رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الثالث والعشرون
|حكاية تمارا|
رفع نوحٌ يده ليطرق الباب، لكنّه وجدهُ مُواربًا، فاعتصر جبهتَه القلقُ ودفعهُ بوجل، وما إن وقع بصرهُ على ما بالداخل حتى تجمدت الأنفاسُ في صدره.
هرع إلى رهف بذعرٍ عاصف وصدمةٍ لجمت تفكيره، وهو يصيح بلوعة: "رهف..... رهف."
أمسك برأسها يحاول جاهدًا إفاقتها، بيد أنها كانت غارقةً في غيابٍ تام عن الوعي؛ إذ ارتدّ رأسها للخلف جثةً هامدة، فضاق صدرُه بنحيبٍ مكتوم قبل أن ينفجر بصرخة وجعٍ مرير: "رهههف......."
ضمّ رأسها إلى صدره، واحتشدت الدموع في عينيه وهو يهزّ رأسه نفيًا لهذا الواقع المرير، هامسًا بانكسار: "قومي يا حبيبتي.... قومي.... انا نوح.. جيتلك.... قومي يا رهف."
لمحت عيناه بقعةً قانيةً تصبغُ بنطالها الأبيض بين فخذيها، فقد كان لونه الناصع كفيلًا بفضح ذاك اللون الأحمر الصارخ؛ حينها فقط أدرك نوحٌ حقيقة الأمر، ففرّت دمعةُ قهرٍ من عينيه. وبحركةٍ سريعة، مدّ يده خلف فخذيها ورفعها بين ذراعيه، ثم انطلق بها يعدو على درجات السلم نزولًا.
كان يحملها ويهمُّ بالخروج من البوابة في اللحظة ذاتها التي دخل فيها حسنٌ إلى البناية؛ وما إن رآه الأخير حتى استدار بجسده بسرعةٍ خاطفة متفاديًا المواجهة، بينما تسارعت دقات قلبه وتهدجت أنفاسه ارتباكًا.
مرّ نوح من خلف ظهره، واستقلّ سيارة أجرة لتقلهما إلى أقرب مستشفى.
وقف حسن في مدخل البناية يلعن حظه العاثر؛ فقد كان يمني النفس بأن يكون هو المنقذ والبطل في عينيها، لكنّ نوحًا يظهر دومًا في اللحظة التي يخطط فيها هو للظهور.
__________________
اقتحم ردهات المستشفى وهو يركض حاملاً إياها، وقد تلبّس وجهه الذعر، واغرورقت عيناه بدموعٍ حبستها الأجفان؛ وما إن تسلمها الممرضون من بين يديه ليودعوها الفراش، حتى شعر كأنّ روحه تُنتزع من جسده. ركض خلفهم محاولاً اقتحام الغرفة، بيد أنهم حالوا بينه وبينها، وألزموه البقاء خارجاً.
وقف هناك في حالٍ تضيقُ الكلمات عن وصفها؛ فـ "رهف" ليست مجرد زوجة، أو أماً لطفلته، أو حتى حبيبةً فحسب.. رهف قطعةٌ من روحه، إن فُقدت فلا مكان لنوحٍ في هذا العالم. كان يُقسم في سريرة نفسه أن أي سوءٍ يمسّها، يتحول في قلبه إلى أوجاعٍ مضاعفة.
أيحبها؟
لا والله، فقد جاوز شعوره حدود الحب واستقر في منزلةٍ أعمق منذ زمنٍ بعيد.
لم تمضِ سوى برهة حتى كان "حمزة" يهرع في ممرات المستشفى، بعد أن ترك عمله وغادر شركته فزعاً فور سماع صوت أخيه المرتعش عبر الهاتف وهو يستنجد به؛ وحين أبصره هتف باسمه:
- نوح.
التفت إليه نوح، وكانت نظراته الدامعة كفيلةً بأن تفصح عن حجم الفجيعة التي تأكل قلبه.
عانقه حمزة محاولاً لملمة شتات وجعه، وربت على كتفه قائلاً بآزر: "هتقوم بالسلامة ان شاء الله... متخافش."
تشبث نوح بعناق أخيه وأجاب بصوتٍ مبحوح مخنوق: "انا مش هعرف اعيش منغير رهف يا حمزة.... لو جرالها حاجة ه..."
قاطعه حمزة هامساً: "شششش... مش هيجرالها ان شاء الله.. وهتقوم بالسلامة..."
ثم ابتعد عنه قليلاً وسأله: "ايه اللي حصل؟"
شرع نوح يروي له ما جرى بصوتٍ تغالبه غصّةٌ وتحشرج: "بعتتلي رسالة انها حامل واننا محتاجين نتكلم...."
- ده بعد ما مشيت من عندي امبارح؟
- لا النهاردة الصبح...
- انت حكيتلها عن اللي عمله حسن؟
هزّ نوح رأسه نفياً ثم أردف: "روحت البيت بخبط مفيش رد ولقيت الباب مفتوح ولما فتحته لقيتها واقعة علأرض... وفي دم... سقطت الطفل..."
لم يقوَّ على الاحتمال فاستسلم لدموعه التي انهمرت مجدداً، فمسحها على عجل، ليضع حمزة يده على كتفه قائلاً بأسى: "قدر الله ماشاء فعل.... ربنا يعوضك."
______________________
انفجرت رهف بنشيجٍ مرير وهي تصرخ بلوعة: "انا عايزة نوح.... فين نوح."
هرعت الممرضة إلى الخارج، فطلبت من نوح الدخول على وجه السرعة، ليركض نحو الغرفة بقلبٍ يسبق قدميه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى هتف بلهفة: "ياعمري... انا هنا."
بسطت ذراعيها كطفلةٍ ضائعة عثرت أخيراً على مأمنها وارتمت في احضانه فور رؤيته؛ فدثرها نوح داخل صدره، وطفق يربت على ظهرها ويمسح على خصلات شعرها، هامساً بكلماتٍ تقطر حناناً لتسكن روعها: "انا هنا... جمبك ومش هسيبك.... اهدي يا روحي.... انا معاكِ."
قالت بصوتٍ مخنوق، تملؤه غصةُ الفقد: "ابني راح مني يا نوح.... سقطوني."
عقد نوح حاجبيه باستغرابٍ شديد، ثم أبعدها عنه قليلاً ليتفرس في وجهها متسائلاً بصدمة: "سقطوكي!... هما مين؟؟!"
هزت رهف رأسها وهي تغرق في نوبة بكاءٍ حادة، تلهث وتشهق من فرط الوجع، وتخرج الكلمات من بين شفتيها متقطعةً بصعوبة: "الباب... خبط.... ولما... روحت... افتح... لقيت... اربع... ستات... ضربوني... ضربوني يا نوح... ضربوني وسقطوني..."
شحب وجه نوح كأنما غادرته الدماء تماماً، وازداد صراخ رهف، فأعادها إلى حضنه وقبضته تشتدُّ غضباً، والدموع حبيسةُ مقلتيه توشك على الانفجار. برزت عروق جبهته من شدة الانفعال، بينما استمر في المسح على رأسها وهو يجزّ على أسنانه بوعيدٍ وانتقامٍ مرير.
_________________________
وقف نوح وعيناه قد اصطبغتا بحمرةِ الدم، يرمق من وراء الزجاج رهف المسجاة على فراش المشفى كأنها ملاكٌ كسروا جنحانه.. دنا منه حمزة، ووضع يده على كتفه مواسيًا وهو يهمس: "نوح..."
نطق نوح، والدمع يترقرق في عينيه والشرر يتطاير من ملامحه، بكلماتٍ صلبةٍ صارمة، رغم ما يحتقن فيها من غيظٍ مكتوم: "هو اللي موته."
شحب وجه حمزة واتسعت عيناه ذهولاً، فقال محاولاً تهدئته: "اهدى يا نوح... خلينا نطمن على رهف الأول ونفكر..."
فما كان من نوح إلا أن قبض على قميص حمزة بقوةٍ، وصرخ بملء فيهِ واللوعةُ تعصف به: "أفكر في إيه يا حمزة... أفكر في إيه... ده أنا وربي ما هحله... هروح أموته وأشرب من دمه..."
انتزع حمزة يدي نوح عنه في حزمٍ وصاح به: "لا... لا.. طول عمرك عاقل... أنت مش همجي وبتاخد حقك بالقانون."
أجابه نوح بمرارةٍ لاذعة: "يا حمزة حسن واخد باله من كل حاجة... هو القانون ذات نفسه ومش غبي عشان يوقع نفسه."
استطرد حمزة محاولاً إيجاد مخرج: "أكيد هنلاقي حل غير ده..."
هنا صرخ نوح بمرارةٍ وهو يضرب صدره بقوةٍ وهياج: "كان يأذيني أناااا ملوش دعوة برهف... إيه دخل أذية رهف في الموضوع دلوقتي؟!"
-"متضيعش حقك بعصبيتك دي... اهدى ونفكر."
-"لا يا حمزة مش هنفكر... كان ممكن نفكر في الأول... وقت ما كنت أنا غرضه من الأذى وبعدني عن مراتي وبنتي قصد... إنما دلوقتي حسمت أنا هعمل إيه... إلا رهف... الوضع لو دخل فيه رهف... كدة لعب في عداد موته."
ارتجف حمزة من هول ما يرى، وقال بوجل: "بس ده مش أنت يا نوح..."
حينها استحالت نبرة صوته إلى هدوءٍ مخيف، وشابت نظراته مسحةٌ من مكرٍ دفين وهو يقول: "فعلاً... ده مش أنا... محتاج أرجع لبيتر الكام يوم دول..."
_________________________
شحب وجه غزل واستبد بها الوجوم، فلبثت في المطبخ دقائقَ والاضطراب يعصف بأنفاسها المتلاحقة.. حاولت لملمة شتات نفسها، ثم خرجت إليهم حاملةً كعكة الاحتفال، وقد اعتلت وجهها ضحكة مصطنعة وفرحٌ زائف لم يبلغ قلبها.
راحت تصفق وتغني لمهاب، وكان الأخير يغرق في سعادة غامرة بهذه المفاجأة.. أما غزل، فكانت عيناها تجوبان وجوههم بتركيزٍ حاد؛ تأملت ملامح سالم ورحمة ومهاب، وصولاً إلى ذاك الصغير الذي تسمرت عنده نظراتها. لاحظت أن سالم ورحمة لا يشبهانها في شيء، فكلاهما يمتلك عينين بنيتين، وحتى مهاب -الذي يُفترض أنه توأمها- كان نسخةً من أبيه بشعره البني وعينيه العسليتين.. الوحيد الذي كان يمرآةً لملامحها، ويحمل عينيها ذاتهما بوضوحٍ مريب، هو ذلك الصغير.
لكن هذا الشبه وحده لم يكن كافياً ليقطع الشك باليقين، فالفجوة الهائلة بين ملامحها وملامح والديها ومهاب لا تزال تزرع القلق في وجدانها وتؤرق مضجعها.
وفيما كانت تنظف غرفة سالم، وقعت يدها على مشط شعره لتعيده إلى الدرج، وفي تلك اللحظة لمعت في ذهنها فكرة.. سحبت شعرة علقت بين أسنان المشط، واحتفظت بها، ثم أعادت كل شيء إلى موضعه بحذرٍ شديد.
تلك الليلة، لم يزر الكرى جفني غزل؛ إذ ظل عقلها يقتات على التفكير فيما جرى، ويداهمها خوفٌ من الغد المجهول.. نعم، ستغمرها السعادة إن ثبت أنهم عائلتها حقاً، لكن الرعب كان ينهشها من ردة فعلهم أو عواقب اكتشاف الحقيقة..أسيتقبلون حقيقة أنها حقا ابنتهم؟
___________________
تعلمون جيداً أن غاية "غزل" من دخول بيت"سالم الباجوري" هي اختلاس اوراق بالغة الأهمية؛ وقد ظفرت بها حقاً عبر حيلةٍ تقنية ماكرة، استغلت فيها جهل سالم بأمن شبكته المنزلية.
لم تكن غزل بحاجة لاستخدام الطابعة فعلياً، بل استخدمت تطبيقاً متطوراً على هاتفها لمسح الأوراق ضوئياً بكاميرا الموبايل، لكن "الغلطة" التي لم تحسب لها حساباً هي خاصية "المزامنة التلقائية" (Auto-Sync). فبمجرد أن اتصل هاتفها بشبكة "الواي فاي" الخاصة بالمنزل، بدأ هاتفها برفع الصور التي التقطتها إلى خادم سحابي (Cloud)، مما تسبب في "بطء مفاجئ" في الشبكة، وهو ما استدعى فضول معتز التقني.
حين كان "معتز الباجوري" بمكتب أخيه، لاحظ تعثر سرعة الإنترنت، فدخل ببراعة إلى "لوحة تحكم الراوتر" (Router Admin Panel) ليرى الأجهزة المتصلة، فصعق حين وجد جهازاً غريباً يستهلك "عرض النطاق الترددي" (Bandwidth) في عمليات رفع بيانات مكثفة. فحص معتز "عنوان الآي بي" (IP Address) الخاص بالجهاز المجهول، ووجد أن اسمه البرمجي يرمز لنوع هاتف حديث لا يملكه أحد في البيت.
وجه معتز نظرة ثاقبة لأخيه قائلاً:
"في حد في البيت عندك اسم جهازه كده... حد من عيالك أو مراتك؟"
فنظر سالم له ليقول: "معرفش...بس معتقدش انا عارف اسامي اجهزتهم كلهم!."
لم يكتفِ معتز بذلك، بل وبحكم تفوقه الرقمي، استطاع "اعتراض" مسار البيانات (Packet Sniffing) ليعرف أين تذهب هذه الملفات، فاكتشف أنها صور لملفات بصيغة PDF تُرفع في هذه اللحظة.
هتف معتز محذراً: "الموبايل ده دلوقت حالا بيرفع صور لورق خاص بشغلك على سيرفر خارجي... الورق ده فين يا سالم؟"
-"في درج المكتب."
"سايب ورق مهم في درج المكتب يا سالم!"
"مهو بيفتح بمفتاح والمفتاح ده مش مع حد غير رحمة."
استطرد معتز وهو يراقب إشارة القوة (Signal Strength) للجهاز على شاشته: "أياً كان اللي عمل كدة، الموبايل بتاعه لسه لقط إشارة من الراوتر بتاعك، يعني لسه موجود في نطاق البيت.. لازم نعرف مين ده فورا."
لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ معدودة حتى انحصرت شكوك سالم في تلك الغريبة التي سكنت دارة مؤخراً، ليهتف باسمها:
"فيروز."
_______________________
مرَّ رحيم بالردهة فأبصر "تمارا" غافيةً في غرفتها، ونورُ مِصباحها لا يزال يتبدّدُ في أرجاء المكان؛ فدلف إليها ليُطفئ "الأباجورة"، وهنالك استوقفته لحظةُ تأملٍ وهو يرمقُ ملامحها الساكنة. كان حائرًا، لا يستطيعُ فضَّ الاشتباكِ بين مشاعره المتداخلة.
أيُحب "غزل"؟
نعم، هو يوقنُ تمامَ اليقين بصدقِ حُبه لها..
لكنه أيضًا يوقنُ بحب "تمارا" له..
لقد ذاق رحيم من قبل لوعة الحب من طرفٍ واحد وتجرَّع مرارته؛ لذا يبدو أنه لا يرتضي لها أن تذوق من ذات الكأس الأليمة.
يريد أن يُبادلها ذاك الودَّ..
فهي تستحقُ منه حُبًّا، إذ منحته قلبها دون سعيٍ منه..
أحبته لذاته..
ثم..
ما الذي يمنعه من حُبها؟
فهي حسناء الملامح،
شجاعةٌ وجسورة،
وقد كابدت مرارة الأيام وحدها بصمود.
رغم أنه لا يجزمُ بحبها الآن، إلا أنه عازمٌ على بذل قصارى جهده ليفتح قلبه لها؛
فـ "تمارا" تليقُ بها المحبة.
مدَّ يده ليمسح على رأسها برفق، وارتسمت على ثغره ابتسامة خافتة، بيد أنها استيقظت فجأة وهي تشهق ذعرًا، فدفعت يده عنها سريعًا وهي تصيح:
"ابعد عني لحسن وربي اقتلك يا هشام."
تلقَّى رحيم ردة فعلها بذهول وابتعد عنها بالفعل، فيما كانت تنظر إليه بشزرٍ وكأنها غائبة عن الوعي:
"انت مش هتقرب مني تاني فااهم؟"
سألها بنبرةٍ يملؤها القلق: "تمارا... انتِ كويسة؟"
دفعته "تمارا" بكلتا يديها بقوة وهي ترتجف: "اطلع برا يا هشام احسن لك والله أموتك مبهزرش."
فأجابها هادئًا محاولًا طمأنتها: "تمارا انا رحيم... بصيلي... انا رحيم."
نظرت إليه وعيناها تفيضان بالرعب والاضطراب،وتغيرت ملامحها حينما عرفته حقا ولم يكن هشام متمثلا امامها كما تخيلته ثم سرعان ما انفجرت بالبكاء قائلة: "انا اسفة.. كنت... كنت متخيلاك شخص تاني... حلمت بيه... انا معرفش انك رحيم.... مش عارفة ايه اللي حصل...."
جذبها رحيم إلى صدره بحنان، وجعل يربت على رأسها بسكينة قائلًا: "اهدي... انا هنا معاكِ... مفيش حد يقدر يإذيكي طول مانا موجود."
تشبثت به "تمارا" بقوة، وأسلمت نفسها لنوبة بكاءٍ مريرة في أحضانه.
__________________________
كانت غزل تتبادل الضحكات واللعب مع الصغير "مالك" في غرفته، حين انشقّ سكون المكان فجأة باقتحام سالم الذي كانت ملامحه تنذر بعاصفةٍ وشيكة. استقرت نظراته الحادة على غزل، فانتفضت الأخيرة من مكانها، تحاول مداراة ارتباكها بابتسامةٍ باهتة سألت من خلفها بنبرةٍ مرتجفة:
"ااؤمرني يا بيه محتاج حاجة؟"
لم تكن نظراته توحي بخير، بل كانت صرامته تسبق كلماته حين أجابها بلهجةٍ قاطعة:
"تعالي مكتبي عايزك."
ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بغصةٍ في حلقها وكأنها تتجرع مرارة الخوف. سارت خلفه بخطىً ثقيلة إلى المكتب، وهناك تجمدت الدماء في عروقها حين وجدت معتز بانتظارهما وينظر لها نظرة مثل التي تراها بسالم. استقبلها سالم دون مقدمات، آمرًا إياها بفظاظة:
"فيروز هاتي موبايلك."
مدت يدها المرتجفة إلى جيب مريلتها، وأخرجت هاتفًا بسيطًا وهي تحاول رسم ابتزاز مهزوز على ثغرها:
"اتفضل يا بيه."
ابتسم معتز بسخريةٍ لاذعة، محطمًا آمالها في النجاة حين قال:
"لا... احنا قصدنا موبايلك التاني اللي بتحملي عليه ملفات الورق بتاع شركته."
في تلك اللحظة، هربت الدماء من وجهها تاركةً إياه شاحبًا كجثةٍ هامدة، وتلعثمت الكلمات في فمها:
"أنا مش فاهمة حضرتك تقصد إيه."
استشاط سالم غضبًا، وتقدم منها بخطواتٍ أرعبتها، ثم قبض على ذراعها بقوةٍ كادت تحطم عظامها، وصاح محذرًا:
"انتي هتستعبطي يا بت... والله لو ما نطقتي لتكوني في السجن الليلة دي."
انفجرت غزل بالبكاء، وكانت دموعها تنهار بغزارة وهي تنظر إليه بعينين يملأهما التوسل:
"والله ما أعرف حاجة... والله ما أعرف حاجة."
بدم بارد، تدخل معتز قائلًا بابتسامةٍ واثقة:
"لو مقولتليش موبايلك فين هنعرف بنفسنا...."
لم تجد غزل كلماتٍ تدافع بها عن نفسها، فاستسلمت لصرخات الانهيار، تردد بآليةٍ جوفاء أنها بريئة ولا تفقه عما يتحدثون شيئًا. سحبها سالم من ذراعها بعنف نحو غرفتها، وحين وصلا، دفعها إلى الداخل بقوةٍ ألقطها أرضًا، وصرخ بصوتٍ جهوري:
"هاتيه... بسرعة."
بقيت مستلقيةً على الأرض بضعف، تئنّ تحت وطأة الرعب:
"يا بيه صدقني أنا معرفش حاجة عن اللي بتقوله."
بدأ سالم يقلب الغرفة بحثًا عن هذا الهاتف، وفي تلك الأثناء، هرعت رحمة على صوت الصراخ والعويل، وصدمت مما تراه:
"فيه إيه يا سالم... يالهوي... مالك يا فيروز!!"
أجابها سالم بصيحةٍ اخترقت أذنيها:
"رحمة... البت دي نصابة...."
انضم معتز إلى سالم في رحلة التفتيش المسعورة، بينما اندفعت رحمة نحو غزل، تنتشلها من الأرض بحنوٍّ وتحتضنها، فتعلقت بها غزل كمن يتمسك بقشةٍ في بحرٍ هائج:
"يا هانم والله ما عملت حاجة قوليله... قوليله يا هانم يسيبني."
ضمتها رحمة برأفةٍ وحنين، وهمست في أذنها محاولةً تهدئتها:
"اهدي يا حبيبتي.. اهدي متخافيش... لو معملتيش حاجة متقلقيش... مادام صادقة متخافيش."
قلب الرجلان الغرفة رأسًا على عقب، بعثرا كل ركنٍ فيها، لكنهما لم يعثرا على أثر للهاتف. وقف سالم يلهث من الغضب، وصاح في وجهها مجددًا:
"فين موبايلك يا بت... انطقي وربي ما هرحمك."
علا نحيب غزل واختبأت في أحضان رحمة، التي بادرت بالدفاع عنها قائلة:
"خلاص يا سالم... خلاص كفاية... البت معملتش حاجة ومشوفناش منها حاجة وحشة من ساعة ما جات."
أدرك سالم أن المواجهة المباشرة قد لا تجدي نفعًا، فاتجه نحو الباب مغادرًا، لكنه التفت إلى رحمة وقال بلهجةٍ آمرة:
"فتشيها يا رحمة، أنا هطلع فتشيها كلها تحت هدومها واطلعي بالموبايل اللي معاها بأي طريقة.. خمس دقايق... خمس دقايق يا رحمة وتطلعي إنتِ وهي بالموبايل، وإلا وربي لأكون متصل بالشرطة حالًا تعرف شغلها معاها."
خرج سالم ومعتز، وبقيت رحمة في الغرفة مع غزل مشفقة عليها.
اقتربت منها رحمة وقالت بلين:
"اهدي يا روحي... اهدي متوجعليش قلبي..."
شهقت غزل من وسط دموعها:
"يا هانم والله ما عملت حاجة."
بكت رحمة تأثرًا بحالها وقالت:
"عارفة.. عارفة والله أنا واثقة فيكِ... بس سالم مبيعرفش يتحكم في عصبيته شوية يا حبيبتي متخافيش منه.... يلا يا حبيبتي خلينا نعمل اللي قال عليه عشان نثبت برائتك ونفهمه كل الحقيقة أنا وإنتِ، ومتخافيش خالص أنا جمبك ومش هسيبك... أنا زي ماما... مش بتقولي إن ملكيش عيلة.. وإن مامتك ماتت.. أنا بقى اعتبريني مامتك... بتخافي من مامتك؟؟"
هزت غزل رأسها بالنفي والدموع تحرق وجنتيها، وبينما كانت رحمة تفتشها، كانت دقات قلب غزل تتسارع كقرع الطبول. في تلك اللحظات، اجتاحتها موجة عاتية من الخيبة والندم؛ تمنت لو أن يدها لم تمتد للسرقة يومًا، تمنت لو أنها لم تعرف تلك العصابة قط، تمنت لو كانت نظيفةً حقًا لتستحق هذا الحنان وتلك الثقة التي تغمرها بها رحمة.
وفجأة... توقفت يد رحمة. لقد عثرت على هاتفٍ مخبأ بين ثيابها ببراعةٍ فائقة لم تكن لتظهر أبدًا. اتسعت عينا رحمة بذهولٍ صاعق، ونظرت إليها غزل بانهيار كامل وقالت:
"هفهمك... هفهمك والله."
كانت رحمة تنظر إلى الهاتف تارة وإلى غزل تارة أخرى، وقد تلبّسها صمتٌ جنائزيّ. اندفعت غزل تقبل يدها بتوسل:
"يا هانم صدقيني أنا..."
سحبت رحمة يدها بسرعة، وتراجعت وهي تنظر إليها بذهولٍ وصدمةٍ حطمت كل جسور الثقة التي بنتها. لم تكن تتخيل أن تخيب ظنها بهذا الشكل الموجع؛ هي التي أحبتها من أعماقها ومنحتها الأمان، كيف أمكنها أن تطعنها بهذا الغدر؟!
________________________
"توم... أحتاجُ وجودك في مصر."
"لقد غادرنا روما بالفعل كما أمرتني."
"غادرنا؟! ماذا تعني بـ 'نحن'؟ مَن معك؟!"
"جين!"
"أيها الأحمق! أحقاً اصطحبتَ جين معك؟ ألا تخشى أن تقع في فخها؟"
نظر توم إلى جين من بعيد وقال: "جين ليست بهذا السوء يا نوح... لقد رافقتها طوال الأيام الماضية، جين التي أحببتُها قد عادت."
"وهل أفضيتَ إليها بمشاعرك أم لا تزالُ غارقاً في خجلك؟"
قهقه توم في ارتباك: "لقد صارحتُها منذ فترة ليست بالقصيرة، لكنها رفضتني، وها أنا ذا أحاولُ استمالة قلبها من جديد."
ابتسم نوح قائلاً: "حسناً، لتهبطا أنتما الاثنان، فأنا في أمسّ الحاجة إليكما... ولكن يا توم، إن اكتشفتُ أن جين لا تزالُ مواليةً لهم..."
قاطعه توم بحزم: "لا تقلق... جين في صفنا بكل تأكيد. والآن، ماذا تريد مني؟"
______________________
ارتقيا إلى السطح حيث استكانت "تمارا" في جلستها، بينما وافى "رحيم" بقطعٍ من الكعك وكوبين من الشاي الممزوج بالحليب، ثم انبريا يتسامران في هدوء الليل، فقالت "تمارا" وهي تغالب ضحكتها:
"طب ما نجيب لب وسوداني."
قهقه "رحيم" ملء شدقيه وأجابها: "كنت عايز اجيب والله.. بس المحلات دلوقتي قافلة جبت كيكة وعملت شاي بلبن يقضوا الغرض... ها يا ستي... احكيلي."
زفرت "تمارا" بضيقٍ وكأنها تزيح ثقلاً عن صدرها وقالت: "انا تمارا عندي سبعة وعشرين سنة كنت في كلية تجارة و..."
قاطعها "رحيم" بمداعبة: "بالانجلش لو سمحت... عرفي نفسك بالانجلش... مهو احنا في انترفيو اصله... فيه ايه يا تمارا!!"
فانطلقت ضحكاتها مجددًا وقالت: "مش انت اللي قولت احكيلي عنك فبعرفك بنفسي..."
وضع "رحيم" قطعة الكعك في فمه وأومأ إليها بيده أن تسترسل، فتابعت بلهجةٍ شجية: "امي ماتت وانا عندي سبع سنين وبابا اتجوز بنت عمه عشان تربيني وساعتها بنت عمه كانت متطلقة ومعاها بنت وولد هشام وهالة انا وهالة كنا في نفس السنة الدراسية... مكناش متفقين نهائيا ودايما كنا بنتخانق... ولما دخلت الكلية هالة كانت مدخلتش وسقطت في الثانوية وعادت تاني ومن اول سنة ليا في الكلية العرسان بقوا بيتقدمولي وانا برفض عشان محددة اخلص تعليمي واشتغل الاول وهالة مكانش بيجيلها عرسان ومرات ابويا كانت علطول كرهاني رغم اني معملتلهاش حاجة لكنها مش متقبلاني نهائي... وهالة بنتها كانت بتعمل ليا حاجات غريبة يعني تقصلي هدومي اللي بنزل بيها... تحلقلي حواجبي وانا نايمة...وفروو راسي حرقتها بمية نار قبل كده وبعالح فيها لحد الآن... لحد ما في يوم....
صمتت تمارا لتستجمع شتات نفسها وتتكلم بمرارة وغصة بقلبها:"لحد ما في يوم لقيت هشام بيبص عليا من باب الحمام وانا بستحمى ساعتها قولت مش قصده... بس اتكررت ملامساته ليا بشكل غريب... فابتديت احذره اني فاهمة هو بيعمل ايه كويس وروحت حكيت لهالة على اللي بيعمله اخوها وكنت فاكرة ساعتها انها هتقف جمبي لكن العكس حصل... هي اظهرتلي انها زعلانة عليا وان اللي اخوها بيعمله ده غلط... لكن اتفقت معاه انه يكمل في اللي بيعمله... وانه... انه يحاول ينتهك عرضي... ويخليني مش بنت... عشان متجوزش."
لم يَنطق "رحيم" بكلمة، ولم يُبدِ تعقيبًا لفظيًا، بيد أن ملامح وجهه المتصلبة وعروق رقبته وجبهته التي نفرت بشدة كانت أبلغَ من أي قول؛ إذ فضح غيظه المكتوم كل شيء. وحين أبصرها تجاهد في استعادة أنفاسها بصعوبة، مدَّ يده ليحتوي يدها قائلاً بلهجة حانية: "تمارا... كل اللي بتحكيه ده ماضي وانتهى.... افتكري كده كويس... انتي عديتي بكل ده وكنتي قوية."
استمرت "تمارا" في حديثها، والوجع الدفين ينهش ملامحها، فابتسمت بمرارة استكمالاً لقصتها: "كان في يوم بابا في الشغل ومرات ابويا نايمة وهشام كان عارف ان ده معاد رجوعي من الكلية... وقتها دخلت اوضتي وكنت بغير فدخل عليا وفتح بالمفتاح بتاع اوضتي انا وهالة واللي كانت مدياله المفتاح كانت هالة.... بعد ما دخل....."
تشنجت أصابعها، وتسارعت وتيرة أنفاسها مع تدفق شريط الذكريات بوحشيته المفرطة، فانهمرت دموعها وهي تواصل: "حاولت... حاولت ابعده... قولتله لا... قعدت اصوت... محدش سمعني... محدش رضي ينقذني من ايديه.... فضلت اصوت وانادي على مرات ابويا بس مكنتش راضية تلحقني.... قعد يضرب فيا... لحد ما صوتي اتنبح من كتر الصويت... بعديها... بعديها...."
تصدع صمودها وانهارت في نشيجٍ مر، فجذبها "رحيم" إلى صدره يحتوي انكسارها، بينما ترقرقت الدموع في عينيه، ثم انهمرت بغزارة لهول ما سمع، فما كان لعقله أن يستوعب كل هذا الظلم على فتاته البريئة.
وبعد برهة، حين سكنت ثورتها قليلاً، ابتعدت عنه وهي تمسح عبراتها قائلة: "سابني بعد ما خلص وفتح الباب وشوفت مرات ابويا واقفة وبصالي من بعيد.... شوفت... شوفتها بتبصلي بتبصلي بشماتة يا رحيم.... دي حتى ما تخيلتش ان ممكن بنتها تتحط في موقف زي ده... وكنت انا نايمة في السرير مش قادرة اتحرك.... لحد ما سمعت هالة لما دخلت اوضتي وقالت مش هنعرف نشيلها وهي فايقة كده.... وبخت حاجة على وشي خلتني انام وساعتها محسيتش بنفسي غير تاني يوم وانا صاحية في الشارع مش عارفة انا فين ولما سألت لقيت اني روحت لمحافظة تانية... ساعتها رغم وجع جسمي قومت وكنت عايزة اروح لابويا واحكيله اللي حصلي... بس مكانش معايا مليم واحد روحت عند محلات كتير يشغلوني بس مكنتش لاقية شغل لان كل اللي يشوفني بحالتي دي والضرب اللي فيا."
استوقفتها كلمات "رحيم" الذي قاطعها باستنكار: "ازاي مفكرتيش تروحي القسم وتبلغي؟؟"
أجهشت بالبكاء ثانية وأجابت بحسرة: "انا غبية اني مروحتش فعلا... بس وقتها مكنتش بفكر في اي حد غير بابا انه لما يعرف هياخدلي حقي.... فضلت شهر ونص في الشارع لحد ما صعبت على واحدة وطلعتني بيتها واستضافتني عندها لحد ما عافيتي ترجعلي ووقتها ادتني فلوس عشان ارجع بيتي واول ما رجعت.... شوفت ابويا وجريت عليه احضنه... بس محضنيش يا رحيم... ده بمجرد ما شافني قعد يضرب فيا.... طلعوا مفهمينه اني هربت من البيت مع واحد واني على علاقة بيه وهالة وهشام شافوني كتير معاه وفقدت عذريتي معاه وساعتها ابويا ما صدق لقاني عشان يعملي تحاليل ولما اكتشف اني مش بنت حبسني في البيت ولما حكيتله الحقيقة مرات عمي كدبتني وضربتني بالقلم وقعدت تقوله دي مؤلفة عظيمة انت تصدق ان هشام يعمل كده واللي صدمني ان ابويا صدقهم هما مصدقنيش انا.... و كان بيحاول ابويا يجوزني لاي حد كان بيعرضني على اي حد يشوفه عشان من وجهة نظره انه يسترني ويمحي العار اللي سببتهوله ومع اول واحد وافق عليا رماني ليه زي كلاب السكك ومكملتش الكلية بتاعتي وكان متجوز اتنين وعنده تمانية واربعين سنة وقتها هالة كانت مبسوطة وفرحانة فيا اني عطرت في جوازة بالمنظر ده... وبابا عشان يحافظ على ماء الوجه قاله اني اتجوزت وكتبت الكتاب على واحد واختلفت معاه واتطلقنا بعدها بشهر واني مطلقة... واتجوزت اسماعيل كان متجوزني التالتة عشان اجيبله الواد لان ستاته الاتنين جايبنله كل واحدة فيهم مخلفة اربع بنات طبعا مش هحكيلك ولا اوصفلك قد ايه الاتنين كانوا بيكرهوني كره العمى واللي زاد وغطى اني حملت من اسماعيل في ولد واسماعيل ساعتها كان طاير من السعادة وطلباتي كانت مجابة لحد ما خلفت سليم... ومن ساعت ما خلفت سليم وانا بقيت بتعامل بإهانة واسماعيل كان بيضربني لدرحة ان في ايام مكنتش بقدر اقوم من علسرير اشوف سليم بيعيط ليه وكنت بنزل اخدم عند حماتي تحت وطلبت منه الطلاق واني مش قادرة اعيش كده طول عمري راح اخوه اللي جيه قبل كده وانتو ضربتوه ابراهيم ده قالي: لو عايزة تطلقي من أخويا عشان مقصّر معاكِ، أنا موجود... إحنا من سنّ بعض يا تمارا. وكان بيتحرش بيا! ولما كنت أقول لجوزي، يرد يقوله مراتك بتوقع بينا... وإنها هي اللي عايزاني! وقتها كنت خلاص وصلت لاعلى قدرة تحمل قعدت تلت سنين في الذل ده واخر مرة ضربني فيها طلعت على قسم الشرطة وقررت ساعتها اخد حقي بايدي ورفعت عليه قضية ضرب وخلعته وهو اخدله حكم بالحبس عشان قضية الضرب وكانوا بيتوسللولي اتنازل عنها لكن مرضيتش وساعتها اخدت ابني وهربت وموريتهمش وشي تاني. "
ظل الصمت وليد اللحظة حتى نطقت"تمارا"وهي تجاهد غصةً في حلقها: "انت عارف اني عمري ما حبيت نفسي... ابدا... ولا حبيت شكلي... انا بكرهني اوي يا رحيم... وبكره شعري.... وهيئتي اللي عاملة زي الولاد دي متعجبش حد انا عارفة... شكلي دلوقتي بقى وحش اوي... ملامحي مرهقة ووشي تعبان انت مشوفتنيش زمان انا مكنتش كده والله... "
أحكم "رحيم" قبضته على كفيها، ورمقها بابتسامةٍ دافئة قائلاً: "ومين قال انك مش جميلة دلوقتي.... ده بصي كام حاجة جميلة في شكلك؛ عينيكي لونهم جميل عسلي يسحر كده، والنمش الخفيف اللي على مناخيرك وخدودك مزوديكي حلاوة، ونيجي للمناخير الصغنونة دي ازاي ملامحك مسمسمة كده وتقولي عليها وحشة! ده حتى شعرك اللي انتي كارهاه ده هو اللي محليكي، القصة دي تهبل عليكي ولايقة على ملامحك."
تعالت ضحكاتها إثر وصفه المفرط في العذوبة، ثم أشاحت بنظرها نحو الأرض قائلة: "الله يجبر بخاطرك."
استطرد "رحيم" بنبرةٍ يملؤها الصدق: "انا مش بقول كده جبران خواطر... انا بقول الحقيقة... مفيش بنت وحشة، في بنت مش عارفة تشوف تفاصيلها الحلوة... ادي فرصة لنفسك تحبيها يا تمارا... عشان انتي حقيقي تتحبي."
تسارعت خفقات قلبها واعتراها ارتباكٌ جليّ، فتشبثت بكوب الشاي بالحليب وهي تحاول تغيير مجرى الحديث: "ده تلّج... و...(رفعت بصرها للأعلى لترى الشروق) الله بص الشمس بتطلع اهي."
كانت "تمارا" ترقب شروق الشمس ببهجةٍ طفولية، بينما ظلّت عينا "رحيم" شاخصتين نحوها هي؛ وحين استشعرت ثقل نظراته التفتت إليه، لتلتقي عيناهما في لحظةٍ فريدة، والشمس من خلفهما تنسج خيوط الضياء في مشهد ساحر للابصار. ظل كلاهما أسيرَ تلك النظرة لدقائق طوال، يخشى كل منهما البوح بما يعتمل في صدره، حتى مزّق "رحيم" جدار الصمت هامساً بهدوء:
"تتجوزيني يا تمارا؟"
....
