رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السادس والعشرون 26 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السادس والعشرون 

أعلن هاتفه عن اتصال ليجده وسيم .. ابتسم وهو ينظر لاسمه لا يصدق أنه يتصل الآن .. حسنًا تبدو بداية جيدة .. 

أجابه بِلطافة ليسأله وسيم عن مكانه .. 

ريان :
- في البيت .

وسيم :
- ابعتلي العنوان في ماسيدج .. هعدي آخدك نتغدى سوا بره . 

ريان بتعجب :
- نتغدا !! 

وسيم بتأكيد :
- أيوه .. بصراحة عايز أتكلم معاك شوية . 

ريان :
- تمام .. مستنيك . 

أغلق ريان وهو يعقد حاجبيه باستغراب .. لكنه قام بإرسال العنوان لوسيم الذي يقود سيارته متجهًا لمنزل ريان .. لو لم يتحدث معه سينفجر رأسه .  

وصل أخيرًا وخرج ريان له .. وبعد السلامات ركبا معا حتى وصلا لإحدى المطاعم الهادئة .. 

بقي وسيم يقلب في صحنه بشرود ليسأل ريان باهتمام :
- أقدر أسألك مالك ؟ 

ناظره وسيم لثوان قبل أن يترك الملعقة وتحدث بهدوء :
- هو أنا لو حبيت واحده .. المفروض أعمل إيه ؟ 

تعجب ريان سؤاله لكنه هرب بأنظاره بعيدًا .. ماذا يقول له ؟.. أيخبره أن يهرب من هذا الحب قبل أن يتورط مثله !!.. لكن ليس الجميع هو .

وسيم :
- رحت فين ؟ 

ريان بتنهيدة وهو يلتقط قطعة طماطم من صحنه :
- مش عارف أقولك إيه يا وسيم بس .. طالما حبيت يبقى البيت من بابه . 

وسيم وهو ينظر لصحنه من جديد :
- ولو هي كانت بتحب واحد تاني ؟ 

رفع ريان نظره بسرعه وأخذ يدور بعينيه في المكان .. يا إلهِ هذا مؤلم .. 

وسيم بابتسامة :
- مش زعلان .. أنا ببقى مبسوط وهي فرحانه على فكره .. رغم الوجع اللي ببقى فيه .. بس مينفعش أكون أناني .

ريان عاقدًا حاجبيه :
- ولما هي في حياتها واحد تاني .. ليه متنساش وتكمل مع واحده مبتشوفش غيرك ؟ 

وسيم بتنهيدة :
 هي .. هي بقالها فترة متغيره .. مش هي البنت الحيوية اللي عرفتها .. كانت كلها بهجه ودلوقتي مطفية .. مش عارف .. حتى أنا مش عارف إذا كانت بتحب أصلا ولا لأ بس .. بس حالتها بتقول كده .. انطفت .. مبقتش مهتمه بنفسها زي الأول .. مبقتش بتضحك زي الأول .. حتى اصحابها اللي كانت بتخرج معاهم وما كانتش بتتفارق عنهم .. دلوقتي مبقوش بيتقابلوا معاها .. تمتحن وتمشي على طول .. حالتها أشبه باللي اكتشفت إنها ما كانتش محبوبة من الشخص اللي حبته .

ريان بتلقائية :
- يبقى استغل الوضع . 

وسيم وهو يرمش عدة مرات :
- أستغل الوضع ؟! 

أكد ريان الأمر وهو يترك ما بيده وينظر لوسيم بقوه :
- لو حبيتها بجد يا وسيم متتخلاش عنها .. تبت في إيدها ..  متسبهاش لمجرد احتمالات في دماغك .. وحتى لو احتمالاتك طلعت صح ..  متبعدش .. إفهم .. اتكلم معاها وافهم .. قلوبنا مش بإيدينا يا وسيم .. وعشان كده متلومهاش على قلبها أبدًا .. لكن حاول تنسيها الحب ده وتخلي حبك انت يستعمر قلبها .. لو بتحبها فعلا إثبت ده قبل فوات الأوان . 

وسيم بألم :
- ليه .. ليه بتتكلم كده ؟.. هو انت .. 

ريان بابتسامة هادئة :
- آه .. أنا .. 

ضحك بخفة وهو يتابع :
- بس أنا مختلف شوية .. يعني أنا تقدر تقول إني وثقت في مكانتي عندها .. لكن جل من لا يسهو . 

ازدرد وسيم ريقه وعاد يقلب في طعامه من جديد ليسود الصمت حتى قطعه وسيم مجددًا :
- الحب مش للأول .. الحب للأبقى .. عشان كده مظنش إنك حبيت لسه ولا شوفت الحياة . 

أهداه ريان ابتسامة جميلة قبل أن يُفصح ببساطة : 
- أنا حبيتها يا وسيم .. لكن هي لأ .. 

تنهد بقوة وهو يتابع :
- كانت المفروض تكون جنبي .. بتقويني وتاخد بإيدي وتطمني إن كل ده هيعدي .. كان المفروض تقولي إنها شرياني وباقيه عليا حتى وأنا في حالتي دي .. هي اعتمدت على رصيد غلاوتها عندي .. بس متعرفش إن الرصيد ده محتاج فِعل يسنده .. خبيت مرضي عشان ما اوجعهاش .. وقررت أبعد عشان متتدفنش معايا وأنا أيامي تتعد .. وهي بدافع الحب كان لازم تزعق معايا وتتخانق وتبهدل الدنيا وتقولي لا هتقوم وتقف وهنكمل .. لكن الفعل اللي انتظرته كان للأسف العكس تمامًا .. محضرتش معايا ولا جرعه .. كانت لما بتيجي بتيجي بالصدفة .. يا قبلها وتمشي قبلها بردو يا بعدها وتمشي بدون ما تتكلم معايا .. سابت إيدي في عز احتياجي يا وسيم .. عشان كده عمري ما همدلها إيدي بعد ما أخرج من اللي أنا فيه .

كان وسيم يتابع انفعالاته وحديث ريان المتألم .. إنه حقًا يتألم .. والآن سيصبح ألمه الضعف .. في هذه الدقيقة تحديدًا استطاع وسيم أن يدرك مدى خطأه في مصادقته لريان .. لكنه سيجد حلًا .. بالتأكيد سيجد حلًا . 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

فتحت باب المنزل بابتسامة مرحبة وهي تتحدث بسعادة :
- تعالي يا فرحة أهلا وسهلًا .. 

ولجت فرحة لتبتسم بدر وهي تتابع :
- ما شاء الله .. الخمار شكله يجنن عليكي . 

ابتسمت فرحة وهي تدور حول نفسها :
- بجد !.. طب يلا شدي حيلك عشان نطقم سوا بقا . 

اختفت ابتسامة بدر وهي تتساءل بعدم فهم :
- يعني إيه نطقم سوا؟ 

فرحة ببساطة :
- نتفق وننزل نشتري دريسات شبه بعض وخمارات شبه بعض ونكون شبه بعض . 

ابتسمت بدر وهي تشير لها بالدخول :
- طب تعالي اتفضلي بس وبعدين نشوف الموضوع ده . 

ولجت فرحة وقد رحبت بها ملك وكذلك التوأم روضه ورضوى .. 
جلست فرحة بينهم والجو مليء بالمرح والبهجة .. حتى قطع ذلك طرقات الباب لتتحرك بدر تجاهه .. 

بدور وهي تخلع حذائها :
- ميه .. جيبيلي ميه بسرعه هموت . 

ركضت بدر للمطبخ في حين ولجت بدر وألقت بجسدها فوق أحد المقاعد .. وما إن التقطت أنفاسها حتى أخذت المياه من يد بدر وبدأت ترتشف بمكر . 

ملك بقلق :
- فيه إيه يا حبيبتي ؟.. انتي كنتي بتجري ولا إيه ؟ 

ناظرتها بدور لثوان قبل أن تُصرِّح بلطافة :
- بصراحة لا .. ده كان فيلم بس عشان بدر متتأخرش عليا بالمية . 

ألقت بدر الوساده عليها وهي تهدر بغيظ :
- بارده .. بارده وهتفضلي طول عمرك بارده . 

ضحكت بدور قبل أن تنتبه للجالسة أمامها وتعقد حاجبيها حينما وجدتها فاغرة الفاه وعينيها متسعة .. 

بدر بهدوء :
- دي فرحة صحبتي يا بدور .. فرحة دي بدور أختي . 

تحركت بدور كي تصافح فرحة التي وقفت لمصافحتها ولا تزال على وضعها وتنقل نظراتها بين بدر وبدور .. 

ضحكت الفتاتان لتتحدث بدور :
- أنا غمازتي على اليمين وهي غمازتها على الشمال .. حاولي تفرقي بينا بقا بالنقطة دي . 

فرحه بعدما ازدردت ريقها :
- ده انتوا ولا الواحدة اللي باصه على نفسها في المراية ..  الشكل والبشرة والجسم .. حتى الأسماء .. اللهم بارك يعني . 

بدر بتلقائية :
- ولسه لما أختمر بقا .. ساعتها بابا وماما نفسهم مش هيعرفوا يفرقونا . 

ابتسمت بدور لكنها لم تظهر ذلك حتى لا تُحرج بدر لكنها تحدثت بلطافة :
- هنطقم بقا . 

نظرت فرحة وبدر لبعضهما قبل أن ينفجرا في الضحك .. لتتعجب بدور ..
 وضحت ملك من بين ضحكاتها :
- أصل فرحة لسه قيلالها نفس الكلمة دي . 

بقين يتحدثن معًا لبعض الوقت حتى استأذنت بدور كي ترتاح قليلًا من مشاق العمل .

ولجت لغرفتها وألقت بالحقيبة فوق الفراش لتلقي بنفسها فوقه هي الأخرى ناظرة لسقف الغرفة بشرود تام .. ترى كيف حاله الأن ؟ 

بينما غادرت فرحة لتجلس بدر تنتظر عودة والدها .. يكفي هذا البعد بينهما .. يتحدث لها لكن بحدود .. لم يعد يمزح معها كالسابق ولك يعد يهاتفها كالسابق بين يوم عمله .. كما لم يخرج معها منذ آخر مره .. هذا يؤلمها حقًا .. الآن فقط انتبهت لكونها مميزة في أشياء وبدور مميزة في أشياء أخرى .. الآن فقط اقتنعت أن لكل ابن معاملة تخصه .. بدور لا تحصل على صلاحيات بدر مع والدها .. رغم كونهما متقاربين جدًا لكن كل ما يجمعها لمة وضحكة ونصيحة وجلوس في منتصف الليل كسهرة .. لكن بدر تخرج معه للتسوق وأحيانا لتناول الطعام في الخارج وأحيان أخرى تجلس معه في العيادة الخاصة به .. كما أنه يتركها على راحتها من جهة المتقدمين لطلبها .. ومع كل هذا فبدور لم تتذمر يومًا ولم تعترض .. كما لا تهتم للأمر برمته .. 

بينما في علاقتهما بوالدتهما فكانت بدور هي الأقرب لملك .. وليس ذلك تقصيرًا من ملك تجاه بدر .. ولكنه حبًا من بدور في التقرب من والدتها .. كانت تحمل متاعب المنزل مع والدتها .. كما لا تتركها بمفردها إن كان الجميع خارج المنزل .. تهتم بها وبشئونها .. بينما لم تفكر بدر في إبداء أي شيء من هذا .. ومع ذلك فهي تتلقى المعاملة ذاتها كبدور .. إن أحضرت ملك شيئًا لبدور أحضرت أخاه لبدر .. 
كيف كانت تشعر بتميز بدور عنها إذًا !! 

تنهدت وهي تعترف لذاتها أنها هي من كانت تشعر بالغيرة من بدور لكونها حقًا مميزة .. لم تتعرض للانتقاد مسبقًا لكونها لا تعطي أحدهم فرصة بذلك .. في حين كانت بدر تحيا في دور الضحية المُنتقدة طوال الوقت .. الآن فقط تعترف بذلك .. والآن عليها أن تقوم بما هو صواب من أجل نفسها أولًا .. 

طُرق باب المنزل لتقفز وتركض تجاهه مستقبلة سفيان الذي ناظرها بحاجبين معقودين لرؤيتها بملابس للخروج . 

بدر وهي تأخذ من يده الحقائب :
- بص متدخلش .. لحظة .. يا ملوكه .. يا ملكلك أنا وبابا رايحين مشوار .. سلام . 

خرجت وأغلقت الباب ثم أمسكت بيد سفيان الذي يضحك في داخله على هذه الفتاة .. مجنونة حقًا .. 

خرج واستقل سيارته لتستقر هي إلى جانبه .. 

سفيان بتساؤل :
- على فين ؟ 

بدر بتفكير :
- الأول عاوزة أتغدى .. وبعد الغدا لو معاك فلوس هنروح نشتري لبس جديد . 

عقد حاجبيه وهو يسأل :
- طب وافرض معيش فلوس للغدا أصلا ! 

بدر وهي تقترب منه بمكر :
- يا بويا يا حبيبي العربية بيبقى فيها فلوس لوحدها عشان الخروجات اللي زي دي .. يعني فلوس الغدا مضمونه . 

رفع حاجبيه قبل أن يضحك وهو ينفي بقلة حيلة ثم أدار السيارة وانطلق بها لأحد المطاعم .. بدآ يأكلان في صمت قطعته بدر بهدوء وهي تعبث بصحنها :
- بابا أنا آسفة . 

سفيان بتنهيدة :
- بدر .. مش كل حاجه علاجها الأسف .. في حاجات بتتتعالج بالإصلاح على طول .. انتي متخيلة وضعي وشكلي وحالي وأنا شايفه ماسك دراعك !.. على فكره أنا قدمت فيه بلاغ وصاحبه اللي كان معاه ده شهد عليه والنادل اللي كان في الكافيه غير ما كان فيه كاميرات .. وكمان عملتله محضر بعدم التعرض .. أنا واثق فيكي يا بدر وعمري ما شكيت للحظة في أخلاقك .. ومش عايز أعرف كمان سبب اللي حصل ده ولا سبب صحوبيتك لبنت زي رحاب دي .. أنا واثق في تربيتي .. ومش معنى إني سايبك براحتك إني مش قادر أتحكم فيكي يا بدر .. لا أنا سايبك عشان عارف إن البذرة الكويسة اللي أنا زرعتها فيكي مجاش أوانها تنبت وتطرح .. وكمان واثق إن كان ليكي أسبابك اللي مخلياكي متمسكة بلبس لا الدين ولا الشرع أمرنا بيه .. وكنت عارف إني باخد من وراكي كم كبير من السيئات ومع ذلك كنت واثق فيكي وفي أخلاقك وفي تربيتي وبذرتي .. 

تنهد بقوة قبل أن يتابع :
- أول مره اتأكد من المثل اللي بيقول  " باب النجار مخلع " . 

ضحك بخفة وهو يتابع :
- أنا مقابلتش في حياتي شخص غير ونصحته وغيرت منه .. لكن مش عارف ليه كنت باجي لحد عندك وما بعرفش لا أنصحك ولا أغيرك .. وكمان مكنتش قادر أجبرك على حاجه .. كنت غلط ومتأكد إني غلط .. ومع ذلك محاولتش .. مش عارف إيه السبب حقيقي وده اللي مجنني من يوم اللي حصل .. وبأنب نفسي وأقولك كنت فين وليه ساكت .. 
سعادتي كانت متتوصفش وأنا شايف علاقتك ببدور بتقوى كل يوم عن اليوم اللي قبله .. بيقولك من عاشر القوم أربعين يوم أصبح واحد منهم .. بس أنا بقا هقولك من عاشر الصالحين ليوم قلبه سبقه لهم .. عرفت إن دواكي موجود بس كان بعيد عن العيون .. وجد بنت عمتك .. وبدور أختك وأصالة بنت مالك .. دول كانوا دواكي .. بس انتي من صغرك كنتي بتحبي النادي ومكنتيش بتختلطي بيهم كتير .. 

تنهد وهو يضع قطعة لحم مشوي في فمه :
- الكلام الكتير مش هيقدم ولا يأخر .. أنا عايزك بنفسك تلاقي نفسك يا بدر .. بعدي عنك ضعف مني أنا مش حاجه تانيه . 

أمسكت بكفه وهي تنفي :
- لا يا بابا حضرتك عمرك ما كنت ضعيف أبدًا .. ولا هسمح تكون ضعيف بسببي . 

ابتسم لها وهو يربت على كفها ثم أشر على طعامها :
- يلا كلي عشان نشوف موضوع اللبس ده قبل ما أمك تعلقنا على باب العمارة . 

ضحكت بخفة قبل أن تشرع في تناول طعامها بفرحة كبيرة وقلب ينبض بالأمل والإقبال على حياة أكثر جدية والتزام . 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

ترجلت من سيارة الأجرة أمام منزل وجد .. أستنشقت شهيقًا قويًا أخرجته على مهل وهي تقترب من المنزل .. 

طرقت بخفة لتستقبلها وجد التي علمت من بشير كونها آتية .. تصافحتا بود ثم استأذنت أصالة لرؤية عمار فأخبرتها وجد بوجوده في الأعلى بصحبة بشير .. 
صعدتا معًا لتجدانهما يجلسان في شرفة المنزل الخلفية ويحتسيان القهوة معًا في جو صامت تمامًا .. 

خرج بشير بصحبة وجد تاركًا المساحة لعمار وأصالة كي يتحدثان .. عمار لم يقل أكثر من كونه يشعر بالاختناق ولم يرغب في الذهاب إلى أي مكان سوى أن يرى بشير .. ومجيء أصالة يعني أن هناك أمر ما عليهما التحدث فيه .. لذلك خرج بشير بعدما رحب بأصالة وقدومها . 

ولجت أصالة وجلست إلى جوار عمار بصمت تام .. بقي الهواء يضرب صفحتي وجهيهما حتى تحدث عمار مقاطعًا هذا الصمت في إرهاق :
- هو أنا وحش ولا هي اللي مش قادره تشوفني ؟ 

أصالة بتنهيدة :
- هتسمعني يا عمار ؟ 

أومأ عمار بعدما سحب آخر أنفاس سيجارته لتتنهد أصالة من جديد ثم تتطرق لتعرية الحقيقة التي يجهلها عمار بسبب عدم رضاه عن والدته وتجاهل والدتهما بسبب عدم تحدث عمار معها أو شعورها به :
- ماما ست قوية بزيادة يا عمار .. عرفت من بابا إنها اتعرضت لحادثة وهي في العشرينات كفيلة تدمرها باقي عمرها .. لكنها تخطتها بقوة ومسمحتش لأي حاجه تأثر عليها .. معرفش حادثة إيه بس .. بس اللي أعرفه إن البنت مننا لو اتعرضت لحاجه صعبة في حياتها ممكن تتسبب في موتها وهي على وش الدنيا .. لكنها حاربت ووقفت فبتبقى مذبذبة من جواها لكن قوية من بره .. وعشان تفضل قوية من بره بتتحول لشخصية صامتة معظم الوقت .. ملامحها مكشرة .. عينيها حاده .. معدومة الحنية إلا القليل مننا يعني .

تنهدت قبل أن تتابع :
- ماما مش زي ما انت شايفها يا عمار .. اللي فهمته منك ومن أسئلتك ليها النهارده إنها عملت حاجه اتسببتلك في الإغماء .. لكن هي عملت كده بدافع الخوف عليك .. عشان هي في النهاية أم وانت ابنها .. عرفت كمان إنها كانت السبب في وصول معلومات غلط عن القضية اللي كنت ماسكها .. وده من دافع الحماية ليك من بعد الحادثة اللي كانت حصلت .. وده عشان هي أم وانت ابنها .. رغم أنها ممكن تتحاكم على اللي عملته ده لأنها بتخالف القانون وبتزور معلومات وبتدخل بمشاعره وعواطفها لكن مهتمتش غير بإنها تحميك من نفسك قبل ما تحميك منهم .. 

ماما يا عمار لما بتكون سخن بسبب طلقة انت واخدها بتدخلك بليل تعملك كمادات وتغيرلك هدومك وتطلب مني مقولكش حاجه عشان خايفة ترفضها .. ماما بتبقى طايرة من فرحتها لما بتعرف إنك هتتغدى معانا مش بره البيت .. وبتبقى أسعد ما يكون وبشوف السعادة دي لما بتشوف ضحكتك .. كانت أول واحده جنبك في المستشفى لما اتصابت .. أنا شوفتها خرجت من البيت قبل ما اتصل بيك وأعرف من غادة إنك في المستشفى .. مهتمتش حقيقي لاني كنت قلقانه عليك .. ولما جيتلك المستشفى واتطمنت انك كويس .. شفت ماما وهي خارجه من أوضتك بزي الممرضات ولابسه الواقي .. عيني اتقابلت مع عيونها بس هي هربت ومشيت من المستشفى وأنا موضحتش إني عرفتها حتى .. خاصة لما رجعت البيت واتعاملت معاها بشكل طبيعي . 

يوم ما كنان جه اتقدملي دخلت أوضتي سألتني عمار حساه مش مظبوط .. قلتلها أبدا هو متوتر زيي .. قالتلي شكله تعبان .. قلتلها أبدا ده بس إرهاق .. ماسك قضية صعبة شوية ومخلياه مش عارف ينام .. شغل محامين بقا وانتي عارفه .. أنا عارفه إنها سألت عشان تتأكد أنا عرفتها في المستشفى ولا لأ .. وكمان عشان تتأكد من معرفتي بشغلك الأصلي ..

تنهدت بقوة وهي تتابع :
- لما كانت بره البيت يومها وانت جيت ملقتهاش واتضايقت .. كانت بتشتريلي حاجات خاصة واشترتلي فستان هدية كمان .. ولما دخلت الاوضه علينا وشوفتها ماسكه الموبايل كانت بتدور على تفصيلات فساتين طلباها سلسبيل .

أمسكت بيده وهي تتابع :
- حاجات كتير أوي يا عمار بتشوفها من زاويتك إنت .. مبتديش فرصه تسمع .. ولا بتديها فرصه تعوضك .. محدش يقدر يسحب منها حق إنها تحقق أحلامها كـ امرأة طموحة .. ممكن تكون أهملت شوية لكنها ما سابتناش يا عمار .. هي سلمتنا للحنان كله النابع من حضن تيتا شهد .. هي فكرت فينا زي ما فكرت في نفسها .. والحل الوسط كان إننا نتربى بين البيتين .. لو أهملتنا تمامًا ونسيت كل حاجه تخصنا وقتها كان هيبقى لينا الحق في العتاب عليها .. لكن دي أمنتنا عاطفيًا ونفسيًا قبل أي حاجه .. مينفعش نسحب منها حق النجاح يا عمار . 

عمار وهو يجذب يده منها ويقف إلى الشرفة :
- تعوضني عن إيه ها ؟.. تعوضني عن إيه يا أصالة .. عن أيام المدرسة اللي كان بيبقى فيها حفلة ولا غيره وجدتي اللي جايه معايا عشان الست الوالده في شغلها .. إن ما كنتش بتحضر الدكتوراه تبقى بتدي محاضرات وسكاشن في الجامعه .. ولو مش ده ولا ده بتبقى طالعه في مهمه ومضحوك علينا بإنها مسافره بخصوص الجامعه .. إمته حضرت معايا حفلة في المدرسه ؟! كنت بشوف كل اصحابي وغيرهم ماسكين في إيد أمهاتهم وبعد ما الحفله تخلص كل واحده تحضن ابنها وتبوسه .. 
حتى في دخولي الجامعه ما كانتش موجوده وقت التنسيق ولا الرغبات .. دي معرفتش حتى أنا قدمت إيه غير لما شافتني راجع من أول يوم جامعه ... 

ضحك بغلب وهو يتابع :
- لا وزعلت عشان كانت عيزاني أقدم علاج طبيعي طالما مجموعي يسمح .. ولما قلتلها أنا حابب حقوق قالت براحتك .. وخدت في وشها ومشيت ..  حفلة تخرجي محضرتهاش عشان كانت في مهمه .. أعياد ميلادي السابقة ماقالتليش في واحد فيهم كل سنه وانت طيب حتى .. ده أنا ببات بره البيت وأرجع بلاقي نفس المعامله وعدم الاهتمام .. بغيب بالأسبوع ومبتحضنيش وتقولي وحشتني .. 
بتهتم بيا وأنا مش دريان لكن وأنا فايق لا .. ليه مش عيزاني أحس بحنيتها دي ولا باهتمامها ده .. هو أنا مش ابنها !!.. بشوف مشاغباتها وضحكها مع فجر وبتحسر .. عارف إن فجر هو اللي بيناغشها ويسحب الاهتمام ده منها بس أنا فييين .. ليه مبتحاولش .. دي يوم ما حاولت قالتلي اشكيلي وأنا حضني واسع ويساعك .. أشكيلها إيه ومن مين ؟!!!.. وحضن إيه اللي يساعني وأنا عمري أصلا لا دوقته ولا جربته منها .. لا في فرح ولا في عزا .

ضرب سور الشرفه بتعب عدة مرات ثم تحدث وهو يستعد لمغادرة الغرفة :
- روحي يا أصالة .. روحي وأنا هنام الليلة مع بشير .. ولحد بكره ربنا يعمل الصالح . 

كان على وشك الخروج من الشرفة حينما وقف فجأة وهو ينظر لها واقفة بألم يقتلع خلايا قلبها .. لا يعلم هل ظهر تقدم العمر على تقاسيم وجهها الآن أم أنه تخيل ذلك .. كل ما يعرفه الآن أن قلبه تألم بشدة من رؤيتها بهذا الشكل المبعثر .. لقد سمعت كل ما قاله .. هذا ما آلمه الضعفين ولا يعلم لماذا !! 

سبأ بصوت مبحوح أثر البكاء وهي تتقدم تجاهه :
- عـ عمار .. 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

ولجت حيث غرفة التحقيقات بصحبة الرائد أمير لتقف أمامها بثبات ..

غادة بتساؤل :
- ليه يا تولين ؟

ناظرتها تولين باستنكار ثم حولت نظرها بعيدًا في صمت .

الرائد بهدوء :
- غادة إحنا دلوقتي في تحقيق رسمي .. قلتي مش هتتكلمي .. فمن فضلك سيبيني أشوف شغلي .

أومأت غادة وجذبت مقعد وجلست في آخر الغرفة تتابع التحقيق ..

الرائد بهدوء :
- تولين عادل الرفاعي .. إيه أقوالك في التهم الموجهه ضدك ؟

أخذت تولين شهيقًا قويًا أخرجته ببطء .. نظرت تجاه غادة التي تركز معها ثم نظرت للرائد بهدوء وهي تتحدث باستسلام :
- اتعرفت على غادة صدفه .. مجرد صدفه وأنا عادي اتخذتها صديقة زي أي صديقة في الجامعه .. 
سبق وشوفتها رايحة ناحية عربية التبرعات .. وعرفت من مسعد اللي كان شغال عليها إنها كانت عايزة تتبرع وهو قالها إنهم اكتفوا .. وده لإنها وجه جديد تمامًا .. الموضوع ما فرقش معايا لحد اليوم اللي شوفتها قاعده في الجنينة .. وانتبهت إنها مركزة مع عربية التبرعات بشكل خلاني شكيت فيها .. إضافة إنها لما خبطت في سندس صحبتي بصتلي بنظره غريبة قبل ما تمشي وأنا عملت مش واخده بالي .. بعدها خبطت فيا وحسيت إن الخبطة مقصودة .. ودخلت وقتها شلتنا .. 

بعدها بفترة غادة خبطت في شاب معانا في الجامعة .. وكانت شايطة منه على الآخر .. وسألت عنه سندس صحبتي لما لاحظت إنهم يعرفوا بعض .. سندس وقتها قالت إنه قريبها من بعيد .

تنهدت وهي تتابع :
وفي يوم قلنا هنروح نتغدا زي كل يوم لكن هي قالت لا لسه ورايا محاضرات ورجعت على جوه .. 

بعد ما مشيت أنا مع صحابي مسافة قلتلهم مش هروح معاهم لأني تعبانه وهروح .. 
وقتها رجعت الجامعه تاني .. استنيت في الممر لحد ما لمحت الشاب ده واقف في الممر وإيديه في جيوبه وواقف كأنه منتظر حد .. 

مجاش في بالي إن الحد ده هتكون غادة .. وسمعته بيقولها تداري سلاحها لما تكون قاعده .. ومتتسربعش ولا تاخد رد فعل سريع لما يكون في حاجه مش مظبوطة حواليها .. وقالها لو مش قد اللعب متلعبيش .. 
بعد ما هو مشي شوفتها كانت متنحة كده ومش على بعضها .. وقتها عرفت إن غادة تبع المخابرات .. وعمار لما اتطقست عنه عرفت إنه محامي وبيدرس علوم جنب شغله .. فبلغت جماعتنا عن غادة .. وعشان شغلنا ميبقاش تحت تهديد .. قررنا نضحي بكبش فدا .. ودول كانوا المجموعه نفسها اللي قايمه على عربية التبرعات .. مكنش في الخطة أبدًا إن صاحب عربية نقل البضاعه هيدخل في الموضوع .

تنهدت وهي تتابع ناظرة في الأرض :
- يوم ما غاده عملت المداهمة على عربية التبرعات وعمار ده ظهر في الصورة .. واتكشفلي إنه ظابط مخابرات .. قررت أبلغ المجموعه عنه .. وقتها بابـ .. 

تأتأت ثم تابعت :
- وقتها يعني الكبير فينا طلب يشوفه ويوقعه وينحيه عن القضية .. فعمل مداهمة الجبل دي .. والباقي معروف . 

الرائد بهدوء :
- انتي علاقتك إيه بكل ده ؟ 

ناظرته لثوان قبل أن تتنهد بقوة وتدور بعينيها في الغرفة حتى وقعت عينيها على غادة التي تناظرها بعتاب .. علام تعاتبها !.. 

عادت بنظراتها للرائد وهي تتحدث ببساطة كأنها قد ذهدت الدنيا وما فيها :
- أنا تولين عادل الرفاعي .. بنت صاحب أكبر شركات أمن في البلد .. شركات الأمن اللي هي مجرد وجهه للشغل الأصلي .. واللي بيدوروا عليه المخابرات .

تحركت غادة من الغرفة تاركة المكان بأكمله في غضب وضيق... بينما تابع الرائد محمد برغبة في الاستفاضة :
- وضحيلي أكتر من فضلك . 

تولين :
- أنا عين المخابرات اللي في الجامعه يا أمير بيه . 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

يجلس أمام الطبيب وبصحبته والده ووالدته ينتظران نتيجة الفحص الذي أقامه الطبيب .. 

الطبيب بعملية وهدوء تام :
- دلوقتي وبناءً على الفحوصات الجديدة أقدر أقولكم إننا هنعمل العملية في أقرب وقت بأمر الله . 

مراد بقلق :
- الـ .. الموضوع فيه قلق ؟ نسبة نجاحها إيه ؟ 

الطبيب بابتسامة :
- أستاذ ريان هو اللي يقدر يتحكم في كل ده بعد إرادة ربنا طبعًا .. متقلقش يا دكتور مراد .. كل حاجه هتبقى كويسة مع دعوات مدام ديالا . 

تنهدت ديالا وهي تضغط على يد ابنها وتبتسم له ليبادلها الابتسامة بأخرى مطمئنة .. 

اتفق الجميع على موعد العملية والتي ستكون مع نهاية اختباراته الجامعية .. أي بعد أيام معدودة

تحرك من فوره إلى قسم الأطفال وولج لهم بابتسامة شغوفة .. لقد قضى ليلته يفكر في كل شيء .. عليه أن يعود لهذه الحياة لأنه لم يوفي برسالة إتيانه لها .. لم يقدم أي شيء للحياة .. ولم يفعل أي شيء من أجل آخرته .. هؤلاء الأطفال بحاجة إليه كي يكونوا أقوياء أكثر به .. والدته فعل بها الحزن فعلته وقد برزت علامات كِبرها مبكرًا .. والده يشقى كثيرًا لأجل علاجه ودراسته وحياتهم .. ينتظره مستقبل به زوجة وحبيبة وأبناء .. تنتظره حياة معاكسه تمامًا لحياته قبل السرطان .. لم يعد يفكر في السرطان على أنه مرض فتاك وعلاجه أكثر فتكًا منه .. لذلك سيحاول بكل طاقته .. 

بدأ في اللعب مع الأطفال كما اعتاد منذ فترة قبل أن تدخل إليهم أمنيه وابتسامة واسعة تعلُ شفتيها متحدثة بسعادة :
- عرفت نتيجة فحوصاتك من دكتور منذر .. إن شاء الله هتقوملنا بالسلامه .

ريان بتنهيدة وهو ينظر لها بامتنان كبير :
- أنا .. أنا متشكر أوي بجد .. كنتي ولا زلتي أكبر داعم وسند ليا .. أنا .. حقيقي مش لاقي كلام أقوله بس .. بجد يعني أنا كويس دلوقتي بفضلك بعد ربنا .

أمنية وهي تمحو عبرة خائنة عن عينيها :
- مبحبش اللحظات المؤثرة .. يلا يلا فين الشوكالاته بتاعتي يا عم انت .

ريان بضحكة خفيفة :
- كلنا مستنييك أهو . 

جلسا مع الأطفال وبدأ الجميع في تناول الشوكولاته في جو مليء بالضحك والمرح و .. والأمل . 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

- مالك يا بابا ؟.. هو ..  هو أنا قلت حاجه غلط ؟ 

هذا ما تساءل عنه بشير وهو ينظر لوالده الذي يناظره منذ دقيقتين تقريبًا بصمت تام .. 

وليد وهو يتحرك من أمام مكتبه ويقف مقابل ابنه ويمسك كتفيه بابتسامة عريضة :
- أنا .. أنا بس مش .. مش عارف أقول إيه .. أنا .. اتفاجئت  و .. يعني .. مش عارف . 

ضحك بشير وهو يقترب من والده وقام باحتضانه وهو يتحدث من بين ضحكاته الخفيفة :
- ربنا يباركلي في عمرك يا بابا يارب .

وليد وهو يمسك بيد بشير بحب :
- هتصل فورًا بياسر وأحدد معاه معاد . 

بشير :
- بسرعه كده ؟ 

وليد :
- وإيه يخلينا نستنى !.. هي مخلصة جامعة وانت كمان وعندك شغلك وشقتك على التشطيب .. باقي إيه ؟.. خير البر عاجله . 

ابتسم بشير ليجلس وليد ويخرج هاتفه وقام بمهاتفة ياسر والد إيلاف والذي رحب بقدومهم في الغد .. 

بشير بعينين متسعتين :
- بكره !!.. بكره بكره اللي هو بكره يعني ؟.. بجد ؟ 

وليد بضحك :
- آه يا شِبل بكره بأمر الله هنروح نتقدم ليها رسمي .

بشير بتنيهدة :
- يارب خير يارب . 

بعد بعض الوقت غادر بشير لمنزله وأخذ يصيح باسم وجد التي خرجت من غرفتها ركضًا وهي تتساءل عما حدث .. فجذبها من ذراعيها وأخذ يقفز بها في الصالة وهو يتحدث بسعادة :
- بكره .. بكره هنروح نتقدملها يا وجد .. بكره . 

رمشت وجد عدة مرات وهي تزدرد ريقها وتلتفت برأسها لغرفتها ثم عادت تنظر له وتحدثت بتلعثم :
- بشير .. إيلاف اا .. 

اختفت ابتسامته وهو يرى تلعثمها هذا وقد دق قلبه بخوف وهو يتساءل :
- مالها إيلاف ؟ 

ابتسمت لملامحه واقتربت من أذنه وهي تتحدث ببطء قاتل :
- إيلاف .. موجوده .. جوه .. عندي .. في .. الأوضة . 

إحمر وجهه وازدرد ريقه وهو يبعد رأسه للخلف ويناظرها ثم تركها وغادر في الحال لتدخل في نوبة من الضحك وكذلك مريم التي تجلس على الأريكة ..

مريم وهي تؤشر على غرفة وجد :
- أدخليلها ومتبينيش حاجه بقا . 

أومأت وجد وولجت لغرفتها لتجد إيلاف تفرك يديها معًا فابتسمت في داخلها وعادت للجلوس معها وهي تتساءل :
- ها .. كنا بنقول إيه ؟ 

تابعتا الحديث معًا حتى استأذنت إيلاف بالمغادرة وبالفعل غادرت وهي تشعر بغصة في قلبها لا تعلم سببها .. هل سيتقدم لخطبة إحداهما غدًا !.. يا إله كان سعيدًا للغاية وهو يصيح بهذا .. أغمضت عينيها وهي تستقل سيارة الأجرة وهي تعدم مشاعر وُلِدت داخلها .. لكنها لم تكبر للدرجة التي تجعلها تنهار .. تحمد الله أنها لم تصل لهذه المرحلة وها هي تستفيق من حلمها الوردي قبل أن تغوص فيه .. 

🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂

أخذ يقتطع المسبح جيئة وذهابًا وحديثها يضرب جدار عقله بلا رحمة .. كانت تتحدث بصدق كبير .. لقد قرأ عينيها وشعر بالصدق فيهما حقًا .. لكنه لا يستطيع .

أخذ يتذكر حينما قرر ترك المكان ومغادرته بعدما أفاض بما يعتلي صدره في وجه أصاله لكنه تسمر برؤيته لها واقترابها منه بعينيها الدامعتين .. 

مدت يدها تتلمس وجنته وهي تتحدث ببحة أثر بكائها :
- عمار .. 

ابتعد عن مرمى يدها وهو يزفر بإرهاق .. ود الخروج لكنها وقفت في وجهه وتحدثت بعدما ازدردت ريقها :
- عمار .. لازم نتكلم . 

عمار برفض :
- وأنا مش عايز أتكلم . 

سبأ بإصرار :
- الفجوة اللي بيننا مينفعش تكبر أكتر من كده يا عمار .. اللي جاي من العمر مش قد اللي راح .. كفاية كل السنين دي في سكوت .. كفايه جفا وخوف يا عمار .. حلنا إننا نتكلم .. انت بِكري والمفروض تكون الأقرب ليا في كل حاجه .

أصالة وهي تحتضن ذراعه بحب :
- أقعدوا شوية .. مش هتندم صدقني . 

خرجت من الشرفة لتلج سبأ وتجلس مقابله .. تنهدت بقوة وهي تبتسم في وجهه ابتسامة هادئة جعلت قلبه يضرب بعنف .. كأنه في موعد غرامي مع مجبوبته .. يا للسخافة !.. 

قطعت سبأ الصمت وهي تتحدث بهدوء :
- عمار .. انت ابني .. بغض النظر عن أي حاجه في الدنيا .. مفيش أم أبدًا تقدر تستغنى عن حته منها .. البِكر يا عمار ده بيمثل الحياه للأم .. أنا عارفه ومعترفة إني قصرت كتير .. كتير أوي كمان .. بس .. بس يعلم ربنا إني كنت بحاول بكل طاقتي .. 

تنهدت وهي تتابع :
- شغلي في المخابرات كان حلم صعب المنال .. كان هوس بالنسبالي .. حاولت أدخل العالم ده مره واتنين ومقدرتش .. من ناحية كنت وحيدة ومليش سند .. ومن ناحية ما كانش فيه إيد تساعد .. بس قدرت أحقق حلمي بإني أكون دكتوره جامعية .. شغل المخابرات ده كان جوه قلبي مخرجتوش أبدًا لحد .. إلا مالك .. مالك بس اللي عرف وقرر يساعدني أحقق الحلم ده .. وقدرنا .. بعد وقت كبير قدرنا نحقق الحلم ده .. دخلت المخابرات واكتشفت بعدها بفترة قليلة إني حامل .. والحمد لله كان كل شيء طبيعي .. بعد الولاده بوقت قليل مالك طلب مني أكتفي بكده وانتبه للبيت .. وطبعا كانت مشكله بينا لأني تعبت جدا عما قدرت أحقق حلمي ده وفي الآخر طلب مني أتنازل عنه .. اتدخل كذا طرف والجميع مفكرين إن المشكلة مشكلة شغلي في الجامعة .. فكانت نصايحهم في إني ألاقي حل وسط .. محدش يعرف إن شغلي الأصلي مفهوش وسط .. وإنه يا أبيض يا إسود ..

تنهدت قبل أن تتابع :
- ورجعت البيت والأمور بينا هديت شوية ومالك تقبل متابعتي لشغلي خاصة إني مجهولة ومهماتي كلها بتبقى أوامر خفية .. اكتشفت بعدها بسنه ونص إني حامل تاني .. ودي كانت بداية الشرار اللي فضل مالك ماسكه بإيده .. ولدت أصالة .. وهنا طلبت منه نجيب مربيه .. وقتها الشرار ده طلع وصوته علي وزعق كتير وقال كمان إنه أول مره يندم على حاجه يعملها .. ندم عشان ساعدني أوصل حلمي .. غضبت يوم بس مقدرتش .. 
ورجعت تاني .. واتصدمت لما قالي إنه هيتنازل عن وقت من شغله عشانكم .. وأنا وقتها اتنازلت عن وقتي كله من الجامعه .. واكتفيت بالمخابرات بس .. وده كان حل وسط بينا .. لكن القدر السخيف حاوطني لما اتطلب مني أكمل في الجامعه لشكهم في بعض الجهات هناك وده من فترة قريبة أوي ... ورجعت كملت فيها بس عشان القضية تنتهي ..
الخوف اللي بجد بدأ في الوقت اللي قررت انت تدخل فيه العالم ده .. كنت مرعوبة وخايفة .. ورجعت اتطمنت لما اللوا سامي قالي إنك أتراجعت .. لحد ما شوفتك في مهمه من المهمات ووقتها اتجمدت مكاني .. كانت صدمة إنك لسه جوه المجال ده متخلتش عنه زي ما اللوا قالي ... وقتها أنا خيرتهم بيني وبينك من خوفي عليك واللوا قالي هنبعده بس مش دلوقتي .. مر الوقت وبقيت بتابع مهماتك وانجازاتك وانت متخفي عن الأنظار واكتشفت حبك للمجال فقررت إني أفضل جواه بس عشان أحميك وأكون في ضهرك .. 

أزالت عبراتها وهي تتابع :
- قصرت في بيتي وفي جوزي مقابل شغلي وطموحي .. كنت عامية ومعرفتش إني بكده ببعدكم عني .. بس عمر ما كان حضني هيرفضكم يا عمار .. وعمر قلبي ما بطل يحس بيكم .. بالعكس .. ده انتوا كل دنيتي .. أنا بس كنت .. كنت عايزة أحقق مبتغايا .. كنت أنانية بس لقيت مساعدة من مالك .. ولقيت حنية من ماما شهد وبابا مروان ولقيتكم بتتربوا في بيت دافي وبطريقة كويسة .. كل ظروفي ساعدتني إني أكمل في مجالي وحلمي .. مكنتش متخيلة إن حلمي هيبعدني عنك كده ولا يبني بينا السور العالي أوي ده .. ولو أعرف صدقني كنت دفنته من قبل ما أمشي فيه خطوه واحده .. وكمان حنيتي وخوفي عليك لو مش خوفت إنك تترجمهم غلط كنت بينتهم بدل ما باجيلك بليل متأخر أتطمن عليك وأبوس راسك .. بدل ما أزورك في المستشفى لو فيك حاجه بزي الممرضات .. حاجات كتير مفتقداها وطمعانه فيك توهبهالي يا بني . 

بقي يطالعها وهي تبكي بصمت لوقت لا يعلمه .. لكنه قرر الذهاب دون أن ينطق بكلمه .. وبالفعل تحرك كي يغادر لكنه وقف لثانيتين وهو يسمعها تخبره بحنان :
- أنا بحبك أوي يا عمار . 

تصلب جسده لثوان قبل أن يغمض عينيه بغصة وغادر في صمت .. 

عاد من شروده على صوت بشير الذي تحدث بتعجب :
- يااااه .. كل ده ؟ 

رمش عمار وهو يناظره باستفهام ليبتسم بشير وهو يتحدث ببساطة :
- بقالي عشر دقايق قاعد جنبك وانت ولا هنا . 

تحمحم عمار قبل أن يزيل نظارته الشمسية عن عينيه ويتنهد بقوه :
- مخدتش بالي يا بشير معذرة .. عامل إيه ؟ 

بشير بابتسامة :
- في زحام من النعم الحمد لله .. بقولك إيه .. بكره الجمعه والمفروض إن عندي طلعة بكره .. بس بكره عندي مشوار مهم .. تقدر تقوم بالموضوع ده مكاني ؟ 

عمار عاقدًا حاجبيه باستفهام :
- انت بتقول إيه ؟! 

ضحك بشير وهو يعيد جملته في عقله ثم تحدث بتوضيح :
- معذرة بس متوتر شوية ..  بكره بأمر الله في خاطب لوجد جاي وقت العصر كده .. وبعدها من بعد المغرب أنا هروح أتقدم لبنت عمي ياسر .. وانت عارف إن يوم الجمعه بقوم بزيارات وكده .. فالمشوار ده هيتعطل وأنا حقيقي مش حابب إنه يتعطل .. هينفع تعمله مكاني ؟ 

عمار بتفهم :
- كبرت يا بشير . 

بشير وهو يضربه على كتفه :
- إيه يا عم صلي على النبي كده .. قال كبرت قال . 

ضحك عمار وهو يومئ بهدوء :
- هروح يا بشير متقلقش .. مبارك مقدمًا . 

بشير بابتسامة وهو يربت على كتفه :
- عقبالك يا غالي . 

لا يعلم لماذا ارتسمت صورتها أمامه في الحال ليبتسم وهو يومئ بهدوء .. 
بقيا يتبادلان الحديث حتى غادر بشير .. قفز إلى المياه لبعض الوقت ثم عاد لمنزل جدته واستلقى نائمًا يطالب بالراحه .. 

أعلن هاتفه عن اتصال ليرفعه أمام عينيه ناظرًا للإسم الذي تُضاء به شاشة الهاتف " الشعنونة ".. نظر أمامه بتعجب وهو يجد الساعة تشير للثانية عشر بعد منتصف الليل .. 

أجاب حينما خُيِّل له أن هناك أمرًا طارئًا بسبب كونها أعادت الاتصال مجددًا :
- غادة !!.. في إيه ؟ 

غادة بصوت حفيض للغاية :
- عمار .. بسرعة تعالى على مينا  *** الظابط الملثمة اللي قامت بآخر مداهمة اتخطفت وهما دلوقتي في المينا . 

انتفض عمار من مكانه وهو يصرخ بها بدون وعي :
- انتي بتقولي إيه يا غبية انتي .. مخطوفة إزاي !! 

غادة بتعجب لرد فعله :
- أكيد مش هتصل أهزر .. إنجز لأن شكلهم ناويين يتحركوا . 

عمار هادرًا برعب وهو يتجه إلى الأعلى :
- مين معاكي ؟.. شوفتيهم إزاي ؟.. انطقي .  

تعليقات