رواية جحيم عينيك الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل الثاني والعشرون 

صدمة

أجمل ما فيك أنك لا تحتاجين

إلى ضوء كي أراك

يكفي أن تجلسي في عتمتي فيتسع قلبي كما لو أنه نافذة على صباح جديد لست امرأة عابرة

انت الدليل الوحيد

على أن العالم لم يخلق صدقة وجودك يبزر كل هذه الحياة المرهقة ثم قولي لي :

كيف ليد أنتى أن تنقذني من خراب لم تستطع كل الاشياء الجميلة إصلاحه؟.

فقطان

في شرفة الجناح وقفت لتستقبل أولى حبات الثلج المتساقطة، حيات كاللؤلؤ في لمعانها وكالريشة في خفتها تلمس بشرتها بلطف معلنة بدأ شتاء بارد وقاس...

راقبت في صمت تام منظر الحديقة وهي تتخلى عن ثوبها الأخضر لتكتسي بحلة ناصعة البياض، بينما عقلها سرح بها عائدا إلى ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه سر أبيها وزوجها.

استحضرت حين دخل عليها وهي تبكي بحرقة، فتحججت بأسخف حجة، الماسكرا، كانت هي المتاحة في تلك اللحظة.

هي ادعت أن دموعها السخية كانت بسبب الماسكرا وهو ادعى أنه صدقها.

ربما لأنه لا يريد فتح جروح الماضي ولا رؤية الشفقة والرافة في عينيها، فقط تعود أن يرى نفسه في عينيها في أبهى تجلي بكامل رجولته وعنفوانه وهيبته ووقاره، تعود أن يرى ذاك البريق الأسر في عينيها وهما تنطقان بأسمى معاني الحب لدرجة التبجيل والتقديس.

تلك النظرة كانت تحرق شياطينه وتطفئ غضبه وتخمد نيرانه المتقدة طوال الوقت.

مروج عينيها كانت جنته التي يغفو فيها ويستريح من جحيم ذكرياته التي تفتك به.

ماذا سيحدث له إن غاب العكاسه الجميل في عينيها، وانطفأ بريقه فيهما ؟ ليحل محله شيحباهت بندويه البشعة يعكس تعاسة روحه المعذبة...

لكنه لم يغب، وبريقه لم يخفت، بل يزداد جمالا وتوهجا في كل مرة يأخذها إليه بجنون ويغوص بداخلها إلى أعمق نقطة في روحها المتمردة.

كأنه يريد أن يشطب من ذاكرتها تلك الصور وحال لسانه يقول...

"مخطئة إن ظننتي أنه أنا"

فتهدأ نفسه الهائجة على صوت أنيتها الضعيف يعزف على وتر الحاجة إلى المزيد مقدما فروض

الطاعة والولاء له ...

لا أحد من المقربين يعرف ما عاشه هناك إلا هي الرجل الذي عشقته حتى آخر ذرة فيها كان لغز حياتها.

أحجية معقدة قطعت البر والبحر لتلملم نصف قطعه من بلاد الماتادور، وها قد اكتمل لديها النصف الآخر حين اطلعت على الفلاشة.

فضل اللغز أخيرا وباتت تعرف أين ولد الزعيم الإنسان وأين ولد الزعيم الوحش.

لم يكن من السهل إخفاء حزنها والمها لحاله، وكيف تفعل وصورة ذاك الصغير داخل القضبان تدمي العين والقلب.

لكنها حاولت وتصنعت وادعت حتى إذا نفذت جيلها وغليها حزن قلبها، هزيت إلى حضن أنستازيا لتمارس طقوس الحزن والبكاء بلا قيد أو شرط.. بلا استنطاق ولا نظرة شك أو تأقف.

أخذت نفسا عميقا حين تذكرت ما حصل بعد خروجهما من ذلك المكان السري.

وهما في المصعد تلقي الزعيم اتصالا هاتفيا جعلت ملامحه تتغير على نحو مخيف وهو يلعن حياة أولئك الملاعين، فسألته يقلق....

"هل من خطب ؟"

نظر إليها بعيون تقدح شرارا ليمسكها ويقتادها عبر مرآب السيارات...

سوف تلعب لعبة المطاردة: ألست تحيين القيادة السريعة عبر الطرقات؟"

فتحت فمها من الدهشة غير قادرة على تركيب جملة مفيدة، نبرة هذا الرجل لا تبشر بالخير. طالما كان اللعب معه هو ضربا من الجنون ومغامرة محفوفة بالمخاطر...

ادخلها مكتبا خاليا ليغلق الباب ثم شرع في إخراج سترات مضادة للرصاص من الخزانة أمرا اياها بارتداء واحدة تحت قميصها بينما شرع هو يخلع بدلته الارتداء الأخرى...

" هيا فاليريا، لا تضيعي الوقت"

امام حدته وحركاته السريعة، نفذت على الفور دون أن يتوقف لسانها عن طرح الأسئلة..

ماذا يحدث بحق الجحيم ... ولماذا سترتدي هذه السترات؟"

ارتدى سترته محكما إغلاقها ليقترب منها ويحكم خاصتها حول صدرها....

رجال الاكاديمية يتربصون بنا خارج المبنى وعلينا الخروج من هنا بأي طريقة قبل أن تصل الإمدادت إليهم ولا تستطيع الخروج من هذا إلا أشلاء.

تدفق الادرينالين بغزارة في عروقها و ازداد خفقان قلبها ...

لكن مهلة الهدنة لم تنتهي .... فكيف يخلفون وعدهم !؟...

رد وهو يساعدها في ارتداء ملابسها ...

" لو كنت أصدق وعودهم، لكلا ميتان الآن."

فجأة تذكرت الفلاشة فسألت...

"ماذا عن الفلاشة... أليس من الخطر ترك المعلومات خلفنا؟"

هنا ابتسم بجانبية...

ما رايته هو نسخة عن جزء من محتوى الفلاشة، وهي مبرمجة على الحذف التلقائي بعد دقائق من مشاهدتها "

التسأل بملامح مندهشة...

جزء من محتوى الفلاشة 11... أين هي إذا؟"

رد بیرود.

في مكان آمن بعيداً عن متناول الأكاديمية.. قطتي الجميلة."

لعنت تحت انفاسها وعقلها يكاد ينفجر مما قطن إليه، خاصة أنه لم يبدي تفاجؤه من وجودهم

حول الميني.

لم يسعفها الوقت ليث شكوكها له، فقط أخرجها من ذلك المكتب متجها بها إلى السيارة التي سيقودها بنفسه بينما فريق من المقنعين يحملون أسلحة اشبه بالمدافع إلى سيارات جيب سوداء

تذكرتهم.. إنهم فريق المهمات الخاصة الذي استعان بهم الزعيم في عملية القادها.

فتح الباب الأمامي لتجلس بجانب مقعد القيادة وهي تراقب تحركاته عبر المرأة الجانبية والأمامية، المهم أنه لم يغب عن مرمى بصرها وعقلها كالالة يقوم بتحليل المشاهد التي يسجلها في محاولة لاستيعاب ما يدور حولها.

قبل أن يصعد إلى السيارة أصدر لهم إشارات مبهمة بيده لم تفهم منها غير إشارة واحدة تدل على التوقيت تم جلس في مقعده ليرتدي قناعا على رأسه والتفت نحوها قائلا بلهجة أمرة....

"ضعي حزام الأمان."

قاومت افكارها المتدفقة بلا فائدة وهي تفعل ما طلبه ثم اخذت نفسها عميقا في محاولة لمنع

أعصابها من الانقلات لتستدير إليه ترمقه بنظراتها الغاضبة ...

تعمدت إحضاري هذا رغم معرفتك بأنهم سيطاردوننا ... لماذا ؟ "

حين شغل محرك السيارة وعيونه الحادة تحدق بالمرأة الأمامية، هز رأسه بمعنى "نعم" ...

فكان رده کدلو ماء بارد قد انسكب على رأسها وجمدها إلى آخر عصب حسي في نخاعها ...

اقتراب منها ليتأكد من ربطها لحزام الأمان حول خصرها ثم رفع قناعه جزئيا ليقبلها على جبينها وهو يهمس ...

" تقي بي حبيبتي"

في هذه الظروف اللعينة أربكها قربه، فأحست بحرارة تتسلل إلى وجنتيها وتفضح اضطرابها.

مظهره بالقناع لم يكن مجرد ستار للوجه، بل فتنة خفية أشعلت خيالها حتى وجدت نفسها أسيرة صور جريئة ومنحرفة تتدافع في ذهنها.

فقالت محاولة إخفاء ارتباكها...

"ألا يجب أن أرتدي قناعا أنا أيضا؟".

ابتسم بمكر مجيبا.....

" في المرة المقبلة، سأحرص على أن تحصلي على واحد "

رفعت حاجبيها باندهاش تتمتم باستنگار

"دعنا تنجو من هذه أولا!"

ثم أنزل القناع على وجهه لينطلق بسرعة قصوى باتجاه حائط مسدود و قبل الاصطدام به غظت عينيها بيديها، صارخة بأعلى صوتها من الخوف.

اخترقت السيارة الحائط الذي لم يكن سوى لوحة إعلانات تخفي المخرج عن أعين المارة.

وجدت نفسها في شارع مروري مزدحم خلف المبنى، فقد كانت ساعة الذروة، والقيادة في بعض النقاط المختلفة مستحيل تماما.

رغم ذلك كان يقود بسلاسة ومهارة عالية متجاوزا السيارات لتظهر دراجات نارية من العدم تلاحقهما بسرعة موشكة على الاقتراب منهم.

هنا شعرت برعب حقيقي حين زاد يمان من السرعة مناورا بشكل خطير للابتعاد قدر الإمكان عن ملاحقيه، حتى ممر المشاة اتخذه طريقا له غير ابه بالمارة فضاعت فاليريا بين الخوف عليهما والخوف على المارة الذين يهربون بأعجوبة.

لكن الأمور ازدادت سوء حين بدأ الرصاص ينهمر عليهما من كل الاتجاهات، فأخفضت رأسها مختبئة من الرصاص الذي تسبب في شقوق على زجاج السيارة دون أن يخترقه.

ودون سابق إنذار ادار بمان المقود فانعطفت السيارة بحدة ليسلك طريقه عبر أزقة ضيقة.

تسألت عن سبب إتخاذه الطريق كهذه فقد شعرت أن السيارة ستعلق بين جدران البيوت من شدة

ضيقها.

ازداد توترها ورجال الأكاديمية يقتربون، بينما راقبهم الزعيم من المرأة الأمامية بعيون ضيقة وابتسامة شيطانية لم تفهم مغزاها إلا حين داس على فرامل السيارة بقوة في ساحة دائرية

مغلقة المنافذ فدارت السيارة بهما نصف مدار.

مال جسدها بسبب دوران السيارة، لتتمسك بحزام الأمان بينما حدقتاها المتسعتان من الذعر لمحته وهو يشهر مسدسه ياسطا ذراعه خارج النافذة...

يطلق النار بمهارة ليصيب رجلين، فانقلبت بهما در اجتيهما ليدخل سيل من الدراجات النارية إلى تلك الساحة ثم سيارتين رباعيتين إحدهما توقفت عند مدخل الساحة كأنها تعلق الدائرة على الجميع.

فتح الزعيم الباب الموالي لها ليقفز بها خارجا متحدين السيارة ستارا عازلا ضد ذلك العدد الهائل من رجال الاكاديمية اللذين ترجلوا عن دراجاتهم وسياراتهم.

في تلك اللحظة ظلت فاليريا أن نهايتهما قد حانت لا محالة.

ما حدث بعدها كان عبارة عن جنون خالص، لم ترى منه سوى غبار الأثرية وأدخنة القنابل، ولم تسمع منه سوى أصوات إطلاق نار وانفجارات كأنه موقع حرب حقيقي.

بعد لحظات ظنت أنها لن تنتهي هذا كل شيء فجأة، ثم تلاه صباح رجال في الأرجاء مع وقع أقدامهم وهي تقترب كانها جحافل لا نهاية لها من وقع أحذيتهم الثقيلة على أرضية المكان. كانت مختبئة بين السيارة وحائط احد البيوت القديمة دافئة رأسها بين ركبتيها وذراعيها.

فجأة سمعت صوت لوكاس المتهكم، وهو يتكئ بإرهاق على الجدار المقابل لها....

"لا ينبغي أن تكون زوجة الزعيم جبانة هكذا، لقد فوتي عليك عرضا لن تريه في أفضل أفلام

الأكشن - "

رفعت رأسها لتراه يتنفس بصعوبة وهو يمتص بشراهة سيجارة بين شفتيه كأنها آخر سيجارة

بحياته اللعينة تاركا بندقيته الرشاشة ليضغط بيده على ذراعه اليسرى.

أدركت أنه مصاب بطلق ناري حين تدفقت الدماء من بين أصابعه الضاغطة بقوة، لتقترب منه بقلق شديد....

لوكاس أنت تنزف يجب أن نخرج من هذا الإسعافك...

تلفتت حولها بخوف باحثة بعينيها عن زوجها فرد لوكاس مبتسما كالمختلين....

" لا تقلقي زوجك الوغد لم يصب بخدش واحد، أنا فقط من تحب الرصاصات مضاجعة لعنتي

فقط اصعدي للسيارة وشاهدي كيف سيلعن أمهاتهم ال ......

التفت إليه باستنكار...

" هل سيقتلهم ؟ "

نفت دخان سيجارته بالتشاء وشماتة...

وسيعلقهم على الخطاطيف كالاضاحي.. "

هذا اتسعت حدقتيها حين لمعت فكرة ما في ذهنها، لتقول بصوت غاضب...

"أنت لم تكن موجودا مع الفريق الذي تركناه خلقنا، بل كنت هنا مع رجالكم تنتظرون وصولنا ."

استطردت وهي تهز رأسها بسخط...

"كان هذا فخا لتستدرجوا إليه عناصر من الأكاديمية، وأنا كنت الطعم..."

التريت أكثر ماسكة ذراعيه بيديها تهزه بغضب...

"هل هذا صحيح أم أنني مخطئة !!؟."

صاح لوكاس من الألم لتنتبه أنها تضغط على جرحه فأبعدت يدها معتذرة بشدة فأجابها...

"لم يخترك زوجة له عن عبث .. اه .. ذكية وشرسة.."

حاول أن يسند نفسه مساعدته على ذلك لتجلس بجانبه ثم أعطاها شريطا قماشيا لتلفه حول ذراعه قائلا بسخرية...

هذا سيفي بالغرض حتى تنتهي حفلة الخطاطيف هذه، لا أريد أن أفوتها على "

علقت بدهشة وعدم تصديق...

"هذا جنون، ألا تدرك أن أي تأخير قد يسبب تعقيدات أنت في غنى عنها، سوف تحضر خطبتك على مارسيلا بضفادات وجمال طبي."

ضحك لكلامها وهو يلقي عقاب سيجارته المنتهية بعبدا، فسألته...

"ماذا حدث حتى أخلت الأكاديمية بالهدنة؟ ولماذا أخفى الزعيم هويته بوضعه للقناع ؟"

نظر نحوها بعينيه الرماديتين باندهاش سرعان ما أخفاه ليجيبها بجدية ...

"لا أملك جوايا لسؤالك الأول، أما بالنسبة للثاني، الزعيم يعرف أنهم لن يقتربوا منك طالما هو معك لأنهم يدركون أن محاولة خطفك من يده ستبوء بالفشل خطفك منه. "

قاطعته باستنكار

"لماذا أنا ... ماذا يريدون مني ؟"

بملامح جادة وهو يتحسس ذراعه...

"أنت السبيل الوحيد للضغط على الزعيم لتسلم الفلاشة."

شعرت من نيرته صوته بخطورة الوضع فاستدارت تراقب على بعد أمتار رجالا مقنعين يقتادون آخرين إلى وسط الساحة ويقومون بتكبيلهم بينما الزعيم يخله قناعه ليجلس القرفصاء أمام رجل ضخم الجنة عضلاته تكاد تمزق قميصه وهو يحاول فك خناق الحبال الملفوفة حوله بلا فائدة.

إنه أوستن كان الزعيم يتحدث إليه بملامح أشيه يذئب شرس يكشف عن أنيابه الحادة وهو يزمجر بوحشية استعدادا للإنقصاض عليه.

النظرات التي يتبادلانها لا تمت للبشر بصلة، كأنهما وحشان من عالم آخر، يتبادلان لغة لا يفهمها

بني الإنسان.

شعرت بغصة في حلقها وهي ترى أمامها صنيع أيدي القبح والشر فيهما، هنا سألت لوكاس كأنها تستنجد به...

" ماذا علي أن أفعل يا لوكاس ؟"

رد ببساطة بملامح متعبة....

"افعلي ما يمليه عليك ضميرك، لكن حينها لا تتحسري على الثمن الذي ستدفعيته، فما بين يديك اليوم قد لا تجدينه غدا."

كلامه زاد من حيرتها فطرحت السؤال بصيغة أخرى لتعرف كيف يفكر أقرب الناس إلى زوجها... لو كنت مكاني ماذا ستفعل ؟ "

افرجت شفتاه عن ابتسامة رضا كأنه سمع السؤال المناسب...

ببساطة أفعل ما يأمرني به الزعيم، لأني لا أعرف خبايا الأكاديمية بقدر إبنها البار."

تلالات دموعها بكبرياء في عينيها رافضة الإنهيار فايتسمت في وجهه.....

"Gracias..Lucas"

"شكرا لوكاس"

ثم نهضت متجهة إلى وسط الساحة بخطوات واثقة ازدادت سرعتها بعد أن لمحت الزعيم يصوب مسدسه نحو أولئك الرجال الإعدامهم، بدء بأوستن قبل تعليق جتتهم على أبواب وشبابيك البيوت المهجورة والمطلة على الساحة.

"يمالان"

صاحت بصوت مليئ بالقوة والحزم، لتقترب منه ماسكة يده التي تحمل المسدس، عينيها الجريئتين والحزينتين تخترقان سواد عينيه المخيفنان كانها تبحث عن يمان الرحيم لا عن

الزعيم الذي يفتك بأعدائه بلا رحمة...

"لا تقتلهم أرجوك.. دعهم يذهبون."

احتدت ملامحه وازداد ظلام عينيه، لم تأتي كلماتها على هوى نفسه المتعطشة للدم، فرد من بين أسنانه بنبرة محذرة ...

عودي أدراجك وانتظريني مع لوكاس.."

لكنها لم تصغي اليه ولم تدع الخوف يتسلل إلى قلبها ...

لم تهبهم أرواحهم حتى تنتزعها منهم بهذا الشكل المربع، بماذا انت مختلف عنهم إذا !؟ هم وحوش وأنت أكثرهم وحشية إن قتلتهم بعد استسلامهم. دع الرحمة تسم أفعالك، في عز قوتك وجبروتك كن حليما واصفح عنهم، أعطيهم فرصة أخرى للحياة.. أرجوك."

صرخ في وجهها وهو يبعد مسدسه عنها ...

" افعلي ما أمرتك به."

فصرخت هي الأخرى في وجهه...

"أنا جزء من هذا العبث كله.. لذلك أن أسمح أن تسفك الدماء في حضوري.. وإن كنت مصرا فايدا بي أولا."

أمسكت يده التي تحمل السلاح ووجهتها نحو صدرها كلماتها كانت شجاعة وصارمة بينما عبداها كانت تتوسل له وتترجاه، دموعها التي رفضت الانهيار قبل لحظات استسلمت على خدها تحت نظرته القاسية ...

نظر ببرود إلى فوهة مسدسه على صدرها الذي يعلو وينخفض، وقدماها ترتعشان من الموقف.

من المستحيل أن يعرف أحد ما يدور في جمجمته اللعينة، أو يتكهن بردة فعله في ساعة صفاء.

فما بالك بساعة غضب مميت كهذه.

ليا كأن مشاعره تعطلت وصار قلبه خارج التغطية، فقالت في محاولة بائسة لمخاطبة عقله و استمالته عله يستجيب لها ...

" الأكاديمية لن تسكت عن قتلك الخبرة رجالها، هذا بمثابة إعلان حرب شاملة لا تبقى ولا تذر، لا

أنا ولا أنت سننجو منها، فكر بوالدتك واخوتك "

تحرکت شفته بابتسامة جانبية ليزفر بسخرية حانقة ...

"ألا تظنين أن الأوان قد فات على التفكير بنا وبالعائلة ؟ حين يتعلق الأمر بك لا تهتمين لما ستؤول إليه الأمور، والآن تقفين أمامي بكل وقاحة لتذكريني بالعائلة !"

في اللحظة التي انزل فيها سلاحه مستسلما الدموعها، قالت باستسلام...

لن تكون الاراضيا الفلاشة الك، ولن أطالب بنشرها بعد اليوم، فقط دعنا نذهب من هنا... ارجوك

أومأ لها بالموافقة لتتركه مع أوستين الذي كان معصوب العينين لكنه سمع كل شيء وهو ينتظر تلقي رصاصة الموت مع بقية رجاله ليزيح الزعيم العصابة عن عينيه يسخط...

"اسمع يابن العاهرة... وعدتك أن أعلق جتنك القدرة على الخطاف وأسلخ جلدك العفن.. لكن أجلك لم يحن بعد، وحياتك الرخيصة مازالت مستمرة لأجل اخر لحد أولئك المردمة وعد إلى اسيادك كالعاهرة المنتهكة وقل لهم أن الزعيم لن يسلم الفلاشة لمن ينقدون عهودهم

واتفاقاتهم..."

فرد اوستن بعينين جاحظتين وهو يهز رأسه رافضا...

"الأكاديمية لا علم لها بهذه العملية، لقد كانت من تخطيطي، حتى أضغط عليك التسلم الفلاشة...

صدقني الأكاديمية لم تخرق الاتفاق أبدا."

نظر له يغضب وربية ليبصق في وجهه ثم نهض موجها أو امره لرجاله بتجريدهم من كل شيء وتركهم مقيدين في العراء.. ثم ركب إحدى سيارات الجيب رفقة فاليريا ولوكاس، وغادروا المكان.

في مساء ذلك اليوم العصيب كانت فاليريا تستريح في غرفة نومها بانتظار موعد العشاء، ليس لأنها جائعة رغم أنها لم تأكل شيئاً طيلة اليوم، بل لأنه الموعد الذي لا يخلفه الزعيم ليجتمع بعائلته

هي لم تراه ليقية اليوم بعد أن أوصلها للقصر واختفى كعادته، كانت تشعر أنه تعمد الابتعاد عنها بسبب الفلاشة.

حين اقترب موعد العشاء، إرتدت فستانا طويلا باكمام وأزرار عند الصدر مع حذاء أسود بكعب عالي تركت شعرها منسدلا على كتفيها لتنزل إلى صالة الطعام، فوجدت أنستازيا رفقة مارسيلا

تتحدثان حاليا بينها ضيا متشغل بتصفح هاتفه.

هؤلاء الثلاثة أكثر الاشخاص بساطة وطبيعية في نمط عيشهم عكس البقية.

رسمت ابتسامة واسعة استعدادا لممارسة دور زوجة الزعيم كما ينبغي، مع أن أكره شيء لديها

هو أن تتصرف عكس صحيتها وطبيعتها....

انضمت إليهم وهي تحببهم فقويت بسيل من الأسئلة حول اختفائها مع الزعيم منذ الصباح الترد بعفوية ...

ذهبنا للشركة ثم خرجنا في جولة قصيرة... بعدها أوصلني للقصر وغادر...

ضحكت مارسيلا قائلة...

"ماذا... خرجتما في جولة .. لا أصدق... أنت تتحدثين عن يمان الذي تعرفه أم عن شخص آخر."

الترد فاليريا ضاحكة ...

"لو كنتي معنا ما طرحتي هذا السؤال أبدا....

التقول مارسيلا يمكن...

"لا بد أنها تجربة فريدة من نوعها ....

فغيرت نبرة صوتها قائلة بلؤم مماثل...

لوكاس لن يبخل عليك بتجربة كتلك فعجلي بالزواج منه قبل أن يغيير رأيه ويتحجج بأعذار واهية، فالرجال لا يحبون الانتظار."

ماتت الابتسامة في وجه مارسيلا لتقطب حاجبيها في قلق...

"يغيير رأيه 511.."

نظرت بتطلع إلى القادمين من الخارج بعد سماع هدير سياراتهم، وما أن وقع بصرها عليه يعبر المدخل تعالت اصوات متلهفة بداخلها...

اركضي نحوه يا فتاة وألقي بنفسك في حضنه ".

لكنها تمالكت نفسها وأبطأت خطواتها، لأنها تريد أن تبدو أكثر رزانة وتحكما بنفسها أمام أفراد العائلة، فاكتفت بأن حيته بقبلة خاطفة على خده، فلم يظهر هو الآخر أكثر من إيماءة مقتضبة ويده تحاوط خصرها بدون علو ليجلس الجميع حول مائدة العشاء وباشروا يتناول طعامهم بعد أن أعطاهم الإشارة لذلك.

كان الصمت هو الغالب ذاك المساء حتى كسرته انستازيا بالسؤال عن لوكاس...

توقعت أن يأتي لوكاس العشاء، أرجوا أن يكون المانع خيرا"

اجابتها مارسيلا مستدركة نسيانها بأن لوكاس قد اتصل واعتذر عن المجيء لأسباب تخص العمل.

فتوجهت انستازيا بالكلام لابنها الجالس يبرود وضعت ثقيل...

یمان این ارسلت لوكاس هذه المرة؟"

نظرت فاليريا إلى الزعيم الذي كان يتجاهل الجميع، لم يبدو عليه أنه يكترث للاجابة عن سؤال والدته، فقط واصل تقطيع اللحم بهدوء مستفز أثار حفيظة الجميع.

لوهلة تخيلت فاليريا رده الفظ حين لا يرغب بالكلام أساسا لتضرب بقدمها ساقه لعله ينتبه للسؤال، فرفع رأسه ليرة باقتضاب.....

"لم أرسله لأي مكان إنه في المشفى يتعالج من طلق ناري أصاب ذراعه "

تنهدت فاليريا باستياء وهي تفرك جبينها من التوتر، لقد ألقى كلامه في وجه الفتاة دون مقدمات

انتقضت مارسيلا من مقعدها بخوف شديد...

يا إلهي.. لماذا لم تخبروني منذ البداية...

هفت بالمغادرة لكن الزعيم أوقفها بنبرة محذرة....

عودي إلى مقعدك فورا، قبل أن ينتهي العشاء لن تذهبي لأي مكان."

فجلست بعد أن اومات لها فاليريا بالجلوس، ففعلت مجبرة لأنها لن تسر بما سينطق به لسانه الحاد أمام الجميع.

رضحت لأنه ممنوع أن ينهض أحد عن مائدة الطعام قبل الزعيم، فظلت حابسة دموعها وخوفها على لوكاس، فتدخل أراس التهدئة الجو وطمأنة مارسيلا...

"لا تخافي عليه إنه كالسعدان، ولا بد أنه أتعب الممرضات من الركض خلفه في أرجاء المستشفى من أجل الحقنة "

سكت قليلا ليبتسم بخبث مجيبا على علامة الاستفهام التي رسمت ملامح الجميع خاصة مارسيلا..

فليكن في علمك مارسيلا زوجك المستقبلى يخاف من الإبرة وليس من الرصاصة !!"

خيم الهدوء على أرجاء القصر سامحا لصوت البيانو بالارتفاع أكثر فأكثر لتزداد دقات قلبها كلما اقتربت من جناحهما.

كأن أنامله تعزف على أوتار قلبها لا على مفاتيح البياني، عزفه العذب والمبهر يوقعها في حيرة شديدة في كل مرة ترقص فيها الامله بخفة ورشاقة لتصدر لحنا عصيا عن الفهم، لحن جميل وملفت لكنه غامض ومخيف.

تعرف جيدا انها إحدى وسائله الفريدة في تصفية الذهن وإراحة أعصابه، لكنها أكثر وسائله طبيعية والسانية ورحمة.

هذه المرة لن تراقبه من بعيد أو تقف عند مقدمة البيانو بإعجاب وذهول، بل ستجلس بجانبه وتراقب عن كتب حركات أصابعه وهي تصنع الجمال، كما تفجر النشوة في مكامن انوثتها.

جلست ملاصقة له وعينيها على مفاتيح البيانو بحشرية تدرك أنها غير مستحبة لديه حين يريد. البقاء لوحده.

لكنها الآن تقطع حبل افكاره كطفل شقى وتعبت بتركيزه وهي تضع أناملها على المفاتيح تحاول تقليده بلا فهم، مريكة سيرورة العزف ومشوهة جمال اللحن.

توقف عن العزف أخيرا ليلتفت إليها بعيون ضيقة. يحاول فهم الجدوى من تصرفاتها الطفولية... "ماذا تحاولين أن تفعلي ؟"

رنت بثقة بدون أن تنظر إليه ....

أثبت حضوري، وأعلن عن وجودي الذي لم تشعر به وأنت في ملكوتك البعيد عني والمحرم علي ولوجه !"

سؤاله التالي جعلها تعض على شفتيها من الداخل لتمنع ابتسامتها، فقد نجحت في استمالته الحديث كبرياؤه يرفض لخوضه رغم حاجته له.....

" عن أي ملكوت محرم تتحدثين؟"

بينما صوته الداخلي يسأل باستهجان....

"لقد انتهكت كل خرماتي وكشفت الستار عن ملكوتي.. فماذا بقي لي ؟"

نظرت إليه لترفع سبابتها إلى رأسه....

أقصد هذا .. رأسك الفذ وعقلك النير.. أريد أن أحضى بمثله أو بقليل منه.. أن أسبر أغواره

الأفهم كيف تتبلور الأفكار داخله وكيف يتفلق عن ذكاء حاد ومنقطع النظير"

وجد نفسه يبتسم رغما عنه رافعا حاجبيه باستغراب...

" هل تعرفين بكم أكبرك ... كم شهرا ويوما وساعة؟ كم بلدا وطات خلال هذه السنوات ... كم من صنوف البشر قابلت ... ألم يرد عليك ما مررت به حتى الآن؟"

ردت بصوت رقيق أرادت أن توصل به رؤيتها له....

يلى.. أعرف... ما يعيشه الإنسان خلال طفولته وصباه يشكل شخصيته وبصقلها .. لكن... أنت استثناء بالنسبة لي.. انت فريد من نوعك.. ما عشته في طفولتك كان ليكسرك وينهيك للأبد... كان ليقبر طموحاتك ويحطم شخصيتك.. أنا أرى أن ما أنت عليه.. لا والديك ولا الأكاديمية لهم الفضل الأكبر فيه، أنت بالأصل حجر نادر صقلته يد الزمن ولمعته حتى غدا الماسة صلبة عديدة لكنها تحفة للعين.. تمت شيء بداخلك، شكل الرجل الذي أنت عليه.. شيء كالبصمة الوراثية... فيك جينات الزعامة منذ الولادة.. ونزعة المحارب متأصلة فيك... ذكاؤك المتقد فطري وليس مكتسب .."

ابتلعت ريقها محافظة على اتصالها البصري به...

" نظرتك التي تخترق قلبي كالسهم رأيتها في صور انستازيا وهي تحملك بين ذراعيها.. ورأيتها في فيديو الفلاشة وأنت أسير بين القضبان وأراها فيك الآن.. لهذا لا يمكن أن تلمح في عيني نظرة شفقة ومواساة.. بل ستلمح نظرة حب وتقدير حتى ينطفئ نورهما للأبد...

اقتربت منه حتى اوشكت شفاههما على الالتقاء وهي تمعن النظر بعينيها الخضراوان في خاصته.. وتداعب خده المكسو بلحية خفيفة...

"أنا أيضا بصرت فيك بما لم يبصر به غيري.. ولا تهمني ظنونهم في شيء لأني قد اكتفيت بك عن الدنيا بأسرها"

هر صدق نظراتها وكلماتها ونبرة صوتها كيانه هذا .. وأداب جليد الكبرياء بينهما ...

فأخذها في قبلة أرق من النسمة وألذ من الشهد وأعمق من المحيط.. قبلها كما لم يفعل يوما.... بلطف وتأن تغازل تغراهما أخذان كل الوقت الذي في العالم... لم يكن ضلحا بعد خصام ولا اعترافا بعد تعنت، بل كانت مناجاة بأرفع واقدس ما في فنون العشق من مناجاة.

ابتعد ليغرف من نبع عيونها اخذا وجهها الصغير بين يديه الكبيرتين ...

"لقد انتصرتي ايتها القطة المشاكسة، والفلاشة اصبحت تحت تصرفك بدة من الآن، إن شئت إظهارها للعلن أو إخفاءها للأبد، تلك الحقايق أمضى والدك حياته في البحث عنها، ولا يسعني سوى مساندتك في أي قرار تتخذينه."

لم يكن الوصول لهذا القرار سهلا، ولأول مرة يقوم بشيء ضد ارادته، لأجلها هي تنازل وترك عناده جانبا وهذا أرهق ذهنه كثيرا في محاولة لإيجاد حل بلا فائدة.

لأنه يحبها بجنون قرر أن يساندها ويساعدها لتحقيق إرادة والدها...

"حتى تنهى الجدال في هذا الموضوع اللعين... سأساعدك في نشر المعلومات بأسلوبي وعبر قنوات الاتصال الخاصة بي، ليس لأنك ضغطي علي بل لأنني أريدك أن تري كيف ستقير تلك المعلومات بدون أن يحاسب أحد، ولكي لا تقولي انتي منعتك من تحقيق رغبة والدك الأخيرة. ضعي بعين الاعتبار أن هذه الخطوة ستكلفنا الكثير وقد تنهينا تماما.."

شعرت بغصة في قلبها تهز رأسها رافضة ومستنكرة....

"لماذا يجب أن تكون تكلفة الدفاع عن الحق غالية بهذا الشكل ؟ لماذا ستضحي بهذا الشكل المأساوي دون نتيجة مضمونة"

احكم قبضتيه على وجهها وهو ينظر إليها ...

"سبق وقلت لك الحياة لا تمنح كل شيء.. إما أن تضحي لأجل تحقيق أهدافك أو تكتفي بما لديك. "

نزلت دموعها سخية على خذها فلم تعد تطيق حبسها..

لذي كل ما تحلم به أي امرأة ... لدي انت لكن صوت أبي يوجع ضميري بشدة ويقض مضجعي. أشعر أن روحه تتعذب في قبره. هل تظن أنني لم أحاول نسيان هذا الموضوع اللعين والاستمرار في حياتي ؟ كيف تفكر في أنني قد أضحي بك وبالعائلة وقد صرتم جزء مني ؟ أنا أتعذب يمان.... أريد نسيان الفلاشة وأبي والاكاديمية اللعينة لاستطيع التنفس بشكل طبيعي.. لكنني لا أستطيع... سكوتي عن تلك الفضائع يجعلني مذلية وشريكة فيها ."

شهقت باكية ليضمها إلى صدره وهو يربت على ظهرها بحنان...

"إهدني، كل هذا سينتهي فقط تقي بي وارمي حملك على."

هدات تدريجيا دون أن تبعد رأسها عن صدره كانه أكثر مكان أمن في الوجود....

سمعت بيهمس لها متوعدا...

"سوف أمحي الأكاديمية حتى لو كان آخر شيء أفعله في حياتي.. فقط لا تبكي لأني احتاجك

قوية وصامدة."

لتدرك أن وقت البكاء قد ولى وأن أولئك الملاعين سيدفعون ثمن آلامهم وجرائمهم في حق الإنسانية... لا يمكنها أن تكمل حياتها بشكل طبيعي مع علمها بكل تلك الفضائع .. وهم يسرحون ويمرحون ويواصلون حصد مزيد من الضحايا بلا حسيب ولا رقيب...

لن تستطيع العيش بضمير سليم وصوت والدها يرن في أذنها ولن تعرف طعم الراحة وصراخ ذلك الطفل الصغير يضح في راسها... مناديا

"mi madre"

"أمي "

لم تستفق من شرودها وهي تتذكر أحداث ذلك اليوم إلا بعد أن تيبست أصابعها من البرد وغطت الثلوج حواف الشرفة، لتعود أدراجها إلى الداخل وتغلق الشرفة شاعرة يدفى الغرفة يحتضن جسدها من جديد عليها أن تستعد الاحتفال رأس السنة هذا المساء وتستقبل عاما جديدا لا يوجد فيه سوى الحب.. فقط الحب.....

سمعت هاتفها يرن فأسرعت باتجاهه لترد بابتسامة عريضة إنها إيلا رفيقة عمرها لتسبقها متذمرة من عدم مجبتها مبكرا قبل الاحتفال، فاعتذرت إيلا بسبب انشغالها لتزفر فاليريا بضيق

فقد كثرت حجج وأعذار قريبتها كأنها تتجليها.

لكنها فضلت الاحتفاظ بعتابها إلى ما بعد الاحتفال المنتظر...

"سوف اتي رفقة أبي حالما توصل أبيل إلى المطار"

سألت فاليريا بأسي...

" من المؤسف أنه سيسافر هذه الليلة ولن يكون بيننا"

ردت إيلا بنبرة حزينة ....

"سوف يفارقنا ولا أدري متى تجمعنا الأيام من جديد."

لم تعرف بماذا ترد في مثل هذا الموقف وكيف ستواسيها وتخفى حيبتها من ابن عمها الذي قرر الرحيل دون أن يودعها حتى، غير أن كلام ايلا جعلها تنهض من مقعدها تفتح فمها دهشة...

قبل أن اتصل بك طلب مني أن أخبرك أنه أمام بوابة القصر لتوديعك، لكن الحراس منعوه حتى

من الاقتراب...

أقفلت الخط بعد أن شكرتها لترتدي سترة صوفية وبنطالا من الجينز ثم نزلت إلى الحراس بملامح غاضبة لتقف عند البوابة تأمرتهم بلهجة صارمة وثابتة...

" أريد مبررا مقنعا لترككم قريبي واقفا تحت الثلج دون أن تسمحوا له بالدخول "

ليرد أحد الحراس وعيناه في الأرض...

" عفوا سيدتي لكننا ننفذ أوامر الزعيم..."

افتريت من البوابة التلمحه يقف وحيدا وهو يلوح لها بيده بينما الثلج المتساقط تراكم على اكتاف

شعرت بالأسى لحاله لكن لا فائدة، لن يدخل إليها ولن تخرج اليه مادام الزعيم يرفض ذلك. تراجعت إلى أحد المباني بالحديقة واتصلت بزوجها ليسمح لها باستقباله فجاءها صوته بنيرة ساخرة..

"لا تقولي أنك اشتقتي الي يا فتاة؟"

قلبت عينيها مع ابتسامة...

"تخمينك خاطئ هذه المرة.. أريد أن تأمر حراسك بفتح البوابة لابن عمي، لقد جاء ليودعني وأنت تحرجني بحرصك الشديد هذا"

جاءها الجواب سريعا وقاطعا ...

"لن يدخل ذلك المحدث إلى قصري وأنا غير موجود"

هكذا ببساطة.. تركته بأن يسمح له بالدخول قائلة ...

"إكراما لعمي وإيلا.. المسكين جاء لوداعي لأنه سيرحل بعيدا"

سكت لبرهة ثم رد....

لن يدخل حتى أتي.. نصف ساعة وأكون في القصر.."

استنكرت بشدة واعترضت...

"هل أترك الرجل في الشارع في هذا الجو القارص حتى تأتي حضرتك ؟... أنت تضعني في

وبلا مبالاة قال قبل أن يقفل الخط...

" أراك بعد نصف ساعة...

زفرت بتذمر...

" أساسا كنت سأستغرب لو كان ردك غير هذا "

راقبت من إحدى الشرفات وصول زوجها وهي تتمنى ألا يخضعوا أبيل للتفتيش المهين كانه قاتل أو لص وليس ابن عمها وبمثابة أخيها، يا لخجلها من إيلا وعمها إذا علما بحسن الضيافة عند آل أوزيتش

طالما تفهمت تلك الإجراءات الامنية المشددة خاصة مع اقتراب نهاية الهدنة، لكنها لا تفهم سبب حساسية زوجها من أبيل إذ لا يعقل أنه يغار عليها من قريبها ؟!! حركت رأسها تنفض عنها هذا الهراء .!!

أخيراً انفرجت أساريرها حين رأت قريبها يدخل من البوابة خلف الزعيم ورجاله بعد أن فتشوا حتى سريرته، شكرا يمان بفضلك صرت بحجم حبة السمسم أمام قريبي.

نزلت لاستقبا لهما لتجد رستم قد سبقها وأخذ المعطف من الزعيم أولا ثم من أبيل، فاقتربت التحية زوجها أولا حتى لا تدع له مجالا ليتذمر منها.

لكنه سحبها من خصرها وقبلها بحميمية أمام أبيل جاعلا إياها تذوب من الحرج، حتى أنها نسیت ماذا ستقول، لتبتعد عنه وهي تتزوره ثم التفتت إلى ضيفها ...

"أهلا بك أبيل.. أرجوك تفضل أنت لست غريبا ."

اقترب واضعا باقة ورود وعلية شكلاتة في يديها بهدتها بحلول السنة الجديدة لتشكره بابتسامة عريضة لم تعجب الزعيم فأشار إلى رستم ليتقدم الأخير أخذا ما بيدها وهو يعرف أين سيكون مالهما من نظرة واحدة من الزعيم...

كان وجود الزعيم الجالس واضعا رجلا فوق الأخرى تقيلا على أبيل خاصة أن نظرات الإزدراء وعدم الاستلطاف مصوبة نحوه لدرجة أنه لم يستطع قول جملة مفيدة من الارتباك.

حتى أنه كان يتجنب النظر إلى فاليريا في حضور زوجها المتوحش كي لا ينقض عليه.

كم كان موقفه صعبا وهو يلعن نفسه ألف مرة على مجينه كان يريد أن يراها بجانبه ويده تحاوط خصرها يتملك مميت كما هو الحال الآن لتكون آخر صورة تعلق في ذهنه لتمحو ما سبق ولا يتذكر غير فاليريا خاصة يمان أوزيتش فقط .. لكنه لم يتوقع أن هذا سيؤلمه بشدة لدرجة أنه نسي الكلام.. هذا حقا أسوء عقاب القلب أحب بسخاء وسخف...

وضعت الخادمة فناجين القهوة والضيافة أمامهم بعناية، تم انحنت بخفة لتقدم فنجانه أولا. بابتسامة خافتة لا تتجاوز حدود الأدب.

أخذ فنجانه ببرود معتاد، بينما كزرت نفس الحركة مع سيديها قبل أن تنسحب بسلامة وهدوء كانها لم تكن هذا قط.

أشعل الزعيم سيجاره الكوبي، نفت منه سحابة دخان ثقيلة ثم سأل ببرود يخالطه شك خفي...

" أخبرتني زوجتي أنك ستسافر الليلة ... إلى أي بلد وجهتك ؟"

أجابه الآخر مبتلها ريقه مزيلا جفاف حلقه....

" إلى... المانيا "

من الزعيم رأسه يتفهم مصطنع، ملامحه لا تظهر سوى الامبالاة متغطرسة...

" الماليا ... ليست بعيدة كفاية "

ارتبك الإثنان في لحظة واحدة تجمد أبيل في مكانه لا يعرف كيف يرد بينما أخفت فاليريا ارتباكها بابتسامة مجاملة، تخفي خلفها حرجا حادا من قريبها حاولت تهدئة الأجواء المشحونة: "خالتي تعيش في ألمانيا.... كانت دائما تقول إنها بلد جميل ستسعد بوجودك هناك "

وفجأة، ظهر رستم من العدم، كأنه ملاك نجدة، اقترب وهمس في أذن الزعيم بكلمات مبهمة. فاعتدل هذا الأخير واقفا، متجهة، وقال بعجرفة مشبعة بالتعالي...

"سفرا طويلاً أيها الم."

جفت الدماء في عروقها من شدة التوتر عيناها اتسعنا خوفا من أن يكمل الكلمة التي اعتاد أن يرميه بها.

لكنه تراجع في آخر لحظة، شد على أسنانه، وابتلع الكلمة كما يبتلع الغضب مانعا نفسه من قولها في وجهه ...

".. المهندس.. وبلغ تحياتي لخالة زوجتي.

ثم سحبها الزعيم جانتا، بعيدا عن الصالة...

همس بنيرة حازمة لا تحتمل نقاشا...

"لا تطيلي الحديث معه.... وجدى طريقة لصرفه، لا أريده هنا حين أخرج من المكتب"

اومات برأسها مطيعة، ثم أخذت نفسا عميقا قبل أن تعود بخطى ثابتة إلى داخل الصالة.

جلست امامه، تحاول تجاوز ما حصل...

"أعتذر نيابة عن زوجي، فهو شديد الانشغال

ابتسم وهو يتناول فنجانه برصانة خفيفة ....

"أنا جنت لرؤيتك أنت لم يكن هو ضمن حساباتي أصلا، فلا تعتذري، أعلم أن وجودي هنا غير مرغوب فيه"

قاطعته بسرعة، كأنها تخشى أن يتم حملته...

"هذا غير صحيح، ما دمت هذا، فعائلتي مرحب بها .. وأنت منها، دعنا من الماضي والتفتح صفحة

جديدة. بالنهاية، أنت أخي الوحيد.... لا أستغني عنك "

تصلبت ملامحه للحظة، وابتلع كلماتها الأخيرة كأنها غصة من نار، قبل أن يرد بصوت خافت متماسك ...

"لم نكن على خلاف حتى تفتح صفحة جديدة، لا أظنني ارتكبت ما يستحق القطيعة"

رفعت فنجانها وأخذت رشفة تخفي ارتباكها، ثم قالت..

بلى .... أنت لم تحضر زفافي، وهذا وحده كان كافيا"

ابتسم ابتسامة قصيرة مشوبة بالأسى...

تعرفين السبب، فلا جدوى من استرجاع الماضي، كما قلب... جنت فقط لأودعك، أتمنى لك حياة زوجية سعيدة. و.... صدقيني، لا أحمل في قلبي إلا المحبة والأخوة"

نهض بعدها بهدوء، وأردف.....

والان اسمحي لي على الذهاب قبل أن يفوت موعد الطائرة "

لم تعلم إن كان صادقا في كلماته أم يخفي خلفها ما لا يقال، لكنها على الأقل وجدت في

اختصاره مهربا من تفسير لا حق له به.

وقفت لتودعه، مدت يدها نحوه في مصافحة رسمية، كأنها تصافح غريبا، فحتى وإن نطقت بلسانها كلمة "أخي .... لم يعد مسموحا أن تعامله كذلك.

راقبت خروجه من البوابة الكبيرة للقصر كما راقبته حين دخلها لأول مرة وآخر مرة.

شعرت بالأسى لحاله بعد أن لاحظت الهزال الذي أصاب جسده والشحوب الذي ساد ملامحه لتدرك أخيرا سبب ابتعاد إيلا وانشغالها عنها .. ولن تلومها إن أحسن منها جفاء المعاملة وبرود المشاعر.. فهو شقيقها الوحيد ومن الطبيعي أن تحزن عليه وتنحاز له.

في تلك اللحظة أحاطت دراعاه يخصرها بينما شفاهه الباردة أخذت تزحف إلى عنقها عبر خصلاتها الكستنائية فأخذت نفسا عميقا بينما تريح ظهرها على صدره الصلب تبتسم بعذوبة ليهمس بنيرة متهكمة...

"بما أنك لبقة لهذه الدرجة، لماذا لم ترافقيه للمطار؟!"

حتى لو تهكم عليها أو استسخف حرصها على مشاعر قريبها ما كانت التغضب منه أو تستهجن ذلك؟ لأنها تعرف جيدا أن هذا السلوك تابع من غيرته الشديدة عليها وهذا أبهج قلبها وجعل ابتسامتها تتسع عاضة شفتها السفلي...

لست بقدر لياقتك حتى تخطر لي هذه الفكرة، أو نبهتني في الوقت المناسب لكنت برفقته الآن"

هذا لم يعجبه، عرفت ذلك من ضغط قبضتيه على خصرها وأنفاسه الحارة على رقبتها حتى ادارها نحوه دون أن يبعدها قيد أنملة عن صدره لتقابلها عيونه المظلمة، بينما إحدى يداه تتلاعب بدقات قلبها وهي تزحف على طول عمودها الفقري مرسلة موجات من المتعة لكل جسدها حتى استقرت أنامله عند وزيدها النايض في عنقها يتحسسه برقة قبل أن يضغط رقبتها

من الخلف يقربها إليه أكثر فباتا يتشاركان انفاسهما.

أو ما ينفهم يرى في ابتسامتها كبرياء يزهر كالجوري على شفاهها وفي نظرتها الحالمة عشق لا نهاية له، فل يمنحها الشعور الذي يغذي أنوثتها طالما يصب في مصلحته بالنحو الذي يرضي رجولته.

وما كادت تتفوه بشيء حتى باغتها بقبلة عميقة سحب فيها أنفاسها ، قبلة عميقة تحمل الثواب

والعقاب في شفقها وقسوتها، في رفتها وتملكها.

بادلته تجاري بربرية شفتيه ضد خاصتها كأنها تتحداه وتكشف له الأنثى الجامعة التي هي عليها، وقدرتها على احتوائه.

ارتدت فستان سهرة باللون الأحمر كسرته بحذاء أسود وتسريحة مرفوعة. زادها العقد الألماسي الذي أهداه لها الزعيم ليلة زفافهما جمالا وأناقة.

النقطت قطتها الحامل ... نعم، لقد حملت من أحد قطط الشارع، وكل هذا يسبب يمان لأنه تركها تتجول في الشارع.

كان مزاجها مضطريا، وازداد وزنها في الأسبوعين الأخيرين، لتخبرها إحدى مديرات القصر بالصدقة أن القطة سوف تملأ القصر بقطط صغيرة عما قريب.

"ساقطة.. ستتجبين بلا زواج، وأنا المتزوجة لم أحمل بعد ؟! "

الكل ينتظر نزولها، وأولهم زوجها الجالس على مقعده في صدر الصالة الفخمة.

كانت الحفلة عائلية بامتياز، لكنها لم تخل من مظاهر البذخ والترف. اكتسى القصر بحلة بهية أشجار الميلاد المزينة بالكرات الملونة والأضواء في كل زاوية، والورود الملأ المكان.

الاحتفال هذا العام كان مختلفا، لأنهم يجتمعون لأول مرة في القصر نظرا للظروف الأمنية.

إنه أول عيد ميلاد تمضيه أنستازيا في قصر ال أوزيتش فقد اعتادت الإحتفال مع ابنها في مسقط رأسها.

مارسيلا، هي الأخرى تحتفل بعيد مميز إلى جانب حب حياتها لوكاس.

إيلا وسيمون كانا بين الحاضرين، فبعد أن أوصلا أبيل إلى المطار وودعاه، جاءا تلبية الرغبة فاليريا الملحة، إذ وجدت الأخيرة أن الحفلة فرصة جيدة لتلتقي إيلا بأونور، بعد أن علمت بمشاعر الإعجاب المتبادلة بينهما.

باولا هي الأخرى كانت حاضرة بكامل أناقتها لحضور الحفلة، بعد أن شفيت الكدمات التي كانت. في وجهها واستعادت عافيتها، وجودها كان مكافأة لها على العمل الجبار الذي قامت به في الأيام الأخيرة لإصلاح ما أفسدته أيدي الأكاديمية على صعيد العلاقات العامة لشركات العائلة.

وبعد أن استعادت مكانتها عند الزعيم وسامحها، صار من الضروري أن تعود إلى إسبانيا وتزاول مهامها هناك كما في السابق...

أخيرا، نزلت كلة ال أوزيتش، زوجة الزعيم الذي لا يشق له غبار.

نزلت بزهو و تباه، كان العالم تحت قدميها، وهي ترى نظرات الإعجاب والإشادة والحب أيضاء تماما كالنظرات التي تلقتها يوم زفافها، لكنها لم تعد تلقي لها بالا، طالما هي جميلة في عيني سيدهم وكبيرهم.

حتى لو قالوا في ظهرها ما ليس فيها، أو رمقوها بنظرات رفض وكره أو غيرة وحسد، لم تعد تبالي، فهي لم تنس كلماته القوية والمؤيدة لها....

"لماذا تكترتين النظرة الآخرين ؟ يكفي أن تعرفي مكانتك عندي، لا أريد أن يعرفوا كم أنت غالية علي.. بل أعلى من روحي.

لا أريد أن يروا ما رأيته فيك، حتى لا يحبوك بقدري.

لهذا، دعيهم وظنونهم، فهي أن تغني عن حقيقتنا أنا وأنت شيئا.

لو كنت أهتم لنظرتهم إلى ما صرت زعيقا عليهم، أيت في أمورهم وأقرر مصائرهم.

فلا تهتمي لهم، لأنك لن ترضي الجميع مهما فعلت."

وصلت إلى أسفل الدرج، فتقدم الزعيم بهيئته الأنيقة وكامل هيبته، ليطبع قبلة على يدها، وسواد عينيه يلف روحها الشفافة...

"كل سنة وأنت حبيبتي "

كلامه جعلها أسعد مخلوق في الكون، ونظرته فتحت أزهار الجوري الحمراء في وجنتيها. فاحتضنته بحث هامسة...

"كل سنة وأنت حبيبي."

انضم الجميع إلى مائدة عشاء فاخرة يترأسها الزعيم على يمينه زوجته، وعلى يساره والدته.

وقبل أن يبدأ الجميع بتناول طعامهم، تكلم الزعيم بصوته الرجولي، مسترعيا انتباه الكل إليه. وهو يدخن سيجاره وينظر بعيون باسمة إلى لوكاس الذي كان شاردا في الطبق الرئيسي: يلتهمه بعينيه فهو سيد العارفين بلدة الديك الرومي اذا خرج من تحت يدي أنستازيا.

قال مبتسما...

"لن أطيل عليكم، فعيون لوكاس ستسقط على الديك الرومي من تلقاء نفسها."

ليضع لوكاس السكين من يده تحت أنظار الجميع وضحكاتهم.

ثم استأنف كلامه ...

فقط أريد أن أشكركم لتواجدكم هنا، رغم أنكم تفضلون أجواء أكثر صحيا وانفتاحا مع أصدقائكم. كما أقدر صبركم وتفهمكم وتعاونكم في هذه الظروف الصعبة التي نمر بها، وأوكد لكم أنها ستنتهي قريبا، وستعودون لحياتكم الطبيعية"

رفع نخبه قائلا

سأرفع نحبي هذا على شرف العائلة المتماسكة رغم الصعاب "

ثم أمسك يد فاليريا يضيف وهو ينظر إليها بطريقة جعلت قلبها يريد أن يخرج من مكانه...

ونخب آخر على شرف قطتي المتمردة... زوجتي التي لونت حياتي وجعلتها أكثر بهجة، بها أصبح لوجودي معنى لحب حبيبتي وزوجتي، فاليريا أوزيتش"

احمرت وجنتاها، وارتفعت حرارتها من الخجل، لأول مرة يتغزل بها أمام عائلته ويظهر حبه لها بلا قيود ولا حسابات.

هذا جعل مشاعرها تفيض داخلها، لتفيض عيناها بدموع تلالات كالألماس فيهما.

ثم التفت الزعيم إلى أنستازيا رافعا كأسه من جديد وقال...

تخب المرأة القوية والمكافحة التي لم تتخل عن ابنها الذي شوهته السنين ومحت لمستها الحنونة عليه.

قاومت، وعائدت، وتحملت قسوتي وبرودي لتستعيد ذلك الطفل الذي لخطف منها "

سكت قليلا، ثم استأنف.

" ولأن الأم لا تعوض ولا تنسى... هناك مقعد شاغر، لا أحد منكم تساءل عن صاحبه.. أو صاحبته علا الاستغراب ملامحهم وهم ملتفتين إليه وفجأة سمعوا وقع كعب عال يطرق أرض القاعة. فالتفتوا جميعا باتجاه الصوت ليصدموا بامرأة رغم الفراغ الذي تركه غيابها في نفوس إخوة الزعيم، لم يتوقع أحد حضورها الليلة، وما كانوا ليتجرؤوا على ذكر اسمها أمامه.

كان ضيا أول القافزين من ما تعده، غير مصدق أن تلك المرأة كانت أمه ....

"!!! أمي"

جرى نحوها، لتفتح ذراعيها له وتحتضنه، ثم تبعه باشن، بينما ظلت منار جامدة في مكانها من الصدمة.

لم تتوقع أن يقدم أخوها على خطوة كهذه، وهذا جعلها تشعر بتأنيب الضمير لتقديمها مصلحتها الشخصية على سعادته واستقراره، فسعت لإيذائه في زوجته وتفريقه عنها.

في المقابل، كان هو يفكر في كل كبيرة وصغيرة من أجل العائلة.

رفعت رأسها لتجده يرمقها بنظرات لم ترحها، فابتلعت ريقها بصعوبة، ثم التفتت إلى والدتها هاندا، هربا من نظراته المربية.

رحب البقية بهاتدا، لتشكرهم قائله...

"شكرا لكم جميعا... وشكرا للزعيم الذي سمح لي بالاحتفال معكم ومع أولادي "

هر الزعيم رأسه بتفهم، مشيرا لها بالجلوس، ففعلت، بينما عاد أولادها إلى مقاعدهم لتناول العشاء.

بعد الطعام، توجه الجميع إلى بهو القص حيث تتوسط شجرة الميلاد المكان، محاطة بأكوام من الهدايا.

أعدت هذه الجلسة خصيصًا لتبادل الهدايا والتهاني بحلول العام الجديد، وكان الجميع متحفشا.

من يفتح هديته أمام الجميع يجب أن يعلن عن صاحبها ومحتواها، مما زاد الإحتفال خماسا وإثارة.

كانت مارسيلا أول من تقدمت لفتح هديتها، وما إن فتحت هدية الزعيم، حتى احتج لوكاس بنيرة ساخرة..

"انظروا إلى الطماعة فتحت هدية الزعيم وأهملت هديتي !"

ابتسمت مارسيلا بفرح، وهي ترفع مفتاحا الفيلا فاخرة...

"أرأيت ؟ لماذا يجب تقديم هدية الزعيم على هديتك !"

تقدمت بسرعة نحو الزعيم التعائقه ...

"Muchas gracias, hermano"

" شكرا جزيلاً يا أخي!"

ابتسم الزعيم قائلاً..

" انه بيتكما، عيشا فيه بسعادة واملاوه بالأولاد"

حان العد العكسي لدخول السنة الجديدة، أمام شاشة عملاقة، بدأ الجميع يرددون بصوت واحد..

"100:00...1...2...3...4...5"

انطلقت الألعاب النارية، وعمت الموسيقى الصاخبة والفرحة أرجاء القصر.

كانت لحظات مليئة بالتلقائية، لم يشهدها القصر منذ زمن طويل.

وقفت إيلا عند الشرفة، تستمتع بمنظر الألعاب النارية، حين لفت نظرها علية أنيقة وضعت امامها.

استدارت نحو صاحب الهدية، وابتسامة خجولة ترتسم على وجهها...

"أونورا .. ما هذه ؟ "

قدم لها الهدية بارتياك...

"افتحيها .. كل سنة وأنت بخير"

فتحت ايلا الهدية ببطء وفضول، لتجد إسورة فاخرة وباهظة الثمن.

ارتبكت قلبها ينبض بسرعة، وعيناها تتردد بين الفرح والرهبة.

شعرت وكأن كل شيء سيتكشف أمام الجميع لم يكن واضحا بعد ماذا يعني هذا التصرف

بالنسبة لعلاقتهما، وكان أونور فهم ذلك قبل أن تفكر.

قال بصوت هادئ لكنه حازم...

" لولا أني خشيت أن تصديني، لجليت للب خاتما وخطبتك أمام الجميع.. لكنني أفضل أن تكون

الأمور واضحة بيننا أولا، إيلا، أنت لا تيارحين تفكيري، ولا أريد لهذا الوضع المحبر أن يطول

أكثر، أنا أحبك وأريدك زوجة لي "

تجمدت إيلا للحظة، عجز لسانها عن النطق بما نطقت به عيناها، وفجأة اقترب منها ليطبع أول قبلة على شفتيها الجميلة، بينما هي جامدة وجهها قد احمر خجلا وثغرها فاغر كأنها تحاول عبنا

إدخال الهواء إلى رئتيها بينما دقات قلبها انفلتت وفقدت السيطرة عليها.

فجأة لمحت والدها قادما من بعيد فارتجف جسدها التشهق بتوتر...

"أبي قادم ! "

وفي لحظة ارتباك قصوى، ومن شدة الخجل والخوف من الموقف، رمت الإسورة وعلبتها من

الشرفة بحركة لا إرادية خوفا من أن تقع في موقف محرج امام والدها.

وقف اونور مذهولا، فمه مفتوح وهو يراقب الإسورة تطير في الهواء، وسط الألعاب النارية التي

أضاءت السماء، بينما صمتت إيلا للحظة محمرة الحدين، تشعر بخليط من الذعر والخجل

والحرج، وكأن الزمن قد تجمد حولهما.

عاد الجميع للداخل لإكمال الاحتفال وتبادل الهدايا بعد أن شهدوا عرض الألعاب النارية.

تقدمت فاليريا تحمل هديتها بين يديها، وعينيها للمعان بدلال ومرح لتبتسم قائلة بثقة كبيرة...

ليكن في علم الجميع، أنا أغلى هدية للزعيم المبجل... فلا داعي لانتقاد هديتي المتواضعة "

اقتربت من مقعد الزعيم حيث كان جالسا بهدوء يلتهمها بنظراته المتملكة لكنها لم تتوقع ما سيحدث، بدلاً من أن يمسك الهدية، أمسك معصمها بسلاسة وسحبها لتجلس في حضنه.

ابتسم لها بنبرة مثيرة، غير مبال بالوجود الغفير حولهما ...

"كاني أخبرتك سابقا أن التواضع يليق بك أكثر من الغرور"

أحاط بخصرها، وفتح العلبة ليكشف عن دبوس على شكل نسر طائر جناحاه من الذهب الخالص.

ومرصع بالألماس.

ابتسم بإعجاب، تم قبل خذها وهمس في أذنها ...

"لهذا كسرت وديعة أبيك ؟"

وضعت الدبوس على ياقة سترته، قائلة بخفة....

"أردت أن أهديك شيئا من مالي الخاص... حتى تتذكر دائما أول رأس سنة لنا مقل"

أبدى أراس إعجابه بالهدية قائلا...

زوجتك صاحبة ذوق رفيع .... هدية راقية فعلاً"

فعقب لوكاس عليه ساخرا ...

" لو كنت أعرف أنك تحب البروشات، لأحضرت لك واحدا"

ثم أخرج الزعيم ظرفا من جيب سترته...

خان دوري لاقدم هديتي أيضا"

أخذت الظرف يفضول، وقرأت ما فيه بدهشة...

إنه عقد ملكية لمشروع خيري الفائدة الأيتام وأطفال الشوارع، تحت اسم والدها دافيت

ما تشافارياني، تخليدا لذكراه، وستتولى هي إدارته والتصرف فيه.

رفعت رأسها، وعيونها تتسع بدهشة...

"يمان... هذا كثير علي... كثير جدا."

ابتسم ينظر إليها بدفئ...

"هذا أقل ما يمكنني أن أقدمه لمن قدم لي جوهرته الثمينة.... قلولا تعبته لما عرفتك يوما"

لم تتمالك نفسها، فانطلقت إلى حضنه، وقبلته بحرارة قبل أن تفر منه كفراشة، حاملة العقد لتريه

الإبلا وعمها.

بالقرب من وهج المدفأة تمددت القطة Snow في دلال وكسل، تحدق بعيونها الزرقاء في

صاحبتها التي كانت غارقة في حميمية اللحظة بين ذراعي زوجها.

تتكوم في حضنه كنسمة مدللة، لا يغطيها سوى ملاءة شفافة تتهادى فوق بشرتها، بينما ينساب دفء النار في أرجاء الغرفة، ينسج حولهما سكولا حميها يشبه الحلم.

كانت عقارب الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل، والأنغام الصاخبة ما تزال تتردد في أرجاء القصر تمتزج يضحكات افراد العائلة وضجيح كؤوسهم المترفة.

فضلت فاليريا الانسحاب بهدوء، وقد تاقت روحها إلى لحظة أكثر حميمية وخصوصية، لحظة

تجمعها بالزعيم وحده في جناحهما حيث الهدوء يترتم على إيقاع القرب.

لا تدري ما بال هرموناتها اللعينة تجعلها دائمة الاشتياق والاحتياج له، بعد أن كانت تذوب خجلا من نظراته لها، أصبحت الآن أكثر جرأة تفصح عن احتياجها وعيونها المتوهجة بالرغبة تفضحتوق جسدها الأناملة المحترفة ويأس الوقتها لرجولته الطاغية.

لقد ألفت أنفاسه المحمومة وقبضته المتملكة يلف بها خصلاتها المتسدلة على ظهرها كأنه فارس بروض مهرة عنيدة.

أدمنت رائحة الجنس الممزوج بنبيده المعتق وعطره الأسر في كل مرة يخضع جسدها لطقوسه الخاصة تكتشف سرا من أسرار نفسها الدفينة، وكم كان جيدا في ذلك لدرجة أنها تتلهف لكل لحظة تجمعهما في خلواتهما.

رفعت رأسها عن صدره وجسدها لا زال يحمل علامات لحظاتهم الحميمة، وجلست مستندة بیدها على أحد جديريها بينما يتأملها بشغف...

فخري بك ازداد بعد ما فعلته لإخوتك..... موقفك كان غاية في النبل "

رد وهو يداعب بشرتها الناعمة...

زيارتها مؤقتة... حياتي، وليست دائمة... لن أسمح بوجود الخونة في محيطي"

ابتسمت برقة .

" المهم أنك أسعدتهم "

وضع كأس النبيذ الذي كان يرتشفه جانبا ثم التفت إليها سائلا...

" وماذا عنك... هل انت سعيدة؟"

أخذت نفسا عميقا، وأفصحت بكل ثقة وهدوء غريب...

"سعيدة لدرجة أني سأعائق الموت برحابة صدر لو داهمني وأنا بين يديك"

قطب حاجبيه ولوی شفتيه بلا رضى، ثم ضربها بوسادة كانت بجانبه، وكان فعلته جاءت على سجيتها فردت بالمثل يمرح طفولي، ضاربة إياه بالوسادة...

"ماذا أيها الزعيم؟ هل تخاف أن أتركك وحيدا؟ لا تخف.. أنا جائعة على أنفاسك !"

تحولت الغرفة بسرعة من هدوء رومانسي إلى معركة بالوسائد لم تسلم منها القطة لتهرب من المكان فصاحت فاليريا وهي تضحك...

"أنت تتقصد قتل قطتي المسكينة... كأن ما حل بها في الشارع لا يكفيك "

رد عليها يمكر وهو يحملها باتجاه السرير.

"لماذا لا أجعل بطنك تنتفخ أيضا؟ هذا ايضا نوع من المؤازرة والدعم المعنوي القطتك "

في صباح اليوم التالي، غادر يمان السرير بهدوء حتى لا يوقظها، ثم استحم وارتدى طقمه الرسمي استعدادا لحضور اجتماع مهم بعد الظهر.

خرج من غرفة الملابس مستغربا كسلها ونومها العميق، لدرجة أنها لم تغير وضعيتها طوال الليل.

اقترب منها وجلس على حافة السرير طامها في قبلة قبل الخروج همس قرب اذنها يناديها لكنها

لم تجب، هذا جعله يضع يده على خدها وجبينها يتفقد حرارتها ففوجئ بأنها مرتفعة لقد كانت تحترق من الحمى.

حاول إيقاظها لتستجيب أخيرا، بعد أن تجمدت الدماء في عروقه من الخوف الذي لم يعرف معناه إلا حين أحبها.

وبصوت ضعيف غمغمت دون أن تفتح عينيها ...

یمان.. لست بخير.. أنا متعبة جدا"

ازداد قلقه، فضغط بأصابعه على شريان يدها الأيسر ليكتشف أن نبضها بطيء...

كأنها غابت عن الوعي مجددا قبل ان يرفع الغطاء عنها بسرعة، ثم ألبسها الروب الخاص بها برفق، وحملها على جناح السرعة خارجا بها من جناحه، ولم يتوقف حتى وصل إلى سيارته. ليضعها في المقعد الخلفي صارحًا للسائق أن يتطلق فورا إلى المستشفى الخاص بالعائلة.

في طريقه، اتصل بالمستشفى للتحضير لاستقباله مع زوجته، وشرح حالتها الأولية.

ما إن وصل، وجدهم في انتظاره بسرير متحرك وجهاز تنفس، فوضعوها عليه برفق، ثم توجهوا بها إلى غرفة الانعاش.

الحسن الحظ، كان طبيب العائلة هناك، فأشرف بنفسه على فحصها، طالبا من الزعيم أن ينتظر خارجا

وكذلك فعل لأنه كان بحاجة لإجراء اتصال مستعجل بوالدته ليخبرها بما حدث، كأنه يستنجد

بها من فزع وخوف قلبه لأول مرة.

مرت دقائق قليلة، لكنها بدت كالدهر، حتى كادت أعصابه تنقلت ليتوجه نحو غرفة الإنعاش بعد أن نفذ صبره، وقبل أن يدفع الباب ويدخل، خرج إليه الطبيب بملامح مصدومة ولسان مربوط.

لكن صوت جهاز قياس النبضات الصادر من الداخل أخبره بما عجز الطبيب المذعور عن النطق به خوفا على حياته.

دفعه بساعده ليتقدم داخل غرفة الإنعاش حتى وقف أمام ملاك شاحب وبارد بلا روح، وطنين تلك الآلة اللعينة يخترق أذاته كالهلاوس الجنونية، تضج داخل عقله وتردد....

"...مانت... ماتت.... ماتت... مانت... ما... ما... ت... ت

الثوان ظل يحدق بها، فاقدا الإحساس بالزمان والمكان، فاقدا الإحساس بأطرافه.... حتى اعاده صوت الطبيب صافعا كل أمل داخله...

"لقد قمنا بكل ما تستطيعه... لكن إرادة الله هي الأقوى.... زوجتك انتقلت إلى دار البقاء.. تعازينا الحارة لكم أيها الزعيم "


تعليقات