رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الرابع والعشرون 

تجلس فوق أحد الطاولات بصحبة والدها ووالدتها وأختها تقلب عينيها في المكان بضجر تحول لبريق غريب حينما لمحته يدخل من باب القاعة بابتسامة غريبة لم تعهده عليها .. 

تحرك بين الجموع وهو يصافح هذا وذاك والجميع يرحب به بابتسامة محبة .. لطالما كان لين القلب نقي السريرة .  

جلس فوق أحد المقاعد وجاورته والدته ووالده وكذلك أنس الصغير .. 

اقترب مالك مرحبًا بقدومه ووالده وكذلك سبأ التي صافحت ديالا بشوق كبير .. 

كانت على وشك أن تطلب من والدتها أن يذهبا ليشاركونهم في الجلوس لكنها لمحت تلك الفتاة التي ولجت إلى القاعة وتحركت ديالا إليها سريعًا ترحب بها وبوالدتها .. 
تذكرتها في الحال .. وكيف لها أن تنساها وهي التي جعلت قلبها يشتعل بنيران الغضب عليها لقدرتها على إسعاده دونها .. وما ذاد من حقد قلبها أنها رأتها تشارك ريان وأسرته طاولتهم .. هذا ما كان ينقص الصورة كي تتضح أمامها الرؤية تمامًا .. 

انتفضت بفزع حينما أمسكت زهرة بيدها في حنان .. 

سندس بعينين دامعتين :
- إيه يا ماما ؟!.. خضتيني . 

زهرة بحنان :
- تحبي نروح ؟ 

نفت سندس وهي تستنشق ما بأنفها في محاولة منها لكبح عبراتها .. 

زهرة وهي تجذبها بهدوء :
- يلا نسلم على الجماعه .. ولازم تكوني سندس يا سندس . 

نظرت لوالدتها في تذبذب تحاول فهم ما ترمي إليه والدتها .. لكنها تحركت باستسلام تام .. وما إن وصلت لطاولتهم حتى اختفت ابتسامة ريان .. ألهذه الدرجة لم يعد يريد رؤيتها !!.. ما الذي اقترفته كي يتحول لما هو عليه الآن !!.. 

تحلت بالثبات وصافحت ديالا بابتسامة وقبلت أنس ومازحته قليلًا وهي تضحك معه ثم حولت نظرها لريان وتساءلت بهدوء :
- إزيك يا ريان ؟ 

دقيقة مرت في صمت تام بينهما وعينيهما تتحدث .. هو بحزن وهي بعتاب .. 
أجابها وهو يشيح بناظريه عنها :
- الحمد لله بخير . 

ابتلعت سندس غصتها ونظرت للفتاة نظرات لم تستطع أمنية تفسيرها .. لكنها أرادت تلطيف الأجواء فتحدثت بمرح وهي تصافح سندس :
- معاكي أمنية رضوان ممرضة قاااااد كدهو . 

أشارت بإصبعي السبابه والإبهام بمزاح ليضحك ريان ضحكة خفيفة وهو يقوم بهز رأسه للجانبين من هذه المشاكسة التي لا تكف عن المزاح أينما ذهبت . 

ناظرته سندس بضيق ثم نظرت لأمنية بغيظ مغتصبة ابتسامة هادئة في ظاهرها وتحدثت :
- سندس الخولي .. طالبة في كلية العلوم . 

أمنية بابتسامة :
- ربنا يوفقك ويعملك الصالح يارب .. بتمتحني مش كده ؟ 

أومأت سندس ثم استأذنت مغادرة قبل أن ينفضح أمرها .. فهي لم تعد تطيق النظر لوجه هذه الفتاة .. 

تنهد ريان بقوة محاولًا طرد هذا الألم عن صدره المتعب .. لتتحدث أمنية بهدوء :
- محتاجين تتكلموا على فكره . 

ناظرها ريان لثوان قبل أن يشيح بناظريه في عكوف تام عن التحدث في هذا الأمر تحديدًا . 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

قُضيت حفلة الخطبة التي كانت هادئة بشكل كبير وأقرب لتجمع عائلي .. 

عادت أصالة لمنزلها بصحبة عائلتها بعدما أخبرت كنان كونها تود جعل خطبتهما شرعية تمامًا ... إن أراد أن يحادثها فسيكون الاتصال على والده أو أخيها عمار وتتحدث معه عبر هواتفهم وفي وجودهم .. وإن كان يود الجلوس معها للتحدث في أمر ما فسيكون أيضًا بصحبة والدها أو أخيها .. وإن قرر أن يخرجا معًا فلا بد من وجود والدها أو أحد شقيقيها .. وقد وافق كنان على ذلك متعجبًا كونه لم يختنق من هذه الحدود الموضوعة بينهما .. بل على العكس .. هذا يسعده أكثر .. خاصة أنها هي من تطلب ذلك .. 

مالت فوق فراشها بتنهيدة قوية متعبة .. طرقات على باب غرفتها جعلتها تعتدل وهي تسمح للطارق بالدخول ليلج عمار بابتسامة محبة تعتلي ثغره ..

أصالة بابتسامة :
- تعالى يا حبيبي ادخل . 

عمار بتساؤل :
- سلسبيل فين ؟ 

أصالة :
- نايمة تحت مع تيتا .. ادخل تعالى . 

ولج عمار وجلس أمامها فوق الفراش وهو يتنهد بقوة لتبتسم لهذا وهي تتحدث بتساؤل :
- كل ده وساكت ؟ 

عقد حاجبيه بعدم فهم لتوضح بابتسامة هادئة :
- يعني عشان بتتنهد أوي كده .. شكلك شايل كتير يا ضنايا . 

ضحك على طريقتها ومن ثم أمسك بيدها متسائلا :
- اتضايقتي من موقفي النهارده؟ 

أصالة بعدم فهم :
- موقف إيه؟! 

عمار بتوضيح :
- يعني .. إني رفضت أسلم إيدك لكنان أو إني طول الوقت جنبك ومعاكم .. أو إني لبستك بنفسي شبكتك .. أو إني رفضت أخليه ييجي ياخدك من البيت .. انتي بنت وأكيد عارفه إن كل ده بيحصل في الخطوبة وده الطبيعي ... 

أصالة مقاطعه :
- وانت تعرف عني إني بتبع الطبيعي ولا بتبع اللي يرضي الله ؟ 

ناظرها عمار باستفهام لتتحدث بهدوء :
- حبيبي اللي انت عملته هو الصح .. بغض النظر عن إنك عملته لمجرد الغيرة عليا مثلا أو كتعزيز ليا .. لكن ده الصح وده الحلال في الزواج .. ده مجرد إشهار بالارتباط وإني اتحجزت لفلان عشان محدش يتقدملي فيخالف قول رسول الله " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه ".. لكن مش إشهار زواج ولا عقد قران .. 
كمان في ضوابط للخطوبة وهي إني مش هخرج معاه لوحدي .. مش هقعد معاه لوحدي .. مش هيكلمني على فوني .. مش هنتصور سيشن ولا غيره قبل ما يكتب عليا .. مش هيبقى واجب وفرض عليا أعرفه خطواتي لأني لسه تحت رعاية والدي .. مش هيبقى من حقه أي حاجه خالص غير مجرد مكالمة يتطمن مثلا عليا أو ياخد رأيي في حاجة أو يعزمنا مثلا على عشا بره أو في بيتهم .. أكتر من كده مفيش .. فانت حبيبي اللي عملته مكنش حاجه غير الصح . 

تنهد عمار وهو يبتسم بهدوء ثم اقترب طابعًا قبلة رقيقة فوق جبينها وهو يتحدث بهدوء :
- ربنا يسعدك ويتمم فرحتك على خير يا حبيبة أخوكي . 

أمنت على دعائه قبل أن يخرج من الغرفة متجهًا لغرفته كي ينال قسطًا من الراحة .. فالأيام المقبلة يشك في أن تحمل راحة له .. 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

انتهت أخيرًا من مراقبة أحد اللجان لهذا اليوم .. وتحركت تجاه أحد المواصلات كي تعود لمنزلها .. 

كانت سعادتها العارمة في وجود مقعد فارغ بجانب النافذة فقفزت تجلس إليه على الفور وهي تضع حقيبتها فوق قدميها بابتسامة انتصار .. 

لم يمر سوى دقيقتين وربما أقل .. لتجد وجد نفس الفتاة التي رأتها من قبل تجلس فوق المقعد الأمامي لها وتناظرها بابتسامه .. 

بادلتها وجد ابتسامتها وهي تمد يدها لوجنة الفتاة تداعبها برقة :
- إزيك يا جميلة .. إيه الصدفة الجميلة زي إسمك دي . 

مدت الفتاة يدها في صمت تام لتنظر وجد ليدها الممدودة وبها قطعة شوكولا مع ورقة زرقاء مطوية بعنايه .. 

وجد بتساؤل :
- إيه ده يا حبيبتي ؟ 

تحرر صوت جميلة التي تمتمت بابتسامة : 
- دي ليكي .. مش انتي ادتيني واحدة المره اللي فاتت ؟.. أنا جبتلك النهارده . 

أخذتها وجد من بين أناملها وهي تبتسم بشئ من الحيرة .. 

قامت بفتح تلك الورقة الملصقة مع قطعة الشوكولا لتقرأ بها عبارة :
" أما آن لمقاعدنا أن تتجاور ؟ " 

رفعت عينيها كي تسأل الفتاة عن الأمر لكنها لم تجدها .. بل وجدت المقعدين الأماميين لها فارغين . 

أدارت وجد عينيها للفتاة الجالسه إلى جانبها وسألتها بشئ من الحيرة : 
- لو سمحتي هو .. هي البنت اللي كانت قاعدة هنا نزلت ؟ 

أومأت الفتاة وهي توضح :
- آه لسه نازلة مع الشاب اللي كان قاعد ع الكرسي اللي ورا السواق . 

أومأت وجد وهي تزدرد ريقها بتعجب .. بالتأكيد تلك الرسالة ليست لها .. 

مر اليوم بسلام .. لكن تفكيرها بما خُط فوق الرسالة لم يجعلها تهنأ بنومها .. 

وكعادتها استيقظت باكرًا مؤدية فرضها وتحركت إلى حيث تعمل كمعيدة الفرقة الثالثة بكلية العلوم . 

وفي طريق عودتها كانت تبحث بعينيها بين السرافيس ربما يحالفها القدر في رؤية تلك الصغيرة .. لكن خاب مسعاها في ذلك اليوم .. وأتى التالي ليكون حليفها وهي تخرج من بوابة الجامعة .. 
فتعجبت لرؤيتها للصغيرة التي تركض تجاهها بفرحة عارمة ..

ابتسمت لها وجد وهي تنزل لمستواها بهدوء متمتمة :
- جميلة !.. إزيك يا قمراية ؟

جميلة بابتسامة سعيدة :
- الحمد لله .. جبتلك شوكالاته تاني النهارده .. اتفضلي .

أنهت الصغيرة جملتها وهي تقدم قطعة شوكولا أخرى لوجد وأيضًا بها ورقة زرقاء مطوية بعناية كسابقتها ..

وجد وهي ترمش بهدوء ومن ثم تحدثت بتساؤل :
- قوليلي يا حبيبتي .. مين بيجبلك الشوكالاته دي ؟.. وانتي هنا مع مين ؟

وضعت الصغيرة سبابتها فوق وجنة وجد كأنها تنبهها لشئ ما وهي تتحدث بغمزة : 
- ده سر ومينفعش نقول السر أبدا مهما حصل .

أنهت الصغيرة جملتها وهي تضع قطعة الشوكولا المُرفقة بالرسالة الصغيرة بيد وجد وركضت لتختفي بين الطلبة المنتظرين أمام الجامعة لقدوم السرافيس كي يغادر كلٌ إلى وجهته ..

تنهدت وجد بحيرة قبل أن تستقل وسيلة مواصلاتها .. 

جلست إلى مقعد فارغ وهي تنظر للورقة بيدها ببعض التردد .. هل عليها أن تفتحها وترى محتواها أم لا ؟!... اهتدت أخيرًا لقرارها .. وأخذت شهيقًا عميقًا أخرجته ببطء وهي تفتح الورقة لتقابلها كلمات خُطَّت بنفس الخط السابق ..

" أما آن لدروبنا أن تلتقي ؟  "

زفرت وجد ببعض الضيق والحيرة .. من هذا !!.. ومن تلك الفتاة !!

وصلت حيث منزلها لتقابلها زوجة أخيها بابتسامة متحدثة بمرح : 
- حمد الله على سلامتك يا قمر .. الغدا جاهز بس نادي على وليد من ورا البيت عشان نتغدا كلنا سوا .

أومأت وجد بابتسامة هادئة وذهبت حيث يجلس أخاها الذي يكتب في النوت الخاصة به ..

وجد بمزاح :
- أنا فضلت أقول لمراتك إنك بتسرح في عالم امرأة أخرى مسمعتش مني .

وليد بضحكة : 
- اعقلي يا بنت الناس الله يهديكي .. وتعالي هنا انتي وحشاني أوي .

وجد : 
- ما  أوحش الله لك قلبًا ولا قبرًا ياحبيبي .

وليد : 
- عامله إيه ؟

وجد : 
- عامله خط وماشية عليه نيهاهاهاهاي .

صفعها وليد على مؤخرة رأسها وهو يتحدث بغيظ :
- جايبة رخامتك دي منين بالظبط ؟

وجد بتفكير :
- على ما أتذكر يعني والله أعلم إن ماما كانت بتقول وليد مكنش بيبطل رخامه عليا وابوكي يقفشه .

ابتسم وليد بحنين وهو يتنهد قبل أن يجذبها الي أحضانه يشتم عبيرها الذي ورثته عن والدها .. وأخذ يربت على ظهرها بحب لتبادله احتضانه لها بحب جم .. أخذت تفكر إن كان عليها إخباره بأمر تلك الرسائل أم لا .. لكنها فضلت ترك الأمر إلى حين آخر ..

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

ولجت للجريدة وهي تتنفس بعمق .. وأخيرًا عادت لها من جديد ..
استقبلها زملائها بالترحاب وتحمدوا لها على سلامتها ليبتسم علي ابتسامة واسعة وهو يراها أمامه لتبادله الابتسامة بأخرى هادئة :
- إزيك يا أستاذ علي ؟

علي بابتسامة متوترة :
- الـ الحمد لله .. الحمد لله بخير أوي .. انتي عامله إيه ؟!.. حمد الله على سلامتك .

بدور بإيماءة :
- أنا بخير الحمد لله .. الله يسلمك يارب .. رجعت أهو وراجعة سخنة حقيقي .. قولي إيه فاتني بقا ؟

علي بشغف :
- كتير أوي .. وصلنا لأخبار تخص قضية السلاح والمخدرات الأخيرة .. وقدرنا نعرف إن الشحنة دي طلعت كتمويه بس عشان يكشفوا الظابط اللي كان ماسكها .. واللي اتاخدوا في القضية دول كل واحد منهم كان مجرد كبش فدا مش أكتر .. وطبعا قابضين من قبل ما يقعوا .. غير كمان ما وصلنا إن الظابط اللي اتكشف ده اتنحى عن القضية خالص وهيمسك مكانه ظابط مجهول الهوية .. وحتى الفريق اللي بيتعامل مع القضية كله اتغير .

بدور بصدمة :
- الأخبار دي وصلت إزاي ؟ 

علي بتنهيدة :
- مش عارف .. الموضوع اتنشر جدًا .. والكل بيتكلم عنه دلوقتي .

جال بخاطرها سيناريو الحادث أكثر من مره .. كانت تقود مسرعة كي تلحق بعمار دون أن يغيب عن ناظريها لكونها لا تعلم عنوان مكتب المحاماه خاصته .. استطاعت أن تمر من السيارة التي كانت أمامها لتصبح هي من تلي سيارة عمار مباشرة .. لكن فجأة وجدت سيارته توقفت بشكل مفاجئ وفي لحظة كان يدور بسيارته كي يعود في اللحظة التي كانت تقف سيارة بها ملثمين يغلقون الطريق عليهم ويطلقون النيران .. انتبهت لسيارتها وأرادت أن تستدير بها هي الأخرى وما إن لامستها سيارة عمار حتى انقلبت عدة انقلابات وقد غابت عن الحياة في هذه اللحظة ... 

أخذت تتذكر حينما تحدثت غادة في المستشفى كونهم ضباط في المخابرات المصرية .. وكيف أن عمار أخبرهم أن لا أحد يعلم بهذا سوى أصالة وجدته .. 
داهمها أيضًا حينما ولج علي للغرفة وأراد أن يتحدث مع عمار في أمر الحادث ولكن أخبره عمار أنهم مجرمون ولم يكن غرضهم سوى السرقة وقد تم الإمساك بهم ومعاقبتهم .. 

تجمعت الخيوط في عقلها سريعًا .. 
هذا يعني أن الضابط الذي انكشف أمره لم يكن سوى عمار . 

علي مقاطعًا شرودها :
- بتفكري في إيه ؟ 

بدور بانتباه :
- هاه !!.. لا .. ولا .. ولا حاجه .. بعد إذنك دلوقتي .

غادرت إلى مكتبها تحاول طرد فكرة كون عمار في خطر .. وما ساعدها على ذلك إخبار علي لها أنه تم تنحية الضابط المسئول عن القضية .. وهذا يعني أنه في أمان الآن .. 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

تجلس فوق الطاولة تقرأ كِتاب "كوني صحابية" والذي أهدته لها وجد في حفل خطبة أصالة حينما لمحته بيدها تقرأه وهي جالسه في انتظار خروج أصالة .. أهدتها إياه وهي تخبرها كونها تعلمت عنه الكثير وكلما أقبلت على قراءته اكتشفت شيئًا جيدًا ربما لم تنتبه له في قراءاتها السابقة .. 

وقعت عينيها على تلك الفقرة التي جعلتها ترمش بذهول وكأن الكاتبة تكتب لأجلها هي .. 
" ولا تظني أبدًا أن الانوثة في ارتداء الكعب العالي وأحمر الشفاه والثوب الضيق.. 
بل هي مزيج من رقة الطباع، وهدوء في تناول أمور الحياة، وذوق رفيع في اختيار كل شيء، ليس فقط الألوان والملابس بل في الأفكار والكلمات، وأخلاق رفيعة وثقافة واسعة، وعلم بكل ما يرضي الله. 
فكوني دائمًا زهرة بيضاء طاهرة نقية واحتفظي بعطرك حتى يأتيك الربيع "

تنهدت بقوة وهي تقلب صفحات الكتاب حتى وقفت عند فقرة أخرى وأخذت تقرؤها بتمعن .. 
" تمامًا كما تفعلين أنتِ عندما تهاجرين بقلبك في زمن تزاحمت فيه الفتن، عندما تُقبلين على الطاعات وترفعين رأسك إلى السماء وتغمضين عينيك، وتتنفسين براحة فينشرح صدرك لأنك على صلة دائمة بالله." 

تنهدت بقوة وهي تنظر للسماء .. تشعر برياح التغيير تضرب صفحة وجهها فجعلتها تغمض عينيها وهي تستقبل الهواء المنعش بابتسامة مرحبة .. 
إن كان من حولها ينتقدون تصرفاتها فهذا لا يعني أن تتمسك بالعناد لأجل أن تكون ذات شخصية قوية ثابته .. بل أن القوة والثبات في ألا تدع لهم فرصة الانتقاد من الأساس .. 

كانت على وشك التحرك لكنها ابتسمت باتساع وهي ترى فرحة مقبلة عليها بابتسامة هادئة .. 

تصافحتا بود وجلستا تتحاوران لبعض الوقت حتى سألت بدر باستفسار :
- من يوم ما اتقابلنا ما جتيش النادي ؟.. لعل المانع خير ! 

ابتسمت فرحة بحزن وهي تنفي مفصحة بضيق تام :
- كنت في مشاكل نفسية .. 

تنهدت بقوة قبل أن تتابع :
- صراع مع نفسي واللي حواليا . 

بدر بتساؤل :
- ليه بس كده ؟.. في إيه؟ 

تنهدت فرحة من جديد وهي تفصح ببساطة :
- أهلي واصحابي .. عارفة انتي لما تكون الهزيمة جيالك من أقرب الناس ليكي !.. هو ده اللي انا بعانيه الفترة دي . 

بدر :
- لو حابة تفضفضي هسمعك على فكره . 

ابتسمت فرحة وهي تتساءل باهتمام :
- إيه الكتاب ده ؟ 

بدر وهي تقدمه لها :
- قريبتي هادتني بيه من فترة قريبة ... بس جميل أوي . 

ابتسمت فرحة وهي تسألها :
- متعرفيش كتب عن تقوية الثقة في النفس أو العزيمة .. كده يعني ؟ 

بدر بجهل :
- بصراحة لا .. بس عندي اللي تقدر تفيدنا . 

فرحة :
- هكون شاكرة أوي ليكي بجد . 

بدر بابتسامة واقتراح :
- لو فاضية ممكن نروحلها دلوقتي . 

فرحة وهي تنظر لساعة معصمها :
- بعيد عن هنا ؟ 

بدر بنفي :
- لا .. عشر دقايق بالعربية . 

فرحة :
- تمام بس مش هعطلك ؟ 

نفت بدر وهي تعرب عن رغبتها في تبديل ثيابها ثم ذهبتا معًا حيث منجم المعلومات الخاص بالعائلة .. 

وصلت الفتيات إلى منزل وجد وطرقت بدر بخفة لتستقبلها أريج بابتسامة مرحبة :
- أهلا أهلا بست البنات .. تعالوا اتفضلوا . 

ولجت بدر وبصحبتها فرحة التي تشعر ببعض الخجل والتوتر .. 
جذبت ذراع بدر وتحدثت بصوت خفيض في تساؤل :
- مش المفروض كنا نتصل نبلغهم على الأقل قبل ما نيجي ؟ 

ضربت بدر جبينها براحة يدها وهي تعاتب ذاتها :
- تصدقي صح !! 

قاطعتهما مريم التي تحدثت بترحاب حار وابتسامة هادئة :
- أهلا بست البنات .. أخيرًا بقا .. أيوه كده يا شيخه ادخلي عليا كده وحسسوني إننا لسه ويا بعض . 

بدر بحزن :
- احنا مع بعض فعلا يا تيتا .. ليه بتقولي كده ؟ 

رحبت مريم بفرحة ثم جلسن معًا لتشكو مريم بحزن :
- الأشغال خدتنا من بعض يا بنتي .. مبقيناش نتجمع زي زمان ولا نتكلم زي زمان .. الأول كنا بنتلم كلنا ونلعب وناكل ونفرح .. دلوقتي السؤال من الأسبوع للأسبوع ده لو مكنش من الشهر للشهر .. وأنا عاذره والله يا حبيبتي .. الدنيا مشاغل وكل واحد عنده اللي واخد وقته . 

بدر بتنهيدة :
- الحمد لله على كل حال .

قاطع وصلة التعارف والحديث فيما بينهم صوت صراخ وجد التي تركض في حديقة المنزل ومن خلفها يركض بشير متوعدًا لها .. 

ضحكت مريم وهي تتحدث بقلة حيلة :
- أهو هما كده على طول .. ناقر ونقير .. تحسيهم جايين فوق روس بعض . 

فرحة بتساؤل :
- هما اخوات ؟ 

مريم بنفي :
- لا .. وجد بنتي .. لكن بشير حفيدي .. يعني وجد عمته . 

فرحة بابتسامة :
- ما شاء الله .. حلوين أوي بجد .. ربنا يحميهم . 

ولجت وجد واتكأت على ركبتيها وهي تحاول التقاط أنفاسها وتغمغم بكلمات غير مفهومة لكنها انتفضت على صرخة أريج التي قفزت من المطبخ إلى الصالة .. 

وجد :
- فيه إيييه ؟ 

أريج وهي تضع يدها على قلبها :
- آه يا قلبي اللي هيقف بسببك يا بشير .. يا بن المتضايقة . 

ضحكن عليها وعلى قولها لتضم حاجبيها بشر وهي تغمغم بكلمات غير مفهومه جعلت وجد تتحدث بضحك :
- الله يرحمك يا بشير يا بن اخويا .. كنت راجل طيب . 

مريم بتساؤل :
- عمل فيكي إيه يا أريج ؟ 

أريج بتبرم :
- الواد خلاني واقفه بصب العصير على الرخام .. لقيت فيه إيدين داخلينلي من شباك المنور وبيقولي ياهااااااع . 

مثلت صوته لينفجر الجميع بالضحك قبل أن تعود أريج للمطبخ وهي تتوعد لبشير الذي ركض للأعلى حتى لا يتم الإمساك به .. في حين استقبلت وجد كل من بدر وفرحة بترحاب وجلست لبعض الوقت ثم استأذنت بأن تبدل ثيابها وتعود لهما ... 

تركت مريم المساحة لهن ودخلت تساعد أريج في صنع الغداء .. 

بدر بحمحمة :
- شوفي يا دودو .. الكتاب اللي هادتيني بيه من فترة حقيقي حاجه وهم .. وحساه كأنه بيوصفني .. كأنه رسالة ليا .. فمبدئيًا كده أنا بشكرك جدًا يعني . 

وجد بابتسامة :
- مفيش شكر بين الاخوات يا ست البنات . 

تابعت بدر :
- فرحة .. عندها مشكلة صغيرة كده حابة إنها تتكلم معاكي فيها ومحتاجة نصيحتك . 

انتبهت وجد وأومأت وهي تتحدث بتشجيع :
- طبعا ودي محتاجة استئذان يا بنتي .. اتفضلي يا فرحة . 

بدأت فرحة في قص الأمر عليها ومن ثم استمعت لما قالته وجد وقررت السير على نهج نصيحتها ... 

شعرت أن هذه الـ وجد ما هي إلا هدية ربانية أُرسلت لها .. ولن ترد هدية ربها أبدًا خائبة . 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

مع بوادر الفجر .. خرج عمار من غرفته حينما تناهى إلى سمعه صوت إغلاق باب المنزل .. 

تحرك إلى شرفة صالة الضيافة ونظر منها ليغمض عينيه في ترقب وهو يرى والديه يستقلان السيارة ويغادران .. 

ما الذي حدث كي يخرجان في هذه الساعة من الفجر !! 

صوت هاتفه أخرجه من تساؤله ليتحرك وهو ينظر للرقم الغير مسجل فوق شاشته .. 

ضغط زر الإجابة دون أن يتحدث ليصل لمسامعه صوت فهد الذي يتحدث بصوت خفيض للغاية :
- عمار انت فين ؟.. بقالي ساعه بحاول أوصلك .. تعالى فورًا بوابة علوم .. واركن بعيد وخلي بالك كويس .. العملية اتقدم معادها ويدوب عرفت من ساعة .. معايا سعيد وأماني وغادة .. بسرعة يا عمار . 

أغلق عمار دون أن يتحدث بكلمه ونظر أمامه في شرود تام .. تقدم موعد العملية عن المعلومات التي كانت بحوذته .. هل يلاعبه اللواء ! 

ارتدى بنطالًا أسودًا مع تيشرت أسود بنصف أكمام وقام بارتداء واقي الرصاص خاصته وارتدى قبعة فوق رأسه ووضع سلاحه في موضعه وقام بجذب مفاتيح دراجته النارية وغادر المنزل .. 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

بوادر الفجر تعلُ .. وأصوات السيارات الماره هي كل ما يُسمع في هذا المكان .. 
يقف فريق عمار على بعد مناسب من بوابة الجامعة .. يراقب فهد المكان بأعين ثاقبة .. بينما تقوم أماني بارتداء الواقي خاصتها .. في حين يقوم سعيد بتعمير سلاحه وضبط الأدوات التي بحوذته .. 

بينما تشرد غادة في كل ما يحدث .. بداية من رؤيتها للفتيات والشباب الذين يلجون لسيارة التبرعات كي يحصلون على الممنوعات .. مرورًا بانضمامها لسندس وصديقتيها عن قصد منها لشكها في إحداهن .. ثم القبض على الموجودين بسيارة التبرعات وكذلك السيارة التي تأتي لهم بما هو مطلوب .. نهاية بتلك المداهمه التي قاموا بها وإصابة أحدهم لعمار كي يكشف عن هوية الضابط الذي يقوم بهذه المهمه .. كيف لم يعرفونه حينما قام بالمداهمه معها في الجامعه ؟.. ولماذا قاموا بإرسال هؤلاء الملثمين له ؟!.. والغريب حقًا أنهم لم يحاولوا إصابته .. لقد بدا الأمر وكأنه تحذير له .. 
وأخيرا إخبار اللواء لهم عن موعد العملية التي ستتم داخل الحرم الجامعي .. ثم اكتشافها أن العملية ستتم في وقت أكثر بكورًا مما يعرفون .. هل اللواء يضلهم ؟!.. أم أن هناك يد خفية تُحرك القضية من بعيد !! .. 

قطع وصلة تفكيرها هاته رؤيتها له من بعيد يصف دراجته النارية .. 
لا تعلم سببًا لتلك الانقباضة التي أصابت قلبها في هذه اللحظة .. لكنها تتمنى لو بإمكانها إقناعه بالمغادرة وترك الأمر .

بدأ الجميع بارتداء سماعاتهم كما خطط عمار مسبقًا .. واستطاعوا الدخول للجامعة بمهارة ليقوم كل منهم باتخاذ موضعه كما قسمهم عمار تمامًا .. 

لكن ما جعل الانقباضة تزداد بقلب غادة .. أن عمار أتى بمفرده .. لا قوة معه ولا قوة معهم .. كيف سيقومون بهذه المداهمة بمفردهم ! 

تعليقات