رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم ناهد خالد


 رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثاني والعشرون 

"في لحظة تتغير الحياة, وتتحطم الخطط, فمن كانت لديهِ خطط لعام قادم لا يملك تنفيذ الخطة الأولى حتى, فمن مِنا يحسب ان اللحظة التالية تحمل موته! وأن قصته الطويلة بسوئها وحلوها ستنتهي, ويُغلق كتابه, ويصبح ماضي وليس جزء من الحاضر, يذهب بشره وخيره لعالم آخر لا يملك فيهِ تفكير, ولا تخطيط, فقط حان وقت الحساب" 
في فيلا مختار... 
جحظت أعينهم رعبًا حين أشهرت "شدوى" سلاح أبيها في وجه "سيف" على مسافة قريبة, ورددت بغضب مقلق:
-مش هتمشي يا سيف.. مش هتهرب وتسبني اشيل الليلة لوحدي سامع.. انتَ كمان غلط ولازم تدفع التمن معايا وتواجه. 

-شدوى! نزلي المسدس بلاش جنان! 
قالها "مختار" بقلق حقيقي يخشى تهورها في لحظة غضب, صرخت بهِ في إصرار:
-مش هنزله.. مش هيسافر, يإما لو عاوز يهرب يبقى اهربه انا هروبه احسن واخلص منه خالص.

اتسعت اعين الفتاة التي تقوم بتصوير المشهد من نافذة المكتب بهلع حين اقترب "سيف" مسرعًا يمسك السلاح من "شدوى" التي تمسكت فيهِ أكثر صارخة بأنها لن تتركه, وقف "مختار" ينظر للمشهد بقلق, وقد خشى ان يتطور الأمر بينهما ويؤذي أحدهم الآخر فهتف وهو يقترب منهما:
-كفاية جنان السلاح غدار..هتموتوا بعض!

وأصبح طرف ثالث معهم, يمسك المسدس متحدثًا مع شدوى بهدوء كي يقنعها بتركه, ولكنها كانت كمن يتمسك بحبل نجاتها في الحياة! وبين شد وجذب من الثلاثة استطاع "سيف" أن يجذب المسدس منها, لتنتفض غضبًا وتلبسها حالة من الهياج وهي تلقي بجسدها على كفه الممسك بالسلاح تحاول جذبه منه مرة أخرى... 
ثانية.. اثنان.. ثالثة.. وانطلقت رصاصة وصرخة.. لا أحد يعرف مِن مَن ولا في مَن!  
انتفضت "شدوى" للخلف تصرخ بقوة, وتنتفض كمن أصابها المس, تنظر للذي هبط جسده يحتضن الأرض بلا حِراك, والآخر جثى جواره يصرخ فيهِ أن ينهض وهو يهزه بهستيرية عصبية:
-قوووم.. سيف رد عليا يا بني.. رد عليا مش بعد كل ده هتروح مني, رد يا حبيبي..قوم... عشان خاطري قوووم.. 

-س..سييف! 
رددتها واسنانها تصتك ببعضها من الرعب الذي اجتاحها, وظلت ترتعش كأنها واقفة تحت الأمطار في كانون البارد, تاهت نظراتها في المكان حولها وهي تستعيد اللحظات الأخيرة, كانت قد استطاعت جذب السلاح من يد "سيف" وكانت ستبتعد لتكمل تهديدها, فقط تهديد ما كانت تفكر ابدًا ان تطلق الرصاص حقًا, لكن تمسك والدها بكفها في لحظة محاولاً جذبه منها على حين غرة, جعل اصبعها المستقر فوق الزناد يضغط على غفلة منها. 
عادت تنظر لمحلهما, فوجدت والدها يطالعها بنظرة قاتلة واعين حمراء مخيفة, جعلتها ترتد للخلف بذعر تلقائي, يبدو انه كان يوجه لها حديث ما منذُ فترة لكنها لم تسمعه, انتفض جسدها بقوة أكبر حين صرخ بها:
-عملتِ إيه يا حيوانه.. قتلتـ*يه يا بنت ال****.. هقتـ*لك... هقتـ*لك زي ماقتـ*لتيه..

اسرع بعدها يستل هاتفه من جيبه يتحدث مع حارسه الشخصي:
-ادخلي.. ادخلي بسرعة.. 

استندت على المكتب تنظر له في ذعر, وعقلها يتساءل هل سيقتـ*لها والدها حقًا؟ 

دخل الحارس فورًا ليتوقف بصدمة على المشهد أمامه, فصرخ "مختار" بهِ:
-شيله بسرعة.. خلينا نوديه مستشفى. 

اقترب سريعًا منه وانحنى على "سيف" يتفحص نبضه وانفاسه ليقول بعدها بحزن:
-ملوش داعي يا باشا.. البيه مات, دي الرصاصة في نص صدره.. 

دفعه "مختار" بانهيار وهو يصرخ بهِ:
-انتَ بتقول إيه يا****.. انتَ هتعمل نفسك دكتور, وديه المستشفى.

رد الحارس بهدوء:
-يا باشا مفيش نبض خالص, ولا نفس.. وهنوديه المستشفى فيها سين وجيم وشوشرة. 

تاهت نظراته وهو يردد بحزن بينما يحتضن رأسه بكفيهِ:
-يعني إيهِ؟ يعني خلاص! هنستسلم انه مااات! 

نظر له الحارس بقلة حيلة, ليعود "مختار" ينظر ل "سيف" بدموع متساقطة وحزن يشوبه الصدمة:
-لسه بدري.. لسه بدري يا سيف, بدري اوي يا بني, اومال مين هيورثني! مين هيكون من بعدي! وكل اللي عملته!

اتسعت عينيهِ وهو يشرد بنظره بعيدًا وكأنه يحدث ذاته:
-وكل اللي عملته يروح على الأرض! ده انا عملت كل ده واختارتك عشان تكون ابني وباسمي.. تكون امتداد لمختار المنشاوي! 

وفجأة بكى بقوة وعاد يحرك رأسه بين كفيهِ:
-ماتسبنيش يا بني.. قوم يا سيف... عشان خاطر ابوك قووم..

وصلت لباب المكتب بعدما استغلت الوضع لتهرب من المكان, لا تأمن ما يفعله معها والدها بعد تهديده الصريح لها, ومع الحالة الغريبة التي تراه بها تثق بأنه قد يرتكب جريـ*مة أخرى, خرجت بظهرها من الباب بحذر, تحرص ألا يراها, وما إن ابتعدت حتى استدارت تركض بقوتها للخارج, وطلبت مفتاح أحد السيارات من الحارس ليعطيهِ لها, فأخذت السيارة وانطلقت تشق الطريق وهي تعرف مقصدها جيدًا. 

وبالداخل, رفع "مختار" نظره ليجد مكانها فارغًا فطاف المكان يبحث عنها ولكن لم يجدها, علم أنها هربت, فصرخ بالحارس:
-شوفلي شدوى فين.. هاتهالي.. متسبهاش تهرب. 

انطلق الحارس للخارج فورًا يبحث عنها, وبعد ثواني عاد يخبره: 
-خدت مفتاح عربية من الحارس وخرجت يا باشا.. انا بعت حد وراها. 

غامت عيناه بالغضب والشر وهي يهتف بقوة:
-مايرجعش غير بيها.. سامع! يجبها من شعرها ويرجعلي بيها حية. 

-حاضر يا باشا... 

عاد الحزن والوجع يحتل ملامحه حين نظر ل "سيف" وأردف:
-جهز العربية هنتحرك على مزرعتي.. وجهز كل حاجه, هندفن س.... 

هز رأسه بعدم تصديق لِمَ سيقوله, وزادت دموعه واكمل بنبرة مختنقة:
-هندفن سيف بيه هناك. 

----------------- 
دلف "مازن" لعمله يقول ل "مدحت" الجالس فوق الكرسي:
-رجعنا للقرف تاني... 

ضحك "مدحت" يقول:
-حمدا لله على السلامة يا عريس, إيه كنت فاكر شهر العسل شهر بصحيح! احمد ربنا انك خدت 10 أيام.. غيرك بياخد 3 بس. 

القى اشياءه فوق المكتب يردد بتهكم:
-3! ليه هو جواز ولا حداد؟ 

هز "مدحت" رأسه ضاحكًا وقال وهو ينظر له بغمزة:
-بس شكلك متغير, رادد كده وصحتك جت على الجواز. 

استند على ظهر كرسيه باسترخاء وابتسامة بلهاء يقول:
-اااه... الجواز, يا جدع ده الواحد ماكنش عايش. 

-يا سيدي يا سيدي... 

ضحك بخفة وأشار له يخبره:
-اعمل حسابك عازمك على الغدا النهاردة بمناسبة جوازي.

هلل "مدحت" ضاحكًا:
-يا بركات الجواز.. اتجوز كل يوم يا جدع. 

ضحك "مازن" ثم قال بتذكر:
-قولي صحيح عامل إيه في قضية شاهين؟ 

توتر "مدحت" قليلاً ثم قال:
-اا.. اه تمام. 

-تمام؟ 
سأله "مازن" باستغراب وضيق عينيهِ بشك:
-في إيه يا مدحت!؟ بلاش لف ودوران, انتَ وصلت لحاجة في القضية؟ 

ابتسم "مدحت" بتوتر وقال:
-لا.. مهو, اصل مفيش قضية اصلاً. 

رفع حاجبه بخطر يسأله مستنكرًا:
-يعني إيه؟ 

اعترف بصراحة:
-اللوا أمرني اقفل القضية وقفلتها من أسبوع. 

انتفض واقفًا يهدر بغضب:
-يعني إيه اتقفلت؟ 

رد "مدحت":
-يعني اتقفلت, مفيش داعي لفتحها اصلاً يا مازن, مبنوصلش لحاجه ومش هنوصل, وبعدين مش انتَ وشاهين بقيتوا كويسين؟ إيه بقى؟ لسه مُصر تحبسه!؟ 

رد "مازن" بتوضيح والغضب يزين ملامحه:
-يا مدحت افهمني.. انا مش كاره شاهين ولا عاوزله الأذى, وايوه انا وهو بقينا كويسينا ورجعنا نتعامل تاني, يمكن مش زي الأول, بس بقينا كويسين.. لكن ده مازن اخو شاهين.. لكن هنا انا الرائد مازن, اللي بدور على العدالة ولو هتنطبق على ابويا نفسه هطبقها. 

تحرك للخارج ليوقفه "مدحت" باستغراب:
-رايح فين؟ 

رد عليهِ بجمود:
-هروح لسيادة اللواء افهم منه, مش كفاية سحب القضية مني, كمان قفلها خالص! 

------------------- 
تجمعوا على مائدة الإفطار, والصمت يسود المكان على غير العادة! مما جعل "مديحة" تسأل باستغراب:
-مالكوا؟ شكلكوا مش يطمن في حاجة؟ 

ونظرت لبطن "فيروز" لتعلم الأخيرة مقصد والدتها فأجابت بهدوء وهي تلوك قطعة الطعام:
-لا يا ماما الحمد لله كله تمام, انا بس من وقت ما رجعنا امبارح وانا مصدعة.

ردت بنصح:
-مانا قولت بلاش تنطيط الأيام دي, خلي اول 3 شهور يعدوا على خير وارتاحي فيهم, ما تقولها حاجة يا شاهين. 

نظرت لها "فيروز" برفعة حاجب, منذُ متى وهي تتحدث مع "شاهين" بهذه النبرة الودودة! 

-والله يا طنط بقولها, وهي اكيد هتخاف على ابنها وتعمل اللي في صالحه. 

ردت "فيروز" بغيظ:
-على فكرة يا ماما انا امبارح كنت معاه, كان واخدني رحلة نيلية, يعني مخرجتش لوحدي, قوليله هو بقى يبطل مفاجأته الفترة دي. 

فهم مغزى حديثها, فقال بعدما ارتشف بعض المياه:
-عنيا, هبطل مفاجأتي.. 

-يوه الحق عليه انه عاوز يفرحك! 

نظرت لها بضيق متحدثة:
-في إيه يا ماما؟ ده من امتى بتكوني في صفه يعني! 

ناطحتها "مديحة" بغضب:
-وانتِ تكرهي أكون كويسه معاه؟ وبعدين خلاص كان شيطان وداخل بينا وانصرف. 

-مينصرفش على قفايا. 
قالتها بغضب مماثل, لتلقيها "مديحة" بقطعة خبز بحنق:
-طب اكتمي عشان مطلعش جناني عليكي زي زمان. 

تدخل "شاهين" بهدوء:
-معلش يا طنط بس فيروز دلوقتي في حمايتي. 

انتفضت واقفة والغضب يشتعل في مقلتيها ولم تستطيع التحكم في نفسها وهي تصرخ بوجهه:
-حرصوا الديب على الغنم.. وانا مش محتاجه حمايتك دي, ولا هحتاجها وفرها لناس تانية أولى بيها. 

نهضت "مديحة" تواجهها بشك:
-في إيه يا بت؟ بتكلمي جوزك كده ليه؟ انتوا متخانقين؟ 

اردفت جملتها الأخيرة وهي تمرر انظارها بينهما بقلق, لتجد "شاهين" بملامحه الثابتة, الهادئة كالمعتاد, ينظر أمامه وكأن الحديث لا يعنيه. 

أصوات عالية أتت من الخارج بعد سماع صوت سيارة أصدرت صرير عالي, جعلوا الجميع ينتبه لِمَ يحدث, واتجهوا لبهو المنزل حتى وجدوا "مرسي" يقف في مواجهة "شدوى" يبدو أنه يحاول منعها من الدخول. 

-في إيه يا مرسي؟ 
قالها "شاهين" بصلابته, لتلتفت "شدوى" بملامحها المنهارة, وشعرها المشعث, كان مظهرها يدعو للقلق! 

-شاهين.. عشان خاطري خليه يدخلني.. ابوس ايدك.. 

-سبها. 
والأمر جاء من "فيروز" وليس من "شاهين", كان فضولها يدفعها لمعرفة السبب وراء انهيارها ومظهرها الغير مرتب على غير العادة, لينظر "مرسي" ل "شاهين" فهو بالأخير لن يأخذ الأمر سوى منه, فرمش بعينيهِ بطريقة فهمها الأخر فسمح لها بالدلوف. 

تنهدت "مديحة" بضيق وهي تمقت وجود هذه الفتاة وقالت:
-هروح اصلي الضحى افيد. 

وانسحبت من الأجواء, لترجع "فيروز" خطوات صغيرة حتى استقرت فوق أحد الكراسي وتضع ساق فوق الأخرى بتحدي وإشارة لها بأنها لن تنسحب, ولن تترك لها المجال للحديث معه بمفردهما.  

اقتربت "شدوى" منه ببكاء فهي لا يهمها الأمر سوى أن ينقذها من الكارثة التي القت بنفسها فيها:
-شاهين, ارجوك عشان خاطري ساعدني, انا واقعة في مصيبة وانتَ الوحيد اللي تقدر تساعدني. 

وكأنه لا يعلم بمصيبتها! فقد أخبرته الخادمة بكل ما حدث حصري, قطب ما بين حاجبيهِ باستفهام:
-خير؟ حصل إيه يجيبك لهنا؟ 

نظرت ل "فيروز" وعادت تنظر له تطلب منه بتوسل:
-خلينا ندخل مكتبك ال... 

قاطعها بصرامة اشفت غليل الأخرى:
-اتكلمي هنا, ياما ترجعي مكان ما جيتي. 

ضغطت على شفتيها بتوتر, وهي تنهار في البكاء أكثر, لا تعرف كيف ستقول ما تريده أمام غريمتها؟ كيف ستعترف بجريمـ*تها أمام شخص آخر, شخص كانت تقف أمامه تعانده وتتحداه بكل قوتها, الآن تظهر بضعفها وقلة حيلتها. 

-انا.. انا مش عارفة أقول إيه..
قالتها بقلة حيلة وهي تبكي بتوتر وحنق من إصراره باعترافها أمام زوجته, ليعقب ببرود:
-مش عارفة تقولي إيه يبقى تطلعي بره. 

اتسعت عيناها الباكية من طرده لها, وإن كانت في موقف آخر لخرجت قبل أن تتعرض لإهانته هذه, لكنها تحتاجه.. هو يقف على ضفة ووالدها على الضفة الأخرى, ضفته تحمل الذل والنجاة! وضفة والدها تحمل الإهانة والقتل! وهي غارقة في المنتصف. 

اخذت نفس قوي تهدأ بكائها ثم قالت محاولة تأجيل الموضوع الأساسي وكسبه من جديد: 
-سامحني يا شاهين, سامحني عشان خاطري.. انا مش زي مانتَ فاكر والله انا بحبك. 

اقتربت تمسك كفه بتوسل وهي تنظر له برجاء:
-سامحني وحياة تيم, انا عارفة إني غِلط.. بس مقصدتش والله اجرحك او اخونك.. انتَ فاهم غلط, انا ما... 

سحب كفه منها بعنف وهو يردف باستنكار:
-متخيلتش بجاحتك! ليكِ عين تيجي وتقفي قدامي وتطلبي مساعدتي ومسامحتي! ازاي متخيلتيش ان وقفتك دي ممكن تبقى اخرها الموت؟ ولا انتِ نسيتِ ان العقرب مبيسامحش في حقه.

هدرت من بين دموعها بعصبية:
_مانتَ سامحت... سامحت يا عقرب، سامحت فيروز رغم انها خدعتك وبعد ما طردتها من حياتك رجعتها تاني، جت عليا! اللي يسامح مرة يسامح الف.

صدحت ضحكة" فيروز" تقطع نظارتهما، وأردفت بتهكم وهي مازالت تضع ساق فوق الأخرى:
_ما يمكن تنسيقك مجابش يا حبيبتي!
او يمكن شوية المسامحة اللي عنده خلصهم عليا، هتبصيلي في دي كمان!

أردف "شاهين" بجموده المستمر ونظرته القوية:
_بتقارني نفسك بيها! فيروز حبيبتي ومراتي وام ابني... انتِ بقى مين؟

جحظت عينيها بعدم تصديق لِمَ تسمعه، هل هذه الكلمات تخرج من فاه "شاهين"؟
حبيبتي! هل يعترف بهذه البساطة! العقرب الذي لطالما التزم الصمت واخفاء مشاعره والجمود، الآن قد تحرر من ثوبه لأجلها!

هزت رأسها نافية بعدم تصديق وهي تنقل نظرها بينهما بهستيرية:
_لا.. لاا.. لا دي سحرالك، مستحيل يكون الموضوع طبيعي.. سحراالك يا شاهين.. انتَ معمي بيها! مين دي اصلاً عن تعجبك حتى، فيها ايه يخليك تبصلها! مانتَ ياما شوفت اشكال والوان متحصلش هي جزمتهم...

-الله يسامحك.. ماما قالتلي لما حد يغلط فيكِ يا فيروز قوليله الله يسامحك.
قالتها "فيروز" بنفس استرخائها، بل وزاد عليه ابتسامة غريبة، باردة، سخيفة، وتصطنع فيها البراءة..! ماذا تفعل هذه الفتاة؟

عادت بنظرها ل "شاهين" الذي بدى كوحش كاسر، لم يقبل بحديثها واهانتها لزوجته، ولم يتحلى بالبرود والصبر مثلها، ورده كان صادم ومؤلم لها... ومريح للماكرة التي تتابع المشهد باسترخاء, وكان رده صفعة قوية هبطت على وجهها, ولم ينتظر أن تأخذ رد فعل بل انطلق يخبر "فيروز" بحقيقتها قاصدًا إهانتها وإذلالها أمام الأخرى وتعريتها بقسوة:
-نسيت اقولك يا فيروز.. مش انا عرفت تيم أبوه مين.

اخفت "فيروز" ابتسامتها السعيدة وهي تسأله بهدوء ماكر:
-صح.. انتَ يوم ما قولتلي إنك رفعت القضية من فرحتي نسيت اسألك. 

أجابها وهو ينظر ل "شدوى" التي تحرك رأسها نافية أن يفشي سرها:
-سيف.. طلع سيف, اللي مطلعش ابن عمي ولا حاجة.. واللي الهانم كانت مستمرة بعلاقتها بيه رغم انها كانت على ذمتي. 

صرخت "شدوى" بإنكار وانهيار واضح:
-والله ما حصل, طول ما كنت على ذمتك عمري ما سمحتله يقرب مني, صدقني يا شاهين.. انا علاقتي بيه مرجعتش غير لما طلقتني. 

قلب شفتيهِ بلامبالاة:
-مش فارقة... مش هتغير حاجة من وسا***, ولا هتغير من خداعك ليا, كنتِ على علاقة بيه قبل وبعد جوازنا, هتفرق بقى كانت مستمرة وقت الجواز ولا لأ! 

قررت التغاضي عن الحديث في الأمر لتسأله بمحاولة لنيل عاطفته:
-ولو المشكلة اللي انا فيها كفيلة توديني في داهية وتبعدني عن ابني, مش هتساعدني؟ مش هتقف جنبي يا شاهين؟ انا مهما كان بنت عمك وام تيم, هتسيبه يتربى من غير أم. 

والآن أتتها الفرصة على طبق من ذهب لتثأر لكرامتها التي لطالما قصدت "شدوى" أن تقلل منها, حان الوقت لتريها مكانتها وما تستطيع فعله..
فنهضت تدق الأرض بكعب حذائها الأنيق, واقتربت من زوجها تحيط ذراعه بكفيها وتستند برأسها على كتفه بنظرة ماكرة بينما تقول:
-حرام يا شاهين شوفها عايزه إيه وساعدها.. هي عندها ابن برضو مش ذنبه حاجه... 
مررت كفها على بطنها بدلال وهي تكمل:
-انا ام برضو وافهم احساسها كويس,
رفعت رأسها له تقول بابتسامة مصطنعة:
-شوف يا حبيبي تقدر تساعدها ازاي وساعدها. 

العابث قد استغل الوضع! اتسعت زوجين من العيون على فعلته, حين اقتنص منها قبلة سريعة من شفتيها تحت صدمتها وتيبس جسدها, وشهقة كتمتها الأخرى وهي ترى فعلته التي لم تتخيلها أن يفعلها أمام أحد يومًا, وابتسم لها بمكر يلمع في عينيهِ:
-عنيا يا حبيبتي. 

أما "فيروز" فاعتدلت فورًا كمن لدغها عقرب! وقد لدغها بالفعل.. وابتعدت عنه خطوتان بوجه محتقن بالغضب من فعلته, تحاول ألا تُظهر نفورها وغضبها أمام الأخرى. 

لكنه تجاهل, وهو يعلم انها ستؤجل ثورتها عليهِ, ونظر للأخرى يقول:
-خير؟ قولي اللي عندك, وعشان خاطر فيروز بس انا هحللك مشكلتك. 

كظمت غيظها وغضبها وهي تخبره باعتراف متردد:
-انا.. انا ضربت سيف بالرصاص, انا والله ما كنت اقصد.. هو, بص... 

قالتها وهي تشرح بذراعيها كأنها تدافع عن نفسها أمام القاضي: 
-انا تخانقت معاه, وكنت بهدده بس, ما...ماكنتش هقتله والله, بس هم اتدخلوا هو وبابا عشان ياخدوا المسدس مني.. ف...فضغط عليه من غير ما اقصد.. 

عادت للبكاء بقوة وهي تهدر بخوف:
-انا مش عارفة اعمل إيه, وبابا.. بابا بصلي بطريقة وحشة اوي وقالي انه هيقـ*تلني زي ما قتـ*لته.. هيقـ*تلني يا شاهين.. 

رجعت "فيروز" للخلف بأعين متسعة بصدمة, واحاطت نفسها بخوف, لا تصدق ما تحكيهِ "شدوى" قتـ*ل؟ هل وصل بهم الأمر لهنا؟ ما كنية هذه العائلة بحق الله!؟ انتفضت على ضمة "شاهين" لها الذي شعر بخوفها مما سمعت, وسأل "شدوى":
-وانتِ عوزاني احميكِ من ابوكِ؟

اومأت بقوة:
-ايوه, شكله هيقـ*تلني فعلاً, و.. وكمان شوفلي حل في موضوع سيف, بص.. سفرني يا شاهين, سفرني انا وتيم.. هسافر ومش هرجع مصر ابدًا. 

قطب ما بين حاجبيهِ متسائلاً في استغراب:
-والقضية يا شدوى؟ لما تسافري قضية تيم هيتحكم فيها ازاي؟ 

مسحت وجهها بكفها من كثرة تعرقها, وردت بحيرة:
-خلاص خليني هنا لحد ما القضية تخلص, وانا هعترف في المحكمة انه مش ابنك وهقول انه ابن سيف, بس خليني في حمايتك.. متخليش بابا يوصلي, ولا حد يعرف ان ليا دخل في اللي حصل لسيف, شاهين انا لو اتقبض عليا... هتعدم!!

قالتها برعب قذف لمقلتيها, فارتعش جسد "فيروز" في حضنه بتلقائية من تخيل الأمر, ومما تسمعه, فزاد "شاهين" من ضمها يمرر كفه على ذراعها يبثها بعض الأمان, بينما قال بغموض:
-لا يا شدوى لو اتقبض عليكِ مش هتتعدمي, لان ده قتل خطأ. 

سألته بخوف في نفس اللحظة التي جحظت فيها أعين فيروز برعب حقيقي لِمَ تراه:
-يعني إيه يا شاهين؟ يعني إيه قتل خطأ؟ هاخد براءة؟ 

-يعني من سنه ل7 سنين سجن. 

أتى الصوت من خلفها فانتفضت بفزع, لتصرخ وهي ترى ضابط ومعه ثلاث عساكر يسدون باب الفيلا, هزت رأسها بنفي هستيري, وقد أصابتها حالة عصبية وهي تصرخ:
-لا...لااااا..إيه ده, مين جابهم... ازاي؟ 

-انا اللي جبتهم يا شدوى, وسمعوا اعترافك وكل اللي قولتيه, لو عاوزه حل, روحي معاهم.. حبسك اكرم من اللي هيحصلك من ابوكِ, وزي ما حضرة الضابط قال الموضوع كله من سنه ل 7 سنين.. وهتخرجي. 
كان "شاهين" يتحدث بهدوء تام, كأنه يخبرها أنها ستذهب في زيارة لعدة ساعات وتعود!؟ 

نظرت له بخذلان وهي تسأله بألم ودموع كالمطر:
-ليه؟ ده انا وثقت فيك ولجأتلك؟ 

هز رأسه بسخرية من سؤالها:
-مانا وثقت فيكِ زمان.. ووثقت فيكِ إن غدرك ليا كان غصب عنك مش برضاكِ! اختارتي غلط يا شدوى.. انا عمري ما كنت هتستر عليكِ, مش انا اللي اتستر على جريمة.. انتِ غلطي وتستاهلي العقاب. 

صرخت بقوة والعسكري يسحبها للخارج, ولم تتوقف عن قول:
-ابني يا شاهين.. حرام عليك عشان ابني.. ابني... تيم.. تيم يا شاهين... 

انهارت "فيروز" تسقط ارضًا ووجهها غارق بالدموع, جسدها يرتجف كمن أصابه حُمى, وعيناها حمراء بشدة, تنظر لمحل خروج "شدوى"... 

انحنى معها "شاهين" ووضع كف يسند جسدها والآخر يحيط وجنتها, وقال بقلق:
-فيروز! اهدي يا حبيبتي وقومي معايا ريحي فوق... 

نظرت له كأنه برأسين! ثم دفعته فجأة بعيدًا عنها وهي تصرخ بهِ:
-ابعد عني... يلعن الصدفة اللي دخلتني حياتك ياخي.. 

ونهضت فورًا تركض للأعلى ببكاء يصله صوته, زفر بقوة مغمضٍ عينيهِ بتعب والأمور بينهما تتعقد, كاد يلحقها ليتوقف على صوت صدر من خلفه.. 

-باشا, في حاجة لازم تعرفها. 
التف على صوت "مرسي" لينظر له بتساؤل, فاقترب منه يعطيهِ الهاتف ليرى الأخبار المتسربة منذُ اكثر من ساعة... 

------------ 
فيلا مختار... 
تهاوى فوق كرسيه بانهيار, بعدما خرجت جثة "سيف" أمام عينيهِ, لكن لم تخرج على مزرعته, بل خرجت بصحبة الشرطة.. لا يعرف كيف علموا بالأمر, ومتى أتوا, لكن شك أن شدوى من أبلغت, علّها ظنت انهم سيتهمون مختار بقتـ*له.. 
وتأكد ظنه حين اقترب منه الضابط يخبره:
-اتفضل معانا يا مختار بيه.. انتَ مطلوب للتحقيق. 

---------------- 
فيلا شاهين.. 
أعاد الهاتف ل "مرسي" بهدوء وكأن الاخبار لم تصدمه, ولكن "مرسي" يعلم أن رئيسه لا يظهر عليهِ أي معلم للدهشة او الصدمة مهما كان الأمر, وقال بتريث:
-نظملي مؤتمر صحفي يا مرسي, خليه على الساعة 12. 

-اوامرك يا باشا. 
قالها ووقف مترددًا قليلاً ليسألها "شاهين" بتعجب:
-واقف ليه؟

تنحنح يخبره:
-كنت هبلغ حضرتك إن الراجل بتاعنا في فيلا مختار بيه بلغني إن الشرطة وصلت وخدوا جثة سيف ومختار بيه كمان. 

هز رأسه بعدم تفاجأ:
-عارف.. المهم, تروح تجبلي تيم لهنا, واعمل اللي قولتلك عليه... في إيه تاني؟ 

سأله بنفاذ صبر وهو يراه لم يتحرك ليسأله الأخر بتردد:
-باشا انا مش قصدي تطفل والله, بس احنا بنتعلم من حضرتك, كنت عاوز افهم امتى حضرتك عملت كل ده.. وقتل سيف معداش عليه غير ساعة تقريبًا!

ابتسم ابتسامة صغيرة ماكرة وهو يردد بغموض:
-الساعة دي كافية تقوم فيها حرب عالمية تالتة يا مرسي... 

وعلم "مرسي" أنه لن يبوح بشيء فهز رأسه بطاعة لرب عمله وانسحب والفضول يأكله.

وقف "شاهين" يتذكر ما حدث منذُ اخبرته الخادمة بقتل سيف وارسلت له الفيديو.. 
فأول ما فعله أنه هاتف محاميه الخاص يخبره بمقتل الطرف الآخر في قضية النسب, ليخبره المحامي أنه فور وقوع الجثة في يد الشرطة يمكنه طلب تحليل اثبات نسب قبل دفنه.. 
وكان على العقرب ان يتحرك سريعًا قبل أن يخفي "مختار" الجثة ولا تصل لأيدي الشرطة.. 
فقام بمكالمة خاصة ضمنت ذهاب سريع وفوري من قوات الشرطة لفيلا "مختار" قبل أن يلحق الأخير في التصرف.. 
علِمَ من الخادمة بخروج "شدوى" السريع دون أن تأخذ "تيم" حتى.. فكان واثقًا تمام الثقة أنها آتية له لينجدها..
فما كان منه ألا أن أبلغ بمقطع الفيديو الخاص بمقتل "سيف" لتأتي قوة صغيرة من الشرطة تحاصر فيلته في الخفاء بانتظارها, وحين سمع صوتها خارجًا.. فعل هاتفه ليسجل كل ما ستقوله فيكن دليل إدانة قاطع... 

عاد للواقع وهو يزفر أنفاسه بقوة.. مثلما قال ل "مرسي" هو في حرب.. وحربه لا تحتاج لأكثر من ساعة ليسرع التصرف... 
رفع نظره للأعلى يستعد للمواجهة الشرسة مع تلك التي لا تطيق النظر له حتى.. 
------------ 
وبالأعلى.. 
انقطع بكائها على صوت هاتفها الذي على بالرنين.. فأجابت حين أبصرت اسم "مازن" يزين الشاشة, لتسمعه يقول لها بقلق:
-فيروز انتِ فين؟

اجابته باستغراب وصوت بهِ بحة بكاء:
-انا في البيت.

والأخير فسر بكائها الذي لمسه لِمَ تسرب من أخبار منذُ الصباح, فقال:
-انا عارف ان اللي حصل مش سهل, بس متفكريش تسيبي البيت يا فيروز, لو سمحتِ اهدي واتعاملي مع الموضوع بهدوء وذكاء.

وهي ظنت أنه قد علم ما حدث, فعادت للبكاء تردد بتعب:
-انا تعبت يا مازن.. تبعت مبقتش متحملة القرف اللي عايشه فيه, الله يسامحك.. الله يسامحك انتَ اللي دخلتني حياته وخلتني هنا, انا كل يوم تحصل حاجة جديدة تثبتلي إن مكاني مش هنا, وإني غلط لما اخترت اكمل معاه. 

شعر بعظم الذنب الذي ارتكبه في حقها, وهو دومًا حساس تجاه هذه النقطة, لطالما شعر بأنه السبب الرئيسي لوجودها في حياة شقيقه, وأي معاناة تعانيها يتحمل هو جزء من ذنبها, جزء كبير: 
-حقك عليا, انا والله ضميري بيأنبني كل ما بشوفك مش مبسوطة او في خطر في حياتك مع شاهين.. بس يا فيروز المرادي في حد عاوز يوقع بينكم, وانتِ لازم تاخدي بالك كويس عشان متخربيش بيتك, اللي سرب قسيمة جواز شاهين بميرنا فاكر إنك متعرفيش, فعارف إن ده هيعمل مشكلة كبيرة بينكم ويمكن انفصال كمان, وفي نفس الوقت تسرب خبر زي ده هيعمل ضجة, وهيأذي شاهين في شغله, فاللي عمل ده المرادي اكيد مش هيسكت وهيكرر ده مرة وعشرة لحد ما يخرب حياة شاهين, لازم تهدي الفترة دي وتتعاملي مع أي موقف بذكاء عشان تحافظي على حياتك. 

توقفت عن البكاء فجأة كمن قُطع عنها الكهرباء... وصمتت لثواني جاحظة العينين وهي تسمع صوت الآخر القلِق:
-فيروز؟ انتِ معايا...فيروز؟ روحتي فين يا بنتي!؟ 

وأخيرًا تحرر صوتها من بين صدمتها وتألمها:
-خبر إيه اللي اتسرب؟ يعني دلوقتي كله عرف إنه متجوزها؟ 

-نهار مش فايت! انتِ ماكنتيش تعرفي؟ اومال معيطة ليه!؟ 
قالها "مازن" بصدمة وقد شعر بفداحة ما ارتكبه, وغبائه من إخبارها دون قصد, نهضت واقفة وهي تدور في الغرفة بعصبية وتهدر بصوت صارخ:
-يعني جوازه مبقاش في السررر.... بقى في العلن! الكل عرف بيه كمان!! 

وفي نفس اللحظة فُتح باب الغرفة لتبصر "شاهين" واقفًا أمامها بثباته المعتاد, لكن ملامحه حملت بعض التوتر.. خاصًة وهو يرى احمرار عينيها, واتساعهما, وكأنها على وشك ارتكاب جريـ*مة.. 

تعليقات