رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الخامس والعشرون
بوادر الفجر تعلُ .. وأصوات السيارات الماره هي كل ما يُسمع في هذا المكان ..
يقف فريق عمار على بعد مناسب من بوابة الجامعة .. يراقب فهد المكان بأعين ثاقبة .. بينما تقوم أماني بارتداء الواقي خاصتها .. في حين يقوم سعيد بتعمير سلاحه وضبط الأدوات التي بحوذته ..
بينما تشرد غادة في كل ما يحدث .. بداية من رؤيتها للفتيات والشباب الذين يلجون لسيارة التبرعات كي يحصلون على الممنوعات .. مرورًا بانضمامها لسندس وصديقتيها عن قصد منها لشكها في إحداهن .. ثم القبض على الموجودين بسيارة التبرعات وكذلك السيارة التي تأتي لهم بما هو مطلوب .. نهاية بتلك المداهمه التي قاموا بها وإصابة أحدهم لعمار كي يكشف عن هوية الضابط الذي يقوم بهذه المهمه .. كيف لم يعرفونه حينما قام بالمداهمه معها في الجامعه ؟.. ولماذا قاموا بإرسال هؤلاء الملثمين له ؟!.. والغريب حقًا أنهم لم يحاولوا إصابته .. لقد بدا الأمر وكأنه تحذير له ..
وأخيرا إخبار اللواء لهم عن موعد العملية التي ستتم داخل الحرم الجامعي .. ثم اكتشافها أن العملية ستتم في وقت أكثر بكورًا مما يعرفون .. هل اللواء يضلهم ؟!.. أم أن هناك يد خفية تُحرك القضية من بعيد !! ..
قطع وصلة تفكيرها هاته رؤيتها له من بعيد يصف دراجته النارية ..
لا تعلم سببًا لتلك الانقباضة التي أصابت قلبها في هذه اللحظة .. لكنها تتمنى لو بإمكانها إقناعه بالمغادرة وترك الأمر .
بدأ الجميع بارتداء سماعاتهم كما خطط عمار مسبقًا .. واستطاعوا الدخول للجامعة بمهارة ليقوم كل منهم باتخاذ موضعه كما قسمهم عمار تمامًا ..
لكن ما جعل الانقباضة تزداد بقلب غادة .. أن عمار أتى بمفرده .. لا قوة معه ولا قوة معهم .. كيف سيقومون بهذه المداهمة بمفردهم !
قطع وصلة أفكارها صوت عمار الذي يتحدث عبر سماعات الأذن ويسمعه الفريق بأكمله :
- البوابة انفتحت .. ظهرت عربيتين چيب كبيرة .. ظهرت عربية نقل بضايع .. واحده چيب مشيت في ممر حقوق .. والتانية من ممر تجارة .. أماني مهمتك ممر حقوق .. فهد مهمتك ممر تجارة .. عربيتين شحن كبيرة دخلوا .. غادة ممر علوم .
غادة من موقعها :
- في عربية چيب جت مع عربية من عربيات الشحن ..
فهد :
فعلا اللي دخلت من ممر تجارة جت م الطريق التاني لعلوم !
سعيد من موقعه :
- عمار !.. مبنى تربية .. اديله نظره .
انتظر الجميع ردًا من عمار .. لكن لا رد .
غادة بقلب منقبض :
- عـ عمار !.. عمار .. عمار إنت سامعنا ؟!
فهد :
- كل واحد يثبت مكانه .. سعيد متسيبش موقعك عشان حساس .. أماني متسبيش موقعك وركزي مع العربية وخليكي على تواصل معانا بأي جديد .. غادة ركزي مع عربيات الشحن واستنتجي الموقف بسرعة .. أنا هشوف عمار وهديكوا إشارة باللي هيتم .
تحرك فهد بخفة وبراعه منتقلًا إلى مبنى الشئون الذي كان يقف فوقه عمار ..
لكنه تسمر محله وهو يراه مطروحًا أرضًا .. والأكثر غرابة أنه لا دماء في المكان ..
تسلل بهدوء حتى وصل إليه وبدأ بفحصه ..
نبضه طبيعي كما أن وضعيته لا توحي أبدًا أنه تشابك مع أحدهم .. لقد سقط في الحال .. وهذا يعني أنه إما أن يكون مخدرًا أو أن أحدهم قد ضغط على عرقه السباتي فأفقده الوعي .. والاحتمال الثاني هو الأقرب .
قام بتعمير سلاحه في الحال تحسبًا لأي فعل .. وأخذ يحاول إفاقة عمار ..
تحدث سعيد من موقعه :
- فهد .. العملية بدأت .. عمار كان مخطط لإيه بالظبط .. معناش أي قوة .. إيه اللي هيتم ؟!
فهد بتوتر :
- عمار مغمى عليه .. بحاول أفوقه .
شعرت غادة بفركة غريبة في معدتها وأخذت تحاول ازدراد ريقها الوهمي .. تساءلت وهي تحاول التماسك :
- يعني إيه مغمى عليه ؟
فهد بتوضيح :
- حد ضغط على عرقه السباتي .. بس مأذاهوش .. هو بس عرضه للإغماء .
الوقت يمر والعملية على وشك الانتهاء ..
بدأت غادة تراقب الوضع بدقة .. لكنها تسمرت محلها في هذه اللحظة وهي تلمحها في الأسفل ..
يا إلهِ لقد أصبح الوضع أسوء .. كانت تظن أنها تتعاطى فقط .. والآن تراها بين هؤلاء المعتوهين .. إنها واحدة منهم !!
أفاقت من شرودها هذا على صوت فهد :
- عمار انت كويس !
غادة بلهفة :
- فاق !
وصل صوت عمار لمسامعها :
- أنا كويس .. كل واحد ياخذ مكانه .. هنهجم مع أقرب فرصة .
سعيد بصدمة :
- مين دول اللي هنهجم ؟!!!
عمار ببساطة :
- متقلقش يا سعيد .. كله تحت السيطرة .. المهم محدش يتحرك .. فهد وصلني باللوا .
فهد بحذر :
- عمار اللوا هو اللي ادانا المعاد غلط .. تفتكر ...
عمار مقاطعًا :
- وصلني باللوا يا فهد .
نفذ فهد ما طلبه عمار ليتحدث عمار بنبرة تهكمية :
- كان فيه خطة محطوطة يا سامي بيه .. إيه اللي جد ؟.. ولا عنينا اللي هنا بتحركنا كلنا زي عرايس المسرح ؟
سامي بحذر :
- هنا فين ؟.. عمار إنت فين ؟
عمار بتهكم :
- معقول لسه مبلغوكش إني في الجامعه براقب العملية !.. معلش امسحها فيا دي .. المهم دلوقتي ناويين ولا ..
سامي بتحذير :
- عمار .. بلاش تهور أرجوك .. الأمر تحت السيطرة .
عمار بتأكيد :
- خدت بالي ..
أنهى المكالمة ونظر لفهد ثم تحدث بجدية :
- ممنوع أي تدخل بدون أمر مباشر مني .
لم يمر الكثير من الوقت حتى عج الحرم الجامعي بالتشابكات وصوت الرصاص ..
سعيد من جهته :
- مش هنتدخل ؟
عمار بثبات :
- مش دلوقتي .
غادة من موقعها :
- عمار .. هدف قدامي بيحاول يهرب .
عمار :
- تعاملي يا غادة .
تحركت غادة من موقعها وبدأت تتحرك بخفة وهدفها أمامها ..
تخفت خلف البناء في انتظار قدومها ثم فاجأتها حينما ظهرت فجأه وقامت بتوجيه السلاح أمام وجهها وهي تتحدث بتهكم :
- إزيك يا صحبتي ؟
شهقت بصدمة وهي تنظر لها بتفاجؤ :
- غـ غادة !
غادة بابتسامة :
- آه يا تولين .. غادة .
تراجعت تولين وكانت على وشك أن تركض في الجهة المعاكسة لكن سلاح غادة كان أسرع حينما قامت بإطلاق النار على قدمها لتصرخ تولين قبل أن تسقط أرضًا ..
بينما بقيت المداهمة بين الطرفين في ساحة الجامعة قبل أن تنفض التشابكات بالقبض على الجميع والتحفظ على البضائع ..
عمار بابتسامة ماكرة :
- دلوقتي نقدر نتحرك .
عقد فهد بين حاجبيه في تعجب من موقف عمار .. لقد انتهى كل شيء .. والآن سيتحرك !!
كانت القوة تسحب المصابين إلى الإسعافات مع الممرضين .. بينما آخرين يقومون بنقل البضائع والتحفظ عليها ..
ظهر عمار على حين غرة ووقف أمام شخصين ملثمين .. أحدهما امرأة والثاني رجلًا .
تقابلت الأعين في نظرة لن ينساها أي منهما .. لطالما سبق وتواجها بنفس النظرة منذ أعوام مضت ..
عاد بذاكرته لذاك اليوم حينما كان متدربًا وطولب في أحد المهمات كمتعقب ..
يذكر أنه تم الإمساك به .. لكنه استطاع أن ينفد بعدما تعرض لإصابة في فخذه الأيسر ..
ظهرت أمامه هذه العيون حينها وتقابلت في نظرة مبهمة من جهة المرأة .. ومتألمة من جهة عمار الذي عرف هويتها منذ الوهلة الأولى ..
وقع أرضًا حينما لم تسعفه قدمه أكثر ليقترب منه أصدقاؤه وحملوه لسيارة الإسعاف ..
وحينما استرد عافيته وخرج من المستشفى وعاد لمنزله .. وجدها تجلس بكل هدوء فوق المقعد تشاهد أحد البرامج التلفزيونية .. وكل ما قالته حينها :
- قلقت عليك يا عمار ؟. مقلتليش ليه إنك طالع رحلة مع صحابك بدل القلق ده ؟
عمار باستنكار :
- رحلة ؟!
سبأ بتأكيد :
- آه .. بقالك يومين بره البيت وماما قالتلي إنك طلعت رحله مع اصحابك .. لما تسافر بعد كده إديني خبر عشان على الأقل أعرف أرد على أبوك وأقوله إنت فين .
أنهت حديثها وتحركت لداخل غرفتها .. شعر بالتيه في هذه اللحظة .. لم تكن هي ؟!.. بلى هي .. يقسم .. لن يخلط بين والدته وامرأة أخرى .. لكن تصرفها الآن !!!.. ما الذي يحدث بحق الله !
ألقى بنفسه فوق المقعد ليلمح هاتفها الذي أعلن عن وصول رسالة نصيه ..
التقط الهاتف ونظر لإشعار الرسالة من الخارج ليجدها من رقم اللواء .. لكن محتواها قد تم اخفاؤه عن الظهور في الخلفية الخارجية ..
ابتسم في تهكم وألقى الهاتف فوق المقعد وأغمض عينيه في ألم .. لقد رأته مصابًا ولم تركض لنجدته .. وتعلم أنه في المستشفى أيضًا ولم تذهب لرؤيته ..
ونعم الأمومة .
أفاق من ذكرياته على صوت غادة التي تركض تجاهه :
- عمار !
تحركت المرأة لكن عمار وقف أمامها من جديد ..
تحدث بهدوء تام :
- متعرفناش .
أزال الرجل قناع وجهه ووقف أمام سبأ وتحدث بهدوء هو الآخر :
- العقيد سامح عاشور .. سمعت عنك وعن كفاءتك كتير يا عمار .
عمار بابتسامة تهكمية :
- اممم .. ويا ترى سمعت من مين ؟
سامح بنفس الهدوء :
- اللوا سامي أكيد ..
تنهد قبل أن يتابع :
- عمار .. انت اتكشفت ليهم .. وكان من الصعب إنك ..
عمار مقاطعًا :
- من الصعب إني أكمل في قضية انكشفت فيها .. لكن من السهل إنكم تضلوني عشان تبعدوني عن القضية .
غادة وهي تنظر للمرأة الملثمة باهتمام :
- مين حضرتك ؟
سامح :
- الكلام معايا أنا .
أشار بيده لتتحرك سبأ من المكان واستقلت إحدى السيارات وانطلقت بها ..
كان ينظر في أثرها بقلب منفطر .. إلى الآن تظنه أحمقًا لم يفهم .. هل عليه أن يخبرها كونه يعرف هويتها منذ أعوام مضت كي تكف عن التمثيل أمامه والتخفي منه ؟!
سامح مقاطعًا شروده :
- عمار .. انت عارف إن القضية دي كانت حساسة .. و ..
عمار وهو يهم بالمغادرة :
- معدتش تفرق .
غادر المكان لتلحق به غادة وباقي فريقه ... بينما نظر سامح في أثره بأسف .
استقل دراجته النارية وغادر إلى المنزل ..
الهدوء يعم المكان .. هل هذا يعني أنها لم تعُد بعد !
لم يُكمل استفساره مع نفسه حينما وجدها تخرج من دورة المياه تجفف خصلاتها .. وقفت تناظره لتتقابل الأعين من جديد ..
سبأ بحمحمة :
- إيه ده ؟.. انت كنت فين كده ولسه راجع ؟
لم يجبها عمار لتزفر بضيق وتقدمت كي تلج لغرفتها في حين وقف عمار أمامها وتحدث بنبرة متألمة :
- ليه ؟
عقدت سبأ بين حاجبيها وبدأت تتجمع العبرات داخل مقلتيها .. لكنها تماسكت وتحدثت بثبات مزيف :
- ليه إيه ؟.. في إيه يا عمار مالك ؟
عمار وهو يضرب الحائط خلفه :
- كفاية بقا .. كفاية .
خرج جميع من بالمنزل على صوته ليسحبها مالك خلف ظهره ويناظر عمار بتعجب من حاله ..
عمار بضحكة تهكمية :
- انت عارف صح ؟.. وإزاي مش هتكون عارف وانت اللي موصلها بنفسك !
مالك وهو يزدرد ريقه بحلق جاف :
- عـ عارف إيه ؟
عمار بتهكم :
- بلاش نلف وندور على بعض .. بس يا ترى تعرف إني أنا كمان شغال في المخابرات ولا مراتك بس اللي تعرف .
صُدم مالك والتفت بعينيه يناظر سبأ باستفهام لتخفض سبأ عينيها ..
مالك بحذر :
- مـ مخابرات إيه اللي .. اللي انت .. شغال فيها ؟!
عمار بضحكة تهكمية :
- أكيد مش إسرائيلية يعني .
مالك وهو يوجه حديثه لسبأ :
- اللي بيقوله ده حقيقي ؟.. عمار معاكي في المخابرات ؟!
لم تجبه سبأ ليصرخ في وجهها فجأة جعلها تنتفض للخلف :
- ردي .
انسالت عبراتها في الحال وهي تومئ برأسها لينفي مالك بعدم تصديق .. لقد هدر عمره وهو يحاول معها كي تتخلى عن العمل في المخابرات خوفًا عليها .. لكنها كانت تخبره في كل مره أنها مجهولة الهوية بالنسبة للجميع .. وكان هذا يطمئنه نوعًا ما .. لكن أن يكون ابنه هو الآخر داخل هذا الجحيم .. إضافة لكونها تعلم بذلك ولم تخبره بالأمر .. هذا ما لا يستطيع استيعابه ..
غادر المنزل بأكمله في حين بقي عمار ينظر لوالدته بألم ..
تذكر حينما كان والده يجلس بصحبته أمام حمام السباحة .. تذكر عبارته التي قالها في شيء من الألم حينها :
" شغلها كدكتوره جامعية حلم كبير أوي وصلته بعد تعب .. كان تاني أكبر طموحاتها بعد .. بعد .. ".
صمت حينها وهو يتنهد وتابع حديثه :
" كان هدفها الأعظم في الحياه .. وعمري ما كنت هقبل إني أقف قدام هدفها وطموحها يا عمار .. ده كده مش هيبقى حب قد ما هيبقى تملك وفرض رأي واسترجال .. عشان علاقتك تنجح يا بني .. لازم تعرف إنك لازم تقدم تنازلات زيها .. لازم توصل معاها لحل وسط يرضي الطرفين عشان المركب متغرقش .. الحياة يا بني بسيطة .. بس إحنا اللي بنعقدها بالخلافات وسوء الظن . "
هل كان والده يقصد أن عملها في المخابرات كان في الدرجة الأولى من أولوياتها ؟!..
تحدث بلهجة متعبة :
- ليه خلتيني أفقد الوعي وأنا فوق المبنى النهاردة ؟
سبأ وهي تزدرد ريقها :
- عشان متتهورش وتضيع نفسك وتضيع فريقك معاك .. خاصة إن معكش قوه ولا معلومات كافية عن المهمة .
عمار بتساؤل :
- وليه اديتوني معاد مختلف عن معادها الفعلي ؟
سبأ وهي تهرب بعينيها :
- عشان كنت عايزة أبعدك عنهم بعد ما انكشفت ليهم وهددوك .
عمار بإيماءة متهكمة :
- كنتي بتحمي مين فينا !.. أنا ولا نفسك ؟
ناظرته سبأ باستنكار وهي تنفي :
- أكيد بحميك انت .. أنا محدش يعرفني .. خفت عليك من نفسك قبل ما أخاف عليك منهم .. انـ
غادر عمار من أمامها رافضًا سماع المزيد لتبتلع غصتها بألم وولجت لغرفتها باكية ..
بينما تبادل كل من أصالة وفجر وسلسبيل النظرات المصدومه الغير مدركة لأي مما يحدث ..
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
ترجلت من سيارة الأجرة وهي تقدم قدم وتؤخر الأخرى .. عليها أن تتحدث إليه .. ولكن بماذا ستتحدث معه !.. هي ليست هنا من أجل عملها .. كما أنها لا صفة لها كي تخبره كونها تخاف عليه مما سمعته ..
دلفت من بوابة العمارة لكنها توقفت وهي تستمع لنشيج بكاء يأتي من الأعلى .. ويبدو أن الباكي يجلس على عتبات السلم ..
عقدت حاجبيها بتعجب وقلق وهي تراه على هذه الحال المبعثرة .. ويجلس باكيًا !!.. هل يبكي عمار !!!
توترت أكثر ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل .. هل تذهب من هنا وتتركه ؟.. لطالما لم يرها .. أم تصعد له ؟.. لا لا ستغادر .. فهو سيكون بخير بعد هذه الشحنه المفرغة .. ولكن .. ماذا لو لم يصبح بخير ؟
وبينما هي في حيرتها فإذا بها تنتفض حينما سمعته يحادثها بتهكم :
- روحي .. امشي .. عادي .. هبقى بخير .
رمشت عدة مرات قبل أن تزدرد ريقها وهي تصعد السلم حتى وقفت أمامه :
- مش .. مش هسأل مالك عشان ..
اذردت ريقًا وهميًا وهي تتابع :
- عشان عارفة إنك مش بسهولة هتتكلم .. ومش مع أي حد كمان هتتكلم .. بس .. بس أنا أقدر أساعد بحاجه صغيرة واثقة إنها هتريحك .
ناظرها بلامبالاه لتبتسم بهدوء وهي تتحدث ببساطة :
- أدخل المسجد يا عمار .. صلي واقرأ قرآن .. وقول يارب .
أنهت حديثها وغادرت المكان لينظر في أثرها لبعض الوقت قبل أن يتنهد بإرهاق ..
أخرج هاتفه وقام بتشغيله ثم أرسل رسالة نصية وقام بمغادرة البناية ..
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
تدور في غرفتها جيئة وذهابًا وتكاد تبكي من فرط التوتر والخوف .. أين يمكن أن يكون قد ذهب وهو بهذه الحالة !.. ولماذا يغلق هاتفه ؟.. ألا يعلم أنها ستقلق عليه !..
لمعت في عقلها فكرة وقامت بتنفيذها في الحال حينما تذكرت أنها تبادلت رقم الهاتف مع غادة في اليوم الذي كانتا فيه في المستشفى مع عمار .. بالتأكيد سيذهب للجهاز ..
قامت بمهاتفة غاده التي تحدثت بتعجب :
- أصالة !!
أصالة بتوتر :
- اا .. إزيك يا غادة .. أنا .. أنا آسفه لو .. يعني لو بتصل يعني في وقت مش مناسب بس .. بس أصل الموضوع مهم و ..
غادة بأعصاب تالفه :
- متقوليش كده يا أصالة .. اتكلمي على طول في إيه ؟
أصالة بتنهيدة :
- عمار لسه خارج من البيت وحالته وحشه أوي .. لو .. يعني لو جه الجهاز عندك ولا حاجه أو عرفتي عنه أي حاجه ممكن تبلغيني .. آسفه لو بتقل عليكي بس مليش غيرك دلوقتي ألجأ له بجد .
غادة بقلق :
- متقوليش الكلام ده يا أصاله .. وأنا اليوم كله في الجهاز متقلقيش لو ظهر أو عرفت حاجه هبلغك فورا .
أومأت أصالة كأنها تراها ثم أغلقت المكالمة تزامنًا مع وصول رسالة ..
فتحتها بسرعة لتعقد بين حاجبيها ثم تحركت في الحال إلى غرفة عمار كي تنفذ ما طُلِب منها .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
خرجت من غرفتها وقد ارتدت الخمار أخيرًا وملابس واسعة محتشمة .. تقابلت مع أخيها الأكبر والذي ناظرها ببعض التعجب متسائلا :
- إيه ده ؟.. انتي عامله كده ليه !
فرحة بثبات :
- إيه ؟.. بقيت مختمرة خلاص .
زياد ببساطة :
- طلع شكله حلو على فكره .. أنا فكرتك هتبقي شبه ستي الحجه .
صوت من خلفهم تحدث بسخرية :
- على أساس إنها مش شبه ستي الحجه يعني ؟.. يا بنتي البتاع اللي لبساه ده هيقفل في وشك أبواب كتير .
فرحة بثقه وثبات :
- صحيح .. وأولهم باب جهنم .
كانت على وشك الذهاب حينما سمعت ابنة عمها تتابع :
- مش عارفة أنا بتعملي في نفسك كده ليه .. عيشي يومينك يا ختي .. بكره مسئولياتك تكبر وساعتها البسي الملايه اللي لبساها دي .. لكن عيشي اليومين دول عشان مش هيتعوضوا .
استدارت لها فرحة بثبات وتحدثت بهدوء تام :
- ومين قال إني مش عايشة ؟.. هو البنت عشان تعيش لازم تبقى ببنطلون محزق وملزق وألوان تلفت الأنظار وحجاب يتبرى الحجاب منه أصلا ؟.. بالعكس اللبس ده هو الحرية .. بمشي بحرية بدون ما أخاف حاجه مني تظهر .. برفع عن الشباب المحترمين عقوبة عدم غض البصر .. مبديش فرصة لبشر يتكلم في حقي كلمة وحشة .. مبديش لحد فرصة يتخيلني او يبصلي بصه متعجبنيش .. بغطي جسمي عن العيون عشان ربنا يبعد جسمي يوم القيامه عن النار .. اللي أنا لبساه ده مش ملاية .. اللي أنا لبساه ده إسمه لبس شرعي بحجاب شرعي أمرنا بيه الإسلام اللي متسجل في بطايقنا إننا مسلمين .. لكن للأسف أغلبنا أبعد ما يكون عن الإسلام .. اللي أنا فيه ده إسمه الستر يا بنت عمي .. الستر .
أنهت كلماتها وخرجت من المنزل دون أن تنتظر أي رد فعل منهم .. تشكر وجد وبدر ألف مرة على وهبها هذه الثقة وهذا الثبات .. لقد تعرضت لألف طريقة من التنمر على محاولاتها للتستر والعفة .. ولاقت سخرية كبيرة من الجميع .. لكنها من الآن فصاعدًا ستتعامل كما تقول الأية الكريمة " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا " .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
خرجت من الجامعة بتنهيدة قوية .. اليوم كان آخر يوم في الاختبارات .. وأخيرًا ستحصل على إجازة بسيطة ..
صعدت الي أحد وسائل المواصلات من جديد .. لكنها ولسوء الحظ لم تجد لنفسها مقعدًا .. فوقفت بجانب أحد المقاعد التي تقبع أعلاها إحدى السيدات ..
لكنها تفاجأت بالصغيرة جميلة من جديد وهي تلوح لها مع صعودها للوسيلة ذاتها واحتلت المكان بجانبها .. وصعد من خلفها شاب لم تلمح ملامحه أو تعبيراته .. وقام بالوقوف عند الباب ممسكًا بتلك الماسكة المخصصه للركاب الواقفين كي تحفظ توازنهم أثناء التحرك .
وجد بابتسامة هادئة :
انتي بتيجي الجامعة كل يوم يا جميلة ولا إيه ؟
لفت انتباهها تحول عينا جميلة لذاك الذي صعد معها لثوانٍ فقط ومن ثم حولت جميلة نظرها لها من جديد وهي تُفصح في براءة :
- لا مش كل يوم .. باجي الأحد والاتنين والخميس وبس .
أومأت وجد دون أن تتحدث من جديد وفضلت الصمت تمامًا .. لم يمر الكثير من الوقت حتى شعرت وجد بيد الصغيرة تجذب ثيابها من الأسفل ..
نظرت لها وجد بتساؤل .. لتتمتم الصغيرة بهدوء :
- وصلنا هننزل سوا ..
وقد كانت كلماتها تلك تزامنًا مع وصولهم إلى حيث ستترجل وجد ..
خرجت عن السرفيس بصمت لكن بتعجب وهي تجد يد الصغيرة المتعلقه بثيابها .
أخذت وجد شهيقًا طويلًا وقررت التصرف بعنف هذه المره .. فهذا الأسلوب غير لائق على الإطلاق .. ولن تحيا في لعبة القط والفأر هذه لوقت أطول ..
التفتت للصغيرة على استعداد تام للتحدث لكن ذاك الشاب فارع الطول ومنمق اللحية بعينيه الناعسة بعض الشئ وملابسه المنمقة جعلها تبتلع لسانها مع ريقها وهي تناظره بتساؤل ..
- ممكن عنوانك لو سمحتي ؟
وجد وهي تحاول إيجاد صوتها :
-افندم ؟
الشاب :
- خلاص خلاص .. أنا أصلًا بقالي فترة براقبك وعرفت إسمك وعنوانك وشغلك .. يلا روحي متنفعش الوقفة دي .. بس خليكي على استعداد عشان هنتقابل قريب تاني .
أنهى جملته وهو يضغط على يد جميلة التي تحركت بآلية تجاه وجد وقامت بفتح يدها ووضعت قطعة الشوكولاته مع الرسالة وذهب كلاهما من أمامها ..
حاولت وجد استيعاب الموقف وتجميع كلماته داخل عقلها .. لكن لا شئ .. فقط تشعر بالتيه من ذلك الشاب الذي لا تعرف مبتغاه إلى تلك اللحظة ..
فتحت الورقة التي تحتل يدها لتقرأ عبارته ..
" أما آن لأرواحنا أن تتحد ؟ "
ضمت الورقة بداخل كفها وهي تغمض عينيها بقوة ..
حسنًا إن كان ذاك الوسيم يرى أن تلك هي الطريقة الأنسب لشغل قلبها به؛ فستُعلمه بحنكتها هي كيف يكون النضج على نار هادئة ..
ولجت لغرفتها وبينما هي تبدل ثيابها فإذا بباب غُرفتها يُطرق لتأذن للطارق بالدخول ولم يكن سوى وليد .. القلب النابض وعشقها الأول بهذه الحياة ..
وليد بابتسامة :
- وجد الحب عايزك في كلمتين .
وجد :
- حاضر يا قلبها هغير بس واحصلك على المرجوحة .
وبالفعل جلست بجواره تنتظر حديثه ..
وليد بهدوء :
- حبيبتي بدون مقدمات بما إنك كبيرة وعاقلة وراسية أستغفر الله يارب ع الكدب ده .. الموضوع يخص حياتك وطبعا أنا عمري ما هفرض عليكي شيء انتي مش حباه أو مش عوزاه وعشان كده عايزك تتأني خالص في اختياراتك وديما الاستخاره هي ملجأ اول ليكي وأنا الملجأ التاني .
َوجد :
- بغض النظر عن إني اتهزأت من شوية بس اشطا .. شكل الموضوع فيه عريس .
وليد وهو يصفق بمزاح :
- يا جااااامد .. بحبك لما تفهميها وهي طايرة .
َوجد بضحكة :
- لا أنا زكيه واعجبك على فكرة .. طيب مين بقا اللي مامته بتحبه أوي وبتدعيله ليل نهار ده .
وليد بجانب عينه :
- لا هي من ناحية بتدعيله فأنا واثق إن العيلة كلها بتدعيله مش أمه بس .
وجد بخجل :
- احم احم أخجلت تواضعي يا أخي .
وليد رافعًا إحدى حاجبيه :
- المهم يا ختي .. الراجل كلمني وعايز ييجي يتقدم إن شاء الله على يوم الجمعة كده .
وجد وهي تفرك يديها معًا :
- بسرعه كده ؟
وليد :
- هو انا بقول جاي يكتب كتاب .. ده جاي يتقدم بس يا حبيبتي .
لا تعلم لما تمثلت صورة ذاك الوسيم أمامها في تلك اللحظة .. أيُعقل أن يكون هو ؟.. لما ازدادت نبضاتها عند تذكرها له بهذا الشكل ؟.
تحمحمت وجد وهي تومئ بهدوء ليقرب وليد رأسها إليه ويطبع قبلة حنونة فوق جبينها وهو يتمتم بابتسامة : كبرتي يا بنت قلبي .
ابتسمت وجد ببعض الخجل الذي بدا جليًا فوق وجنتيها الملتهبتين بحمرة لطيفة .. ولكنها انتفضت بفزع حينما دخل بشير برأسه بينهما وهو يتحدث بمشاغبة :
- بتعملوا إيييه .
وجد وهي تلقي بالوسادة القابعة إلى جانبها عليه :
- بطل حركاتك دي بقا .. هتموت حد فينا من الفزعة .
وليد بانسحاب :
- طالما الموضوع فيه بشير ووجد فأنا هنسحب بقا لأحسن مش ناقص صداع .
ضحكت وجد عليه قبل أن يقفز بشير ويجلس إلى جوارها .
وجد بجانب عينها :
- قول يا آخرة صبري .. إرغي اتفضل .
بشير بحاجب مرفوع :
- عرفتي إزاي إني عايز أقولك حاجه ؟
وجد ببساطة :
- هدوءك ده خير دليل يا حبيبي .. يلا انجر عاوزة ألحق القيلولة
بشير بتنهيدة :
- أنا .. يعني أنا كنت عايز يعني أعرف رأيك في .. في إيلاف .
ابتسمت وجد باتساع وأمسكت بذراعه في لهفة وهي تتحدث بمرح :
- إحلف !
بشير بتعجب :
- أحلف على إيه !!
وجد بحمحمة :
- سوري يا بيشو بس أنا فهمت صح أكيد .. يعني انت نويت تاخد خطوة صح ؟
بشير بتأكيد :
- بصراحة آه .. هو .. عمي ياسر جه من فترة كده قبل ما أسافر وطلب مني لو محتاج موظفين وكده فإيلاف تقدم يعني .. وبصراحه هي جت نجدة في الوقت ده لإني طبعا كنت بجهز للسفر ومحتاج حد مكاني وكده .. المهم يعني إن الفترة اللي اتعاملت معاها فيها اكتشفت فيها حاجات كتير كويسة .. هادية ورزينة وزكية ولماحة ومؤدبة .. اممم .. مش عارف يعني بس .. بس حاسس إني منجذب لها وبصراحة خايف .
وجد باستفهام :
- خايف من إيه !
بشير :
- يعني .. أبصلها بنظرة مش من حقي .. خاصة إني معترف لنفسي إني .. إني يعني مُعجب بيها .
ابتسمت وجد وهي تربت على يده :
- صدقني يا بشير ونعم الاختيار .. إيلاف طيبه وبنت حلال ومؤدبة وتستاهل كل خير .. وانت تستاهلها وتستاهل كل الحلو اللي جواها .
بشير بابتسامة هادئة :
- يعني أتوكل على الله وأفاتح بابا ؟
أكدت وجد على حديثه ليتنهد بارتياح لتشاركه وجد الابتسامة وبداخلها دعاء صامت ..
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
أعلن هاتفه عن اتصال ليجده وسيم .. ابتسم وهو ينظر لاسمه لا يصدق أنه يتصل الآن .. حسنًا تبدو بداية جيدة ..
أجابه بِلطافة ليسأله وسيم عن مكانه ..
ريان :
- في البيت .
وسيم :
- ابعتلي العنوان في ماسيدج .. هعدي آخدك نتغدى سوا بره .
ريان بتعجب :
- نتغدا !!
وسيم بتأكيد :
- أيوه .. بصراحة عايز أتكلم معاك شوية .
ريان :
- تمام .. مستنيك .
أغلق ريان وهو يعقد حاجبيه باستغراب .. لكنه قام بإرسال العنوان لوسيم الذي يقود سيارته متجهًا لمنزل ريان .. لو لم يتحدث معه سينفجر رأسه .
