رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل السابع والعشرون
أعلن هاتفه عن اتصال ليرفعه أمام عينيه ناظرًا للإسم الذي تُضاء به شاشة الهاتف " الشعنونة ".. نظر أمامه بتعجب وهو يجد الساعة تشير للثانية عشر بعد منتصف الليل ..
أجاب حينما خُيِّل له أن هناك أمرًا طارئًا بسبب كونها أعادت الاتصال مجددًا :
- غادة !!.. في إيه ؟
غادة بصوت حفيض للغاية :
- عمار .. بسرعة تعالى على مينا *** الظابط الملثمة اللي تمت آخر مداهمة اتخطفت وهما دلوقتي في المينا .
انتفض عمار من مكانه وهو يصرخ بها بدون وعي :
- انتي بتقولي إيه يا غبية انتي .. مخطوفة إزاي !!
غادة بتعجب لرد فعله :
- أكيد مش هتصل أهزر .. إنجز لأن شكلهم ناويين يتحركوا .
عمار هادرًا برعب وهو يخرج من الغرفة ثم المنزل بأكمله ويصعد للأعلى :
- مين معاكي ؟.. شوفتيهم إزاي ؟.. انطقي .
غادة وقد شعرت بالريبة من الأمر بأكمله :
- خلصت شغل استلمته من يومين .. وأنا وأماني كنا في الجهاز وخارجين وشوفناها اتكممت قدام الجهاز وكانت ملثمة بردو .. معايا أماني ... وفهد وسعيد في الطريق .
عمار وقد ولج لمنزل والده :
- وأنا آخر واحد تكلميه ..
أغلق معها وقاد إلى منزله وصعد يركض إلى الأعلى ..
نظر لغرفة والده المفتوحة على مصراعيها دون أن يكون فيها أحد .. والده قد سافر بالأمس ولن يعود قبل الغد .. والغرفة فارغة من والدته .. ولج للمطبخ .. لا أحد .. غرفته هو وفجر .. فجر نائم ولا أحد غيره في الغرفة .. طرق على باب غرفة أصالة وسلسبيل لتخرج له أصالة في قلق .. سألها عن والدته فأخبرته أنها ولجت للنوم منذ التاسعة ..
عاود الاتصال بغادة وتحدث بصوت باكي كأنه طفل صغير تائه :
- غادة .. إوعي يفلتوا .. اتصرفي يا غادة إوعي يفلتوا سامعه .. أنا في الطريق جاي .
أغلق معها ونظر لأصالة التي ظهرت أمارات الرعب على ملامحها .. اقترب محتضنًا إياها وهو يحدثها بجسد ينتفض وصوت باكِ :
- أنا آسف .. متخافيش .. والله ما تخافي .
قبل جبينها قبل أن يلج لغرفته وفي لحظة جذب سلاحه وواقي الرصاص خاصته وبعض الأغراض التي تهمه وغادر سريعًا بعدما استقل دراجته النارية ..
وصل حيث الميناء وقام بمهاتفة غادة التي أجابت على الفور وهي تتحرك تجاهه :
- متتحركش .
انتبه لها خلفه لينظر لها بتيه .. وهذه هي المرة الأولى التي تراه فيها في هذا الوضع .. ضائع تائه بعينين تود لو تنفجر باكية بصوت مبحوح يريد فقط تصريح بالصراخ .. ماذا تعني له تلك الظابط ليكون بهذه الحالة من أجل اختطافها ؟!
أخرجها من تساؤلاتها وشرودها صوته المترجي :
- قوليلي إن كل حاجه بخير .
أومأت غادة على الفور وهي تخبره بهدوء :
- اللي احنا مستغربينله بجد هو إنها اتاخدت من قدام الجهاز .. متخيل الجبروت ؟!.. وكمان الأمن هنا مش بالعدد اللي يقلق .. ومتحركوش من المينا ..
تنهدت بقوة وهي تتحدث بقلق :
- عمار .. أنا حاسة إنه فخ ومنصوبلك .
ناظرها لثوان قبل أن يعقد حاجبيه يحاول التفكير .. لكن لا عقل يسعفه في ذلك .. والدته بالداخل مع تجار ممنوعات وسلاح .. أي عقل هذا الذي سيبحث عن مخرج سوى الهجوم وإنقاذها !
تحرك لكن يد غادة التي جذبته من ذراعه في تحذير وقلق :
- مش هتتهور .. عمار .. لازم نفكر بالعقل .. أنا مرضيتش أبلغ اللوا سامي .. إحنا الخمسة لازم نفكر بحكمة وإلا هنضيع ونضيع كل حاجه .
عمار بتساؤل وهو يدور بعينيه في المكان :
- قولي اللي عندك .
تنخدت غادة وهي تتحدث بحذر :
- عادل الرفاعي .. بنته معانا في الحجز .. واعترفت على نفسها وعليه وعلى كل شغلهم .
عمار مضيقًا عينيه :
- ودي إيه يخليها تبيع أبوها ؟!
عادت غادة بذاكرتها لذاك اليوم الذي ذهبت فيه لتولين وسألتها بحذر :
- ليه اعترفتي بكل بساطة كده ؟.. وليه أصلا رميتي نفسك في الوحل ده من البداية ؟.. ضميرك فين يا تولين ؟!
ناظرتها تولين لدقيقة قبل أن تسألها بهدوء :
- ليه مقبضتيش عليا من أول مره شكيتي فيا ؟
غادة بحذر :
- إيه عرفك إني شكيت فيكي ؟
تولين بضحكة خفيفة :
- لأنك شوفتيني وأنا بدخل عربية التبرعات .. وعشان كده خبطتي فيا وانتي ماشية .
غادة باهتمام :
- مجاوبتيش عليا .. انتي عارفه إعترافك ده هيوديكي فين ؟.. هيحصلك إيه ؟
تولين وهي تنهي النقاش :
- فيه أهل بينشئوا عيالهم في بيئة نضيفة فبيطلعوا عيال نضيفة .. دول الأهل البنائين .. وزي ما فيه أهل بنائين .. فيه أهل هدامين .. وأنا أهلي مخافوش عليا من وقت زي ده .. هخاف أنا عليهم ليه ؟.. وهخاف على نفسي من إيه ؟.. كنت خفت من البداية .
استدارت بوجهها ما إن أنهت عبارتها معلنة عن رفض التحدث في أي أمر آخر لتغادر غادة بصمت حزين ..
انتهت غادة من سرد ما حدث في ذاك اليوم على عمار الذي ينظر في البعيد ..
جلس أرضًا واضعًا رأسه بين يديه وهو يتحدث بقلة حيلة :
- مش قادر أفكر .. لازم أدخلها .
غادة بهدوء :
- أنا هدخل مع فهد .. وانت وأماني وسعيد أمنونا .. ولو حصل أي حاجه بلغوا .. بلاش نضيع كلنا .
ناظرها عمار بصدمة :
- انتي بتقولي إيه !!!!
غادة :
- بقول ..
عمار وقد وقف بغضب وهدر وهو يجز أسنانه :
- انتي متقوليش حاجه خالص .. ومش هتدخلي هنا ولا هتتدخلي حتى لو في ضرب نار سامعة .. إفضلي هنا وأنا هدخل لوحدي .. ولو حصلي حاجه وقتها تبلغوا .
تحرك من مكانه لكنها وقفت في وجهه وهدرت وهي تلوح بيديها أمام وجهه :
- انت ليه بتحاول تشيل كل حاجه لوحدك ؟ ليه بتبعدني كده ؟
أراد أن يتخطاها لكنها قطعت عليه الطريق مجددًا وهي تتحدث بغضب :
- مش هسيبك تتهور .. سامع .. رجلي على رجلك مكان ما تروح ..
وجهت سبابتها أمام وجهه وهي تُذكره :
- سبق ووعدتني .. ووعد الحر دين عليه .
عمار وهو يدفعها من أمامه بسلاحه :
- متتحركيش من هنا .. ومش هعيد كلامي تاني .. ممنوع تتدخلي لو مُت قصادك .. واضح ؟
غادة بانفعال وهي تعود للوقوف في طريقه :
- لا مش واضح .. فهمني ليييه .. ليه ؟
عمار وقد فقد أعصابه :
- عشان مش مستعد أخسرك .. افهمي بقا .
أنهى جملته وهو يدفعها من أمامه ويتحرك للداخل بعدما لثم نفسه .. وبدأ بالولوج في تخفي ..
بينما بقيت غادة تنظر في أثره وجملته تتردد في أذنها كصدى الصوت .. ما الذي يعنيه !!!
انتبهت فورًا للموقف وتحركت هي الأخرى بعدما تلثمت وهي تغمغم في نفسها :
- وأنا مش هستنى لما أخسرك يا عمار .
ولجت بعدما أعطت إشارة لفهد وسعيد وأماني بأن يؤمنوهما .. ويبلغون ما إن يتأزم الأمر ..
استطاع بحنكة وبراعة أن يدخل من بين سفن الميناء ويصل لتلك السفينة التي تعود لأحد رجال عادل .. تفاجأ بغادة التي تقف مقابله ليجز أسنانه بغيظ من تلك الحمقاء .. أشارت له بإصبع السبابه أن يصمت .. أخذت تتحرك بخفة في المكان تستكشفه ثم عادت له وهي تتحدث بحذر :
- عمار صدقني في حاجه غلط .. مفيش أمن كتير .. وكل حاجه هادية .
عمار وهو يضغط أسنانه معًا ويتحدث من بينهم :
- إسمعيني كويس .. أنا لو هموت هنا .. مش هتحرك غير لما أخرجها يا غادة .. خلص الكلام .
غادة بترجي :
- سيبني أدخل واتعامل ..
عمار مقاطعًا :
- مكانك ومش هعيد كلامي تاني .
تركها وبدأ يتسلل حتى استطاع رؤيتها ..
مقيدة بأحد المقاعد وظهرها هو كل ما يراه ..
لا أحد بالغرفة سوى رجلين .. أحدهما يناظرها بشر والآخر يدور حول نفسه ..
تناهى إلى مسامعه صوت أقدام .. تخفى سريعًا ليسمع المكالمة التي تُجرى والرجل يتحدث :
- يا عادل باشا صدقني إحنا ..
قاطعه عادل بقوله ليتابع الرجل من جديد :
- حاضر يا عادل بيه .. هنجيبها ..
صمت الرجل لثوان قبل أن يتابع :
- لا يا باشا فضينا المينا .. متقلقش .
أنهى المكالمه وهو يسبه .. ثم ولج للسفينة ليسترق عمار السمع .. فسمع الرجل يقول بغلظة :
- عادل بيه عايز بنته .. يدوب نتحرك .
رجل آخر :
- طب والظابط هنعمل فيها إيه ؟
الرجل الأول :
- هيخططلها من جديد .. انجز يلا .. ما صدقنا قدرنا نفلت من الأغبيه اللي داهموا المينا على غفلة .
عقد عمار حاجبيه .. والعديد من علامات الاستفهام استوطنت عقله .. لكن لا وقت للإجابة .. سيجدها ما أن يحررها ..
قام بمهاتفة فريقه وأخبرهم كونه سيداهم ..
تجمع الخمسة ووضعوا كاتم الصوت في أسلحتهم وتقدموا من الرجال وقاموا بالإطلاق عليهم في مناطق غير حيوية .. ثم تقدم فهد وقام بتخديرهم في الحال ..
دقائق وكل شيء كان قد انتهى ..
وقف عمار أمام تلك الملثمة وتقابلت الأعين .. ولكن لحظة .. هذه ليست والدته !!!
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
أتى الوقت المنتظر والذي تحركت به وجد وهي تشعر بالتوتر كأنها عروس .. وكلما مر بعض الوقت ازداد توترها من اقتراب موعد حضوره ..
خرجت وجد حاملة بيدها أكواب العصير الذي قامت زوجة أخيها بتجهيزه وذلك بعدما أرسل لها وليد كي تأتي إليهم لبعض الوقت ..
رفع نظره إليها ليرى طلتها التي جذبته إليها منذ أن رآها أول مرة في وسيلة المواصلات .. كانت غاية في الرقة والهدوء والأناقة بفستانها الأزرق الطويل الذي يتخصر بحزام بني بتوكة ذهبية يتماشى مع لون حجابها البني من درجة أفتح قليلًا ..
اقتربت وجد وقامت بتقديم الضيافة اولا لوالده الذي أفصح بإعجاب واضح :
- متشكر يا بنتي .. تبارك الرحمن في خلقه وإبداع تصويره .
أهدته إحدى ابتساماتها الودوده قبل أن تنتقل إلى من ظنت أنها والدته .. والتي شعرت وجد أنها رأتها من قبل .. لتقف أمامها بحيرة ..
السيدة بابتسامة :
- إزيك ياحبيبتي ؟
وجد :
- الحمد لله يا طنط .. تسلمي يارب .
السيدة :
- تعالي يا بنتي اقعدي جنبي .
وبالفعل جلست وجد إلى جانبها لتسألها السيدة بابتسامة :
- ها .. افتكرتيني ؟
نظرت لها وجد لثوانٍ قليلة قبل أن تتحدث بتعجب :
- مش حضرتك اللي ..
السيدة بضحكة خفيفة :
- ااايوه أنا اللي كنت جنبك في المواصلات من فترة وعزمتي عليا بشوكالاته .
وجد بابتسامة خجولة :
- يا أهلا وسهلا بحضرتك يا طنط .. نورتينا .
السيدة وهي تؤشر على ذاك الوسيم :
- ده بقا آدم أخويا .
حولت وجد نظرها لذاك الجالس مواجهًا لها .. ومن ثم نظرت للسيدة وهي تومئ متمتمة :
- أهلا وسهلا .
ولجت في ذلك الوقت تمامًا جميلة بصحبة ابن أخيها ... تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تهديها الشوكولا في كل مرة .. اقتربت سريعا من وجد وهي تتحدث بسعادة :
- طنط وجد .
حملتها وجد فوق قدميها وهي تقبلها بابتسامه :
- إزيك يا جميلة .
جميلة بابتسامة :
- كويسه الحمد لله .. وحشتيني .
احتضنتها وجد بحب وهي تتحدث ببهجة :
- يا خراشي إيه الجمال ده .. ربنا يحميكي يا حبيبتي .
وليد بحمحمة :
- طيب يا جماعة اتفضلوا معايا نقعد في التراث .. الهوا بره حلو أوي .
وبالفعل تحرك الجميع بصحبة وليد إلى التراث في حين بقيت وجد جالسة حيث هي مقابل ذاك الـ آدم .. ليقترب بهدوء جالسًا إلى المقعد الذي يجاورها ..
تساءل بهدوء :
- ازيك يا آنسه وجد ؟
وجد بتوتر :
- الـ .. الحمد لله .
آدم بابتسامة :
- طب مش عايزة تعرفي أي موضوعي ؟.. ليه بتصدف إننا نركب نفس المواصلة ؟.. أو إيه معني رسايلي وكده يعني ؟
وجد ببعض الضيق :
- والله معنى رسايلك واضح قدامي أهو .. لكن اللي مش واضح خالص بقا .. إزاي حضرتك تدي لنفسك الحق إنك تلاحق بنت وتبعتلها رسايل بدون وجه حق ؟.. ودلوقتي أنا لو رفضت حضرتك .. أظن إن رسايلك مش هيكون ليها أي معنى .. ولا إيه !
آدم ولا يزال على ابتسامته :
- والله بشمهندس وليد لما قالي إنك هتقفشي عليا في الآخر مكذبش .. اهدي عليا أفهمك طيب .
وجد بعدم فهم :
- أبيه وليد !!.. إيه دخل أبيه وليد بالموضوع ؟!
آدم بضحكة خفيفة :
- طب اسمعيني يابنت الناس .. صلي على شفيع الأمه .
وجد باهتمام :
- عليه أفضل الصلاة والسلام .
آدم متابعًا :
- أنا شفتك من فتره قليلة بس .. أول مره شفتك كنتي مع دكتور جيهان بتعرفك جدولك الخاص بمواعيد السكاشن اللي هتدخليها .. أنا ياستي أبقى أخو الدكتور جيهان .. وأم جميلة كمان أختي .
وجد بتعجب :
- هي طنط تبقى أم جميله ؟
آدم بتأكيد :
- أيوه .. ميرڨت أختي بردو .. يعني جميلة بنت أختي .. بس أنا وهي متعلقين ببعض زيادة عن اللزوم شوية ... المهم سألت عنك جيهان وعرفت اسم عيلتك وعرفت كمان إنك من عيلة السيوفي .. عمو جود الله يرحمه كان بابا بيشتغل عنده في الحسابات لفترة طويلة .. المهم بعدها بفترة رحت لبشمهندس وليد على الشركة واتكلمت معاه وعرفته بنفسي وهو قالي إنك رافضة المبدأ قبل ما تثبتي كيانك في الجامعة .. قلتله يديني فرصة وقلتله أنا بس هبعتلها كذا كذا واني رايد الخير وطالب القرب في الحلال .. قالي وجد أختي هتقفش عليك فقلتله سلمها لله .. فوافق بعد ما كلمته ميرڨت أختي وقالت إنها هتكون معايا .
وجد بحمحمة :
- بس .. بس بردو ده ميديلكش الحق إنك تبعتلي رسايل ولا شوكالاته بدون أي رباط شرعي .
آدم ببساطة :
- طب ما نعمل رباط شرعي عشان آخد معاكي ثواب الشوكالاته اللي بتوزعيها ع الاقل .. ثم إني صراحة مكنتش ببعت شوكولاته .. دي جميلة .
توردت وجنتيها وهي تتحمحم بتلعثم ليتابع آدم بابتسامة :
- مش عايزة تعرفي عني حاجه طيب ؟.. هعتبرك عايزه تعرفي .. أنا ياستي اسمي آدم محمد أحمد الدرويش .. إسم رباعي من البطاقة بالحرف أهو .. عندي سته وعشرين سنه إلا شهر وأربع أيام و ..
نظر في ساعة يده ومن ثم تابع :
- وخمسه وعشرين دقيقة .
ابتسمت رغمًا عنها ليتابع بابتسامة :
- محامي صغير كده على قدي .. حافظ لكتاب الله بفضله .. ومواظب على فروضه وبتمني لو بينا نصيب وان شاء الله يكون النصيب نصيبنا يعني إنك تعينيني أكتر وتخليني أصلي الفروض حاضرة في وقتها بالتمام وياسلام لو تديني ثواب الجماعه في البيت .. اممم آه أنا عندي اخواتي البنات كل واحده منهم ليها يوم في الأسبوع لازم أكونه معاها .. أي تاني يا آدم أي تاني يا آدم .. كفايه كده بقى خليني أتكلم عنك .. انتي بقا لسه بتحفظي في سورة المائدة وحافظة القرآن من تحت يعني حافظة أربعة وعشرين جزء اللهم بارك .. معيدة في كلية العلوم وجيهان أختي الدكتوره بتاعتك وهي اللي عرفتني أخبارك الصراحه .. مجتهدة وطيبة وبسَّامة والجميع بيحبك ما شاء الله .. مجنونة شوكالاته .. عندك حساسية من الورد .. في حاجه نسيتها ؟!
ابتسمت وجد بخجل وهي تنفي برأسها في خفة ليبادلها الابتسامة متمتمًا :
- يعني اناديهم نقرأ فاتحة ولا اديكي فرصة تصلي استخارة وتسألي ربنا عني ؟
نظرت له بشئ من التخبط .. لقد اخترق قلبها بجملتة " تسألي ربنا عني " ومن دون شعور تمتمت ببحة :
- موافقة .
آدم وهو يميل برأسه كأنه لم يسمع ما قالته :
- بتقولي أي ؟
تحمحمت وجد قبل أن تتحرك إلى غرفتها سريعًا في خجل مما اندفعت في قوله ليبتسم آدم باتساع وهو يتحمد الله على هديته ..
بقي بصحبتهم لبعض الوقت قبل أن يستأذن وأخته على وعد بمكالمة من وليد يخبره بقرار أخته ..
مريم بهدوء :
- ما شاء الله عليهم .. باين عليهم إنهم ناس كويسة .
وليد :
- ولو مش كويسة يا ماما هدخلهم بيتنا بردو .
مريم بتنهيدة سعيدة :
- ربنا يعملهم الصالح ويقدم الخير يارب .. يلا حبيبي يدوب نجهز عشان منتأخرش على الجماعه .
------*------*------
أخذ يذرع المكتب جيئة وذهابًا ويكاد يقتلع خصلاته من منابتها حتى ولج اللواء وبصحبته سبأ التي ما إن رآها عمار حتى تجمعت العبرات في عينيه .. ركضت تجاهه تُخفي ضعفه عن الجميع بين أحضانها ليترك العنان لقلبها النابض فوق صدره بأن يخبره بمدى حبها له .. هو بحاجة لذلك .. لطالما كان يتمنى أن يحصل عليه وأن يشعر دفئه وحنانه .. لطالما كان يحارب رغبته في الركض إليها والاندساس بين ذراعيها والنوم فوق كتفها .. لطالما كان غيورًا لكون فجر يتمكن من الحصول على هذه الضمة كل يوم على الأقل .. لطالما كاد يفقد عقله منذ ساعات فقط وهو يدور حول نفسه لظنه أنها اختطفت ..
تنهيدة قوية خرجت عنه مع دمعة خائنة أبت العودة لمحجرها واختارت أن تتحرر فقام بإزالتها سريعًا .. هل يمكنه أن يكون أنانيًا الآن ويقوم بتقبيل كتفها ؟..
كأن رغبته انتقلت إلى قلبها فشعر بشفتيها فوق كتفه تُلثمه بقبلة طالت مستشعرًا بعبراتها الساخنة فوق بشرة جانب عنقه ..
لم يستطع كبح رغبته أكثر وقام بتقبيل كتفها هو الآخر تزامنًا مع رفعه ليديه ممسكًا بذراعيها مُبعدًا إياها قليلًا وهو يتحدث بنبرة مرتجفة رغم محاولته بالثبات :
- انتي كويسة ؟
أومأت عدة مرات ليمحو عبراتها وابتسامة مطمئنة ارتسمت فوق ثغره وقد ازدادت وهو يراها تكوب وجهه بين كفيها ليعبر بعينيه في الغرفة قبل أن يعود لعينيها متحدثًا بمزاح :
- المكان مش مناسب .. بيتفرجوا علينا .. لما نبقا لوحدنا .
ضربته على كتفه بخفه ليضحك وهو يبتعد خطوة للخلف ..
أستنشقت شهيقًا قويًا أخرجته براحة وهي تتساءل :
- البنت فين يا سامي بيه ؟
سامي بابتسامة :
- في أمان متقلقيش .. القلق في المهمة اللي باظت .
حك عمار مؤخرة رأسه وهو ينظر لغادة التي رفعت حاجبًا وحكت مؤخرة رأسها مثله ليكز أسنانه بغيظ وهو يرفع الحاجب ذاته ثم أشار عليها وهو يُفصح :
- هي اللي اتصلت بيا وصحتني من النوم وقالتلي أمك مخطوفة .. فين العقل اللي أفكر بيه أنا يعني !
نطق اللواء وهو يوجه حديثه لعمار بجدية :
- ولو ده اللي حصل كان واجب عليك تعنفها وترجع لقوات الجهاز يا عمار .. مش تتصرف من دماغك وتجري ورا عواطفك .. العواطف ملهاش مكان في شغلنا يا عمار .
أنهى جملته وهو يضرب فوق المكتب ليخطف عمار نظره تجاه والدته التي لم تزحرح عينيها عنه ثم أعادها للواء من جديد وهو يتحدث ببساطة :
- طالما بنته في إيدينا نقدر نجيبه بخطة تانيه .
غاده بهدوء :
- تولين اتكشفت لهم .. ولو طالوها هيقتلوها .
أماني بحذر :
- بس أبوها أكيد هيحميها .
غادة بحاجب مرفوع :
- يحميها !.. يحميها إزاي وهي شغاله في المخابرات وبتنقل لنا كل أخباره .. لا وكمان عملت عليه خطه عشان يتقبض عليه .. ده هو اللي هيقتلها بإيده .
عمار مقاطعًا :
- عادل اتحقق معاه أصلا ولا لأ ؟.. المفروض بنته اتهمته فبييجي ويتحقق معاه .. ولا إيه ؟
سبأ بهدوء :
- ده اللي حصل .. بس للأسف ممسكوش عليه أي حاجه .. عشان كده خرج .
عمار بتساؤل :
- هو إزاي انتوا عرفتوا انهم هيخطفوا الظابط الملثمة فقمتوا لثمتوا بنته على إنها الظابط دي ؟.. وإزاي يفكروا يخطفوها من قدام الجهاز ؟!
سبأ بتنهيدة وهي تجلس فوق المقعد بإرهاق :
- لما اتحقق مع عادل مجبناش سيرة ان بنته اتهمته .. والأقوال نسبناها لواحد من عماله اللي اتقبض عليهم .. عملنا خطة بعد ما اكتشفنا ان فيه واحد حط جهاز تتبع في عربيتي وقت المداهمة .. وعرفوا كل حاجة عني .. وقتها اللوا سامي كلمني أروح له الجهاز .. ولما خرجت لاحظت إني متراقبة .. راوغت ووصلت الجهاز ووقتها قررنا نعمل خطة عليهم .. تولين لبست لبسي وخرجت بيه على إنه أنا .. وأنا كنت لأجل القدر راكنة في الضلمة .. ولما خرجت تولين اتخطفت .. كنا حاطين في الحلق بتاعها جهاز تتبع وفي السلسلة بتاعتها كاميرا صوت وصورة وقدرنا نعرف إنهم أخدوها على المينا .. وكانت خطتهم هي استخدامي لحد ما يطلعوا من البلد وبعدها يخلصوا عليا .. عادل كان في المينا بنفسه وقتها وقدر من عيون بنته يعرفها في الحال .. ووقتها هرب لما اكتشف خطتنا في الوقت اللي هجمت فيه القوة بتاعتنا .. بس للأسف عادل قدر يفلت .. بدلنا الخطه بإن القوة كلها تكمل ورا عادل .. وعملنا نفسنا منعرفش إن لسه ليهم ديل في المينا وحتى تولين اللي موجوده في المينا .. ولما قدر عادل يهرب كلم رجالته اللي في المينا وطلب منهم بنته على المكان اللي كان متخبي فيه ..
عمار مقاطعًا :
- وأنا بوظت الدنيا بهجومي عليهم وقطعت آخر خيط كان هيوصلنا لعادل وديوله .
سبأ وهي تربت على كتفه :
- متشيلش نفسك ذنب حاجه انـ ...
اللواء مقاطعًا :
- سبأ .. دي تاني مره عمار يتهور وللمره الألف بتغطي عليه .. يعني إيه ميشيلش الذنب .. الكلب ده قدر يفلت مننا بسبب عواطف ابنك اللي دخلت في الشغل .. أنا مش هسمح بغلطه تانية من النوع ده .
سبأ بتنهيدة قوية وهي تضغط عينيها معًا بقوة :
- يا سيادة اللوا أنـ ...
تحرك اللواء رافضًا أي حديث آخر ملقيًا آخر كلماته :
- في ظرف اتنين وسبعين ساعة .. يا عادل .. يا القضية هتتحول لجهة تانية ..
أدار نظره لعمار وتحدث بجدية :
- دي آخر فرصة ليك يا عمار .. ياريت عقلك اللي يتحكم وترجع عمار مش الشخص اللي أنا شايفه قدامي دلوقتي .
أنهى كلماته وخرج من الغرفة جاعلًا عمار يدور حول نفسه ...
نظرت سبأ تجاه غادة التي تركز بعينيها على عمار .. تلك النظرة التي لم تُخفى عنها أبدًا .. لطالما كانت تناظر بها مالك منذ زمن بعيد .. ابتسمت في داخلها حينما علمت من فهد وأماني طريقة تعاملها وعمار معًا دون أن يغفل عنها كونهما يدخلان في سباق لإثبات من سيكون الأكثر برودًا واستفزازًا .. ناهيك عن كونها تلتصق به عمدًا في كل مهامه .. وهذا دون الحاجة لها ..
يبدو أنها ستشهد على قصة حب جديدة يخضع فيها المتمردة والمستفز .
نفضت رأسها سريعًا وتحركت تجاه عمار وهي تتحدث بابتسامة كي تهدئ من انفعالاته :
- متقلقش يا عمار .. هنلاقي حل .. ودلوقتي خلونا نفكر بهدوء وبصوت عالي ..
قطع حديثها طرق الباب تلاه ولوج ذلك المدعو سامح عاشور والذي كان برفقتها في المداهمة الأخيرة وتلاه ولوج تولين التي تبادلت النظرات مع غادة في توتر ..
غادة بتساؤل :
- أنا لحد دلوقتي مش قادرة أفهم موقفك يا تولين .. لما كنت معاكي في التحقيق .. اتكلمتي عن نفسك وكأنك واحدة من المجرمين دول .. وفجأة أكتشف إنك عيون المخابرات في الجامعة .
تحدث سامح وهو يجذب تولين كي تجاوره مقعده ممسكًا بيدها مما أثار تعجب غادة لهذا القرب بينهما ..
سبأ وهي تشير لهما بثبات :
- تولين الرفاعي وسامح عاشور .. زوجين في المخابرات .
غادة وهي تنظر لتولين بحاجب مرفوع :
- واضح إننا هنتعرف من أول وجديد يا تولي .
تولين بابتسامة :
- ببساطة كبيرة أنا بنت أكبر تاجر سلاح وممنوعات في الـ .. حقيقي مش عارفه وصل لحد فين .. بس أنا بلغت الجهات لمجرد إني سمعت عن صفقة هتتم في مكان مهجور ووقتها انطلبت من اللوا بإني أكون عين للجهاز .. بدأت أتدرب فترة وده كان على إيد سامح .. بعدها بفترة طلب إنه يتجوزني .. وطبعا بابا عرف إنه تبع المخابرات فوافق على أمل إن سامح هيكون من رجالته جوا المخابرات .. لكن بعد جوازنا بابا حاول يفتح مع سامح الحوار بكذا طريقة وفي كل مره كان سامح بيثبتله ولاؤه للبلد ولشغله .. بابا فقد الأمل منه وقتها .. وأنا طبعا كنت طالبة في علوم .. ومفيش حاجه تخلي بابا يجبرني على إني أسيب سامح .. فضلت العلاقة كويسة وسامح في شغله وأنا في شغلي اللي هو مجرد جاسوسه .. لحد ما جيت في فترة وعرفت أسماء ناس من اللي بابا بيشتغل معاهم .. وقتها أنا رحت لهم بنفسي وطلبت يبقى بيني وبينهم شغل .. وطبعا عشان هما كلاب بلغوا بابا اللي فتح معايا تحقيق دقيق جدًا .. قدرت أوصله وقتها صدمتي من إنه بيشتغل في المجال ده وقبل الصدمة وصلتله كسوفي من نفسي على محاولتي للدخول في الشغل ده .. مع الكلام والوقت قدرت أكون دراع من دراعاته بس كان شرط شغلي معاه إني أكون العميل الخفي لشغله ..
تنهيدة خرجت عنها قبل أن تعتدل في جلستها وهي تتابع :
- لحد ما جه موضوع دخول الممنوعات للجامعة .. الخطة كانت خطتي وأمن الجامعة كانوا عارفين .. وحتى كانوا عارفين بإن غادة وعمار تبع المخابرات ..
غادة وجودها عشان تكشف اللي بيحصل جوه الجامعه .. وعشان أنا أبلغهم عنها فثقتهم فيا متتهزش لأنهم كانوا بدأوا يشكوا في صوابع إيدهم بسبب العمليات اللي كانت بتتكشف ورا بعضها .. لكن عمار كان عشان يحمي غادة لو حصل منهم أي تهور ناحيتها لأني مش هينفع أتدخل أبدًا ..
المهم من كل ده إني اتقبض عليا وكانت الخطة معاهم للنهاية صح .. ووصلهم إني مقبوض عليا .. واللي مكناش عاملين حسابه إنهم يكشفوا سبأ .. عشان كده اضطرينا لتغيير الخطة وهي إني أظهر في الصورة كسبأ .. ومعايا كل المعدات اللي تسمح للمخابرات بمعرفة مكانهم وكلامهم وحتى صورهم .. بس للأسف المهمة ..
قطعت حديثها وهي ترفع يديها بقلة حيلة ..
تنهدت غادة وهي تتحدث بهدوء :
- طالما الجميع بخير وده الأهم .. يبقى هنقدر نوحد إيدينا ونوقعهم من تاني .
أومأ الجميع على حديثها قبل أن يتناقشوا في أمر القضية لبعض الوقت ثم انسحب الجميع كل إلى وجهته ..
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
كانت قد أنهت العديد من الأعمال المتراكمة عليها لهذا اليوم .. قامت بطرقعة رقبتها يمينًا ويسارًا قبل أن تتنهد وهي تستند بوجنتها فوق كفها بملل ..
انتبهت لحديث الفتيات من حولها وهن يشكين من الحياة ..
إحداهما :
- والله يا بنتي الواحد أصلا ما بقى عايز يدخل في علاقات من كتر الكدب والزيف اللي بقينا عايشين فيه .
أخرى :
- العلاقات والناس فترات يا بنتي .. محدش دايم أصلا .
أخرى :
- مش لما تبقى العلاقات بتاعة العيلة اللي من لحم ودم الأول نضيفة نبقى نعتب على العلاقات الباقية .
أخرى :
- على رأيك .. مبقاش في أمان والله يا بنتي .
تنهدت بدر وهي تستمع لحديث كل منهم على حده .. لتتحدث هي بتلقائية :
- من كُتر ما بقيتنا حاطين فكرة إن محدش بيدوم في حياة حد .. بقينا بننهي العلاقات اللي ممكن تدوم والإسم ( أصل محدش بيدوم .).
من كُتر ما بقا فكرنا محدود على إننا منسامحش اللي أذانا عشان ميرجعش يؤذينا تاني .. بقينا مش سالكين وبناكل في بعض عشان نشوف مين فينا هيؤذي ويجرح جرح أكبر .
من كتر ما بنبص للناس ونفكر في كلامهم بقت حياتنا ماشية معكوكة بسبب أراء الناس ومفيش قرار واحد نابع من شخصيتنا اللي المفروض إنها مُلهمنا الأول .
تنهدت بقوة وهي تتابع دون أن تشعر بانفعالاتها :
- مبقاش في وعود صادقة من كتر ما كلمة " وعد " بقت بتترمي في أقرب صفيحة زبالة مع أول مطب ..
مبقاش في خوف على بعض من كتر ما كلمة " خيانه " بقت راشقة في كل علاقه لمجرد إن طرف من الاتنين أهمل ولو شوية بدون قصد .
مبقيناش نحس بطعم رمضان والعيد عشان ما بقتش النفوس صافية ولا القلوب طاهرة زي زمان .
مبقيناش نتجمع كعيلة ليلة العيد ونقضيها ضحك لإننا متخانقين مع بعض عشان وِرث أو عشان واحد رفض يجوز بنته لابن عمها اللي هي مش عيزاه مثلا ومش شيفاه غير أخ فاضل .
مبقيناش نشوف الخير اللي في إيدينا لإننا ديما باصين للي في إيد غيرنا وعايزين كل حاجه مره واحده .
ما بقيناش في أمان عشان مفهوم الأمان بقا محصور في علاقات الحب مش الأهل .
مبقاش في أي طعم للدنيا عشان كلنا بلا استثناء بعيد عن ربنا وبنعصيه علنًا وبنجهر بالمعصية بدون أدنى استحياء .
مبقيناش عايشين وبقينا في غفلة .. لو مفوقناش منها هنتدمر أسوء وأصعب تدمير .
كان الجميع يتابع انفعالاتها وحديثها بصدمة .. لقد انفجرت بدون أدنى إنذار حتى .. ومع ذلك فهي لم تخطئ في حرف .. بالفعل الجميع في غفلة ..
التف كل إلى عمله بعدما انتبهت هي الأخرى لعملها في تعجب مما أصابها .. لما هذا الانفجار المفاجئ !!.. بينما كانت عيناه تراقبانها ووعد داخل القلب يُحفظ .. لن يصمت أكثر من ذلك .
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
تناهى إلى مسامعه صوت آذان المغرب في الوقت الذي كان عائدًا للمنزل بصحبة والدته .. تذكر ما طلبه منه وليد فضرب المقود بضيق من نفسه .. كيف له أن ينسى أمرًا كهذا ..
سبأ بقلق :
- فيه إيه يا عمار مالك؟
عمار بهدوء :
- مفيش .. بشير طلب مني خدمة وأنا نسيت .
كان حديثه تزامنًا مع وصوله للمنزل .. ترجل بهدوء وصعد ركضًا مُبدلًا ثيابه ثم غادر من جديد إلى حيث طالبه بشير ..
كان كلما مر على منزل من هؤلاء المنازل يشعر أن قلبه يرفرف وشيء من سعادة يتسرب إليه ..
أنهى جميع المنازل التي أخبره عنها بشير ووقف إلى الكورنيش لبعض الوقت وهو يتنهد بارتياح غريب ..
تذكر فجأة ذلك اليوم حينما كان يبكي وهو جالس فوق درجات السلم .. كيف أتته وأخبرته أن راحته ستكون في القرب من ربه .. ابتسم وهو يتذكر غيظها حينما يناديها ببدر .. وازدادت ابتسامته حينما تذكر تجاهلها له يوم أن سألها إن كانت بدر أم بدور .. تحولت الابتسامة لضحكة خفيفة وهو يتذكر النسكافيه الذي صنعته له وكيف أراد أن ينتقم من غيظه منها فارتشف رشفة كبيرة ليحرقه وهو ساخن .. تحولت الضحكة الخفيفة لضحكة قوية وهو يتذكر كيف أخبره الطبيب كونها ماتت .. يا إله يقسم أنه شعر في ذلك اليوم أنه فقد روحه .. إنها تحتل جزءًا لا بأس به من ذاك الجزء الأحمق النابض داخله .. لا يعلم ماهيته لكنه يحب هذا الجزء الذي يخصها ..
تذكر في طفولتهم .. لقد كانت تتلاشى التحدث معه تمامًا .. لم يكن يعلم السبب حينها لكنه علم حينما سمعها ذات يوم وهي تعنف بدر وتخبرها أنه لا يجب اللعب أو المزاح مع الشباب .. لن ينكر أنه أحب هذا بها .. إنها فتاة مميزة .. هادئة وطيبة ولطيفة لكنها تمتلك شخصية قوية ومبادئ ثابتة لا تتجزأ أبدًا ..
كانت هي وأصالة الأقرب لبعضهما وقد اكتسبا من بعضهما الكثير من الصفات التي يحبها بهما ..
تنهد وهو يستند بذراعه إلى السور ويميل برأسه عليه .. ولا يعلم سببًا واضحًا لأن يتذكرها الآن .. تلك الـ غادة مزيج من الطباع المتناقضة والتي تعجبه كثيرًا ..
هادئة من بعيد .. تظنها للوهلة الأولى لا تتحدث كثيرًا .. وما إن تقترب منها يُصيبك صداع من كثرة ثرثرتها التي لا تنتهي .. فضولية بشكل مُرهق .. لا تترك أمرًا إلا وتبحث عن كل شيء به حتى تُشبع فضولها .. لا تخشى شيئًا أيضًا .. وقد أثبتت ذلك في المرات التي كانت تصاحبه في المهمات .. كما أنها تمتلك صفة المروءة والشهامة .. تتصرف بتلقائية وقد تودي بها تلقائيتها لكنها تحاول على الأقل .. يعجبه كثيرًا ذلك الوقت الذي تقرر أن تستفزه فيه لتخرجه عن شعوره .. ويعجبه ضربها للأرض حينما لا تصل لما تريد .. رآها وهي غاضبة كما وهي هادئة .. تُرى كيف تكون حينما تضحك !
نفض رأسه سريعًا وهو يعقد حاجبيه .. ما هذا الذي يفكر به ؟!
تنهد بقوة واستقل دراجته النارية قاصدًا منزل عمته ملك .. هنا ستكون البداية لكل شيء .. يُدرك ذلك حق الإدراك .
