رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثامن والعشرون
طرقات على باب المنزل جعلتها تغير وجهتها من المطبخ إلى الباب .. كانت ترتدي ثوب الصلاة لكونها قد انتهت توًا من تأدية فرض العشاء .. تساءلت عن هوية الطارق ليتقافز قلبها بداخلها حينما اخترق صوته قلبها ..
حاولت جمع شتات أمرها وهي تزدرد ريقها مع فتحها للباب ..
تقابلت الأعين لثوان فقط قبل أن تشيح هي بنظراتها وهي تشير له بالدخول :
- اتفضل يا عمار أهلا وسهلا .
ابتسم بخفة وهو يلج بخطواته متحدثًا :
- افتكرتك من شوية قولت آجي أتطمن على العيلة الكريمة .
هل عليه أن يخبرها بذلك الآن ؟!! .. ألا يكفي قلبها وما هو فيه بسبب رؤيته ليزيد الطين بله بحديثه هذا !!
أنقذها صوت والدها الذي تحرك تجاهه مرحبًا به وبقدومه .. ثم ولجا لصالة الاستقبال في حين دخلت بدور للمطبخ كي تحضر الضيافة وابتسامة جميلة تزين ثغرها .. لقد تذكرها .. إذا هو يفكر بها وبأمرها .. يا إله تشعر بقلبها سيقف من شدة ضرباته ..
أخرجها من حالتها صوت بدر التي قامت بتعرية الحقيقة أمام قلبها الأحمق :
- على فكره هو قال افتكرتك .. مقالش بفكر فيكي .. تفرق يا بدور .
ناظرتها بدور لثوان ثم تركت ما بيدها وهي تتحدث بتوتر :
- هو .. أنا شكلي هبلة أوي صح ؟.. مدلوقة ؟!
بدر ببساطة :
- أبدًا .. انتي متحكمة في مشاعرك قدامه بشكل كويس أوي .. بس تحكمك في مشاعرك لازم يبقى قدام نفسك مش بس قدامه هو .
نظرت بدور بعيني بدر تحاول فهم ما ترمي إليه .. ولكن عبثًا لقلب هام عشقًا منذ الصغر أن يُحَجِّم عشقه ..
كانت بدر على وشك المغادرة لكنها توقفت بسبب يد بدور التي أمسكت بها لتناظرها بتساؤل ..
ازدردت بدور ريقها وهي تفكر فيما ستتفوه به لكنها تحدثت بعفوية :
- ممكن نبدل أنا وانتي اللبس وتطلعي تودي العصير بدون ما تتكلمي أو تضحكي وتشوفي هيعرفك ولا لأ ؟
عقدت بدر حاجبيها لثوان تُقلب حديث أختها في عقلها قبل أن تكتم ضحكتها عُنوة وهي تومئ برأسها ..
ركضتا لغرفتهما وقامتا بتبديل ثيابهما لتتنهد بدور بقوة وهي تدعو في داخلها أن يميز بينهما هذه المرة ...
أحمق هو الحب ..
خرجت بدر من المطبخ وهي تحمل الضيافة وتحاول جاهدة ألا تضحك ..
وقعت عينيها في عيني عمار الذي عقد حاجبيه لثانية من الزمن ثم أشاح بنظره إلى الأرض محاولًا كتم ضحكته هو الآخر ..
حقًا أحمق هو الحب ..
وضعت بدر الضيافة وكانت على وشك الذهاب لكن أوقفها حديث عمار المتسائل في خبث :
- مفيش إزيك يا عمار ؟.. منور يا عمار ؟.. طب أمك وأبوك عاملين إيه يا عمار ؟..
وجه حديثه لملك متسائلا :
- انت ضاربة بدر ولا إيه يا عمتي ؟
ملك بضحكة خفيفة :
- دي بدور مش بدر يا عمار .
عمار بحاجب مرفوع :
- لا دي بدر .
نطق باسمها وهو يحاصر ذقنه بإصبعي السبابة والإبهام وحاجبه مرفوع وعينيه معلقة عليها ..
( كان عامل كدهو 🤔 😂😂 )
سفيان بحاجب مرفوع :
- انتي لخبطتي بين عيالك بعد كل السنين دي يا ملك ؟!
ملك وهي تمسك بيد ابنتها وتديرها إليها :
- الله !!.. مش اا ..
بدر مقاطعة بمزاح حتى تمنع والدتها من إبداء الملاحظة :
- يا عيني عليك يا سوفي .. شكلك محتاج تتجوز .. ماما خلاص بطاريتها بتنفذ .
صفعتها ملك على يدها وهي تتحدث بوجه عابس :
- بعد الشر .. قال يتجوز قال .. طب بس يعملها ويشوف هعمل فيه إيه .
رفع سفيان حاجبيه للأعلى وهو يتحدث بمشاكسه :
- هتعملي إيه يعني ؟!
ملك وهي تضيق عينيها أمامه :
- تحب أقولك هعمل إيه ؟.. ها !
عمار باستفزاز :
- إيه يا عمتو .. ده راجل بردو وبعدين يعني مثنى وثلاث ورباع .
هنا وكزت بدور أسنانها وقررت الخروج من خلف باب الغرفة لترى ما يقوله ذلك الأحمق ..
ابتسم عمار وهو يراها آتية .. لينتبه لحديث عمته :
- والأولى قصرت في إيه بقا ان شاء الله عشان يجيب المثنى !!
عمار بخبث ضاحك وعفوية تامة :
- بتختبريه يا عمتو .. والراجل مينفعش تختبريه عشان بيفقس الاختبار بسرعة .
أنهى حديثه وهو يلقي نظرة جانبية على بدور التي فغرت فاهها بصدمة وازدردت ريقها وهي تراه يناظرها هكذا !!!
انتبهت لسؤال والدتها :
- أنا مختبرتوش يا واد انت !!
عمار بضحكة وهو ينهي الحوار :
- هو أصلا هيلاقي زيك فين يا ملوكه .. هي ملك واحده وبس .
ضربت قدمه بخفة وهي تتحدث بضحكة خجولة :
- بس يا واد ما تكسفنيش .
ضحك الجميع عليها ليأخذ عمار شهيقًا عميقًا أخرجه بهدوء وهو يستأذن للمغادرة ..
سفيان :
- تمشي فين يا بني ؟.. لسه بدري ؟.. وبعدين هو انت بتيجي كل يوم ؟
نظرة جانبية أخرى كانت من نصيبها جعلتها تمسك بكف بدر وتضغطه بقوة وهي تستمع لرده :
- إن شاء الله هتلاقيني ديما عندك .. إحنا أهل بردو يا جوز عمتي وملناش غير بعض .
ابتسم له سفيان وهو يؤكد :
- فعلا وربنا يديمها علينا نعمة .. سلامي لأبوك كبير أوي واخواتك .. وخلي بالك من نفسك يا عمار يا بني .
عمار وهو يربت على يده :
- على الله .
اقترب من عمته وقام بتقبيل جبينها بحب وابتسم لها بهدوء وهو يتابع :
- مش محتاجة حاجة يا غاليه ؟
نفت ملك وهي تتمتم :
- عايزة سلامتك يا حبيب عمتك .. ربنا يكفيك شر طريقك ويبعد عنك المكروه ويقربلك الخير يا رب .
أمن عمار على دعائها ثم استدار ليغادر لكنه وقف فجأة ونظر تجاه بدر وتحدث باستفزاز مغلف بالجدية :
- مش محتاجة حاجه يا بدور ؟
تبادلت بدر وبدور النظرات ليضحك عمار بملء فمه وكذلك سفيان وملك ..
عمار من بين ضحكاته وهو يؤشر على كل منهما بطريقة صحيحة :
- يا ست بدر ويا ست بدور أي خدمة قبل ما امشي ؟
نطق بها وهو يرمق بدور بثقة من نفسه لكونه يعلم ما فعلت بينما هربت هي بعينيها دون أن تنطق في حين تمنت له بدر السلامه فغادر مطمئن القلب راضٍ عما فعله اليوم ..
جلس فوق دراجته النارية أمام البناية دون أن ينطلق بها .. فقط يجلس ينظر في البعيد بقلب يشعر بارتياح لم يعهده من قبل .. أخرج علبة سجائره وناظرها لبعض الوقت .. إنه لا يلجأ لها سوى عندما يغضب .. وأحيانًا حينما يتوتر .. وغالبًا حينما يفكر بعمق .. لا يدري تحديدًا السبب في نظراته لها .. لكن كل ما كان يجول بخاطره في هذه اللحظة هو أن يُقلع عن التدخين .. بدون سبب .. هكذا أراد ولهذا سيسعى ..
تنهد بعمق وقرر العودة للمنزل .. يريد رؤية أصالة .. هذا كل ما هو بحاجته الآن ...
------*------*------
كانت تجلس فوق فراشها بعينين دامعتين .. يا لسخرية القدر .. الليلة قد ذهب بشير لخطبة إحداهن .. كما في الليلة ذاتها قد تقدم أحدهم لخطبتها وها هي بانتظارهم .. ماذا ظنت !.. هل تظنه قد ينظر لها حتى ؟.. لم يكن عليها أن تنسى أبدًا كيف أشاح بنظره عنها في اليوم الذي أقلها لمنزلها بصحبة وجد ..
هل كانت تنتظر منه أن يقع في حبها !.. سخيفة وحمقاء ..
قطع شرودها أمام مرآتها طرقات على باب الغرفة تلاه ولوج وجد بعدما أذنت إيلاف بذلك ..
رفعت حاجبيها وتوسعت عينيها بتعجب وسعادة وهي تقف لاستقبالها في تساؤل :
- وجد !.. انتي هنا ؟.. إزاي ؟.. ليه مقولتيليش ؟
وجد بابتسامة وهي تحتضن إيلاف بسعادة :
- يعني لازم أقولك قبل ما أجيلك يعني ؟
إيلاف بنفي :
- لا طبعا تنوري في أي وقت .. بس .. بس يعني أصل ...
وجد وهي تجلس فوق الفراش باسترخاء :
- جسمي مكسر يا ختي .. حاسه زي ما يكون كنت بشيل طوب ولا إيه !
ابتسمت إيلاف لتتابع وجد :
- جاهزة ؟
إيلاف بتساؤل :
- لـ إيه ؟
وجد وهي تمسك يدها وتسحبها للخارج :
- يبقي جاهزة .. يلا بينا الضيوف بره منتظرينك .
جذبتها إيلاف وتوقفت وهي عاقدة الحاجبين :
- ضيوف إيه ؟
وجد وهي تربت على يدها :
- يا بت العريس اللي متقدملك يا بت .. قاعد بره هو وأهله منتظرين خروجك .
توترت إيلاف وهي تشعر أن هناك أمر غير طبيعي .. لكن وجد لم تترك لها الفرصة وجذبتها من جديد وخرجتا من الغرفة ..
تقابلت الأعين .. وتحدثت القلوب .. وتبعثرت المشاعر تركض كل منها لأليفه ومؤنسه .. تطايرت الكلمات واختفت الملامح من كل شيء عداها .. لا يرى سواها أمامه .. ألهذه الدرجة كان يحبها دون أن يعلم !!.. حتى اللحظة التي أتى فيها إلى هنا وهو يحبها لكن ليس لهذه الدرجة .. لماذا الآن يشعر أنه مُبعثر هكذا في حضرتها !!.. لماذا يشعر وكأن الدنيا خلت فجأة إلا من سواد عينيها المليئة بحزن وألم غريب لا يعلم مصدره .. لكنه يقسم على أن يعلم وعلى إن يستبدله بالسعادة ما حيا ..
أزال عينيه سريعًا وهو يزدرد ريقه حينما انتبه لنفسه .. بينما كانت هي تقف كمن سكب على رأسها دلوًا من الماء البارد ..
لا تعلم ما هية ما تشعر به في هذه اللحظة .. فراغ كبير من حولها لدرجة أنها شعرت بالبرد .. ما الذي يحدث هنا ؟.. هل الخاطب ما هو إلا بشير !!.. ولماذا هي ؟.. لما اختارها هي بالرغم من عدم امتلاكها للجمال في أي من تفاصيل ملامحها ؟.. هل خلا الكون من الفتيات ليقع اختياره عليها ؟.. أم أن هذه الخطبة أيضًا من اقتراح والدها كما اقترح العمل مع بشير في شركته كذلك ؟
حينما وصلت بتفكيرها لهذه النقطة .. تداركت ذاتها وتحركت مع وجد حيث الجالسين .. رحبت بالجميع وجلست مقابل بشير بصمت تام دون أن ترفع عينيها له ..
بعد القليل من الحديث تحرك الجميع للجلوس في الريسبشن الملحق بصالة الجلوس ليتركا المساحة لبشير وإيلاف كي يتحدثان ..
بعد فترة صمت دامت لدقيقتين تقريبًا .. تحدث بشير بابتسامة حاول جعلها متزنة مع كلماته :
- إزيك يا آنسة إيلاف ؟
أومأت وهي تجيبه بهدوء تام ونبرة مختنقة بالدموع :
- الحمد لله .
بشير بحمحمة وتوتر :
- مالك يا إيلاف ؟
رفعت عينيها له ليرى تجمع العبرات بهما .. يرى مدى الألم الذي تعانيه .. جُن جنونه وكاد يفقد أعصابه وهو يسألها بنبرة حاول جاهدًا أن يجعلها هادئة :
- فيه إيه طيب ؟ مالك ؟.. ليه الدموع دي ؟
إيلاف بنبرة مهزوزة :
- ليه ؟.. إشمعنا أنا ؟
بشير عاقدًا حاجبيه بتعجب :
- اشمعنا انتي إيه ؟.. وليه ايه بردو ؟
إيلاف وهي تستنشق شهيقًا قويًا مع إغلاقها لعينيها بقوة جعلت عبراتها تنسال دفعة واحدة مما أثار جنون الآخر :
- اشمعنا أنا جيت تطلبني ؟
بشير بسخرية :
- أبدًا .. أصلك ساكته طول الوقت مبتتكلميش فقولت أتجوزك يمكن أعرف أسمع صوتك ولا حاجه !
تحولت نبرته للجدية وهو يتابع :
- يعني إيه اشمعنا يا إيلاف ؟..
مش هي دي الأسئلة اللي بتتسئل لما تكوني قاعدة مع واحد جاي يطلبك للحلال ..
مفيش حاجه اسمها اشمعنا يا إيلاف ..
اللي بيروح يخطب بنت بيبقى عايز يبني معاها بيت أساسه متين .. بيبقى عايز يشاركها حياته .. بيبقى عايز يوهبها إسمه .. بيبقى عايز يحبها بس في الحلال .. عايزها تحبه وتهتم لأمره برخصة تخليها تبدع في اهتمامها بيه وحبها له .. بيبقى عايز واحده تاخد بإيده عشان يعلى لفوق سواء دينيا أو اجتماعيا أو نفسيا .. بيبقى عايز طفل منها شايل اسمه وملامحها وملامحه فيه .. بيبقى عايز حاجات كتير أوي مينفعش ياخدها ولا يوهبها غير وهي حلاله ..
كده جاوبتك على سؤالك ولا الإجابة مش كافية ؟
كانت ترمش سريعًا وهي تستمع لحديثه .. هل عليه أن يقول ذلك في وقت كهذا .. يجب أن يرحم قلبها الضعيف .. عليه أن يرحم انعدام ثقتها بذاتها .. ماذا عن ملامحها .. هل هو أعمى ليقوم شاب وسيم بعينيه الملونة هذه وبشرته القمحية ولحيته المنمقة تلك وخصلاته الناعمة بطلب فتاة ببشرة سمراء وأنف عريض مع شفاه ممتلئة وعينان سوداوان وشعر مجعد .. هل يشفق عليها مثلا !
كأنه قرأ ما يدور بداخلها فتساءل بهدوء وحكمة :
- قوليلي يا إيلاف .. انتي شايفة الحياة الزوجية ازاي ؟
رمشت عدة مرات وأخذت تبحث عن أشياء صحيحة تقولها لكن لا شيء .. كل شيء هرب من عقلها في هذه اللحظة .. بقيت تدور بعينها في المكان دون أن تجد لنفسها مخرجًا ليعيد بشير سؤاله من جديد بطريقة أخرى :
- طب تفتكري أي علاقة ممكن تنجح .. لو واحد وواحده حبوا بعض عشان شكل ومستوى .. ولا واحد وواحده حبوا بعض عشان أخلاق وصفات مناسبة ؟
إيلاف وهي ترفع كتفيها :
- أكيد الأخلاق والصفات المناسبة .
بشير متابعًا :
- طب أي علاقة ممكن تنجح .. اللي بدأت بكلام ع النت ورسايل وغرامات ونظرات .. ولا اللي بدأت بباب البيت ؟
إيلاف ببساطة وعفوية :
- أكيد اللي بدأت بباب البيت .
بشير بابتسامة خفيفة :
- طب أي علاقة ممكن تنجح .. اللي فيها ارتياح نفسي للشخص اللي قدامك .. ولا اللي قايمة على المقابل لكل فعل ؟
إيلاف عاقدة حاجبيها بعدم فهم :
- يعني إيه قايمة على مقابل لكل فعل ؟
بشير ببساطة :
- يعني علاقة بتقوم على كل واحد قدم حاجه يبقى لازم التاني يقدم قصادها حاجه .
عقدت إيلاف بين حاجبيها ثم سألت بهدوء :
- هو الاختيار ده كان معاه إيه ؟
ابتسم بشير لقدرته على جعلها تتحاور ببساطة ليخبرها :
- اللي فيها ارتياح نفسي للي قدامك ولا اللي فيها مقابل لكل فعل ؟
إيلاف ببساطة :
- الاتنين ينجحوا .
بشير بتساؤل :
- إزاي بقا ؟
إيلاف بهدوء :
- اللي أعرفه إن العلاقات اللي بيبقى فيها طرف ديما يدي بدون ما ياخد هييجي عليه وقت ومش هيبقى عنده حاجه يديها .. والطرف التاني عشان اتعود انه ياخد بس فمش هيعرف يدي ... وقتها العلاقة دي هتنهار .. لإن لا ده عنده اللي يديه .. ولا ده اتعود يدي .. عشان كده لازم يبقى فيه تكافؤ في العلاقة .. أنا أدي وفي المقابل آخد ... والارتياح النفسي كمان مش ديما مقياس صحيح .. أنا ممكن أرتاح نفسيا لشخص في البداية .. ومع مرور الوقت ..
قوست شفتيها للأسف وهي تتابع :
- يتحول لشخص تاني .. عشان كده لازم نختار بناءً على الاتنين .
بشير بمشاكسة :
- ومين قال إن الموضوع اختيار ؟.. أنا كنت بسأل عن أي واحدة هتنجح ؟
تدرجت وجنتيها حمرة وهي تدور بعينيها في المكان ليتابع بشير وقد قرر تفجير قنبلته :
- بوعدك يا إيلاف .. لو النصيب جمعنا هديكي كتف تسندي عليه عشان متقعيش .. ولو وقعتي هقدملك إيدي تسندي عليها عشان تقفي .. ولو زعلتي هديكي قلبي عشان يشيل عنك الحزن .
توترت .. بدأت تحرك قدميها بارتباك .. شعرت بجبينها يتعرق .. نبضاتها تتصارع .. تشعر بأنفاسها تتلاحق كأنها كانت تركض .. وبحركة تلقائية قامت بتناول كوب من عصير الجوافة الموضوع فوق الطاولة وارتشفت لتتقلص ملامحها ثم ابتلعت ما بفهما رغمًا عنها ووضعت الكوب حيث كان ليسأل بشير بفضول :
- إيه ماله ؟
إيلاف بتوضيح :
- مبحبش الجوافة .
بشير بابتسامة :
- الجوافة من نعم ربنا علينا .. فعودي نفسك لو فيه نوع أكل معين مبتحبيهوش قولي هو اللي مبيحبنيش مش العكس .. يعني قولي الجوافة مبتحبنيش .. خليها بشياكة يعني .. عشان كل نعم ربنا تتحب .
ابتسمت وهي تومئ له ليسألها من جديد :
- ها .. مفيش أي سؤال حابة تسأليني فيه ؟
نفت إيلاف ليبتسم بشير برضا وهو يُصرح :
- طب إيه رأيك نقرأ فاتحة على طول .. وأهو خير البر عاجله بقا .
تحمحمت إيلاف بخجل وهي تحاول أن تجد أي سبب لتتحرك من أمامه فأخبرها ببساطة :
- لو عايزة تقومي فمقدامكيش غير إنك تجري من هنا على أوضتك .. لكن متستنيش حد يدخل عشان تتشعبطي فيه .
كأنه أعطاها الحل .. وقبل أن يتابع حديثه كانت تركض للداخل مما جعله ينظر حيث كانت تجلس بصدمة .. لقد ركضت حقًا !!
ولجت بدور أولا وجلست إلى جواره وهي تسأل بفضول ومكر :
- قولتلها إيه يا بن أخويا يا محترم عشان تقوم تجري كده ؟
بشير وهو يعبث بحاجبيه باستفزاز :
- مش هقولك .
قرصته وجد في ذراعه وهي تناظره بتوعد ليضحك ضحكة مكتومة قبل أن يجلس الجميع ..
بشير بمرح :
- نقرأ الفاتحة بقا ؟
عقد ياسر بين حاجبيه ليغمزه وليد في جانبه وهو يبتسم لياسر في حرج .
بشير بألم :
- إيه يا بابا بتغمزني في جنبي ليه ؟
وليد :
- فاتحة إيه ومحدش يعرف رأي البنت يا بأف .
بشير بابتسامة واثقة واسعة :
- لا ما هي موافقة .
رفع وليد حاجبيه بصدمة من ابنه .. لينظر تجاه ياسر متحدثًا بهدوء :
- طب بعد إذنك يا ابو إيلاف تسأل عروستنا كده وتشوف الجواب .
ابتسم ياسر برضا وقلب مطمئن ليومئ بهدوء قبل أن يتحرك لغرفة ابنته .. وجدها تدور في الغرفة ذهابًا وإيابًا ليبتسم بحب لها وهو يتقدم جاذبًا يدها وأجلسها إلى جواره ..
ياسر بتنيهدة وهو يربت على وجنتها بحنان :
- محتاجة وقت تفكري يا حبيبتي ولا نقرأ فاتحة ؟
ازدردت ريقها وهربت بعينيها في خجل من والدها ليقوم بتثبيت وجهها أمام عينيه وهو يشجعها على الحديث لتنطق أخيرًا بخجل وصوت بالكاد استطاع ياسر سماعه :
- اللي حضرتك تشوفه يا بابا .
جذبها إلى أحضانه مربتًا على ظهرها بكفه ثم قبل جبينها بحب وخرج ليخبرهم بأن يقرأوا الفاتحة ..
كانت السعادة تعم الأجواء .. وبشير قلبه يرفرف في ملكوت الحب .. لا يصدق حتى هذه اللحظة أنه أخذ هذه الخطوة .. أمسك بيد وجد وقام بتقبيلها فجأة وهو ينظر لها بامتنان لتربت على يده بحب ..
بعد انقضاء وقت لا بأس به استأذن الجميع بالمغادرة ..
بشير وهو يقف أمام سيارته :
- جماعة ممكن تسمحولي أخطف عمتي شويه ؟
وليد بتساؤل :
- هتروحوا فين دلوقتي يا بني الساعه تمنية !
بشير بابتسامة :
- هخطفها ساعتين تلاته كده يا بابا .. بعد إذنك طبعا يا تيتا .
مريم بابتسامة :
- براحتكم يا حبيبي .. المهم تخلوا بالكم من نفسكم .
أومأ بشير بعدما أخذ الإذن من والده أيضًا وغادر بها ..
🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂🍂
- يا عم السرحانوز انت .. اللي واخد عقلك يستهنى .
قالتها أصالة بمزاح وهي تضرب كتفها بكتف عمار الذي رفع ذراعه وجذب رأسها محتضنًا إياها وهو يهزها بمشاغبة متحدثًا بنبرة مغتاظة :
- سرحانوز ! ويستهنى !.. كلامك مبقاش عاجبني يا ست .
أصالة وهي تحاول الإفلات منه :
- ولا عاجبني ولا عاجب بباك ولا عاجب أي حد خالص .
عمار بضحكة حاول اخفاؤها :
-ولما انتي عارفه كده مش بتظبطيه ليه يا ست ؟
أصالة بمزاح :
هظبطه يا شبح السنين .. سوري مش هقول كده تاني .
عمار وهو يدفع رأسها للأسفل ثم يجذبها للأعلى ويعود لدفعها للأسفل :
- شبح السنين وبعدها سوري ؟!.. انتي شاربة إيه يا بت انتي !
أفلتت أصالة من بين يديه .. أو هو من أفلتها بإرادته لتصيح بحماس :
- هموت واشرب عصير قصب يا ميمو .. تعالى شربني بليز .
عمار وهو يحرك يده على وجهه بغيظ :
- بطلي تقولي ميمو دي يا بت .
أصالة وهي تعبث بحاجبيها :
- ميمو يا ميمو يا حتة سكره .
دفعها من وجهها لتضحك عليه قبل أن تجلس مقابله وتحدثت بجدية :
- مالك يا عمار ؟.. إيه مزعلك أو مضايقك ؟
عمار بتنهيدة قوية :
- لا زعلان ولا متضايق .. مجرد ضغوط شغل مش أكتر .
أصالة بجانب عينها :
- على صولا بردو الكلام ده ؟!.. ايش حال لو مكنتش ..
تابع معها ليتحدثان بصوت واحد :
- عارفه كل غلطاتك ووقعاتك وسقطاتك وحركاتك ومحتاجاتك .. انت بتفكر حتى تخبي عليا يا عمار ؟
صمتا معًا فناظرته أصاله بغيظ ليضحك عليها وهو يضرب يديه معًا :
- كل مره تعيدي نفس الجملة .. حفظتها .. شربتها يا ست .
أصاله بجدية :
- بجد مالك ؟
عمار بتنهيدة قوية خرجت معبئة بالكثير :
- مش عارف يا أصاله .. لمجرد إني مش عارف .. مخنوق على متضايق على مش طايق نفسي ولا طايق حد على زهقان من الشغل على تعبان من الدنيا واللي فيها .. كتلة من الكآبة المتحركة يعني .
أمسكت بيده بين يديها كعادتها كلما أرادت أن تحتوي ما يعانيه وتسحبه من دائرة آلامه التي لا يعرف أحد عنها أي شيء حتى هي .. ارتسمت ابتسامة هادئة فوق ثغرها قبل أن تفصح عما يود هو قوله :
- لو حصل ووقعت في الحب يا عمار .. اتعهد بينك وبين نفسك إنك هتعافر عشان الحب ده .. اتعهد إنك تتبت في الحب ده مهما حصل في حياتك من صعوبات .. الحب الطاهر يا عمار بيبدأ من باب البيت .. ويستمر مدى الحياة عشان يرجع يبدأ في الجنة من تاني .. ومينفعش تحب وانت شايف الحلو بس من الطرف التاني .. انت لو شايف مميزاته بس ساعتها هيبقى اسمه انبهار .. إعجاب .. أي مسمى غير الحب ..
عشان تتأكد انك بتحب يا عمار لازم تعرف إن حياتك بتبقى واقفة لمجرد إنك مش عارف حاجه عن حبيبتك .. أو مش عارف تعرف عنها حاجه ... أو قلقان ومش عارف تتطمن عليها ..
تعرف إنك بتحب لما تكون وحشاك وهي معاك .. لما تبقى شايف إن سعادتك الكبيرة بتتلخص في ضحكتها أو إنك تشوفها سعيدة .. إنك تهتم بالتفاصيل الصغيرة اللي بتفرحها وتعملها والتفاصيل الأصغر اللي بتضايقها وتبعد عنها ..
إنك تحبها يعني بتلاقي دافع إنك تتغير للأفضل عشانها ومن تلقاء نفسك .. إنك تشوف كل حاجه معاها بشكل مختلف رغم إن الحاجه دي ممكن تبقى روتين في حياتك .. لكن لمجرد إنها شاركتك الروتين ده فبقى ليه طعم تاني ..
لما تحس إنك مستعد تعمل أي حاجه ليها وعشانها ..
بتحبها يعني فاكر تفاصيل أول مره شوفتها فيها وإحساسك وقتها كان إيه ..
يعني بتسعى عشان تعرف كل كبيرة وصغيرة تخصها ..
الفكرة مش في إنك تقول إنك حبيت .. لكن الحب فعلا في إنك تحب نفسك وانت معاها .. لو محسيتش بكل اللي قلته ده أو لو في حاجه من اللي قلتها دي محستهاش أو ملقتهاش في نفسك .. يبقى تراجع نفسك يا عمار وتعيد حساباتك من تاني .
انتهت من حديثها تزامنًا مع إفلات يده وتحركت تجاهه طابعة قبلة رقيقة فوق رأسه ثم غادرت بهدوء وصمت تاركة خلفها ذاك الجالس وهو ينظر في البعيد .. كل ما تفوهت به ينطبق على حالته معها .. هل هذا يعني أن .. أن قلبه قد وجد أليفه ؟!
تنهد بقوة وأخذ يتابع السيارات المارة عبر الطريق ليضيق عينيه بغيرة واضحة وهو يتحرك من الشرفة قاصدًا غرفة أصالة ..
طرق بخفة لتسمح له بالدخول .. وقف على عتبات الباب عاقدًا ذراعيه أمام صدره يناظرها بغيظ لتتحمحم وهي تفرك يديها معا بتوتر .. كانت مدركة تماما أنه سيأتيها ..
عمار بحاجب مرفوع :
- هو كنان عامل إيه ؟
أصالة وهي ترمش عدة مرات :
- كويس الحمد لله .
عمار وهو يضيق عينيه :
- من يوم خطوبتكم لا كلمته ولا كلمني .. قولت اتطمن منك .
أصالة بتنهيدة قوية وهي تشعر بتلك الغيرة التي تملكته :
- هو كويس الحمد لله .. كلمته أول امبارح .. كان بيجيب أوضة الأطفال .. صورلي كذا غرفة واختارنا أنا وبيلا وفجر غرفة عجبتنا .
عمار عاقدًا حاجبيه :
- وبيلا وفجر بيعملوا إيه معاكم ؟
أصالة ببساطة :
- أنا وأنت وماما وبابا وفجر وبيلا وكنان في جروب مشترك على الواتس اب .. هو بيبعت الصور وأنا وهو بس اللي بنتكلم .. بس قعدت جنبي فجر وبيلا واتفرجنا مع بعض لحد ما اختارنا أوضة كيوت أوي وهتعجبك .
عمار بابتسامة حاول إخفائها :
- يعني ما بتتكلموش فون ولا شات خاص وكده .
نفت أصالة وهي تبرر :
- بدور قالتلي الخطوبة وعد بالزواج .. وقعدته معايا أو كلامه معايا لازم يكون فيه مِحرم .. الشات الخاص خلوة ومكالمة الفون لوحدنا خلوة .. وخروجنا لوحدنا خلوة .. فلازم يكون بينا محرم .. وأنا دخلت محارمي كلهم بقا .
قالت آخر جملتها وهي تضحك ليشاركها الضحكة بقلب ينبض بعنف من ذكر اسمها وسعادة لأجل أخته .. جلس إلى فراشها وهو يتساءل :
- بدور قالت إيه كمان عن الخطوبة وضوابطها ؟
أصالة بعفوية :
- اممم .. قالت كل ما البنت والشاب التزموا بضوابط الخطوبة وفضلوا محافظين على بعض وعلى نفسهم .. هيفضل فيه بينهم شغف ورغبة كبيرة في الكلام والتعبير عن مكنون القلب .. ولما يتجوزوا هيبقى عندهم مساحة واسعة كبيرة يعبروا بيها عن كل اللي اتعففوا عنه وقت خطوبتهم .. وإنهم هيبقوا في الحلال عندهم إحساس باللذة في الشعور ..
قوست شفتيها ورفعت كتفيها وهي تتابع :
- غير ما البنت طبعا هتبقى كبيرة أوي في نظر جوزها اللي هيشوفها طول الوقت جوهرة ثمينة حافظت على نفسها فيكمل هو بنفسه ويحافظ عليها .. وده بيقلل الشك ما بين الزوجين .. لأن الرجالة عندهم عقدة غريبة كده وهي إن البنت لو كلمت شاب ووقعت في حبه من السهل تكلم عشرة حتى وهما مخطوبين يعني .. بس هي قالت إن ده مش غلط على الرجاله .. ده غلط البنت عشان هي اللي بتكون وصلت نفسها لهنا ..
رفعت رأسها للأعلى بتذكر قبل أن تتابع :
- وقالتلي كمان إن ضوابط الخطوبة بتقلل من متاعب القلب لو كل حاجه انتهت ومحصلش بينهم نصيب .. وده عشان كل طرف كان بيتعامل بحدود فمجربش الحب من الطرف التاني .. فوجعه هيبقى أقل ..
امممم .. قالتلي كمان حتى بعد كتب الكتاب منخرجش كل مكنون القلب في الكلام .. لأن فيه حاجات الفعل فيها بيديها طعم أفضل وأطعم من الكلام بكتير .. وقالتلي كمان إن كتب الكتاب مبيديناش الحق الكامل في الزواج .. يعني مسمحوله يشوفني بشعري ويمسك إيدي ويحضني ويقولي كلام حلو .. لكن لحد ما يتم الفرح وأخرج من بيت بابا على بيت حبيبي ساعتها حقوقه كامله متكامله من حقه فيا ومن واجبي ليه أقدمها ..
لوحت بيدها وهي تتابع :
- يووه قالتلي كتير أوي أوي يا عمار .. وبصراحة وبيني وبينك .. كنان لما كان هنا من كام يوم وقعدت أنا وهو وفجر في الصالون .. قلتله كل الكلام ده وحسيت إن وشه منور أوي ومبسوط .. كان متوتر أكتر مني .. وكان بيحاسب على كل كلمة وينبته لكل تصرف وكنت بحس بيه وهو بيفكر في كلامه قبل ما ينطقه .. وصراحه حسيت بإحساس متناقض وقتها .. اللي هو أنا عيزاه يلتزم بالضوابط دي زيي عشان ربنا يباركلنا في حياتنا اه .. بس مش عيزاه يفكر في كلامه قدامي .. مش عيزاه يبقى بيحاسب نفسه على كل كلمه .. عيزاه تلقائي وعفوي معايا .. فاهمني .
عمار وهو ينظر لسقف غرفتها :
- عيزاه على طبيعته يعني .
أومأت بسرعة وهي تؤكد :
- آيوه هو ده .. عيزاه على طبيعته .
عمار وهو ينظر لها بانتباه :
- طب سألتي بدور في الموضوع ده ؟
أصالة وهي تفرك يديها معا :
- بصراحة لا .. يعني هو أنا .. يعني اا .. مش عارفة أقولهالك إزاي بس يعني اا ..
عمار بابتسامة لتوترها :
- حبتيه ومش عايزة حد يعرف الموضوع ده قبله .
ناظرته بخجل ثم هربت بعينيها عنه ليعتدل ويمسك بيدها بين يديه ثم مال مُقبلا كفيها بحب تام وهو يحادثها :
- هقوم أنا بِدور بُدور وهقولك إن كنان مكنش عنده خلفية عن تعاملك مع الشخص اللي هيتقدملك شكلها إيه .. كان متخيل خطوبة عادية زي أي خطوبة من بتاعة الأيام دي ..
ضحك بسخرية وهو يتابع :
- شيء مضحك إننا نقول على اللي مش عادي إنه عادي ..
تنهد وهو يتابع :
- ما علينا .. هو راجل جه يتقدم لواحده ملتزمة بس ميعرفش التزامها ده واصل لحد فين .. يعني مثلا كلنا بنصلي وكلنا بنصوم وكلنا بنعمل خير وكلنا بنقول يارب .. بس مش كلنا بنهتم بالتفاصيل الصغيرة اللي بنقول عليها هينه .. وهي في الواقع عظيمة عند ربنا .. طيب دلوقتي هو لقاكي ملتزمة بضوابط الخطوبة .. مفيش مكالمات تليفون .. مفيش كلام رومانسي .. مفيش غزل .. مفيش هدايا مكتوب فيها بحبك .. مفيش قعدة لوحدكم .. مفيش سيشن خطوبة ولا فيه خروجات لوحدكم ... حاجات مبقتش موجوده من أصله .. لكنه لقاها فيكي ..
تنهد مجددًا وهو يتابع :
- بيركز في كل كلمه قبل ما يقولها عشان ميخلش بوعده ليكي بإنه يلتزم بضوابط الخطوبة .. بيفكر في كلامه قبل ما ينطق بيه عشان ميقولش حاجه مش من حقك تسمعيها ولا من حقه يقولها وبردو ساعتها هيخل بوعده ده .. طيب إزاي عيزاه يتعامل بشكل طبيعي تماما وهو متقيد ؟
أصالة بتفكير مصطنع :
- طب والتقييد ده نفكه إزاي بدون ما نخلف وعدنا بالالتزام بالضوابط ؟
عمار بابتسامة خبيثة :
- نكتب الكتاب .
أصالة وهي ترمش عدة مرات :
- هاه !!.. كـ كتاب ؟.. كـ كتاب إيه ؟!
عمار وهو يرفع أحد حاجبيه :
- كتابكم .. نكتب كتابكم عشان تكونوا على راحتكم .
أصالة وهي تزم شفتيها للأمام :
- بس مش أنا اللي هقوله نكتب يعني .. هي المفروض تطلع منه هو .
ابتسم عمار وهو يقرص وجنتها ثم تحرك وهو يطمئنها :
- أنا هحلها متقلقيش .
كان على وشك أن يغلق باب الغرفة لكنه عاد بعينيه إليها وهو يتحدث بمكر :
- على فكرة كان ممكن تختصري كل المحاضرة دي وتقوليلي إنك عايزة تاخدي راحتك أكتر مع كنان وتطلبي مني أشوف حل .
ألقى لها نظرة ثقة ثم خرج لتضع أصالة يديها على فمها تكتم ضحكتها .. لقد فهمها ..
ابتسمت باتساع وأخذت تقفز فوق الفراش بسعاده لتصدم بعمار يفتح الباب من جديد وهو يتحدث باستنكار :
- مُلِّة السرير هتتكسر .. اتنططي ع الأرض يا مدلوقة .
ضحكت أصالة وهي تلقى عليه الوسادة التي ارتطمت بالباب لكونه قد أغلقه قبل أن تصل إليه .
بينما في غرفة والديهما فقد كانت تجلس سبأ فوق فراشها وهي تدحج مالك بنظرات مغتاظة :
- يا مالك بقا .. انت عارف إن ده أسوء عقاب ممكن تعاقبني بيه .. أرجوك بقا .
مالك بضيق :
- بعدي عنك مش عقاب يا سبأ قد ما هو خيبة أمل .
سبأ بقلب متألم :
- ليه كده يا مالك ؟.. صدقني كل ده كان خارج إرادتي .. أنا والله مقصدتش أخبي عنك شغل عمار ولا إنه كمل في الكلية والتدريبات مش زي ما عرفنا كلنا إنه سابها .. بس هو كان مطالب ضمن العمليات الخاصة .. مقدرتش أتكلم .. كان غصب عني يا مالك .
مالك بتنهيدة :
- ودلوقتي يا سبأ ؟.. دلوقتي إيه ؟
سبأ بهدوء تام :
- دولقتي أنا سلمت القضية كلها لسامح عاشور .. وقدمت استقالتي .. وكمان عملت أجازة طويلة من الجامعة .. أصالة محتاجاني عشان حياتها الجديدة .. وسلسبيل بتكبر يوم عن يوم وفي أي لحظة هنلاقي خطابها على الباب .. عمار أظن إنه وقع في مصيدة الحب .. والموضوع كله هيبقى شوية وقت كمان .. فجر ده قارفني وعايزة أرجع الجامعة عشان أهرب منه .
ضحك مالك رغما عنه ليجذب رأسها وهو يمثل ضربه لها لتحتمي بذراعيها ثم وفجأة سطحته فوق الفراش وبحركة سريعة كانت تعتليه موجهه قبضتها تجاه أنفه وهي تتحدث بثقة :
- أنا استقلت آه لكن لسه بلياقتي يا سي مالك .. إحذر ها .
مالك وهو يضيق عينيه بتوعد .. وفي لحظة كان الوضع معكوسًا .. ليبتسم بانتصار وهو يرفع أحد حاجبيه :
- وأنا لسه مالك لاعب السلة والرياضيات المختلفة وبكامل لياقتي .. واضح يا مستقيلة ولا نوضح أكتر .
سبأ بدلال افتقده مالك :
- لا مش واضح .. وضح أكتر .
ناظرها بصدمة .. يا إله لقد افتقد جزء الدلال الخاص بها لدرجة أنه نسيه تمامًا .. التمعت عينيه باشتياق غريب لتعنف سبأ نفسها على هذا .. لقد افتقدها الجميع حتى حبيب أيامها .. تقسم أن هذا الدرس لن تنساه ما حيت .. ستعود من جديد بقلب الفتاة العشرينية لتصادق أبنائها من أكبرهم لأصغرهم ولتحب مالك من جديد وتجعله يحبها من جديد ..
أخرجها مالك من دوامة وعودها بنفسها جاذبًا إياها إلى دوامة عشقه لها والتي كاد أن ينساها كلاهما .. لتشعر سبأ وكأن الزمن عاد بها لأكثر من عشرين عامًا .. وكأن الدنيا خلت إلا منهما .. لطالما كان بارعًا في اختطافها من العالم بأكمله .
جيد أنها استطاعت العودة قبل أن تنتهي جميع فرصها .. فأحيانا ما يُقدم بعد فقدان الشغف به لا يُراد ولا يُقبل .
