رواية فراشة في سك العقرب الجزء الثالث (وما للهوى من سلطان) الفصل الثالث والعشرون
"لم يحصد الاندفاع والتهور أي ثِمار يومًا..
بينما التأني والتعقل جنى كل الثِمار.."
توقفت عن البكاء فجأة كمن قُطع عنها الكهرباء... وصمتت لثواني جاحظة العينين وهي تسمع صوت الآخر القلِق:
-فيروز؟ انتِ معايا...فيروز؟ روحتي فين يا بنتي!؟
وأخيرًا تحرر صوتها من بين صدمتها وتألمها:
-خبر إيه اللي اتسرب؟ يعني دلوقتي كله عرف إنه متجوزها؟
-نهار مش فايت! انتِ ماكنتيش تعرفي؟ اومال معيطة ليه!؟
قالها "مازن" بصدمة وقد شعر بفداحة ما ارتكبه, وغبائه من إخبارها دون قصد, نهضت واقفة وهي تدور في الغرفة بعصبية وتهدر بصوت صارخ:
-يعني جوازه مبقاش في السررر.... بقى في العلن! الكل عرف بيه كمان!!
وفي نفس اللحظة فُتح باب الغرفة لتبصر "شاهين" واقفًا أمامها بثباته المعتاد, لكن ملامحه حملت بعض التوتر.. خاصًة وهو يرى احمرار عينيها, واتساعهما, وكأنها على وشك ارتكاب جريـ*مة..
مسد بكفه على جبينه يفركه بتعب, يبدو أن الحروب لا تنتهي, وستبدأ حرب جديدة الآن..
ما إن اخفض كفه وعاد ينظر لها, حتى جحظت عينيهِ وهو يرى شيء ما يندفع تجاهه, وفي اللحظة الأخيرة تفاداه ليصطدم بالحائط خلفه مصدرًا دويًا عاليًا, نظر للتحفة الفنية التي أصبحت مئة قطعة بعد اصطدامها بالحائط, وعاد ينظر لها في صدمة مرددًا:
-نهارك مش فايت! انتِ عاوزه تفتحي راسي!
كانت تلهث من فرط غضبها, وانفاسها متلاحقة تنظر له وكأنها تنين مجنح يستعد للطيران, وفجأة اندفعت تجاهه تصرخ بهِ:
-افتح راسك بس! ده انا هطلع حبة عينك في ايدي..
قطب ما بين حاجبيهِ يطالعها في صدمة, حتمًا هي ليست بوعيها!
-ليه كل ده؟
رفعت حاجبيها بدهشة مستنكرة:
-ليه! صحيح نسيت اباركلك جوازك بقى علني ومن غير مجهود منك.. مبروك, مبروك يا جوزي يابو ابني..
انهت جملتها وهي تضرب على صدره بترحاب زائف, ليزفر أنفاسه في نفاذ صبر, يقدر موقفها, ويقدر أي رد فعل منها, لكنه بطبيعة الحال صبره قليل... جدًا.
-روزا يا حبيبتي, اللي حصل ده كان حركة واطية من الكلب سيف, كان فاكر انه كده بيضرب علاقتي معاكي, وفي نفس الوقت يشوشر على اسمي في السوق.
اتسعت عينيها بإدراك لنقطة هامة جدًا, وانطلقت تسأله بشك:
-انتَ عشان كده قولتلي؟ كنت عارف انه هيفضحك فسبقت وقولتلي مش كده؟
رد بصراحة كادت تتسبب في ذبحة صدرية لها:
-انا اكيد مش راجل اهبل عشان اسيب كل الوقت اللي عدى واجي اعترفلك وانتِ لسه بتبدأي في الحمل, انا مكنتش اعرف سيف ناوي على إيه بس عرفت انه معاه قسيمة جوازي من ميرنا, واكيد ماكنتش هسيبك تتصدمي بأي حاجة هيعملها.
-لا كتر خيرك..
قالتها ساخرة, واتبعت بدموع لمعت في عينيها بألم:
-يعني كنت ناوي تكمل في استغفالك ليا! كنت هفضل مغفلة لولا ان سيف بقى طرف في القضية! ده انا على كده لازم اشكره وادعيله بالرحمة.
نظر لها بقوة يردف:
-فيروز! انا ماكنتش هخاطر بابني لولا ان الوضع اضطرني.
صرخت بملامح متشنجة:
-وليه مقولتش قبل ابنك؟ فين من وقت ما تجوزنا!
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال مقررًا الإفصاح عن أحد أسراره:
-عشان....
لكنها قاطعته بقوة وهي تمسح دموعها بكبرياء:
-مش عاوزه اعرف, مبقاش يهمني.
حك أنفه بإرهاق وقال:
-طيب انا هعمل مؤتمر صحفي أوضح فيه الموضوع عشان الاخبار اللي انتشرت دي و...
وصدمته حين قالت فورًا بإصرار يلمع في عينيها:
-هحضر معاك.
حاول تخطي صدمته وإثنائها عن رغبتها:
-مفيش داعي يا فيروز, انا هخلص الموضوع.
ربعت ذراعيها امام صدرها بعِناد:
-وانا عاوزه اروح.
تسللت نبرته الهادئة يخاطبها في رفق علّها تقتنع:
-حبيبتي انتِ مش مضطره تحطي نفسك في موقف سخيف, او سؤال اسخف من أي صحفي, انا هحل...
طالعته بصرامة وقالت:
-اعتقد اللي حصل يلطني زي مالطك, وانا حابه ادافع عن صورتي قدام الناس, ودي فرصتي, اواجه دلوقتي احسن ما استخبى وفي أي مناسبة هظهر فيها الكل هيبصلي ويبحلق.. اللي هيبص بشفقة, واللي هيبص يشوف الموضوع مأثر عليا ولا لأ, وغيره وغيره.. وانا مش عاوزه ده يحصل, ظهوري دلوقتي هيقوي موقفي.
-وانا اكيد هـ....
قاطعته بنزق:
-هي مشكلة للدرجادي إنك تاخدني معاك؟
صمتت لثانية حتى اتى بعقلها شيء أشعل النيران بقلبها وجوارحها, فقالت من بين أسنانها:
-اااه.. هي الهانم هتظهر معاك؟ عشان كده مش عاوزني اظهر؟ ولا خايف على زعلها لما تشوفني معاك في المؤتمر؟
حرك رأسه بنفي هادئ وأجاب بصدق:
-لا ده ولا ده يا فيروز.. ماشي.. انا بس ماكنتش عاوز اضغط على نفسيتك اكتر, لكن مادام مُصره براحتك احضري معايا.
حدقته بنظرة مستنكرة حارقة قبل أن تقول وهي تندفع لغرفة الملابس:
-نفسيتي هتفضل متدمرة طول مانتَ في حياتي..
جملتها كانت طاعنة له, شعر بغصة مريرة انتابته فور سماعها, هل أصبح هو ما يؤذيها؟ هو الذي ولأول مرة بحياته يبحث عن كل ما يسعدها ويخشى عليها من أي حزن أو ألم, ولكن يبدو أنها لا تقدر شعوره تجاهها, ولا تدرك عمق مشاعره, ومدى أهميتها لديهِ.
-------------------
-انتِ كويسة يا ميرنا؟ طمنيني عنك يا حبيبتي؟
افاقت من شرودها على صوت شقيقتها, بعد أن علق لها الطبيب محلول طبي كي يساعدها على رفع ضغطها الذي انخفض بشكل جعلها تفقد الوعي..
ردت بحزن يقطر من نبرتها:
-كويسة.. متقلقيش يا حبيبتي.
زفرت الأخرى أنفاسها بقوة:
-وقعتِ قلبي يا ميرنا, ماكنتش عارفه اروح فين ولولا البواب قالي على الدكتور جارنا ماكنتش عرفت اتصرف, حسيت ان مخي وقف.
ربطت على كفها بحنو:
-انا اسفة, محستش بنفسي والله بعد ما شوفت الخبر.
طالعتها بشفقة متسائلة:
-تفتكري شاهين هيعمل إيه؟
نظرت "ميرنا" أمامها بشرود:
-مش عارفة.. خلينا نشوف, يإما هيردلي حق اهانتي, ويرجعلي كرامتي, يا هيدوس عليا اكتر.
-وانتِ متوقعة إيه من عِشرتك له؟
ابتسمت بحزن جم وعيناها تلمع بالدموع:
-شاهين مش وحش... بس في زعله محدش يتوقعه, ومهما عيشت معاه هيفضل كتاب مقفول ماقدرش اعرف عنه اكتر من اللي هو عاوزني اعرفه.
------------------
في مكتب اللواء...
نظر ل "مازن" بتفحص:
-خير يا مازن؟
حاول تهدئة نفسه وهو يقول:
-جيت لحضرتك من ساعة بس ماكنتش لسه وصلت, كنت عاوز بس اعرف ليه قضية شاهين اتقفلت؟ يعني حضرتك سحبتها مني واديتها لمدحت ورغم إن الموضوع ضايقني بس سكت.. لكن تتقفل فجأة وبدون علمي؟
رفع اللواء حاجبه بسخط:
-انا اسف يا مازن باشا, المرة الجاية هاخد رأيك وإذنك قبل ما اقفل أي قضية.
حمحم "مازن" بتوتر طفيف وقال بنبرة ضيق:
-يا باشا العفو, حضرتك اكيد عارف إني مقصدش كده.
أردف اللواء بقوة:
-فكرني كده قضية شاهين اتفتحت من سنين ليه؟
-عشان الواد اللي اتمسك في شحنة سلاح وقال ان شاهين هو المسؤول عن الشحنة دي..
أشار بسبابته له وكأنه التقط مربط الفرس:
-بالضبط.. يعني واحد بس قال كلمتين خايبين بدون دليل, فاتحين عليها قضية بقالنا 3 سنين.. ده كلام! إيه قواضي البلد خِلصت موراناش غير شاهين المنشاوي؟ قولتلك مية مرة.. ركز في المهم, شوف البلاوي اللي بتحصل كل يوم, شوف المجرمين اللي كلنا عارفين بلاويهم فعلاً ومش عارفين نمسك عليهم حاجة.. ونفض دماغك من حوار اخوك ده شوية, وهو لو مجرم مسيره هيقع في يوم.
-بس يا باشا ال....
قاطعه اللواء بصرامة وجملة صدمت الأخير وجعلته في حيرة من أمره:
-ابعد عن سكة شاهين يا مازن.. شيله من دماغك خالص, اعتبره في حمايتي ياخي.
-حمايتك!
رددها بصدمة غير مستوعبًا ما يقوله الآخر, هناك شيء خطأ, بالطبع! فهذه المرة الأولى التي يتصدى فيها اللواء للدفاع عن شخص لهذه الدرجة بل وجعله في حمايته! ولكنه مع شاهين تحديدًا فدومًا كان يخبر "مازن" بأن يُغلق القضية وأنه لا طائل منها, ولولا إصرار مازن لأغلقها منذُ أمد.
-على مكتبك يا حضرة الرائد.
قالها بصرامة دفعت الأخير للصمت والنهوض خارجًا وعقله يطوف كمن أُصيب بحمى.
--------------------
في قسم الشرطة...
انتهت التحقيقات الأولية مع "مختار" ووفقًا للأدلة المؤقتة, لم يتم إدانته بشكل صريح, وبحِنكة بسيطة من محاميه استطاع أن يُخرجه بكفالة على ذِمة القضية, ليطلب بعدها "مختار" مقابلة "شدوى" ورغم صعوبة الأمر لكن في النهاية وبتدخل لواء كان يعرفه "مختار" قديمًا سُمح له بمقابلتها..
دلفت لغرفة الضابط ترتعش من فرط رعبها وبكائها, تشعر أنها ستفقد حياتها بين فنية وأخرى, لا تستطيع الصمود أكثر, منذُ أتت لهنا ونفسها يضيق بشكل يجعلها تشعر أن زهوق روحها وشيكًا جدًا...
ارتدت للخلف بخوف حين رأت "مختار" أمامها, يطالعها بأعين حمراء دامعة, وملامحه صارمة, مُقلقة, وقفت بقرب باب الغرفة كأنها هكذا تأمن الفرار إن ساءت الأحوال..
خرج صوته مختنق وهو يحدقها بغضب:
-روحتِ تتحامي فيه فسلمك ليهم, كنتِ بتتحامي فيه من مين يا شدوى؟
ردت بنبرة مرتعشة باكية:
-مِنك.. انتَ قولتلي هتقتلني.. خوفت تعملها, وانا مقصدتش اقتله والله, انتَ فاجأتني فضغط على الزناد غصب عني والله..
هز رأسه بيأس ودموعه تتساقط بألم وحزن:
-ليه يا شدوى! هو انا كان ممكن اقتلك فعلاً؟ كلمة قولتها من حرقة قلبي ووجعي على سيف, لكن انتِ بنتي, معقول كنت هخسركم انتوا الاتنين في يوم واحد!
طالعته بعتاب مؤلم:
-بس شكلك كان باين إنك تعملها.. طول الوقت كنت بحسك بتحب سيف عني, لما هكون السبب في موته, يبقى هتعمل فيا إيه!
-ايوه كنت بحبه, واعتبرته ابني بجد, سيف كان الفانوس السحري اللي اتحققت بيه احلامي.. كان نفسي يكون عندي ولد من صلبي.. مكتوب على اسمي, زي عمران.. يورث ابويا ويورثني ويكبر شغلي وابقى مطمن على كل اللي بنيته معاه, يقف في ضهري لما اعجز.. ياخد مكاني في شغلي, يكون امتداد ليا.. وبسيف اتحققلي كل ده.
اقترب منها يحتضن وجهها تحت انتفاضتها القوية ومازال الخوف يكمن فيها منه:
-لكن انتِ.. انتِ الفرحة اللي حسيت بيها بعد سنين بدوخ على الخلفة, اول ما الدكتور قالي ان العملية نجحت ومراتك حامل, كنت اسعد واحد في الدنيا, ولما اتولدتِ وشلتك بين ايدي كان إحساس عمري ما اقدر اوصفه, سيف كان واخد حتة من قلبي.. لكن انتِ قلبي كله يا غبية!
تفتكري إيه يخلي اب ميقتلش بنته بعد ما غلطت وحملت من واحد مفيش بينهم أي رابط؟ تفتكري ليه وقفت في وش ابويا وشاهين لو حد حاول يأذيكِ او يقربلك؟ ليه كنت طول الوقت بضغط على شاهين عشان يفضل متجوزك؟ انا طول الوقت كنت بحميكِ وبأمنك, ازاي ماكنتيش شايفة ده!؟
القت بنفسها تحتضنه وهي تجهش في بكاء قوي تردد بانهيار:
-مش عاوزه اتسجن يا بابا... خرجني.. ابوس ايدك انا هموت هنا.
احتضنها بوجع وهو يردد بدموع:
-هتخرجي.. هعمل المستحيل وهتخرجي, متقلقيش.
---------------------
شركة العقرب لتجميع السيارات..
وقفت السيارة أمام الشركة وخلفها اصطفت سيارات الحرس في مشهد ينبأ بقدوم شخصية هامة للغاية ألا وهو رئيس مجلس إدارة الشركة, أسرع "مرسي" من جهة وأحد الحراس من الجهة الأخرى يفتحون أبواب السيارة الخلفية باحترام ليترجل ارب عملهم وزوجته, وباقي الحرس اتخذوا أماكنهم المعتادة والتي يحفظونها كأسمائهم دون مجال لأي خطأ, التف "شاهين" حول السيارة حتى وصل لها فأخذ بكفها متجهًا للداخل وبعض الحراسة تتبعه, كانت متأنقة بشكل أثار إعجابه فور وقوع نظره عليها, بدت سيدة مجتمع من الطراز الأولى, أنيقة, راقية, والأهم واثقة من نفسها لحد انعكس على مظهرها, حتى أنه وقف أمامها مأخوذًا بجمالها لبعض الدقائق, انتهت على زفرتها الحانقة وهي تنتظره ليتحرك, في ظروف أخرى كان تغنى في حُسنها, لكن في الوضع الحالي بدى الأمر صعبًا, فهي لا تتقبل منهُ حتى الحرف, لكنه لم يستطع أن يصمت تمامًا, وخاصًة حين رآها تتخلى عن وشاح رأسها وكأنها تعانده, فتخلت عن الشيء الذي أخبرها مرارًا أنه يحبه عليها, اقترب منها بينما يمسك كفها يسير بها للخارج:
-مُبهرة يا روزا.. بس كان هيبقى اكسترا ابهار لو لبستِ الاسكارف.
كانا قد وصلا أمام الحرس, فابتسمت باصطناع تهمس له:
-مش انتَ بتحبه عليا! انا بقى مش هلبسه تاني.. بفكر لما ارجع اجمعهم كلهم واحرقهم بجاز..
قاطعها وهو يدفعها برفق:
-اركبي يا حبيبتي, لسانك بينقط سكر.
وصلا لغرفة الاجتماعات الكبيرة التي أعد فيها "مُرسي" المؤتمر الصحفي, ودخلت معه يد بيد, تحت النظرات المتفحصة التي لم تنكر ابدًا أنهما ثنائي رائع, أنيق, يليقان بالطبقة التي ينتميان لها وبجدارة..
كان يرتدي حِلة بُنية قاتمة, ناسبته كالعادة, وبجواره ترتدي فستان أسود بأكمام ضيقة وكذلك من منطقة الصدر حتى الخِصر, ثم ينسدل باتساع بسيط يناسب الحركة حتى ينتهي بوسع كبير في آخره مُزين هذا الوسع بقماش شيفون أبيض يماثل أحد أكتاف الفستان المعقود بنفس نوع القماش على هيئة عُقدة زينة تُسمى ب "فيونكة" يتدلى منها قطعة طويلة من القماش حتى أسفل الصدر, وزينت فستانها الأنيق بطوق رقبة أسود بهِ نجوم تماثل النجوم المتشكلة على هيئة أقراص تتدلى من أذنيها, ومشطت شعرها للأعلى عاقدة إياه مستثنية بعض الخصلات التي أضفت رُقي وجمال, وصلا لمكانهما المُخصص خلف الطاولة العريضة, وهي تدق الأرض بكعب حذائها الأسود العالي المزين بفصوص لامعة من الكريستال..
جلست بقوة تماثل قوته, وشموخ كجلسته تمامًا, تنظر للمصطفين أمامها على كراسي متجاورة ومتتالية بتمعن, لقد تخطو العشرين شخص بين نساء ورجال, جميعهم منتبهين, وجاهزين, يحملون أوراق وأقلام, وهواتف والبعض يحمل مسجلات صوت, وكاميرا جانبية تسجل لحظة بلحظة, وكأنهم في مؤتمر سياسي ضخم سيقرر مستقبل البلاد!
بدأ "شاهين" بالحديث وهو يقول عبر المكبر الصوتي الصغير الذي أمامه:
-طبعًا كلكم عارفين المؤتمر ده اتعمل ليه, ودي اول مرة في تاريخي اعقد مؤتمر عشان اناقش أمور شخصية..
كانت نبرته حادة, متهكمة في بعض المواضع, ونظرته صقرية ناسبت اسمه, ويبدو واضحًا أنه لا يطيق الحديث ولا التواجد, مما جعلهم يترددون ما إن كان سيسمح لهم بطرح الأسئلة أم سيقول ما يريده ويطردهم جميعًاَ!
-وبما إن سبب المؤتمر معروف, فاعتقد انكم مجهزين اسئلتكم كويس اوي, فانا جاهز.. اللي حابب يسأل يتفضل.
كانت مفاجأة لهم جميعًا, ناهيك عن سماحه لهم بطرح الأسئلة, بل أنه لم يقول حرف واحد! لم يتحدث في الموضوع وكأنه ليس لديهِ ما يقوله وقد أتى ليجيب عن أسئلتهم فقط!
تحدث أحدهم يقول:
-مساء الخير يا بشمهندس شاهين, أنا احمد من جريدة...
قاطعه بقلة ذوق متناهية:
-مفيش داعي لذِكر أسماء يا أستاذ, اتفضل بأسئلتك.
ابتلع الرجل ريقه في وجل وهو يباشر السؤال:
-النهاردة انتشرت صورة عقد جواز بينك وبين مدام ميرنا سكرتيرة مكتبك و...
-مديرة مكتبي.
صحح بتنبيه, أثار استغراب الجالسين, فهل تفرق المسميات الآن!؟
بينما طالعته "فيروز" بجانب عينيها حانقة, وهي تسمع دفاعه عن ماهية الأخرى, وكأنه يخبرهم أن مكانتها كانت أعلى من مجرد سكرتيرة!
-تمام, طبعًا بعد تسرب العقد حصلت ضجة كبيرة, وخرجت اخبار كتير منها الصحيح ومنها الخطأ, فاحنا كنا حابين نعرف من حضرتك حقيقة الموضوع, اولاً العقد بيظهر ان الجواز تم من 3 سنين و8 شهور بالضبط, في الفترة دي حضرتك كنت متجوز مدام شدوى المنشاوي, وده اللي الناس كلها كانت عرفاه, فسؤالي ليه حضرتك قررت يكون جواز سري, ومحدش عرف بيه؟ وهل مدام شدوى زوجتك السابقة كانت تعرف وقتها بالجواز ده؟
سؤالي التاني:
هل جوازك من مديرة مكتبك كان برغبتك التامة, ولا زي ما بعض المواقع والصحف قالت ان كانت خطة منها للحصول على مال وسلطة وفرصة جواز ممتازة من حضرتك؟
عقب "شاهين" يقول ببرود اربك الرجل:
-قصدك تقول وقعتني.. تمام كمل.
ابتلع ريقه بتوتر وهو ينظر للمفكرة التي بيده وقال:
-لا انا تمام خلصت..
مرر "شاهين" نظراته الحادة بينهما يسأل:
-حد عنده أسئلة تانية؟
خرجت فتاة عن صمتها تقول:
-انا يا بشمهندس.. تفتكر مين له مصلحة يسرب عقد الجواز ده وهو عارف انه هيعملك مشكلة سواء كانت في حياتك الأسرية أو في مجال شغلك؟
هز رأسه بمعنى هل أحد آخر, فقالت أخرى:
-وفين مدام ميرنا؟ مش كان المفروض تكون موجودة مع حضرتك دلوقتي عشان تبرر موقفها؟
هزة أخرى انطلق على أثرها شاب يسأله:
-وهل مدام فيروز زوجتك الحالية كانت على عِلم بجوازك ولا اتفاجأت زينا كلنا؟
-وإيه الدافع من جوازك من مدام ميرنا, رغم إن حضرتك كنت متجوز من مدام شدوى وعندك ولد في الوقت ده؟
-وإيه خطوة حضرتك بعد انتشار خبر الجواز؟
انطلقت الأسئلة تتابع من البعض حتى عم الصمت فجأة, فتحدث "شاهين" يقول:
-تمام اعتقد إن اسئلتكم خِلصت..
شبك كفيهِ في بعضهما واستند على الطاولة أمامه بخيلاء, وبدأ يتحدث بنبرة هادئة لا تناسب ابدًا ما يقوله:
-اولاً.. انا مش شايف ولا شخص من حقه يتدخل في حياتي الشخصية, وشايف إن كل اللي بيحصل من وقت نزول الصورة تبجح وقلة أدب وتدخل زيادة في حياة الناس, انا عمري ما سمحت ان حياتي الشخصية تبقى حديث للصحافة ولا تريندات للسوشيال ميديا, والحقيقة مش عارف انتوا هتستفادوا إيه من كل الرغي ده, يعني لو جاوبت كل أسئلتكم اقتصاد البلد هيتعدل؟ الحروب بين الدول هتقف؟ طب المناخ هيستقر؟؟ منتهى السخافة إنكم تجروا ورا الخبر بالطريقة دي وكأنه هيحل أزمة الدول...
اعتدل في جلسته واسند كفه على الطاولة يضرب فوقها ضربات خفيفة, وخرج صوته بنبرته الحادة:
-نهاية الموضوع انا شايف ان الصحافة سخفت اوي, والرسالة الرئيسية ليكم بعدتوا عنها وبقيتوا زي الصيع بتوع السوشيال ميديا وصفحاته التافهة اللي بتجري ورا شو و ضجة مش اكتر, رغم إني مش ممثل ولا مطرب مشهور عشان تبقى الناس مهتمة اوي اتجوزت مين وطلقت مين! لو العقرب اللي كان قبل كام شهر من دلوقتي, كنت اكتفيت بالكلمتين دول ونهيت المؤتمر حالاً.. بس للأسف, حاليًا في اطراف تانية تهمني سيرتها جت معايا في الحوار, واحترامًا ليهم هم, هجاوب على اسئلتكم عشان بعدها, لو شوفت صفحة او جريدة او جن ازرق بيقول حرف زيادة فيه هيبقى وقعته معايا انا.. ومش هقبل بأي إجابات هقولها دلوقتي انها تتحرف عشان تعملوا بيها شو جديد.. اللي هينزل خبر ينزله بالحرف الواحد, ميجودش من عنده عشان ياخد السبق الصحفي.
تنهيدة بسيطة خرجت منه وباشر الحديث بهدوء مخالف لنبرته الحادة منذُ قليل:
-ليه خفيت خبر جوازي؟ فأنا حُر, محدش له يحاسبني, انا اتجوزت بعقد سواء كان رسمي او عُرفي, فاسمه جواز, معملتش حاجة تخل بقيم المجتمع, مانتشرش ليا صورة ولا فيديو فا*ضح مثلاً عشان ابقى مضطر ابرر, وتقفوا تحاسبوني وكأن مفيش غير شاهين المنشاوي اللي هيبوظ المجتمع! انا راجل ماكنتش حابب اعلن خبر جوازي.. براحتي.. وشدوى كانت تعرف أو لأ, هي كانت اشتكت لكوا من ظلمي وخداعي ليها!؟ دي كانت حاجة بيني وبين مراتي وقتها محدش يتدخل فيها, وسؤالك التاني..
نظر للرجل بنظرة قاسية جعلته يرتبك في جلسته وأجاب:
-فانا مش الراجل اللي توقعه واحدة ست, لأني لا راجل عيني زايغة, ولا كل يوم بينزل عني اخبار إني بسهر في أماكن مشبو*هة, عشان تبقى دي دخلتها ليا, وتوقعني زي ما قولت, انا راجل معروف عني الالتزام طول عمري, وإن صنف الستات ده اخر حاجة بتشغل بالي, ومتخلقش لسه اللي يقدر يلعب معايا.. مش يوقعني..
استرخى بجلسته على ظهر الكرسي وأكمل:
-اما مين له مصلحة يسرب الخبر, فانا عارفه, شخص بينا منافسة كانت شريفة قبل ما يدخل العلاقات الشخصية وشغل الحريم ده في الموضوع, وعمومًا هو مضرنيش لا في حياتي الأسرية ولا شغلي زي ما قولتي.. اصلاً الموضوع كله على بعضه فاكس, وميهمش حد من عملائي ولا تجار السوق, هم لهم الشغل مش بتجوز مين وبطلق مين, هو بس حب يعمل شوشرة فارغة حوالين اسمي لكن انا مش هديله الفرصة, عشان كده عملت المؤتمر, وكل واحد منه لله بقى..
أشار بعدها لمُرسي بإشارة علمها الأخير, فأقبل يعطيهِ ورقة ما, وعاد لمكانه سريعًا, فأكمل "شاهين" بما حل كالصاعقة فوق رأس الجميع:
-أما فين مدام ميرنا ومش موجودة ليه.. فهي مش موجوده عشان ده..
فتح الورقة يرفعها لوجوههم وقال لأحدهم بأمر صارم:
-قرب صورها, عشان تنزل زي ما التانية نزلت.. ولا انتوا بتسعوا في الخير بس!
اقترب أحدهم يلتقط صورة من الورقة التي وضعها "شاهين" فوق الطاولة, وعاد محله سريعًا, ليقول "شاهين" مدليًا بما فيها, تحت نظرات "فيروز" الفضولية تجاه الورقة لكنها لم تستطيع أن ترى ما فيها:
-دي قسيمة طلاقي من مدام ميرنا.. والطلاق تم 45 يوم بالضبط بعد خلافات بينا, فاعتقد إنها مش طبيعي تكون موجودة معايا دلوقتي, وبعدين تبرر موقفها لإيه؟ هي مش محتاجه تبرر حاجة اصلاً, هي ست اتجوزت على سنة الله ورسوله واطلقت محدش له عندها حاجه..
احنت "فيروز" رأسها للأسفل لتخفي صدمتها, وهي تراجع ما يقوله, طلقها! خمسة وأربعون يوم! هذه المدة مميزة وتذكرها بشيء هام.. هام جدًا, فهي نفس المدة التي مرت على ليلة إتمام زواجهما, ماذا يعني هذا بحق الله؟ ولِمَ لم يخبرها يوم اعترافه بالحقيقة إنه طلقها بالفعل؟ لِمَ تركَ النار تأكلها حتى نشب حريق بقلبها من تخيلها أنها مازالت على اسمه, وأنه لا ينوي طلاقها مادام لم يفعل سابقًا, وأنها ستخوض حرب جديدة تشبه تلك التي خاضتها كي يطعن في نسب تيم له, لم يكن لديها رغبة في هذه اللحظة أكثر من رغبتها في التقاط ذلك الكوب الزجاجي الأنيق الموضوع فوق الطاولة وصدمه في رأسه حتى تنبثق دمائه فتريحها ولو قليلاًَ...
انتبهت لصوته حين صدح من جديد:
-أما إذا كانت فيروز كانت تعرف بجوازي ولا اتفاجأت زيكم, فانا هسيبها هي ترد, وبالنسبة لدافع جوازي من ميرنا رغم إني كنت متجوز شدوى في نفس الوقت, فحياتي مع شدوى في الوقت ده كان فيها خلافات كتير وماكنتش مستقرة, واستمراري معاها كان احترامًا لأنها بنت عمي وكنت اعتبرته روتين مش مضايقني, مانهتوش غير لما قابلت فيروز وقررت اتجوزها, وجوازي من ميرنا كان جواز عقل بحت, هي كانت ست كويسة جدًا وهادية وطيبة, وعمرها ما ندمتني اني اتجوزتها بالعكس.. وعمرها ما كانت طمعانة في مال او غيره, ميرنا كانت السكن اللي بريح فيه من وش الدنيا ومشاكلها..
كان قاصدًا أن يُظهر "ميرنا" بصورة تستحقها, لأنها لا تستحق أن يخوض أحد بالحديث في عرضها أو نزاهتها, لذا كان ولابد أن يقر بصورتها الحسِنة كي يخرص جميع الألسنة عنها, ولكن....
هل يشم أحد رائحة اشتعالها, كيف لها أن تسمع ما يعدده من محاسن امرأة أخرى وتجلس بهدوء وراحة! ضغطت على أسنانها بقوة كابحة لِجام غضبها, وقد تضاعفت رغبتها القوية في فتح رأسه بالكوب الزجاجي.. حتى أنها تخيلت أنها قد فعلتها حقًا! رفعت رأسها بكبرياء وثقت أنه ضروري في هذه اللحظة لأعين الحاضرين, وبالفعل كانت جميع الأعين مسلطة عليها لترى رد فعلها الظاهر على ملامحها, فرسمت ابتسامة هادئة اتقنتها, وفردت ظهرها بشموخ أنثى, وبداخلها تتوعده حين يأتي دورها في الحديث..
انهى حديثه وهو يمد كفه ليمسك كفها بإشارة واضحة لهم:
-ربنا يوفقها في حياتها, ويوفقني مع اللي اختارتها شريكة لباقي حياتي... وبالنسبة لخطوتي الجاية.. فانا دلوقتي مش شاغلني حاجة غير إني اجهز لاستقبال ولي العهد.. ابن شاهين المنشاوي, اللي هينور الدنيا كمان شهور قليلة.
تسابقوا في تقديم التهنئة بالخبر السار الذي لم يتوقعه أحد, وبعد انتهائهم أشار "شاهين" لها كي تقول ما تريده, فأخذت نفس قوي قبل أن تقول بنبرة ثابتة, واثقة, توشي بقوة المرأة التي تنطق بها:
-مساء الخير.. طبعًا انا مش هعيد اللي قاله شاهين جوزي, لكن انا بأيده في اول ما بدأ بيه كلامه, وهو إن الصحافة مش المفروض تجري ورا أي خبر, وانا شايفة إن اللي حصل ماكنش يستدعى حد يتكلم فيه ولا يستحق دقايق من وقت الصحافة الثمين, في قضايا اهم بكتير بتحصل كل يوم تستحق نسلط الضوء عليها, الأفضل تركزوا فيها هتفرق معاكم كتير..
ابتسمت ابتسامة ثقة وهي تُكمل بينما تنظر لوجوههم بقوة:
-شاهين معملش حاجة غلط, ده حتى لما حب يتجوز في السر اتجوز رسمي, رغم إنه كان يقدر يتجوز عُرفي زيه زي كتير, بس شاهين طول عمره بيحب يمشي صح ومضبوط,
ونظرت له تبتسم ابتسامة صفراء, أدركها جيدًا لكنه اشعل غيظها حين أعطاها ابتسامة صافية وهو يعاود القبض على كفها بكفه, عادت تُكمل حديثها بثبات:
-وانا كنت عارفه بجوازه من قبل جوازنا, ولأني عارفه تفاصيل الجوازه قبلت نتجوز قبل طلاقهم, وكنت عارفه كمان إن الطلاق مسألة وقت بسيط, وفعلاً بعد جوازنا بأقل من أسبوع تم الطلاق, فكل الحوارات دي انتهت من فترة, وزي ما شاهين قال, احنا دلوقتي مش شاغل بالنا غير حاجتين... اولهم وأهمهم ابني ربنا يوصله على الدنيا بخير وعافية.. وتاني حاجة...
نظرت ل "شاهين" بابتسامة ماكرة, وأعين يملأها العبث, جعله يشعر بأن القادم سيفاجئه, عادت تنظر لهم وبداخلها تردد "لقد حان دورها لتثأر من كلماته التي أثارت غيرتها وحنقها", وأكملت:
-خلينا نقول كله مرة واحده, عشان مش كل يومين هنعمل مؤتمر, وعشان متستغلوش اللي هيحصل تاني وتقولوا كلام من اجتهادكم...
رفعت رأسها بقوة وهي تلقي مفاجأتها المدوية والتي جعلت الجميع في حالة صدمة وإنكار:
-شاهين رفع قضية طعن في نسب تيم شاهين المنشاوي.. والجلسة الأولى في القضية قريب, وطبعًا كان الكل هيعرف وهتكتر الأخبار المزيفة والكلام.. فاسمعوا الحقيقة مننا احسن..
نظرت ل "شاهين" لتجد ملامحه غير مقروءة, جامدة فقط ينظر لها!
توترت قليلاً لكنها حاولت الحفاظ على ثباتها واكملت بتحفظ قليل:
-ياريت ميكونش في أي تجاوزت من الصحافة في نقل الخبر, ولا خوض في عرض ست, الحكاية بتتلخص في إن تيم مش ابن شاهين, ابن مين ده المحكمة اللي تقوله مش احنا, وكده كده مدام شدوى المنشاوي عندهم, لأنها للأسف اُتهمت في محاولة قتل النهاردة الصبح.. والله أعلم الحقيقة فين, يا ريت محدش يوجه أي استفسار لشاهين أو لأي فرد من عيلة المنشاوي, لأن أيًا كان اللي بيحصل محدش يعرف عنه حاجه غير شدوى نفسها ووالدها مختار المنشاوي.. فبلاش تدخلونا في نزاعات جديدة... انا قولت اللي عندي.
قالتها وهي تنظر له بقلق خفي, ظل صامتًا يطالعها بنفس النظرة الثابتة لفترة حتى نطق أخيرًا بعد أن لعب بأعصابها, وقال ما فاجئها وزاد من حيرتها تجاه رد فعله, حين قال بنظرة غامضة بحتة:
-المؤتمر خِلص...
طالعته بدهشة! ألن يُعقب على ما قالته! حتى الصحفيين الذين أفاقوا من الصدمة التي تعرضوا لها جراء ما قالته "فيروز" كانوا يودون ان يسأله الكثير, لكنه لم يعطي أحد فرصة وهو ينهض بعد جملته يأخذ كفها ويسحبها معه للخارج..
ابتلعت ريقها بوجل وهي تتبعه وتدعو الله أن تبقى حية كي تفرح بابنها!
