:
-دقيقة وفضيحة شاهين المنشاوي تبقى على كل لسان. 

ابتسم "مختار" برضا, بينما لم تهتم هي وهي تقترب منه بذهول:
-يعني إيه؟ هتسافر.. هتهرب؟

صرخت بها في "شدوى" في مواجهة "سيف" الذي وقف أمامها بعدما انتهى من كل إجراءات سفره وبقى ساعة واحده على موعد طائرته, رد بنزق:
-سفري ده الحل الوحيد ليا وليكِ.

صرخت بنفي:
-متقولش ليا.. انتوا بتدوروا على مصلحتكوا انتوا...

قالتها وهي تشير له ول "مختار" الجالس في هدوء كأن الأمر لا يعنيه:
-انتَ هتهرب عشان متوقعش في مسآلة قانونية وفضيحة لما يعرفوا إنك مش ابن مختار المنشاوي, ويعرفوا بوسا**ك مع بنت الراجل اللي رباك واللي عيشت معاها تحت سقف واحد.. عارف كويس اوي ان الناس مش هتسكت وسيرتك هتبقى ترند, وانتَ... 

أشارت ل "مختار" بأعين مشتعلة ووجه محمر من الغضب:
-خايف على اسمك وسمعتك, خايف كدبتك اللي كدبتها سنين الناس تعرفها وتتكشف, وبرضو تتفضح.. 

أشارت لنفسها بحسرة تكمل:
-لكن انا؟ انا محدش فكر فيا! لما المحكمة تعمل اثبات نسب لشاهين وتيم, وميطلعش ابنه, هيبقى شكلي ايه؟ الناس هتقول عليا إيه؟ انا مصلحتي ضدكوا, مصلحتي إنك تفضل ويتثبت نسب تيم لك.. مش هسيب الناس تقول عليا **** مش عارفه مين أبو اللي في بطني, وهيشككوا إن كان ليا علاقات كتير.. انا مش هفضح نفسي عشانكوا. 

نهض "مختار" من مكانه يحذرها بنفاذ صبر:
-بطلي دوشة.. ومتفكريش في مصلحتك بس, لو اتعرف ان سيف أبو تيم, هتبقى فضيحة للكل.. ومش هنعرف نخلص منها, لكن لو على قد ان تيم مش ابن شاهين, تقدري تقولي إنك اتعرضتي لاغتصــ*اب ومتعرفيش مين عمل كده, والموضوع هيتلم. 

-بالعكس الناس هتتعاطف معاكِ. 
قالها "سيف" موافقًا على فكرة الأول, لتنظر لهم بصدمة مرددة:
-انتوا لا يمكن تكونوا بتحسوا وعندكوا دم, يعني هتخعلوا انتوا الاتنين من الموضوع وتسبوني انا في وش التيار! هتسبوني اواجه لوحدي, والناس تقعد تقطع في سيرتي واللي يصدق واللي يكدب! ومين هيصدق اصلاً يا مختار باشا؟ دي حكاية حمضانة.. ولو كنت فعلاً اتعرضت لده اكيد كنت على الأقل رفعت قضية وقتها, مانا بنت راجل اعمال مهم في البلد مش هيسيب حق بنته, ولا هيهمه الفضيحة مقابل انه يجيب حقها.. وطبعًا الناس هتعرف اني خدعت شاهين, والدليل على كده انه بعد 7 سنين جاي يطعن في نسب العيل.. كل ده وتقولي الناس هتتعاطف معايا يا سيف بيه! 

زفر "سيف" بنفاذ صبر وقال محدثًا "مختار":
-انا مش فاضي للوش ده وهي مش هتقتنع, انا همشي زينة مستنياني عشان نطلع على المطار. 

-تمام روح انتَ. 
قالها "مختار" ببرود, لتتسع عيناها بصدمة, أليس لها حساب؟ يتصرفون وكأنها مجنونة لا يهتمون لكلامها ولا شعورها؟ إذًا ستريهم الجنون على حق... 
ركضت فجأة لمكتب "مختار" تحت نظراتهم المستغربة... 

----------------- 
في الإسكندرية... 
كانت جالسة في شرفتها تنظر للبحر بشرود وحزن كعادتها حين قطع خلوتها صوت شقيقتها يقول بما افزعها:
-الحقي يا ميرنا... مصيبة. 

نهضت تقترب منها بخوف:
-في إيه؟ شاهين وصلي؟ 

نفت الأخرى برأسها وهي تعطيها الهاتف:
-شوفي كده الاخبار دي... 

أخذته منها باستغراب و تنقلت بين الصفحات بسرعة وعيناها تركض هنا وهناك حتى توقفت على الخبر الأكثر قسوة، والذي مس كرامتها وشرفها بما لم تتحمله، وأظهرها بصورة أرخص مما تخيلتها يومًا...
"السكرتيرة والمدير.. قصة لا تنتهي، زواج على غِرار تلك القصص التي لطالما سمعنا عنها..
الفتاة التي تغوي مديرها طمعًا في السلطة والمال.. والمدير يستجيب!
فهل كان رئيس مجلس إدارة شركات العقرب بهذه السذاجة ليرتبط معها في عقد زواج!
أم أن الفتاة اتقنت الاغراء!
ولِمَ ظل الزواج سري كل هذه السنوات؟
لِمَ يُعلن عنه كسابقيه.. 
وهل تعرف بهِ الزوجة الحديثة أم كان... سري جدًا؟
مرفق إليكم صورة من عقد الزواج المُسرب، مع قص الجزء الخاص بالصور الشخصية منعًا للتشهير..! "

ثانية.. اثنان... والثالثة كانت تسقط ارضًا تحت صرخة شقيقتها الفزعة باسمها:
-ميرنااااااا...
---------------- 
فيلا العقرب...

استيقظ على صوت رنين هاتفه, نظر بجانبه ليجد "فيروز" قد نامت اخيرًا بعد عناء ليلة أمس, فقد شعر بها وهي تتقلب كثيرًا دون أن تستطيع النوم, كتم صوت الهاتف وأخذه بعيدًا يجيب:
-في إيه؟ 

أتاه صوت نسائي هامسًا:
-باشا سيف بيه شكله مسافر, وهو دلوقتي في اوضة المكتب مع مختار بيه وشدوى هانم, والموضوع شكله كبير, عمالين يزعقوا وصوتهم عالي اوي.. 

هتف من بين أسنانه حين علم بخطتهم:
-مسافر! صوريلي كل اللي بيحصل جوه فيديو من غير ما حد ياخد باله, عاوز اعرف بيتكلموا في إيه وبيخططوا لإيه تاني. 

-حاضر يا باشا.. 

أغلقت معه لينظر أمامه يهمس بتوعد:
-فاكرين هتهربوا مني! ده انا حالف على فضيحتكوا. 
---------------- 
وفي فيلا مختار...

جحظت أعينهم رعبًا حين أشهرت "شدوى" سلاح أبيها في وجه "سيف" على مسافة قريبة, ورددت بغضب مقلق:
-مش هتمشي يا سيف.. مش هتهرب وتسبني اشيل الليلة لوحدي سامع.. انتَ كمان غلِط ولازم تدفع التمن معايا وتواجه. 

-شدوى! نزلي المسدس بلاش جنان! 
قالها "مختار" بقلق حقيقي يخشى تهورها في لحظة غضب, صرخت بهِ في إصرار:
-مش هنزله.. مش هيسافر, يإما لو عاوز يهرب يبقى اهربه انا هروبه احسن واخلص منه خالص.

اتسعت اعين الفتاة التي تقوم بتصوير المشهد من نافذة المكتب بهلع حين اقترب "سيف" مسرعًا يمسك السلاح من "شدوى" التي تمسكت فيهِ أكثر صارخة بأنها لن تتركه, وقف "مختار" ينظر للمشهد بقلق, وقد خشى ان يتطور الأمر بينهما ويؤذي أحدهم الآخر فهتف وهو يقترب منهما:
-كفاية جنان السلاح غدار..هتموتوا بعض!

وأصبح طرف ثالث معهم, يمسك المسدس متحدثًا مع شدوى بهدوء كي يقنعها بتركه, ولكنها كانت كمن يتمسك بحبل نجاتها في الحياة! وبين شد وجذب من الثلاثة استطاع "سيف" أن يجذب المسدس منها, لتنتفض غضبًا وتلبسها حالة من الهياج وهي تلقي بجسدها على كفه الممسك بالسلاح تحاول جذبه منه مرة أخرى ومختار يتدخل... 
ثانية.. اثنان.. وفي الثالثة.. انطلقت رصاصة وصرخة.. لا أحد يعرف مِن مَن ولا في مَن!  

تعليقات