رواية جحيم عينيك الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل الثالث والعشرون 

إشارة

برحيلك....

اخذتي من العمر كل بريقه ولم تبق فيه غير الصدأ ودمي تاه بين العروق وخاصم ليضي..

ماذا سيفعل نبض غريق ؟

مرت دقائق قليلة لكنها كالدهر كادت فيه أعصاب الزعيم تنفلت ليتجه إلى غرفة الإنعاش وقبل أن يدفع الباب ويدخل خرج إليه الطبيب بملامح مصدومة ولسان مربوط

لكن صوت جهاز قياس النبضات الصادر من الداخل أخبره بما عجز الطبيب المذعور عن النطق به خوفا على حياته.

دفعه يساعده ليتقدم داخل غرفة الإنعاش حتى وقف على ملاك شاحب وبارد بلا روح وطنين.

تلك الآلة اللعينة يخترق أذاته كالهلاوس الجنونية، تضح داخل عقله وتردد...

مانت هانت ماتت ماتت مات ما تست

الثوان ظل يحدق بها، فاقدا الإحساس بالزمان والمكان، فاقدا الإحساس بأطراقه... حتى اعاده صوت الطبيب صافعا كل أمل داخله...

"لقد قمنا بكل ما تستطيعه... لكن إرادة الله هي الأقوى.... زوجتك انتقلت إلى دار البقاء.. تعازينا الحارة لكم أيها الزعيم "

اظلامت عیداه بظلام مميت رأى فيه الطبيب وفريقه الطبي نهايتهم وكيف لا والرجل قد تلقى صدمة عمره بفقدان زوجته التي لم يمر شهر على زواجهما ...

تراجع الطبيب للخلف والذعر قد منعه من الهرب كما فعل طاقمه من المساعدين الذين انسحبوا قبل أن ينطق تلك الكلمات.

في لحظة خطا الزعيم نحود بخطوات ثقيلة قبل أن يباغته في رمشة عين يطبق على رقبته جاعلا قدميه تتارجح في الهواء بينما سقطت نظاراته الطبية وجحظت عيناه من الخوف.

فتح الطبيب فمه في محاولة بائسة لتمرير الهواء الرنتيه بلا فائدة لقد حرمه التنفس حتى زاغت عيناه وكاد يفقد الوعي وقبل أن يحدث ذلك افلته ليقع أرضا بين قدميه.

سحقا... رأى الموت بعينيه في هيأة يدين كالكماشة وعينان تجسدان الشر المطلق...

طنين أذنيه وزغللة عينيه منعتاه من ادراك ما حوله .. فقط فتح فمه إلى أقصى حد ساحيا أكبر قدر من الهواء على رئتيه تستجيب لتضخ الأكسجين إلى أطرافه التي تيبست...

جلس الزعيم الفرقصاء أمامه وأمسك ياقة مريوله بين يديه ليسحبه إليه..

كرر ما قلته لم أسمع جيداً.. في من تعزيني يا هذا ؟."

كانت شياطينه تتسارع داخل جمجمته و ملامحه حرفيا اعلنت عن احتراق كل ذرة من جسده وكل خلية من دماغه...

بالكاد استطاع النطق قائلا بعد لحظات وهو ينهج ...

" حين أحضرت السيدة.. كانت مؤشراتها الحيوية جد ضعيفة لقد كانت تحتضر أيها الزعيم.... أرجوك ارحمنا لقد فعلنا كل ما يوسعنا لإنعاش قلبها ولم تفلح ...

كلامه نزل كالصاعقة على رأسه كان يتنفس بغضب ويزفر انفاسه الحارة كاللهيب، وهو يهز رأسه رافضا ذاك الهراء.

رفعه مرة واحدة وجره خلفه بكل قوة حتى رماه عند حافة السرير الذي ترقد عليه فاليريا بلا حراك ليخرج مسدسه من خصره ويصويه نحو راسه...

حياتك الرخيصة مقابل حياتها.. إجعلها تستعيد وعيها "

كان كمجنون يهرطق أو سكران يهذي دخل حالة تكران شديدة جعلت قلبه يكاد ينفجر من كم الوجع الذي اجتاحه، يرفض تصديق ذلك الهراء الذي تفوه به الطبيب.

" اجعلها تفتح عيديها وإلا فجرت جمجمتك اللعينة والحقتك بها"

رفع الطبيب المسكين رأسه وتحامل على نفسه لينهض ويمد يداه المرتعشتان ليغطي وجهها الشاحب مبتلها ريقه الذي ربما سيكون الأخير قائلا باستسلام وقلة حيلة....

" عندما تغادر الروح من الجسد لا تعود إليه في هذا العالم.. أنا حقا آسف أيها الزعيم إن كنت تملك قتل النفس فلا تملك إحياءها مهما أردت ذلك "

لم يتأخر رد الزعيم في التو واللحظة أطلق رصاصة سريعة لم تمهله حتى بلو صلاته الأخيرة. انطلقت الرصاصة محدثة دويا في المكان تلاه صراخ اونور...

"يمان.. توقف !"

أخطات الرصاصة هدفها ليمنح القدر الطبيب حياة تالية فتنفس الصعداء بعد رؤيته لأونور وهو يمسك يد الزعيم مانعا إياه من ارتكاب حماقة قتل أفضل طبيب للعائلة بينما يقتاده لوكاس

خارج غرفة الإنعاش ليسلمه للحراس حتى يتم التحقيق معه.

فصادف انستازيا تقف عند المدخل بجمود.. لا تصدق ما يحصل هنا.

حين رأت يمان خارجا من القصر يحمل فاليريا بين ذراعيه لحقت به، وفي طريقها إتصل بها تانها محتارا وخائفا.

وبسبب شعور ساورها.. أدركت أن لوكاس وأونور يجب أن يكونا معه، فكان حدسها في محله وهي ترى وحيدها كوخش جريح وهانج يصعب السيطرة عليه.

الوضع كان كارتيا بكل المقاييس موت فاليريا الصادم وانتكاسة ابنها. ضربتان في أن واحد تكسران الظهر وتوجعان القلب.

هي مات فعليا وهو مات روحيا...

انتزع أونور المسدس من يديمان ورماه جانبا ليمسك رأسه بين يديه محاولا تهدئة هيجانه ..... يمان انظر إلي.. يمااان أنت رجل قوي... جبل لا تهزه الرياح .. إياك أن تنهار فأنت عمادنا....

سحقا !! تاهت منه الكلمات وهو يرى عبث محاولاته في انتشاله من الصدمة، إن كان هو الآخر قد صدمه الخير الذي تلقاه هو ولوكاس من احدى الممرضات مذعورة، تركض في الممر ناجية بحياتها من ثورة الزعيم.

ان كان الخبر الفاجعة قد شل تفكيره و هز قلبه .... فيكف به هو ؟!!

أبعد لوكاس انستازيا من المكان حتى يهدأ يمان وأجلسها في أحد المقاعد يحاول إقناعها بأن دورها في مواساته لم يحن بعد خاصة أنه منفعل جدا وقد لا يتقبل أحدا عدا أوتور لأنه صبور ويمكن أن يتحمل ردوده القاسية، صراحه وغضبه.

ذرفت دموعها في صمت وهي تسمع صوته من داخل غرفة الإنعاش يصرخ ويكسر كل شيء من حوله

حين يتعرض المرء الصدمة أو طعنة الفراق يواجهها بالرفض والسخط كأول ردة فعل يائسة وبائسة، حتى إذا استفاق من صدمته وقبل بالأمر الواقع يبدأ ألم من نوع آخر وبجرعة أكبر واشد، تجعل الإنسان يبكي بحرقة الإطفاء تیران اشتعلت داخله.

هذا ما حدث معه حين أدرك عقله واقعه الجديد.. وهو منهار على أرضية الغرفة متكنا على الجدار يتعب وأنور يجلس بجانبه...

تكلم أخيراً ونطق بكلمتين لا ثالث لهما وهو ينظر إلى الفراغ صدره يعلو وينخفض بفعل تنفسه السريع بينما جبينه متعرق...

"اتركني وحدي."

فقام الآخر منقدا أمره بدون اعتراض أو تأخير يلقى نظرة أخيرة إلى جثمان فاليريا المسجى بكل أسى وحزن ثم غادر الغرفة.

اداريمان رأسه نحو مسدسه المرمي بالقرب منه فالتقطه ونظر إليه بعينين تستجديان الخلاص والرحمة من الألم الذي لف كل جارحة من جوارحه...

طلقة واحدة منه، ستريحه وتضع حدا لمعاناة بدأت للتو ولن تفارقه حتى الممات....

طلقة في الرأس وينتهي عذابي لألتحق بك"

هكذا قال لنفسه مبتسما بسخرية ليرفع المسدس ويضع فوهته على جبينه مباشرة.

توان رهبية ومرعبة قبل اعتناق الموت فجأة جحظت عيناه حین رای طيف فالبريا يقوم عنها ويهبط من سرير المعاينة بخفة متجها نحوه حتى اقترب وانحنى أمامه.

طيف يشبهها حين كانت حية مبتسمة ناعمة وجميلة ظلت تنظر اليه لبرهة ثم اختفت ابتسامتها الجميلة ليرتسم الحزن على محياها الكتيب وقد بدأ لون بشرتها ببهت همست بصوت أشبه بالأنين الموجع وكأنه قادم من بعيد...

"لا تتخلى عني ."

انتقض فجأة، فتح عينيه بذعر يتلفت حوله باحثا عن طيفها لكنها لم تكن هناك نقل بصره إلى يديه باحثا عن المسدس .... فلم يجده هو الآخر.

لقد كان حلفا غريبا باغته في لحظة كان فيها جسده وعقله يتأرجحان بين اليقظة والغفوة.

أخبره قرص الشمس الأحمر المتسلل من النافذة أن النهار قد انقضى، وأن الليل على وشك أن يسدل ستاره

يبدو أنه ظل على حاله زمنا طويلا دون أن يشعر بمرور الوقت.

نهض بصعوبة، يجز خطواته يتناقل وكأن الجبال وضعت على كتفيه، أو كأن قيودا من حديد

الكيل قدميه

اقترب منها ببطء، ووقف عندها، ثم أزاح الغطاء عنها برفق.

مد ذراعيه تحت رقبتها وظهرها، ورفع جسدها إلى صدره، يحتضنها بقوة، ويمسح على شعرها كما كان يفعل دائما....

بكي بلا دموع، كان الغدة المسؤولة عن إفرازها تعطلت منذ زمن بعيد.

لم بيك منذ سنين حتى نسي كيف يذرف الدمع.

ولأول مرة، شعر بحاجة ماسة للبكاء، على يخفف عن صدره واو قليلا من ذلك الثقل القائم.

كان يؤمن أن الدموع ضعف واستسلام، وأن الرجال لا يملكون ترف الانكسار....

لكنه أدرك الآن أنه ناقص، لأنه لم يعرف كيف يضعف، ولا كيف يذرف دمعة واحدة.

تحركت شفناه اليابستان اخيرا لقرجان عن عتاب لا طائل منه - لا يعيد راحلا ولا يصلح قدرا

لكنه كان يختصر كل ما يختلج في صدره من نكران، ووجع، وحسرة. عتاب محفل بالأسى، لا يخلو من توبيخ على طريقته الخاصة ......

كيف تتجرئين على تركي هكذا !!؟ من سمح لك بالمغادرة ؟ دخلتي حياتي بلا استئذان وخرجتي منها بلا استئذان.. لماذا ؟ لماذا جعلتني أعتنق الأمل من جديد وأذوق طعم الحب إن كنت سترحلين.. ماذا سافعل الآن يحبك ... كيف سأحيا حياة لست فيها؟ وكيف سيخفق قلبي من بعدك ؟ كيف تحرمينني من أنفاسك الطيبة وأحضانك الدافئة؟ لمن سأوي بعد أن كنت المأوى والملجاء"

أنزل رأسها برفق، وأخذ نفسا عميقا، مؤلفا حد الاختناق، ثم همس بصوت متهدج يقطر وجفا...

أرقدي في صلاح.. حبيبتي "

قتل وسفك الدماء بلا رحمة، يخطف أرواح أعدائه كما لو كان عزرائيل نفسه.

لم يعرف الخوف طريقا إلى قلبه، لا في حرب خاضها، ولا في قتال واجهه.

كان هو والموت سواء، وجهان لعملة واحدة

يزهق الأرواح ولا يهاب الغناء، لأن الموت لا يهاب ذاته.

لكنه لم يتخيل يوما أن يذوق من الكأس نفسها التي سقاها لغيره. وأن يتجرع مرارتها حتى تمزق أحشاءه وتقطع أوصاله....

خرج من غرفة الإنعاش فوجد العائلة كلها واقفة في الممر بوجوه باكية حزينة. لعن في قرارة نفسه عدم قدرته على البكاء مثلهم كان يحسدهم حقا، تحولت ملامحه إلى برود مميت منذ

لحظات خروجه ليس عمداً، بل هكذا ببساطة.

دون أن يظهر شيئاً من البركان الذي يغلي في داخله وقف بثبات أمامهم، وكل نفير يخرجه يحرقه من الداخل عذاب شديد يقرص أسنانه ويشد قبضته حتى تؤلم. تقدمت أنستازيا نحوه

ودموعها تفيض، احتضنته بقوة قائلة بارتجاف...

"ابني ... حبيبي ... لا أدري هل أعزيك أم أعزي نفسي... كلنا مكلومون "

لم يبادلها العناق، قال بصوت جاف مقاطعاً كلامها ...

"لا تقيموا العزاء حتى أعرف كيف ماتت إن كانت قد قتلت فلا تعزوتني فيها قبل أن أثار لها. "

تم ابتعد، متجها إلى حيث احتجزوا طبيب العائلة وفريقه الطبي الذين كانوا في غرفة الإنعاش.

ولما لحق به اونور ساله....

"هل اتصلت برستم ليقوم باللازم مع الخدم والحراس داخل القصر؟"

فأجاب أونور...

"نعم، وسيوفيك بتقرير في أقرب وقت"

وصلا إلى الغرفة فوجدا أراس ولوكاس بانتظارهما.

مد الزعيم يده، وتناول التقرير الطبي الذي كتبه الطبيب بخط يده ووقع عليه.

وقبل أن يتقدم إلى الداخل، أمسكه أراس من ذراعه محاولا تهدئته.

قال بنيرة حازمة ممزوجة بالقلق:

"يمان.... الرجل لا يحتمل الضرب، ولا تنس أنه من رجالنا المختصين.

عينة الدم التي أخذها من المرحومة قبل وفاتها ستصدر نتائج تحليلها بعد قليل.

ارجوك لا تدع غضبك يقودك الآن "

والتقرير يؤكد أن الوفاة كانت بسبب انخفاض حاد في ضغط الدم أدى إلى سكتة قلبية.

هزت الجدار.

انتزع یمان ذراعه بعنف، ورماه بنظرة مميتة قبل أن يفتح الباب ويدخل، ثم أغلقه خلفه بقوة

تنهد أراس بضيق وهو ينظر إلى لوكاس وأونور قائلاً بامتعاض :

"لماذا التزمتها الصمت وتركتماني أتكلم وحدي؟ كأن الطبيب اللعين أحد أقاربي!"

رد لوكاس بتوتر واضح متجنبا النظر في عينيه:

يمان يبحث عن كبش فداء .... عن دم يسكن به تورته لن يقتنع أبنا بأن وفاة فاليريا كانت طبيعية "

داخل غرفة التحقيق، جلس الزعيم على الطاولة أمام الطبيب الذي سأله بخوف...

" هل ستقتلني ؟ - "

رد یمان باستخفاف بارد

بماذا سينفعني قتلك إذا كنت بريدا"

تهلل وجه الطبيب لكنه استدرك سائلا ...

"إذن، لماذا أنا محتجز هذا أيها الزعيم ...؟"

ليجيبه بعيون تقدح شرا ونيرة حادة...

"انتظر نتائج التحليلات.. أدعو ربك أن تكون في صالحك حتى لا أسفك دماء أولادك وأحفادك أمام عينيك قبل أن اقتلك."

عمل مع عائلة أوزينش منذ أن كان هارون ازيتش شابا يخرق الارض طولا وعرضا...

النتيجة.

ليخفض الطبيب أوكتافيو مارتينيز رأسه يترقب ما سيأتي به التقرير.. وهو الرجل الستيني الذي مرت لحظات عصيبة عليه وهو ينتظر قرار العفو أو الإعدام ... مصيره ومصير عائلته بيد تلك

أخيراً، فتح لوكاس الباب ومعه طبيب آخر يحمل نتائج الفحوصات وينظر بقلق وخوف إلى زميله المشكوك في ذمته وهو يسلم التقرير إلى الزعيم بیدین مرتجفتين قائلا...

التحليلات أظهرت وجود آثار لسم قاتل في عينة الدم... هذا النوع من السموم لا رائحة ولا طعم ولا لون له، ولا يعطي مفعوله الا بعد مرور أكثر من 16 ساعة من تناوله... وبما أن الوفاة حدثت في تمام الساعة 11:15 دقيقة فإن المرجح أنها تناولت السم في اليوم السابق ما بين الساعة

الثالثة والخامسة، هذا يعني أنها تعرضت للتسمم في القصر."

تنفس الطبيب أوكتافيو الصعداء بعد أن أزال التقرير كل الشبهات عنه ...

أما الزعيم فقد رمى التقرير على الطاولة بغضب شديد أمرا لوكاس بإطلاق سراح الطبيب.

ما كان يخرج الأخير شاكرا الإله على ذلك، حتى انفجر الزعيم كالبركان الهائج وهو يضرب

الطاولة بيديه ويصرخ بأعلى صوته...

"من يجرؤ على تسميم زوجتي ؟ من فعلها ؟ "

احمرت عيناه كالجمر، وهو يسب ويلعن غاضبا، يركل بقدميه كل ما يعترض طريقه، قبل أن

يصرخ في وجه لوكاس بصوت مزلزل...

اتصل برستم حالا لا أريد أن تغادر ذبابة واحدة ذاك القصرا سأعرف من القاتل بنفسي... أو

أهذه على رؤوس من فيه !"

لكن صمته المفاجئ قطع غضبه حين خطر في ذهنه أمر الأكاديمية ... لا أحد سواها قادر على

فعل ذلك !

هل كان هذا انتقامها ؟ كيف استطاعت التسلل إلى قصري المنيع ؟

عادت إلى ذهنه صورة ذلك المخبث الذي زارهم بالأمس، وفي الوقت نفسه الذي أشار إليه

التقرير ... جحظت عيناه، ولعن بين أسنانه وهو يتدفع مسرعا نحو المصعد.

وما إن فتح الباب، حتى وجد رستم أمامه يحمل علية شوكولاتة، رفعها بثقة في وجهه قائلاً....

"التحقيق مع الخدم والحراس لم يقض إلى أي نتيجة، لكن زيارة قريب المرحومة أثارت شكوكي، عدت إلى باقة الورد وعلبة الشوكولاتة، لعلي أجد شيئا ... وكنت على حق أيها الزعيم.

ابيل هو من سهم السيدة فاليريا، وهذا هو الدليل "

تناول الزعيم العلبة منه وفتحها، ليجد بداخلها رسالة يخط ابيل...

"لا أدري إن كان الوقت سيسعفك القراءة هذه الرسالة قبل أن تفارقك الحياة، أم سيقراها غيرك

بعد فوات الأوان....

لكن ما أنا متأكد منه، أنني أخيرا سأذوق طعم الراحة بعد سنين من العذاب. سأتنفس كغيري من البشر، بلا ألم بلا احتقار لنفسي.. ولن يكون لك وجود في هذه الدنيا بعد هذه الليلة.

لن تستفيقي أبدا.

عنت مراهقتي وشبابي أتنفس اسمك، أحلم بك كل ليلة، أحبك كما لم يحب إنسان من قبل. وأتمنى أن تكوني لي.

لكنك حظمت كل شيء....

سحقت قلبي يتجاهلك، ودفنت حبي حين اخترت رجلاً لا يعرف من الشرف ولا من الاخلاق

سوى اسميهما، فقط لأنه يملك المال.

كم كنت ساذجا حين ظننتك نقية، وكم كنت أنانية وطماعة.

عزائي الوحيد عن عمري الذي أضعته في حبك هو أن نهايتك ستكون بيدي...

بسم محكم داخل كبسولة صغيرة، أقل من حبة الفاصوليا ... يعمل ببطء، يمتحني الوقت الكافي الأغادر البلاد إلى مكان بعيد بعيد جدا ... حتى أعيش بسلام...

وأنت....

ارقدي بسلام يا ابنة العم "

جعد الرسالة بين أصابعه بغضب رهيب وحقد متقد صارحًا في الجميع ...

"أحضروا لي ذلك المخنث فوزا سواء كان تحت الأرض أو فوق السماء... أريده عند قدمي

الطريقة التي تصلب بها فكه وبرزت فيها عروق جبينه كانت كافية ليدرك رجاله أن الأوامر لا تحتمل تأخيرا، فانطلقوا فوزا، يتقدمهم أونور ولوكاس.

كانا يعلمان جيدا أنهما لن يجرأ على النظر في وجهه ما لم يعودا بذلك الرجل.

ولهذا كانت وجهتهما الأولى مكتب الجوازات المعرفة وجهة هروبه، ومن يدري كم ستطول رحلة البحث عن ذلك الخائن؟

كان الزعيم يغلي من الداخل، خليط من الخزي والغضب يعصف به كيف استطاع شخص بسيط مثل ابيل أن يتلاعب به و باشد رجاله حنكة؟ كيف خدعهم جميعا ودس السم في فنجان زوجته دون أن يشك أحد ؟

كيف حصل أصلا على هذا السم الخطير، وهو ليس في متناول أي كان؟

قال أراس وهو يمسك رأسه التي تكاد تنفجر من الصدمة...

كبسولة صغيرة !!... من كان سيكتشف حيازته لها ؟! مستحيل !"

كان الزعيم يجوب الممر جيئة وذهابا كالمسعور يكاد يفقد عقله، لا يستطيع استيعاب أنه الخدع بهذه السهولة، وهو زعيم المافيا الذي تهابه الجبال قبل الرجال، وتحسب له كبرى شبكات المال والسلاح والمخدرات ألف حساب.

لم يجرؤ أحد على منه بسوء، حتى الأكاديمية العتيدة ذات الصيت الدموي في عالم الجريمة الدولية.

لطالما صدق حدسه ولم يخذله يوما ... لقد كره ذلك الرجل منذ لقائه الأول به، لم يرتج له رغم ملامح الطيبة والبلاهة المرسومة على وجهه.

والآن فقط، الضح له أن القلب كان مختبلا خلف قناع الخروف.

لقد سلبه حب حياته، نصفه الآخر... ثم فر كاجين من في الأرض.

"اللعنة عليك... اللعنة عليك!"

كان الطبيب بالقرب من الغرفة التي يتواجد بها جثمان فاليريا حين وصل الزعيم مع عقه فسأله .

بضيق...

" ماذا تفعل هنا؟"

أجاب الطبيب متوترا بوجوب تجهيز الجثمان وأخذه إلى ثلاجة المشرحة في إنتظار الجنازة غدا.. ليرد الزعيم بحزم يخفي ألمه الناتج عن تلك الكلمات كأنها شفرات حادة أو سياط من نار على فؤاده...

"لا أحد سيلمسها .. غادر المكان فورا"

امتثل لأمره دون تردد، وهنا تكلم أراس ناصحا...

الطبيب محق، لا يمكنك أن تتركها هكذا يجب أن تدعهم يقومون بعملهم."

أعاد الزعيم كلامه بحدة اخرست آراس...

"قلت لا أحد يضع يده عليها .. أنا سأجهزها بنفسي.. أذهب واهتم مع يلتشن وضيا بالجنازة وانشورا نعيا في كل الجرائد الورقية والالكترونية أريد جنازة تليق بها"

استسلم أراس الرغيته وأذعن لأوامره.. ليتركه مجددا وحيدا يقابل مدخل الغرفة والألم يعتصر قلبه...

لا أحد يشعر به ولا أحد يدرك حجم المأساة التي غرق فيها قلبه، لكنه مجبر على الوقوف على حقيقة الأمر ومعرفة حيثيات وفاتها، مجبر على البقاء قويا صامدا على إلقاء الأوامر والصراخ والسب واللعن، مجبر على تأجيل حزنه إلى اشعار لاحق.

يجب أن يقيم لها جنازة تليق بها ويودعها كما ينبغي.. ولن يهدأ له بال حتى يقتض من ذلك الجبان وينتقم لمقتل زوجته، هذا هو عزاءه الوحيد

انتشر الخبر كالنار في الهشيم ليتدافع عدد هائل من الصحفيين أمام مدخل المستشفى الأخذ أي تصريح من العائلة بخصوص الخين طمعا في مبيعات أكثر الصحفهم الورقية ومشاهدات أكبر القنواتهم عبر التلفاز والانترنت.

أي خبر عن تلك العائلة بعد سبقا صحفيا ومدخولا مجزيا من الأرباح المادية، لما لا وتركيا كلها

شهدت زفافهما الاسطوري منذ أقل من شهر فقط...

ها هو رجل الأعمال المرموق وصاحب أكثر الإشاعات غموضا وإثارة أصبح أرملا، مما فتح الباب على مصرعيه للتساؤلات والتكهنات والإشاعات بخصوص وفاة زوجته الجامعية الجميلة فاليريا ما تشافارياني إبنة القاضي الشهير والذي قتل بطريقة بشعة قبل أقل من سنين...

راقبت هاندا منظر التجمع الهائل من خلف الستارة.. كان من المفروض أن تكون في طريقها للمنفى غير أن استيقاظها كبقية أفراد العائلة على الخبر الفاجعة أربكها كما أربك الجميع، ولم يكن من المستحب ترك العائلة في هذه الظروف.

استدارت تنظر إلى انستازيا المنهارة كان التي توفيت هي ابنتها وليست كلتها التي بالكاد. تزوجها ابنها ولم يمضي سوى أيام على زواجهما

انكسارها وحزلها الشديد جعلا قلبها يلين ويراف لحالها، فما كان منها إلا أن جلست بجانبها التربت على ظهرها وتواسيها خاصة أن مارسيلا تركتها كي تذهب إلى الحمام

يبدو أن الجميع متأثر وحزين لوفاتها بشكل كبير وهذا جعل هاندا تستنتج أن الكنة كانت محبوبة لدى أفراد العائلة.

طبعا استثنت إيلا ووالدها فهم عائلتها الأصلية ومن الطبيعي أن يحزنا. لكن ضيا بكي بشدة ويلتشن كان في قمة الحزن، أما منار فظلت صامتة مصدومة ودموعها كانت أسخى من البقية.

ربما سهرة أمس أعطتها فكرة عن طبيعة تلك الفتاة المرحة والقوية وتفتها العالية بنفسها وحبها الواضح في عينيها وفي كلامها للزعيم.

لكنها مندهشة حقا لمكانتها الكبيرة في قلوب أولادها متى استطاعت أن تحوز على هذا القدر من الحب والتقدير في قدرة غيابها عن القصر؟

رفعت رأسها وسألت مدار...

أين هو يمان والبقية ؟ لم تراهم منذ ساعات"

ردت متار بحزن وهي تأخذ نفسا عميقا ...

"ضيا ويلتشن غادرا المشفى للقيام بالاجراءات اللازمة والتحضير للجنازة بأمر من الزعيم وعمي أراس لا أدري اي"

قاطعها دخول أراس رفقة رستم لينهض الجميع ويتجهوا نحوهما والاسئلة تنزل عليهما كالمطر.

عن سبب وفاتها وإن كان للأكاديمية دور في ذلك؟

رفع أراس يديه قائلا بملامح مرهقة...

" أرجوكم اهدأوا أعرف أنكم لا زلتم في حالة ذهول وعدم تصديق، لكن يؤسفني أننا أمام حقيقة مرة يجب أن تتقبلها، فاليريا توفاها الله ولا علاقة للاكاديمية بذلك "

نظر إلى سيمون وابنته يأسى وشفقة وسرعان ما التفت نحو البقية...

"لقد كانت وفاة طبيعية وما عليكم جميعاً سوى الدعاء لها بالرحمة... السيارات تنتظر في المدخل الخلفي للمستشفى، سوف ثقلكم إلى القصر لتستعدوا للجنازة.. غدا سيكون يوما طويلا.

ويجب أن ترتاحوا وتكونوا في أتم جهوزيتكم "

وكان كلامه البارد آفاق انستازيا من صدمتها حين اقتربت منه وبصوت مبحوح من شدة البكاء استنكرت....

" هكذا بكل بساطة تقولها في وجوهنا وكأنه أكثر شيء طبيعي فاليريا لم تعد بيننا بعد الآن !!! وعلينا أن تحمل أنفسنا وتتجهز للجنازة وتظهر أمام العالم والكاميرات بأفضل صورة !!"

رفعت سبابتها في وجه أراس بغضب ويأس....

لن أترك ابني وحده في هذا الظرف العصيب... خذني إليه حالا"

سحيها أراس جانيا في محاولة لإقناعها وهو يطلب من الرب أن يلهمه الصبر مع هذه الإسبانية العنيدة...

عزيزتي ماذا ستفعلين في هذا المكان الكتيب وحدك، يمان العزل عن الجميع ولا يريد رؤية أحد. وأنت أكثر العارفين بطبعه.. أنا سأبقى هنا في حالة إحتاجتي في شيء لكن بقاءك هنا لم يزيدك سوى تعبا وكمدا .. امنحي ابنك وقتا ليستوعب الصدمة.. ما حل به كارتة بكل المقاييس لا تتحملها الجبال وإن صدر منه تصرف جنوني أو فعل عدائي، نحن رجاله تعرفه جيدا وتستطيع تحمل رداته العنيفة ومزاجه اللعين، لكن أنت لا... ولا أحد من العائلة يمكن أن يحتوي هيجانه وغضبه.. أنا هنا معه وسأحاول إقناعه ليحضر الجنازة فهو يرفض تلقي التعازي "

هنا توقفت انستازيا عن البكاء لتسأل بربية ...

"لماذا يرفض تلقي التعازي ... ألم تقل أنها وفاة طبيعية ؟!"

فرك أراس جبينه لاعنا زلة لسانه، لتعاود سؤاله بصوت منخفض...

اراس ماذا تخفي علي ؟"

ليرد بتوتر...

"الزعيم من أمر ينشر هذا الخبر، لا يريد أن يشك أحد بصحة الرواية الرسمية فأجلي الكلام إلى أن تكون وحدنا"

سألت وقلق شديد قد اجتاحها....

"ماتت بفعل فاعل ؟"

اطرق أراس رأسه في صمت قد أكد لأنستازيا شكها، لتضع يدها على فمها من هول الفاجعة.

أن تقتل بعد كل ما بدله يمان من أجل حمايتها هو ضربة قوية له عدا فقدانه لها أساسا.

انهارت من جديد وبدأت بالبكاء...

يا إلهي، ما هذا الكابوس الرهيب كيف ستستيقظ منه ؟ حتى إني لازلت لا استوعب ان فاليريا لم تعد بيننا .. لطفك يا الله"

اه يا حبيبتي روحي تحترق بنار من نارك....

※中安安****

نار تأكل جوفي فأعجز عن اخراجها وكأن فمي مقفل بمنات الأقفال الموصدة.

في أعماقي تزدحم الام وماسي الكون بأسره.

فأحتى إذا أخرجتها أن تجتاح الدنيا بسوادها....

احبيتي بتغرك الياسم ما كان بالقلب ميتا.. وبغيابك مات القلب...

آه يا حبيبتي لو كان الدمع يطفئ نار قلبي ليكيت حتى يفنى جسدي أما روحي فلن يجف دمعها.

أينما حلت ...

دخل بخطوات انقلها الوجع، إلى أبرد وأوحش مكان على وجه الأرض... إلى قسم لا تدخله الأرواح إلا صامتة.

وقف عند رأسها، يحدق في ملامحها بعينين محمزتين زائفتين لا يصدق أنها صارت من عالم آخر، وأن ما يقي منها هنا ليس سوى ذکری و جسد بارد ينتظر إكرامه بالدفن.

اقترب يبطء من السطح المعد لغسل الموتى، ورفع أكمام قميصه في صمت يقطع القلوب.. كشف الغطاء الأبيض عن جسدها العاجي بخفة reverent كمن يزيح غيمة عن قمر، تم فتح

الماء الدافئ لتغمر خصلات شعرها الكستنائية.

كانت أصابعه المرتجفة تتتبع الماء كأنها تحاول إحياءها من جديد تحنو على رأسها كما كانت تفعل حين تثني عناده بابتسامة.

كانت ملكه جسدا وروحا، والان لم يبق له منها سوى هذا الجسد المسجى أمامه، أمانة لن يسمحليد غريبة أن تلمسها.

سيغسلها بيديه اللتين حفظتهما ذاكرتها، ويكفنها براحتيه اللتين لطالما احتضنتها في دف.

الليل

سيعطرها بالمسك والبخور ويكسوها بأبهى حلة ليزفها إلى مثواها الأخير.

ما من رهبة تشبه رهبة الموت... أمامه تذوب أقسى القلوب وتلين كالشمع في نار الفقد.

لا يتذكر آخر مرة بكى فيها، والان.... لأول مرة تبكي عيناه بكى كل البكاء الذي تجاهله وقاومه وحبسه داخله لسنوات طويلة .. ذرف الدموع حتى آخر دمعة عصت عن النزول من مقلتيه حين وقع وجرح ركبته في الحديقة الخلفية لبيت أمه .... لم يترك دمعة إلا واطلق صراحها مهما مكنت داخله، یکی كطفل فقد صدر أمه إلى الأبد.

انفجرت الدموع من مقلتيه كالسيل تبكي معها سنينا من الكتمان والعناد، تبكي طفولته ورجولته وكل ما ظنه صلابة وقوة.

يكي حتى بللت دموعه وجنتيها الباردتين، وهو ينحني فوقها يتأمل ملامحها الأخيرة بكل تفاصيلها، يحفرها في ذاكرته لتبقى ما يقي من عمره.

بشاعة الموت لم تقدر أن تمحو صفاء وجهها، ولا أن تطفئ حمرة شفتيها، كانت كالأميرة النائمة التي تنتظر قبلة لا توقظها بل توقعها.

طبع على جبينها آخر قبلة، قبلة الوداع، وأرخى الغطاء على وجهها الجميل.

أسدل الستار على حبه على عمر ضاع بين يديها، على أحلام لم تولد، وعلى لحظات نادرة كانت . بالنسبة إليه الحياة بأكملها.

تم استدار بخطوات ثقيلة عائدا إلى ظلامه القديم ... إلى قسوته وبروده، إلى النية والضياع. إلى جحيم يعرف أنه قدره.

فقد شم رائحة الجنة يوما ... لكنها كانت هي، وقد رحلت.

عن لحيته آخر دمعة خائنة، ثم أعاد إلى وجهه قناعة المعتاد، استعدادا للخروج إلى العالم بهيئته الجبارة وملامحه الحادة وهالته المظلمة.

أخفى خلف ذلك الصلابة كل وجعه، وابتلع نظرات الشفقة والأسى التي كانت تلاحقه من كل صوب، وهو يتلقى التعازي بثبات وإيمان وصبر يشبه صبر الجبال.

نقل جثمان فاليريا في موكب مهيب إلى المقبرة، حيث احتشد جمع غفير من الناس، من بينهم مسؤولون كبار في الحكومة، وسياسيون بارزون، وصحفيون، وحتى زعماء مافيات متخفون في ثوب رجال أعمال.

شخصیات من مختلف الجهات حضرت لتقديم التعازي، وإظهار المودة وحسن النية، وتجنب إثارة غضب الزعيم في المستقبل. فالجميع يعلم أن التغيب عن جنازة زعيم المافيا يعد ضربا من الحماقة، ويضع صاحبه مباشرة في دائرة الشك، وهو آخر ما يتمناه أولئك الحاضرون.

وقفت آل أوزيتش في الصف الأول يتلقون التعازي، يتقدمهم الزعيم نفسه بعد محاولات مضنية من أراس لإقناعه بضرورة الحضور أن أراد الناس أن يصدقوا الرواية الرسمية لوفاة زوجته. فغيابه كان سيفشر كإقرار ضمني بالشكوك وأقل تلك التأويلات أن زوجته قتلت داخل قصره وأنه عجز عن حمايتها، وهو ما سيقوض هيبته أمام الجميع.

ومع ذلك، لم تتوقف التساؤلات رغم حضوره، إذ أوحظ غياب أقرب رجلين إليه: أونور ولوكاس اللذان كانا في أوروبا يقلباتها رأسا على عقب يحقا عن أبيل .....

آثار بروده وثباته، والغموض الذي يكتنفه وهو يخفي عينيه خلف نظارته السوداء، فضول وتعجب من حوله، كان التي ثوارى الثرى لا تعنيه.

التهمس إحداهن لصاحبتها ...

" أنظري إلى بروده، يبدو أنه لم يكن يحبها كما ظهر في حفل الزفاف." لترد الأخرى بعجرفة...

مثل هذا النوع من الرجال لا يعرف الحب، سوف يجد أجمل منها ويتزوجها في حفل أسطوري كالذي أقامه أو أفضل هؤلاء الأغنياء يستبدلون النساء كما يستبدلون سياراتهم الفاخرة"

كانت الهمسات الحذرة على هذه الشاكلة تتناثر هنا وهناك، بينما كان هو ينظر إلى ذلك الصندوق وهو ينزل إلى الحفرة، كأنه ينظر إلى قلبه يغوص في الأرض مودعا إياه إلى الأبد.

بدءا من هذه اللحظة، سيعيش بدون قلب... سيعيش بدون روح... سيعيش لأنه ليس من النوع

الذي يضع حدا لحياته حين يفقد الرغبة في العيش.

فكم من رجل يمشي على هذه الأرض كالأموات....

بعد انتهاء مراسم الدفن، تقدم رجل ستيني بمعطف شتوي طويل وقبعة على رأسه، ليقف أمام الزعيم خالفا قبعته وممدا يده المصافحة. وقبل أن يرفع يمان رأسه، عرف هويته من خنصره وبنصره المبتورين، فعادت إليه ذكريات ذلك الجحيم الذي تعذب فيه.

رفع وجهه ليزفر بسخرية وهو ينظر إلى وجهه...

"الرقعة السوداء كانت أفضل من العين الاصطناعية، لأنها كانت تعطيك مظهرا مهيبا ... وتخفي

تمامتك ولو جزئيا "

ابتسم الرجل الكلام تلميذه و هز رأسه متفهما ...

"مدرسة الحياة جعلت لسانك سليطا، لم تكن هكذا وانت تلميذي "

رد بیرود و ملل ...

لأنك كنت أستاذا فاضلا"

زفر الرجل بلا فائدة وقال...

على كل، تعازي الحارة لك. لقد تفاجأنا بهذا الخبر المحزن، فأريك حساباتنا بعد أن أو شكنا على إتمام العد العكسي لنهاية الهدنة. أنا هنا أمثل الأكاديمية لأقدم التعازي نيابة عنها، ورغم كل ما حدث تظل أفضل خريجيها، ولك مكانتك لدينا. تعتبر ما بدر منك مجرد فورة حماس وطيش. ونحن نؤكد لك أن لا علاقة لنا بموت زوجتك لا من قريب ولا من بعيد، لأننا تحترم العهود"

ضغط الزعيم على فكه بغيظ...

" ومحاصرتكم للشركة، ماذا أسميه إذا ؟"

رد الآخر ببساطة يهز كتفيه مع إمالة رأسه...

"أوستن تصرف من نفسه دون أن يستشيرنا، وقد علمنا بما فعلت به .... ولو قتلته لكان أحسن."

يمان يعلم أن أوستن لا يكذب، لكنه أبقى على احتمالية ضلوع الاكاديمية في تلك المطاردة. حتى سمع كلام ذلك الرجل الذي يعد من أهم الشخصيات التي لدير ذلك الجحيم. سأله بفوقية وامتعاض...

"ماذا تريد؟"

ابتسم الرجل بخشبة وقال....

" أن تعود الأمور إلى عهدها السابق، وهذا لا يتستى إلا بإرجاع الفلاشة "

قبل أن يجيبه يمان رفع يده مقاطعا إياه....

"لا تجب الآن، خذ وقتك في التفكير، وحتى أثبت حسن نيتنا، سلمدد الهدنة أسبوعا إضافيا

حتى تتخذ قرارك بذهن صاف.... لنا لقاء آخر، يمان أوزيتش"

ثم ارتدي قبعته وغادر مع الجموع التي كانت تغادر المقبرة.

لم ترسل الأكاديمية أهم رجالها إلى عرين الزعيم أعزلا ووحيدا بلا حراسة، إلا لأنها واثقة من

إثبات براءتها.

خلت المقبرة من زوارها إلا من يمان الذي يقى واقفا أمام قبر زوجته، مستصعنا فكرة تركها وحيدة هذه الليلة.

كلما تخيل أنها ستبيت ليلتها الأولى في حفرة مظلمة باردة وموحشة، كان يشعر بألم يمزق داخله ويعتصر جوارحه.

لقد عاهدها أن يعينا عمرا طويلا.....

لكن الأقدار كان لها رأي آخر.

عاهدها أن يعيشا كل الفصول معا.

وما هو، بعد مرور عام كامل بربيعه وصيفه وخريفه، يحل عليه الشتاء من جديد ببرودته القارصة وتلجه الكثيف الذي غطى شاهد قبر حبيبته.

داخله كالقبر تماما... بارد وموحش.

القبر ملي ، برفاتها، وداخله ملي : يذكراها.

اتحتى بقامته الطويلة وجسمه الضخم، لم يتغير في مظهره الأنيق سوي لحيته التي ازدادت كثافة. أزاح التلج عن اسمها وتاريخ حياتها من المهد إلى اللحد، ووضع باقة الورد التي كانت

تحبها ... نفس الباقة التي شكلتها له حين زارها في محل الورد لأول مرة.

لقد أحضرها اليوم من محل والدته لزيارتها، بعد مرور عام على وفاتها...

كانت تلك الذكرى الأولى لرحيلها عن هذه الحياة....

عام مضى حمل في طياته الكثير من الفقد والاضطراب عام ازداد فيه الزعيم نفوذا وسطوة.

لكنه فقد ما تبقى من السانينه.

قضى للثه يبحث عن أبيل، بحقا محموما أنهكه جسدا وروحا ، دون أن يعثر له على أثر.. كأن الأرض قد انشقت وابتلعته.

لم يسجل له وجود في ألمانيا، رغم أن مكتب الجوازات أكد دخوله يوم وفاة فاليريا، إلا أن الاحتمال الأقرب للعقل، أنه غادر في اليوم ذاته مستخدما جواز سفر مزور ليقطع آخر خيط قد يقوده إليه.

ورغم فشل كل المحاولات، لم يستسلم الزعيم، أطلق رجاله ومحققيه الخاصين في أنحاء أوروبا، بل وحتى في تركيا، يلاحقون ظلالا لا وجود لها.

ومع كل تقرير يعود إليه خالي الوفاض، كان الإحباط يلتهم ما تبقى من صبره، لكنه ظل مصرا. لأن الانتقام صار القضية الوحيدة التي تبقيه على قيد الحياة.

ولأنه على يقين من براءة سيمون وإيلا من تلك الجريمة الدنينة، قرر أن يخفي عنهما الحقيقة. مكتفيا بوضعهما تحت مراقبة دقيقة تحسبا لأي تواصل بينهما وبين أبيل.... لكنه لم يتصل.

أما سيمون، فكان تائها في غياهب القلق لا يدري مصير ابنه منذ أن غادر البلاد، حتى لجأ في لحظة يأس إلى الزعيم نفسه، يرجوه أن يبحث له عنه أو ينقضى أخباره، دون أن يدري أن من امامه يبحث عن الشخص ذاته ولكن ليقتص منه، لا لينقده.

اكتفى الزعيم حينها بابتسامة باهتة وصوت هادئ يخفي وراءه إعصارا من الغضب...

"سأبحث عنه، لا تقلق "

أما الدليل الوحيد الذي يدين أبيل، أي تلك الرسالة المحياة داخل علبة الشوكولاتة، فقد أعاد الزعيم فتح ملفها بنفسه.

أمر رجاله بتفتيش غرفته وأغراضه الخاصة، ليعتروا على مذكراته القديمة.

وقورنت خطوط الكتابة، وتبين أنها تعود للشخص نفسه مع فروق طفيفة أرجعها الخبراء إلى ان الرسالة كتبت بيد ترتدي قفازات بلاستيكية، حرضا من صاحبها على ألا يترك بصماته.

لكن شيئا ما لم يقنع الزعيم... فيصمات أبيل كانت على سطح العلبة الخارجي، بينما اختفت تماما من داخلها ومن الرسالة.

كيف يكون حريضا إلى هذا الحد على إخفاء أثره من داخل العلبة، ويترك توقيعه وبصماته واضحة على الغلاف؟

ذلك التناقض ظل يؤرقه كشوكة في صدره، ويغذي بداخله شعورا خفيا بأن ما يراه ليس الحقيقة الكاملة.

في البداية، راود الشك يمان تجاه رستم، غير أن التحريات أثبتت براءته؛ فلم ترصد بصماته على العلبة من الأساس، إذ كان يرتدي قفازات بيضاء خاصة بالعمل. كما أظهرت كاميرات القصر أنه تخلص من العلية في المكان المخصص للمخلفات المنزلية، ثم غادر دون أن يقترب منها أحد.

حتى عاد لاحقا وأخذها برفقة خادمتين.

الجواب لكل تلك الأسئلة لا يزال عند ذلك الوعد أبيل ... ولن يهدأ يمان حتى يعثر عليه، حتى لو كان ذلك آخر ما يفعله في حياته.

لقد أجهد نفسه بالعمل والسفر والصفقات عمدا، لعل التعب يخدر ذاكرته. وحين يحل الليل يسقط في نوم تقبل بلا وعي، هربا من التفكير بها.

لكن الويل له إن باغته الحلم ذاته الذي يطارده كل ليلة.... ذلك الحلم الذي يسلبه الراحة، ويدفعه القضاء بقية الليل معانقا احزانه وذكرياته، يطفتها بنكهة البراندي ورائحة السيجار الكوبي حتى الصباح.

كانت تزوره في معظم الليالي على هيئة طيف شفاف، الطيف نفسه الذي رأه يوها في غرفة الإنعاش... يهمس له بصوت مرتجف.

"لا تتخلى عني .."

أما بشأن الفلاشة، فبعد سلسلة من اللقاءات مع الرجل في الأصابع المبتورة، وبعد ضغط متواصل من العائلة، قرر يمان ألا يفرج عن محتواها للصحافة، لكنه رفض أيضا تسليمها للأكاديمية احتفظ بها كوسيلة حماية أخيرة، وكضمانة تقيه بطشهم إن غدروا به.

اضطرت الأكاديمية إلى القبول بالأمر الواقع فليس من الحكمة مهاجمة رجل فقد كل شيء، ولم بعد يملك ما يخسره.... بعد أن خسر شغفه بالحياة.

أما أنستازيا، فعادت إلى عملها القديم في بيع الورود، وإلى بيتها المستقل الهادئ، تحاول أن تعيد ترتيب فصول حياتها.

مارسيلا، من جهتها، بدأت تستعد لزفافها المؤجل، بعدما أصر لوكاس مرارا على تأخيره احترافا الحزن يمان، إلى أن جاءه أمره أخيرا بالتوقف عن التاجيل... فالحزن في قلبه كائن متوحش يأكل منه ويقتات على روحه، ولن ينقضى إلا بانقضاء عمري.

اما منار، فقد وجدت أخيرا زوجا تتباهی به امام الناس، وتبرز صورته في المجالس، لكنها تدرك في قرارة نفسها أنه لم يملأ الفراغ الذي خلفه ذلك زوجها السابق.. وليس من المؤكد أنها ستجد معه السعادة.

وضيا يواصل دراسته في الجامعة. وتسير أموره على نحو جيد، يبذل جهدا مضاعفا ليجعل یمان فخورا به.

أما يلتشن، فقد قرر الزعيم أن يسلمه إدارة بعض الشركات والأملاك ليستقل بعمله ويثبت كفاءته. كان يعلم أن وجوده تحت إمرته يطفى جذوة الحماس في داخله، ويهز تفته بنفسه وتقديره لذاته.

كان يدرك ذلك منذ البداية، لكنه تمنى أن يتحسن الوضع بينهما ... إلا أنه كالعادة، كان مخطئا.

قال بنبرة حزينة وهو يمرر أنامله على أحرف اسمها ...

اني أشتاق إليك كثيرا ... شوفي لك يزداد يوما بعد يوم، حتى بث أعجز عن كبحه، لا أجد سبيلاً لتخفيفه سوى أن أهرع إليك ركضا، كلما نال الحنين مني "

دن هاتفه تزامنا مع تساقط الثلوج ثانية ليرد على أونور الذي يستعجله للحضور إلى اجتماع مهم ..

یمان این اختفيت الاجتماع سيبدأ بعد قليل وهو لا يحتمل التأجيل.. ولا تنسى أن العائلة تقيم الذكرى السنوية الأولى للمرحومة في القصر وعليك التواجد هناك."

رد يمان وهو يتفقد ساعته قائلا...

انا قادم... أرسل عمالا إلى المقبرة أريدهم أن يبنوا قبة تحمي القبر من المطر والثلج"

خرج من المقبرة وركب في المقعد الخافي للسيارة تم انطلقت به إلى مقر الشركة ليرن هاتفه من جدید فزفر بضيق صنا منه انه أونور يستعجله القدوم...

تبا لك أونور أنت مصيبة حياتي !!"

لكن الصوت الذي أجابه هذه المرة لم يكن صوت أونور، بل صوت أنتوي مألوف..... "أهلا أيها الزعيم كيف الحال ؟"

رد باستغراب...

" على حد علمي أنها الثانية بعد منتصف الليل عندكم.. هل حلمتي بي ؟"

ضحكت باولا يخفة قبل أن تجيبه...

" لقد غادرت أمريكا من يومين.. وأنا الآن اتناول الفطور مع أحد الشركاء في مطعم بجزيرة مالطا.. تفقد هاتفك ستجد صورة قد ارسلتها لك... وقل ماذا ترى بالضبط، لأنني أصبحت أشك في قدراتي العقلية جراء هذه الصدقة المجنونة "

لم يفهم شيئا مما قالته غير كلمتها الأخيرة، ففتح الرسالة التي وصلته منها بملل لتتغير ملامحه فجاه محاولا استيعاب ما يراه وهو يقوم بتكبير الصورة لتتضح تفاصيلها أكثر...

" باولا ما هذه الصورة بحق الجحيم؟ أين حصلتي عليها ؟"

اجابت بحماس.....

" قلت بالتقاطها للتو في المطعم، تبعتها إلى أن خرجت منه ثم ركبت دراجتها الهوائية وغادرت. الغريب في الموضوع أنها اضطربت وخافت حين لمحتني أقوم بتصويرها.. مع أن التصوير أمر مألوف في هنا .. صراحة الشبه مطابق لدرجة تصيب العقل بالشلل"

رد مدعيا عدم مبالاته ...

" إنه شبه عادي، لا تبالغي "

أنهى المكالمة دون توديع، وحذق مجددا في الصورة ملامح الفتاة كانت مطابقة لوجه فاليريا. .... حتى الابتسامة المائلة في راوية شفتيها. الفارق الوحيد كان قبعتها ومعطفها الشتوي، أغلق الهاتف ببط.. ثم رفع نظره نحو زجاج السيارة وقد توقفت أمام مبنى الشركة.

كان لوكاس ينتظره عند المدخل، يتحدث إليه بانفعال، لكن يمان لم يسمع حرفا مما يقول.

بدا كان صوته يأتي من بعيد، غارقا في ضباب كثيف من الأفكار. تركه يتحدث وحده واتجه. مباشرة إلى المصعد، ضاغطا زر الطابق المخصص للاجتماعات بعد أن يتراجع في اللحظة الأخيرة عن ضغط زر الطابق الأرضي، نافضا عن ذهنه تلك الأفكار الساذجة.

دخل القاعة، فوقف الجميع احتراقا له. توالت عليه كلمات التعزية والمواساة، فاكتفى بإيماءات

مقتضبة ورأس مطاطا، شروده كان واضحا، وعقله يأبى الحضور حتى أن أونور تمتم بقلق...

يمان هل كل شيء على ما يرام؟"

كان رده أن وقف بشكل مفاجئ وغادر القاعة باتجاه المصعد وهذه المرة ضغط على ذلك الزر عن سبق اصرار وترصد لينزل به إلى أعمق نقطة تحت الأرض متذكرا ردة فعلها حين نزل بها المصعد لأول مرة ....

"لماذا ينزل بنا كل هذه المسافة ... كان هذا البرج له مماثل تحت الأرض.

دخل المكان السري متجها إلى القسم المخصص للتقنيات والبرمجيات الحديثة ثم أخرج هاتفه ليفتح البرنامج الخاص بالتتبع عن بعد.. ويوصله بالجهاز المركزي لإعادة تحميل بيانات الرقاقة التي زرعها الغاليريا بعد أن قام بتعطيلها قبل سنة وبالضبط قبل دفنها، فلم يعد لها ضرورة ولا أهمية.

استغرقت تحميل البيانات وتحديد الإشارة بضع دقائق، وهو يجوب المكان بتوتر ونبضات قلبه تتسارع..

بصيص الأمل الذي حاصر تفكيره وتسلل إلى قلبه لم يكن ليتجاهله هكذا.. فقرر أن يقطع هذا الأمل الزائف قبل أن يكبر داخله بان بری بام عينيه إشارة الرقافة تصدر من مقبرة كارا كاهميت على خريطة اسطنبول...

اصدر الهاتف إشارة خفيفة، فمد يمان يده ليفتحه... لكن ما إن ظهرت البيانات على الشاشة حتى تحمد في مكانه.

تسارعت أنفاسه، واتسعت عيناه كأن الأرض للحيث من تحته.

الرقاقة ... ثبت إشارة من مكان اخر !!

ارتجفت يده وهو يحدق في النقطة الخضراء التي تنبض بإصرار على الخريطة، قبل أن تركز عيناه على اسم الموقع المسجل أسفلها ...

"جزيرة مالطا."

الجزيرة ذاتها التي التقطت فيها باولا تلك الصورة التي ظنها مجرد صدفة سخيفة، لتتحول الآن إلى احتمال يزلزل كيانه بالكامل، احتمال أن قطته المتمردة لا تزال على قيد الحياة.


تعليقات