رواية موعدنا فى زمن اخر الفصل الرابع والعشرون
|والتقينا ثانيةً |
نهضت رحمة من موضعها بعدما بزغ الشروق، وقد أثقل الإرهاق أطرافها، وأصبحت ترغب في النوم مهما كلّفها الأمر، رغم أنها لم تكن موقنة إن كانت ستستطيع إغماض عينيها حقًّا بعد ما حدث.
تمدّدت فوق الفراش وأغمضت عينيها محاولةً الفرار إلى النوم، غير أنّ عقلها الباطن أبى أن يرحمها؛ فقد ظلّ يعيد أمامها مشاهد الساعتين الماضيتين بكلّ تفاصيلها الدقيقة... صوت غزل المرتجف، ودموعها المنهارة، ونظراتها المذعورة التي كانت تطعن قلبها في كل مرة تتذكرها.
قبل ساعتين...
أمسكت رحمة بمقبض الباب وهمّت بالخروج، لكن غزل سبقتها، فأطبقت يدها على المقبض تمنعها من فتحه، ثم قالت باكية بصوتٍ متقطع:
"أرجوكي لا... أرجوكي لا..."
فقالت رحمة بصوتٍ حازم حاولت أن تُخفي به اضطرابها:
"أوعي يا فيروز... وسّعي."
فازدادت غزل بكاءً وهي تتوسل:
"بالله عليكي... بالله عليكي أنا مش عايزة أتحبس... أنا والله كنت هتغير..."
ضعفت رحمة أمام نحيبها، وكادت تُبدي ترددها، إلا أن الباب انفتح فجأة من الخارج على يد معتز وسالم؛ إذ إنهما، ما إن سمعا صراخ غزل، أيقنا أن رحمة قد عثرت على الهاتف.
وبمجرد أن فُتح الباب، أسرعت غزل تختبئ خلف رحمة، متشبثة بها كطفلةٍ مذعورة، الأمر الذي زاد ألم رحمة وضعفها.
نظر سالم إلى غزل نظرةً جامدة، ثم قال بحدة:
"بتتشطر عليكي عشان قلبك طيب... أوعي يا رحمة... تعالي هنا يا بت."
ثم أمسك غزل من ذراعها بعنف وهزّها قائلًا:
"تمسكي الموبايل وتلغِي كل التنزيلات... حالًا."
فقالت غزل وهي تبكي بهلع:
"حاضر... حاضر والله... بس مروحش السجن..."
قهقه معتز ساخرًا وهو يرمقها بازدراء:
"إنتِ بجحة يا بت؟"
صرخت غزل بانهيار:
"أنا مش عايزة أتحبس يا بيه... آخر مرة والله، أوعدك... هرجعلك كل الملفات، وهشفّرلك الموبايل كله، بس سيبني أمشي يا بيه... سيبني أمشي وأنا أوعدك مش هتشوف وشي تاني."
فقال سالم ببرودٍ قاسٍ:
"عشان تروحي تسرقي غيري... مش كده؟"
هزّت غزل رأسها نفيًا سريعًا وهي تبكي:
"والله كنت ناوية إنها تكون آخر مهمة... أنا عايزة أنضف يا بيه. أنا حسّيت معاكم هنا إنكم عيلتي، ومكنتش عايزة أأذيكم والله... صدقني يا بيه، والله ما هسرق تاني ولا هنصب على حد."
كانت رحمة تنظر إليها بعينين تغشاهما الشفقة، حتى إنها شعرت أن قلبها يلين رغم كل شيء.
اقتربت من سالم هامسة بجوار أذنه:
"سالم... وقف التنزيل ومشيها... ملناش دعوة بيها خلاص."
التفت إليها سالم بعدم تصديق وهمس:
"إنتِ صدقتيها يا رحمة؟!... دول كلهم كده."
فقالت برجاءٍ صادق:
"سالم أرجوك... البنت قطعت قلبي. خليها توقف التنزيل وتاخد اللي أخدته منك وتمشي... عشان خاطري يا سالم."
نظر سالم إلى زوجته طويلًا؛ كان يعلم جيدًا كم هي طيبة القلب، وكم نادرًا ما تطلب منه شيئًا، لذلك زفر باستسلام قائلًا:
"بس دي أول وآخر مرة ندخل حد غريب بيتنا... فاهمة؟"
هزّت رحمة رأسها بالإيجاب، ثم نظرت إلى غزل التي كانت تتابع همساتهم بعينين متوسلتين، تحاول أن تفهم من ملامحهما ما يُقال.
تقدّم سالم نحو معتز وأخبره بقراره، فعقد معتز حاجبيه قائلًا:
"إنت متأكد؟"
تنهد سالم وهو ينظر إلى غزل نظرةً غريبة اختلط فيها الضيق بالشفقة:
"البنت فعلًا أثّرت فيّا بشكل كبير... وأنا أصلًا متضايق إني اكتشفت ده فيها. فده أنسب حل... لا يوجعني ولا يوجعها. خليها تروح لحال سبيلها بقى، ملناش دعوة بيها."
اتفق الاثنان على ذلك، ثم توجها نحو غزل التي كانت دموعها لا تزال تغرق وجنتيها.
مدّ سالم الهاتف إليها وقال بصرامة:
"هتلغي كل التنزيلات، وتمسحي كل اللي نزل، وتشفّري موبايلك تمامًا، وتسيبي الموبايل وتمشي من هنا... مشوفش وشك تاني. مفهوم؟"
هزّت غزل رأسها بسرعة وسعادةٌ مرتجفة تملأ ملامحها، ثم أمسكت الهاتف بيدين ترتعشان من التوتر، وبدأت بإلغاء جميع التنزيلات، بينما وقف معتز يراقب كل حركة تقوم بها بدقةٍ شديدة، خشية أن تُرسل الملفات إلى شخصٍ آخر أو تحاول خداعهم.
وبعد عشر دقائق كاملة، كانت قد انتهت من كل شيء.
ناولت الهاتف لسالم وهي تقول بصوتٍ متردد:
"الموبايل أهو يا بيه... تؤمرني بأي حاجة تانية؟"
أخذ سالم ومعتز الهاتف، وشرعا يتفحصانه بعناية بحثًا عن أي ملفات متبقية، لكنهما لم يجدا شيئًا. حتى معتز، بخبرته التقنية، تأكد بنفسه أن الهاتف أصبح خاليًا تمامًا.
عندها فقط... أطلق سالم سراحها.
أسرعت غزل نحو باب الخروج راكضة، وكأنها تهرب من الموت نفسه، لكنها توقفت فجأة قبل أن تغادر.
استدارت ببطء، ثم نظرت إلى رحمة نظرةً طويلة مرتجفة.
وبعد لحظات، هرعت نحوها باكية، حتى ارتمت بين ذراعيها بقوة.
لم تستطع رحمة منع دموعها هذه المرة، فانهمرت بغزارة وهي تلف ذراعيها حولها بحنان.
وأخذت غزل تردد وسط شهقاتها:
"شكرًا ليكي بجد... مكنتش عارفة هعمل إيه من غيرك."
بينما همست رحمة بصوتٍ مختنق بالدموع:
"هتوحشيني..."
_____________________
— تتجوزيني يا تمارا؟
تجمّدت تمارا في موضعها فور سماع جملته، وكأن الكلمات باغتتها على حين غرة، ثم قالت بتلعثمٍ واضح:
"انت قولت ايه؟"
ارتسمت ابتسامة خافتة عند طرف شفتي رحيم، وقال وهو يحدّق بعينيها مباشرة:
"بقول... تتجوزيني؟"
امتلأت أساريرها بفرحةٍ مفاجئة، فكادت ابتسامتها تنفلت دون إرادةٍ منها، لكنها ما لبثت أن تلاشت حين تذكّرت ما يُثقل قلبها.
خفضت بصرها وهمست بارتباك:
"أنا صعبانة عليك صح؟... صعبانة عليك بعد اللي حكيتهولك وقلت لما احتويها هي وابنها واتجوزها؟"
انعقد حاجبا رحيم بضيق، وقال سريعًا:
"لا... ولو كنتِ ما حكيتيش، كنت برضه هعوز أتجوزك."
شهقت تمارا ساخرة وهي تنهض واقفة:
"يا سلام!.. بس يلا يا أهبل انت... يلا روح شوف كنت بتعمل إيه. أنا ناقصة متخلفين في حياتي؟ المشرحة مش ناقصة قتلة."
استدارت لتغادر، لكن رحيم نهض مسرعًا وأمسك بذراعها ليوقفها:
"خدي هنا... رايحة فين؟ إنتِ لسه ما جاوبتنيش."
ضحكت تمارا بسخرية وربتت على كتفه بخفة:
"يلا يا عم روح الله يسهلك."
فضحك رحيم رغمًا عنه من أسلوبها، ثم قال:
"هو أنا بشحت منك؟"
رمقته تمارا بنظرة مترقبة قبل أن تقول:
"وبعدين إنت مش بتحب غزل؟ إيه العك ده بقى؟"
أجابها رحيم بهدوءٍ صريح:
"ما هي مبتحبنيش."
فصاحت بضيقٍ متعمد:
"وأنا مالي بقى؟ الله يسهلك يا عم ويرزقك بواحدة تحبك... خرجني أنا من القصة دي."
لكن رحيم شدّ قبضته حول ذراعها قليلًا، ثم جذبها نحوه حتى أصبحت قريبة منه، وقال بنبرةٍ مفعمة بالمشاكسة والدفء:
"ما هو رزقني أهو... إيه؟ هرفص النعمة وهو جابهالي لحد عندي؟"
تلجمت تمارا، وشعرت بحرارةٍ تسري في أطرافها، ثم رفعت عينيها إليه بارتباكٍ واضح، وابتلعت ريقها قبل أن تتمتم:
"تقصد إيه؟"
اقترب منها أكثر، حتى لم تعد المسافة بينهما تُذكر، وأخذ ينظر إلى عينيها نظرةً أربكت أنفاسها بالكامل، ثم قال بصوتٍ خافت:
"انكري إنك مش بتحبيني."
شعرت تمارا وكأن الدم قد توقّف في عروقها للحظة، واختنقت أنفاسها تحت وطأة قربه ونظراته.
تلعثمت وهي تحاول التراجع:
"ابعد عني يا رحيم... أرجوك."
لكنه اقترب أكثر، فازدادت توترًا، وحين حاولت الابتعاد أحاط خصرها بذراعيه مانعًا إياها من الفرار.
شهقت تمارا وأغمضت عينيها فورًا.
أسند رحيم جبينه إلى جبينها، وأغمض عينيه هو الآخر، بينما كانت أنفاسهما المتداخلة تفضح ذلك الاضطراب المختبئ في قلبيهما.
همس رحيم بصوتٍ منخفض:
"مش هبعد إلا لما تجاوبي."
ارتفعت أنفاس تمارا، وصارت متسارعة بصورةٍ واضحة، بينما ظل رحيم صامتًا ينتظر جوابها، مستمتعًا بسحر تلك اللحظة التي طالما تخيلها.
وفجأة
شعر رحيم بركلةٍ قوية أسفل خصره مباشرة.
فتح عينيه بصدمة، ثم وضع يده فوق موضع الألم صارخًا بقوة، بينما قالت تمارا بحدة:
"هو أنا مش قولت ابعد بالذوق وانت مسمعتش؟"
فصاح رحيم متألمًا:
"يا بت المتخلفة!"
فردّت عليه فورًا:
"لِمّ لسانك يلا."
انحنى رحيم والتقط صخرة صغيرة من الأرض، ثم رفعها مهددًا:
"امشي يا بت من هنا... امشي، أنا غلطان!"
انطلقت تمارا تركض أمامه وهي تضحك بقوة، ثم هبطت الدرج مسرعة، لكنها توقفت في منتصفه واضعة يدها فوق بطنها من شدة الضحك، غير قادرة على التوقف.
وبعد لحظاتٍ قليلة، خفت ضحكاتها تدريجيًا، وعادت إليها تفاصيل ما حدث منذ قليل.
تذكّرت قربه، ونظراته، والطريقة التي حاصر بها ارتباكها بكل سهولة.
فشعرت بخجلٍ شديد يكتسحها دفعةً واحدة.
لقد انكشفت أمامه تمامًا...
لم تستطع إخفاء حبها له، ولا الهروب من ارتجاف قلبها بين ذراعيه.
وهذا وحده كان كافيًا ليصبغ وجنتيها بحمرةٍ محرجة، ويجعلها تدفن وجهها بين كفيها وهي تهمس لنفسها بخجلٍ مكتوم:
"يا فضيحتي..."
________________________
— ماذا تفعلين بهاتفي؟
تجمّدت جين فور سماع صوته خلفها.
ارتبكت سريعًا وأفلتت الهاتف من يدها كأنها أُمسكت متلبسة، ثم تمتمت بتلعثم:
— لا... لا شيء.
اقترب توم منها بخطوات بطيئة ومريبة، التقط الهاتف من فوق الطاولة، وما إن وقعت عيناه على شاشة التسجيلات حتى انعقد حاجباه بصدمة وغضب.
رفع بصره إليها قائلًا بحدّة:
— هل كنتِ تتجسسين على مكالماتي أنا ونوح؟!
ابتلعت جين ريقها بصعوبة وقالت بسرعة:
— لم أفعل ذلك بدافع الخيانة، أقسم لك... كنت فقط أحاول أن أفهم ما الذي يدور بعقل نوح، وما خطته القادمة... لا أكثر، صدقني.
ضحك توم بسخريةٍ جارحة وهو يهز رأسه بعدم تصديق:
— يا لغبائي... للمرة الثالثة تخونين ثقتي بكِ، وفي كل مرة أُقنع نفسي أنكِ بريئة وأمنحك فرصة جديدة.
اقتربت منه جين بخوفٍ واضح:
— توم، أرجوك... أنا حقًا تغيّرت. لم أفعل هذا لأفضحكم عند البابا أو لأؤذي أحدًا. أنت تعرف جيدًا أنني أحب نوح، ولا أستطيع أن أتسبب له بالأذى.
رمقها توم بنظرة باردة وقال:
— إذًا ما سبب تجسسك على مكالماتي معه؟!
صمتت جين، وعجزت الكلمات عن الخروج من فمها.
تنهد توم بعنف، ثم أخرج محفظته من جيبه، سحب منها بعض النقود وألقاها نحوها بازدراء، فتساقطت الأوراق النقدية عند قدميها.
قال بصوتٍ ممتلئ بالخذلان:
— خذي هذه وعودي إلى بلدك... لم يعد لكِ مكان هنا معي، فهمتِ؟ لقد تعبت منكِ يا جين... حقًا تعبت.
اتسعت عينا جين بصدمة، ثم انحنت تلتقط أنفاسها بصعوبة قبل أن تقول بصوتٍ مرتجف تغلبه الدموع:
— أنت لا تفهم يا توم... أقسم لك أن هدفي كان مثلك تمامًا... حماية نوح.
رفع حاجبه بسخرية مريرة، لكنها تابعت بسرعة قبل أن يقاطعها:
— أنا فقط... أردت سماع صوته، أردت أن أعرف ما الذي تخفيانه عني. كلما سألتك عن شيء كنت تُغلق الحديث وتقول إن خطة نوح لا يجب أن يعرفها أحد... وكأنني غريبة عنكم.
اختنق صوتها أكثر وهي تكمل:
— لم تعد تثق بي، ولم تعد تشاركني أي شيء... فحاولت أن أعرف بنفسي ما الذي يحدث، وما الذي تنويان فعله.
أشاح توم وجهه عنها وقال ببرود:
— لا أريد سماع المزيد... اذهبي يا جين.
شهقت جين بخفوت، ثم أمسكت يديه برجاءٍ يائس:
— توم، أرجوك... لا تفعل هذا. ليس لدي أحد غيرك، لا تتركني وحدي... أرجوك.
نظر إلى يديها المتشبثتين به للحظة، وظهر التردد بعينيه، لكنه أبعدها عنه ببطء وقال بصوتٍ خافت ومؤلم:
— لن أصدق دموعك مرة أخرى...
ثم ابتعد عنها مضيفًا بجمود:
— اذهبي.
تراجعَت جين للخلف بخطواتٍ مهزوزة، بينما كانت الدموع تنساب فوق وجنتيها بصمتٍ موجع، وانحنت تجمع النقود المبعثرة عن الأرض بأصابع مرتجفة، ثم قالت بصوتٍ مكسور:
"حسنًا... سأذهب."
واستدارت ببطء نحو الباب، لكن توم ظل يحدق بها دون أن يتحرك، وكأن شيئًا داخله كان ينهار مع كل خطوةٍ تبتعدها عنه.
وحين أمسكت مقبض الباب، خرج صوته أخيرًا، حادًا ومختنقًا في آنٍ واحد:
"جين..."
تجمدت مكانها دون أن تلتفت، بينما أكمل هو بصوتٍ أخفض:
"هل تعلمين ما الشيء الوحيد الذي يؤلمني أكثر من خيانتك؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة وهمست: "ماذا...؟"
اقترب منها بخطوات بطيئة حتى صار خلفها مباشرة، ثم قال:
"أنني رغم كل شيء... لا أستطيع التوقف عن حبك."
اتسعت عينا جين بصدمة، واستدارت نحوه بسرعة، فرأت لأول مرة ذلك الانكسار بعينيه، الانكسار الذي كان يخفيه دائمًا خلف غضبه.
ضحك توم بمرارة وهو يهز رأسه: "أتعلمين كم أكره نفسي الآن؟ كنت أريد طردك، أن أكرهك، أن أعتبرك مجرد فتاة كاذبة... لكني كلما نظرت إليكِ أضعف."
اقتربت جين منه بخطوة مرتجفة: "توم..."
فقاطعها وهو ينظر إليها بعينين دامعتين: "أنا غاضب لأنكِ تؤذينني دائمًا... لأنكِ الوحيدة القادرة على ذلك أصلًا."
شهقت جين بخفوت، ثم قالت بصوتٍ باكٍ: "وأنا كنت أتجسس لأنني خائفة وقلقة من صمتك المريب بكل مرة اسألك بها ما خطوتنا التالية او ما الذي تخطط له وانت لا تريد ان تجيبني... لكن أكثر ما أخافه حقًا هو أن أخسرك أنت."
صمت للحظة، فتابعت وهي تبكي:
""لن أُنكر أبدًا أنك أصبحت عزيزًا على قلبي يا توم... حتى وإن كنتُ لا أجيد فهم مشاعري بعد، ولا أعرف كيف أُحب بالطريقة الصحيحة.
لكنني أعلم شيئًا واحدًا يقينًا... أنني لا أستطيع تخيّل حياتي من دونك."
تنهدت جين، ثم تابعت بصوتٍ مرتجف صادق:
"أنت أقرب إنسانٍ لروحي... الشخص الوحيد الذي أشعر معه أنني مرئية، أنني لست مجرد فتاة منبوذة يحاول الجميع تجاهلها."
وانخفض بصرها وهي تبتسم بألم:
"لقد عشتُ عمري كلّه محرومة من الحب... أبي لم يحتضنني يومًا كما ينبغي، وأمي لم تمنحني ذلك الدفء الذي كنت أحتاجه، وحتى أصدقائي كانوا يرحلون دائمًا... أما نوح، فلم ينظر إليّ يومًا كما تمنيت."
ثم رفعت عينيها إليه ببطء، وكانت الدموع تلمع داخلهما:
"أما أنت... فأحببتني لأجل جين فقط.
ليس لأنك تحتاج شيئًا مني، ولا لأنني تظاهرت بشخصٍ آخر... بل أحببتني كما أنا، بعيـوبي، بخوفي، بفوضاي كلها."
اقتربت منه خطوة وهمست:
"ولهذا أنا خائفة من خسارتك أكثر من أي شيء آخر."
صمتت لثوانٍ قبل أن تُكمل بصوتٍ أكثر دفئًا:
"أنا مؤمنة أن علاقتنا ما زال لديها فرصة لتصبح أجمل... فرصة حقيقية هذه المرة.
وأنا أريد ذلك فعلًا يا توم... أريد أن أتعلم كيف أحبك كما تستحق، كما تحبني أنت."
ثم أمسكت يده برفق وقالت:
"لكن الحب وحده لا يكفي... نحن بحاجة للوقت، وبحاجة لأن نُرمم الثقة بيننا من جديد.
وأعدك... إن بقيت إلى جواري، فسأحاول بكل ما أملك ألا أُخذلك مرة أخرى."
ابتسم توم ابتسامة باهتة وهو يهز رأسه بعدم تصديق، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
"حتى الآن... ما زلتِ لا تدركين ماذا فعلتِ بي، أليس كذلك؟"
نظر إليها طويلًا، وكأن عينيه تبحثان عن شيءٍ ضاع منه منذ زمن، ثم تابع:
"أنا لم أحبك لأنكِ مثالية يا جين... بل أحببتك رغم كل الفوضى التي بداخلك.
ابتلع غصته ثم ضحك بخفوت:
"كنت دائمًا أقول لنفسي إنني سأبتعد هذه المرة... أنني سئمت، وأنكِ تؤذينني أكثر مما ينبغي، لكنكِ في كل مرة تنظرين إليّ بهذه الطريقة... أنسى كل شيء."
خفضت جين عينيها بتأثر، فاقترب منها خطوة وقال:
"اسمعيني جيدًا... أنا لا أريد منكِ أن تُجبِرِي نفسكِ على حبي.
يكفيني أنكِ بقيتِ.
يكفيني أنكِ للمرة الأولى لم تهربي حين صار الأمر حقيقيًا."
ثم رفع ذقنها برفق حتى تنظر إليه:
"وأتعلمين شيئًا؟
أنا لا أهتم إن كنتِ لا تعرفين كيف تحبين... سأنتظر.
سأنتظر حتى تتعلمي كيف تنطقين اسمي وكأنكِ تخافين خسارتي، وحتى تنظرين إليّ بالطريقة التي أنظر بها أنا إليكِ."
ثم اقترب حتى صار أنفاسه تختلط بأنفاسها وهمس:
"لكن أرجوكِ يا جين... إن كنتِ ستبقين معي، فابقَي لأنكِ تريدينني أنا... لا لأن العالم كله خذلكِ."
سقطت دموعها بصمت، بينما أكمل هو بنبرةٍ أعمق:
"أنا لا أريد أن أكون مجرد الشخص الوحيد الذي أحبك...
أريد أن أكون الشخص الذي يجعلكِ تؤمنين أخيرًا أنكِ تستحقين الحب."
ارتجفت شفتا جين فور سماع كلماته، وكأن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدرها وسقط أخيرًا، ثم اندفعت نحوه دون تفكير وأحاطت عنقه بذراعيها بقوة.
تجمد توم لثانية من المفاجأة، قبل أن يضمها إليه بإحكام، حتى كادت تختفي بين ذراعيه.
دفنت جين وجهها في صدره وهي تبكي بصوتٍ مكتوم: "أنا آسفة... آسفة لأنني جعلتك تشك بي مرة أخرى."
مرر توم يده فوق شعرها ببطء وهمس: "اهدئي... انتهى الأمر."
جلسا في الشرفة يتناولان فطورهما وبدأت جين بسرد كل ما دار بينها وبين ستيفن؛ روت له كلماته حرفًا بحرف، وما الذي دفعها للمجيء إليه، ثم قالت بصوتٍ خافت يشوبه الاشمئزاز:
— لقد ظنّ ستيفن أنّه يدفعني إليك كي أكون عينًا له عليك، أنقل أخبارك وتحركاتك… لكنني لم أفعل ذلك قط، ولن أفعله أبدًا. وعرفت أيضًا أنّه مهووس بمعرفة هوية المجهول… كي ينتقم منه.
أطلق توم ضحكة ساخرة، مالت معها شفتاه بازدراءٍ بارد، ثم قال:
— ونوح أيضًا يشتعل شوقًا للانتقام منه… يا للمفارقة. حسنًا… فلنلقِ بهما معًا داخل الحلبة، ولندعهما ينهشان بعضهما بعضًا.
عقدت جين حاجبيها، وحدّقت فيه بريبة:
— ماذا تعني؟
حينها ارتسمت على وجه توم ابتسامة انتصارٍ حادّة، كأنّ فكرةً شيطانية قد أضاءت عقله للتو، ثم قال بنبرةٍ واثقة:
— وجدتها يا جين… أخيرًا وجدتها.
وما إن أنهى عبارته حتى نهض على عجل، والتقط هاتفه سريعًا، ثم اتصل بنوح. وما إن جاءه صوته حتى قال بحماسٍ خافت يحمل نبرة ظفرٍ واضحة:
— اطرح خططك جانبًا يا نوح… لقد عثرت على خطةٍ أجمل بكثير من كل ما رسمناه سابقًا. ولا تقلق… لن تتلطّخ يداك بدماء أحدٍ منهم هذه المرة. ستبقى نظيفًا يا صاحبي… لا تعُد إلى بيتر، ابقَ نوح كما أنت.
_______________________
كان نوح جالسًا قبالة رهف، يفصل بينهما طاولة الطعام التي بقي معظم ما فوقها كما هو، بينما كان الحزن يخيم على المكان بثقله الخانق.
اغترف نوح قليلًا من الطعام بالملعقة، ثم مدّ يده بها نحو رهف قائلًا برفق:
"كلي يا رهف بالله عليكي..."
لكن رهف أزاحت وجهها قليلًا، وقد اجتاحت الدموع عينيها، ثم همست بصوتٍ متهدج:
"مش قادرة يا نوح... صدقني."
تنهد نوح بألم، وقال متوسلًا:
"عشان خاطري... يا رهف، متوجعيش قلبي عليكي... كلي."
استسلمت رهف أخيرًا أمام رجائه، ففتحت فمها بصعوبة وابتلعت اللقمة، غير أن الغصة التي ملأت حلقها جعلت البلع أشبه بالعذاب.
وفي تلك اللحظة، وصلت لوجي برفقة حمزة.
وما إن وقعت عيناها على والدتها حتى هرعت نحوها مسرعة، وارتمت بين ذراعيها باكية.
احتضنتها رهف بحنان ومسحت فوق شعرها قائلة بصوتٍ دافئ رغم ضعفها:
"أنا بخير يا عيوني... متخافيش عليّا."
شهقت لوجي وهي تتشبث بها أكثر:
"أنا مش هسيبك تاني لوحدك أبدًا... هحميكي من كل حاجة، متخافيش."
ضحكت رهف بخفة وسط دموعها، ثم شددت عناقها لابنتها، بينما نظر نوح إليهما وقد ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة متعبة، وقال ممازحًا:
"أومال أبوكي يعمل إيه؟"
ابتعدت لوجي قليلًا عن والدتها، ثم نظرت إليه بعتاب طفولي قائلة:
"إنت مبتبقاش موجود دايمًا."
أوجعته كلماتها على الفور، فرفع كفيه نحو وجنتيها وربت عليهما بحنان بالغ:
"أوعدك إني هكون معاكم دايمًا... ومش هسيبكم تاني أبدًا."
ابتسم حمزة وهو يراقبهم من الخلف، ثم آثر أن يترك لهم لحظتهم العائلية، فاتجه نحو الخارج بهدوء.
لكن ما إن خرج إلى الممر حتى لمح حسن واقفًا هناك.
اتسعت عينا حسن فور رؤيته وهتف بدهشة:
"حمزة... إنت هنا مع رهف؟!"
لم يُجبه حمزة، بل أمسك بذراعه بعنف وراح يسحبه بعيدًا نحو الخارج، الأمر الذي جعل حسن يهتف بغضب:
"إوعى بتجرجرني كده ليه؟!.. أوعى يا حمزة!"
استمر حمزة في دفعه حتى وصلا إلى باب الخروج، ثم التفت إليه قائلًا بصوتٍ ممتلئ بالغضب المكتوم:
"ورحمة أبويا يا حسن... لولا قهرة أمك، كنت دفنتك بالحيا. فحاول تحفظ شوية من كرامتك وتمشي دلوقتي، ومتحاولش تظهر قدام نوح... عشان إنت مش قد اللي هيعمله فيك لما يشوفك."
رمقه حسن بضيق وقال بعناد:
"لا يوريني عضلاته كويس... وبعدين أنا معملتش حاجة! بطلوا أي حاجة وحشة تحصل لرهف تجيبوها فيّا... أنا بحب رهف ومستحيل أأذيها."
وفجأة هوى حمزة بلكمةٍ عنيفة على وجهه، حتى ترنح حسن للخلف واضعًا يده فوق خده بصدمة.
صرخ حمزة فيه بغضب:
"امشي بدل ما أفرّج عليك الشارع كله... أنا ماسك نفسي بالعافية إني مكسرش عضمك."
رفع حسن عينيه إليه بتوجس وهو يتمتم:
"إنت..."
لكن صوته انقطع فجأة حين دوّى صوتٌ آخر خلفهما:
"حسن."
كان ذلك صوت نوح.
ظهر فجأة، وعيناه تقدحان غضبًا مرعبًا، ثم اندفع نحوه كالإعصار.
ولم يمهله ثانية واحدة انهال عليه بالضرب بعنفٍ هستيري، بينما تتفلت من بين شفتيه أبشع الشتائم.
سقط حسن أرضًا تحت وطأة اللكمات، لكن نوح لم يتوقف، بل ظل فوقه يضربه بجنون، حتى كاد يفقده وعيه تمامًا.
أسرع حمزة نحوهما وأمسك ذراعي نوح بقوة محاولًا إبعاده وهو يهتف:
"لا يا نوح! مش عايزين نموّته... اهدى! اهدى بقولك!"
حاول نوح بعنف أن يفلت من قبضته، وهو يصرخ بغضب:
"أوعى يا حمزة!"
لكن حمزة شدد قبضته أكثر وقال بحزم:
"متضيعش حقك في لحظة غضب... اهدى."
ظل نوح يتنفس بعنف، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغضب، قبل أن يزفر بقوة ويدفع حسن بعيدًا عنه أخيرًا.
نهض عن الأرض بصعوبة، بينما بقي حسن ملقى على الأرض يلهث، يحاول التقاط أنفاسه بصعوبةٍ بالغة، وقد غطى الدم جانبًا من وجهه.
______________________
كان مهاب قد أمضى ليلته عند احدى رفاقه بالسهر واللعب، وحين عاد إلى المنزل في الصباح، كان أول ما لاحظه ذلك الفراغ الغريب الذي خلّفته فيروز بغيابها.
بحث عنها بعينيه في أرجاء المنزل أكثر من مرة، قبل أن يلتفت نحو والدته قائلًا بقلقٍ واضح:
"ماما... هو بجد اللي بابا بيقوله ده؟ إنتوا مشيتوا فيروز؟!"
أجابته رحمة بفتورٍ حاولت أن تُخفي خلفه إرهاقها:
"أه يا مهاب... مشيناها خلاص."
اعترض مالك فورًا بضيق:
"لا، أنا عاوزها ترجع! يا ماما رجعيها... أو أنا هقنع بابا يرجعها بعد ما يرجع من الشغل."
وأردف مهاب هو الآخر بإصرار:
"بالظبط... فيروز لازم ترجع."
فصاحت رحمة بنفاد صبر:
"لا، مش لازم! أبوك مشّاها لأنها عملت مشاكل."
قطّب مهاب حاجبيه متسائلًا:
"مشاكل إيه؟!"
زفرت رحمة بقوة، ثم قالت وهي تضغط على صدغيها بإرهاق:
"مشاكل مشاكل يا مهاب... سيبني في حالي بقى، أنا راسي واجعني."
لكن مهاب لم يتراجع، بل قال بإلحاح:
"وأنا عايز فيروز ترجع."
نهضت رحمة من مكانها واتجهت بعيدًا عنهما وهي تقول بضيق:
"يووه بقى... حلّوا عني من الصبح بنفس الجملة! فيروز خلاص مش راجعة تاني، وإحنا مش هندخل خدم بيتنا مرة تانية. اقفلوا الموضوع."
لكن مهاب لم يقتنع.
لحق بها حتى دخلت غرفتها، ثم أغلق الباب خلفه وقال بصوتٍ منخفض:
"أدينا أهو لوحدنا... لو مكسوفة تتكلمي قدام مالك عشان سنه. فيروز عملت إيه؟"
ترددت رحمة للحظة.
كانت تعرف جيدًا مقدار تعلق ابنها بفيروز، ولم تكن ترغب في تشويه صورتها بعينيه أو تحطيم تلك البراءة التي ينظر بها إليها.
لذلك ابتلعت الحقيقة، وقالت بهدوء:
"يا حبيبي... بهدلت شوية ورق مهم في شغل أبوك، وأبوك حذرها كذا مرة متدخلش في شغله... وفي الآخر ضيعتله ورق مهم. بس، هو ده اللي حصل."
ظل مهاب صامتًا للحظات، ثم قال برجاءٍ واضح:
"يا ماما... طب بالله عليكي كلمي بابا يرجعها."
اقتربت رحمة منه وربّتت على خده بحنان، ثم قالت بصوتٍ متعب:
"مهاب حبيبي... ممكن نتكلم بكرة؟ عشان ماما تعبانة أوي ومحتاجة ترتاح."
تنهد مهاب بقوة، وقد بدا الإحباط واضحًا فوق ملامحه، ثم خرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء.
لكن عقله ظل عالقًا عند فكرةٍ واحدة...
كيف اختفت فيروز من حياته هكذا فجأة؟
من يومٍ وليلة فقط كانت تملأ المكان بحضورها، بصوتها، وشجاراتها الصغيرة معهم، ثم اختفت وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.
لقد تعلّق بها أكثر مما كان يظن.
والأسوأ من ذلك... أنه لم يكن يملك حتى رقم هاتفها.
لم يخطر بباله يومًا أن يطلبه منها، لأنه لم يتخيّل قط أنها قد ترحل فجأة بهذه الصورة.
ظل واقفًا للحظات شاردًا، قبل أن يقرر أخيرًا الخروج إلى النادي والجلوس مع رفاقه، لعل الضوضاء والحديث ينجحان في انتزاعه قليلًا من دوامة التفكير التي ابتلعته.
________________________
وقف عند الباب للحظات يراقبها وهي تستعد للرحيل، ثم قال بنبرةٍ خافتة امتزج بها شيءٌ من الضيق:
"يعني خلاص... هتمشي؟"
رفعت تمارا عينيها إليه وأجابت وهي تغلق حقيبتها:
"أيوة يا رحيم... سليم وحشني أوي، وبعدين حلو اوي كده."
اقترب منها رحيم بخطواتٍ هادئة، ثم قال بابتسامةٍ غامضة:
"طب ولو جبتلك سليم لحد عندك... هتقعدي؟"
انعقد حاجباها بعدم فهم، وقبل أن تسأله عمّا يقصد، قال وهو يزداد ابتسامًا:
"روحي افتحي الباب اللي بيخبط ده."
لكن زينب التي بالصالة كانت أسرع منهما، فاتجهت إلى الباب وفتحته.
وفور انفتاحه، دوّت أصوات الفريق جميعهم داخل المنزل.
التفتت تمارا نحو رحيم بدهشة، ثم اتسعت عيناها فرحًا وهي تركض نحو الباب.
وهناك رأت دنيا تحمل سليم بين ذراعيها.
شهقت تمارا بفرحةٍ غامرة، ثم أخذته منها بسرعة وعانقته بقوة، كأنها تعوّض غيابه عنها في لحظةٍ واحدة، وأغرقت وجهه بالقبلات وهي تضحك وسط دموعها.
لقد اشتاقت إلى صغيرها حدّ الألم... إلى شغبه، وصوته، وطريقته في التشبث بها.
دخل الجميع إلى الداخل وسط أجواءٍ صاخبة مليئة بالمزاح والضحكات، ثم بدأوا في مصافحة رحيم والتعرف إلى عائلته.
أما رحيم، فكان يتنقل بينهم مبتسمًا، يعرّف كل طرفٍ بالآخر، حتى وصل الحديث إلى سليم.
التفت إلى زينب قائلًا:
"وده بقى يا أمي.. "
لكن زينب قاطعته سريعًا بحماسٍ وسعادة وهي تمد ذراعيها لتحمل الطفل من يد تمارا:
"سليم طبعًا! وده هيتوه عن عيني إزاي؟ ما هو نسخة من أمه طبق الأصل."
تجمّدت تمارا للحظة من شدة الصدمة.
كانت تتوقع النفور... أو على الأقل التردد.
ظنت أن زينب ستكون العقبة الأصعب في طريقها؛ فهي امرأة مطلقة، ولديها طفل، بينما ابنها لم يسبق له الزواج قط.
لكن زينب استقبلت سليم وكأنه فردٌ من العائلة منذ البداية.
رفعت تمارا عينيها نحو رحيم، فنظر إليها هو الآخر، وقد فهم تمامًا ما يدور بعقلها.
فاكتفى بابتسامةٍ مطمئنة أزاحت شيئًا من قلقها.
وبعد فترة، وبينما انشغل الجميع بالحديث والضحك، اختلى الاثنان للحظات وسط ضجيج المنزل.
اقتربت تمارا منه وهمست بدهشة:
"هو إنت كنت قايلها إن عندي ابن؟!"
أجابها رحيم وهو ينظر مباشرةً إلى عينيها:
"بالظبط... أنا قايلها من أول يوم جينا فيه، لأني حكيت معاها إني ناوي أتجوزك... وحكيتلها عنك."
أشرقت ملامح تمارا فور سماع كلماته، ثم قالت بمشاكسةٍ خجولة:
"ناوي إيه يا عنيا؟"
ابتسم رحيم بسماجته المعتادة، ثم أخذ ينطق الكلمة ببطءٍ متعمد حرفًا حرفًا:
"أ... ت... ج... و... ز... ك."
انفجرت تمارا ضاحكة، ثم أشاحت وجهها عنه بخجل وابتعدت سريعًا قبل أن يفضحها احمرار وجنتيها.
اندست وسط أحاديث الفريق محاوِلة الانشغال معهم، غير أن رحيم لم يتوقف عن مراقبتها بعينيه.
كان يحيطها بنظراته طوال الوقت، الأمر الذي جعل ارتباكها يزداد كلما التقت عيناها بعينيه للحظةٍ عابرة.
______________________
جلست غزل على درجات سلم البناية يكسوها اليأس؛ إذ لم تجد أحداً هناك، فالفريق بأكمله كان في الخارج.
مسحت عبراتها التي لم تكف عن الهطول منذ غادرت بيت "سالم" وحتى تلك اللحظة، بينما كان الليل قد بسط عتمته على الشوارع.
هاتفت "رحيم"، فأجابها على الفور، لتطرق مسامعها ضحكاته في مستهل المكالمة، ثم بادرها قائلاً:
"غزل... أخيراً رنيتي... مش هتصدقي... أنا لقيت أخويا ونزلنا عالقاهرة وكل الفريق هنا عندي، وكل ده حصل من يوم وليلة، مطلعوش بيكرهوني يا غزل زي ماكنت فاكر، طلعوا كانوا بيحبوني أوي... المهم طمنيني عنك عاملة إيه؟"
حين سمعت نبرة صوته المتهللة بالفرح، لم تشأ أن تطفئ جذوة سعادته أو تبث في نفسه القلق عليها، فأجابته بصوتٍ جاهدت أن يخرج طبيعياً، ومسحت ما تبقى من دموعها وهي تستجمع قوتها:
"أنا كويسة... يلا يا عم اتبسط، وأنا أقول العمارة فاضية كدة ليه، أتاريكم هايصين هناك."
- "طب ما تيجي بجد؟"
- "لا لا مش قادرة، لحسن أنا هربت بأعجوبة من آخر مهمة لأني اتكشفت فيها، هريح كدة ولو قدرت أجيلك هاجي، أنا طبعاً نفسي أتعرف على مامتك وأخوك."
ابتسم رحيم قائلاً:
"تنوري طبعاً، هبقى أكلمك بليل تحكيلي اللي حصل في مهمة بيت سالم، لأن زياد بيقولي إنك المفروض كنتي تنفذي إمبارح بس محصلش ومفيش أي ماسدج جاتله... فقولت انك اتكشفتي بس كويس انك عرفتي تهربي منهم. "
- "هبقى أحكيلك.. يلا أسيبك بقى كملوا فرحتكم... سلام."
أنهت المكالمة، ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها وأسندت ذراعيها عليهما، ووارَت وجهها في انكسار، تبكي وحدتها القاتلة في وقتٍ كانت فيه أحوج ما تكون إلى يدٍ حانية تربت على كتفها.
لقد غلبها الشوق إلى "مهاب" و"مالك" و"رحمة" و"سالم"... كيف فقدتهم جميعاً في طرفة عين؟ وكيف السبيل لاستعادتهم إلى حياتها مرة أخرى؟ لقد تذوقت بينهم طعم السكينة لأول مرة.
فجأة، لاحت في مخيلتها "خصلة الشعر" التي احتفظت بها، ففتحت حقيبتها بلهفة تفتش بين طياتها، حتى وجدتها لا تزال في تلك القارورة الصغيرة. انتفضت واقفة وهمت بالتحرك نحو أقرب مستشفى؛ فهي لا تثق بمعامل التحاليل في تلك المنطقة، ووقع اختيارها على مستشفى "غالية"؛ إذ لم يعد في قلبها متسع لتحمل خطأ واحد في هذه النتائج، لقد سئمت العبث بأعصابها وتريد اليقين لا غير.
دلفت إلى المستشفى ورأسها يموج بعواصف من التساؤلات:
ماذا لو لم تكن ابنتهم؟
وماذا لو كانت حقاً هي؟
وفي الحالتين، لم تكن تدرك ماهية الخطوة التالية.
وبينما كانت تقف متحدثة إلى موظفة الاستقبال لتستعلم عن مختبر التحاليل، سمعت صوتاً صغيراً يهتف باسمها:
"طنط سمر!"
وفجأة، شعرت بذراعين صغيرتين تحيطان خصرها بمحبة. خفضت بصرها لتجد طفلة تنظر إليها وهي لا تزال تعانقها بلهفة، فإذا بها تلك الصغيرة ذات العينين الزرقاوين... "لوجي" ابنة "نوح". ابتسمت غزل بسعادة غامرة وعانقتها بحفاوة:
"يا روحي وحشتيني أوي!"
قالت "لوجي" وهي تشتد في عناقها:
"وأنتي كمان وحشتيني... عارفة... بابا رجع... زي ما أنتي قولتيلي بابا رجع وبقى معايا تاني، وقال إنه مش هيسيبني أنا وماما تاني أبداً أبداً."
- "لوجي. بدور عليكي، مش قولت متسيبيش إيدي كدة تاني وتجري؟"
جاءها الصوت من خلفها.. صوتٌ تحفظ نبراته عن ظهر قلب..
إنه صوت "حمزة"!!
تسمرت في مكانها وقد تملّكها الذعر من الالتفات إليه، وتمنت لو أن الأرض تنشق الآن لتبتلعها.
أغمضت عينيها في اضطراب، بينما ابتعدت "لوجي" عنها لتخاطب "حمزة" بحماس:
"طنط سمر يا عمو... أهي... شوفتها ماشية من بعيد فقولت ألحقها بسرعة."
اتسعت عينا حمزة وتسارعت دقات قلبه، وهو يحدق في تلك الواقفة أمامه.
أيعقل أن تكون هي حقاً؟
هل عثر عليها أخيراً بهذه البساطة؟
هل جمع القدر بينهما ثانية؟!
لم يجرؤ على التصديق، أو لعله خشي الخيبة، فلم يشأ أن يقطع باليقين إلا حين تلتفت إليه ويرى وجهها.
لم تقو غزل على الالتفات، وظلت مغمضة العينين، جامدة كتمثال من رخام. فتقدم حمزة غير صابرًا نحوها حتى وقف قبالتها، وما إن وقع بصره على وجهها، حتى انتفض قلبه جذلاً، واجتاحت السعادة كيانه؛ فهي حقاً أمامه الآن.. لم يستطع كبح ابتسامته التي ارتسمت على ثغره واتسعت حتى غمرت ملامحه كلها.
فتحت غزل عينيها ببطء، وقد ساورها القلق من هذا الصمت المريب، لتجده أمامها.. والابتسامة تضيء وجهه بالكامل.
.......
