رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل التاسع والعشرون
تشرق الشمس وتغيب ليعقبها القمر فتتوالى الليالي وتمر الأيام على منوال ثابت دون أن يدري أي من أبطالنا إلى أي مدى سيبقى الثبات ..
يجلس في غرفة دافئة بإضاءة خافتة خفيفة ومن حوله والده ووالدته وكذلك وليد صديق والده المقرب ولم يغِب مالك صديقهما أو ناجي والد سندس ووالدتها كذلك .. يا لسعادته اللامتناهية .. سندس أيضًا هنا ..
ترمقه بنظرات لم يفهم معناها .. تبدو مُنطفئة للغاية !.. عينيها حزينة وجسدها قد نحُل كثيرًا .. يستطيع تمييز ذلك .. هل ما هو فيه يعتبر السبب في حالتها ؟
تقابلت الأعين لدقيقة أو اثنتان .. لكنها باحت بالكثير مما يعتلي الصدور وما تخفيه القلوب .. باحت بما كان على ألسنتهم البوح به منذ زمن بعيد .. ربما منذ أشهر .. لطالما انتظرها كثيرًا .. ولطالما كانت هي التائهة في الملكوت مكتوفة الأيدي .. هذا يخبرها أن ما بينهما ما هو إلا ارتياح وتعود وذاك يخبرها أنه حبًا وعليها أن تكون لجانبه .. في حين أن لا صلة بينهما تسمح لها بالمكوث إلى جواره حتى تحت مسمى الحب .. وهو صامت ..
ولطالما حاولت هي كثيرًا .. كان ينقصهما فقط حديث بسيط ..
ربما كانت الأعين لتفي بالمطلوب إن تركا العنان لها من البداية .. لكن الوقت قد مر .. وما يمر لا يعود .. وإن عاد يكون لا رغبة به .
قطع تواصلهما البصري دخول الممرضة التي ابتسمت باتساع للجميع وقامت بوضع يدها داخل معطفها وهي تتحدث إلى ريان بتشجيع :
- جاهز يا بطل ؟
ريان وهو يومئ بتأكيد :
- جاهز .
ضغطت أمنية عينيها معًا تشجعه ليبتسم لها باطمئنان .. تحدث بصوت خافت للغاية وهي إلى جواره :
- متسبنيش .
رفعت نظرها له بوعد صادق لن يفي به سوى العين ليبتسم مجددًا وهو يتابع :
- لو حصلي حاجه .. عرفيها إني كنت بحبها حب مقدرتش أحبه لنفسي .. وعرفيها إني .. إني كنت ناوي على حاجات كتير أوي معاها وأولهم إني أخرج من عزلتي عشان نقدر نكون مع بعض .
أمنية بهدوء :
- هترجع بالسلامه وهتقولها ده بنفسك .. متنساش اللي اتفقنا عليه من كام يوم يا ريان .
ابتسم ريان واستعد للخروج من الغرفة ليقترب والده وهو يربت على ظهره بحب بالغ محاولًا إخفاء ضعفه الذي ظهر جليًا في نبرته :
- أذكر الله ديما يا ريان .. خليك قوي .
ابتسم ريان وهو يقترب من والده طابعًا قبلة طويلة فوق رأسه ثم ابتعد وهو يتمتم :
- آسف على أي حاجة زعلتك مني في يوم من الأيام .. وآسف لو حصلي حاجه ومقدرتش أكون الابن اللي تتفاخر بيه وتـ ..
وضع مراد يده على فم ريان وهو يتحدث بعيون دامعة وقلب منفطر :
- إياك .. متقولش كده ... انت ابني وفخري وسندي ودراعي وكل حاجه ليا في الدنيا .. هترجع لي بالسلامه يا ريان .. ربنا مش هيوجع قلبي فيك .
ابتسم له ريان قبل أن يقترب مالك ووليد ويخبراه بكونه قوي وسيتمكن من التغلب على السرطان ..
تحركا للخلف لتقع عينيه عليها .. هل تبكي !!.. إنها تبكي بصوت مكتوم .. هل ستحرمه رؤية عينيها في هذه اللحظة أيضًا ..
كأنها استمعت لرغبته فرفعت عينيها لتقع داخل عينيه .. ابتسم لها يطمئنها فوهبته ابتسامة حزينة متألمة تخبره فيها أنها بانتظاره حتى يعود .. ليقوم بوهبها ابتسامة أوسع يعدها بالمحاولة ..
غربة اجتاحته وبرودة احتلت أطرافه حينما لم تقع عيناه عليها .. أين هي !!.. مؤنسه وونيسه وقلبه النابض .. لطالما كانت أمانه طيلة هذه الفترة .. ولطالما كانت بأحضانها الدفء والحصن المنيع له .. أين هي الآن !
دار بعينيه بين الجميع لكنها ليست هنا .. وصل لمسامعه صوت أمنية تحثه على الخروج .. فناظرها بعينين دامعتين علمت من خلالهما أنه يبحث عنها ..
ابتسمت بهدوء واقتربت منه تخبره بحنو :
- تعالى معايا يلا دلوقتي .
خرج معها كطفل تائه يبحث عن أمه بين زحام البشر .. يبحث عن قلبها الذي يحبه ويحتويه في كل آن .. يبحث عن أحضانها التي تحميه من متاعب الدنيا وما فيها .. يبحث عن ملهمته الصبر والقوة والإرادة كي يتجاوز .. يبحث عمن سهرت الليالي الماضية تداعب وجنته كطفل رضيع وتداعب صلعته كشيخ كبير وتعبر بأناملها فوق ملامحه ككفيف يحاول التعرف على ملامح من أحب .
أين هي ذات العبق الأخاذ وذات البسمة المطمئنة .. أين هي ذات القلب الواسع والعينين المشعتنين ببريق الحب والوله .. لطالما كان بِكرها وأنيسها لسنوات طوال قبل مجيء أنس وانشغالها به ..
أغمض عينيه بقوة حينما لم يجدها أمام الباب .. ظن أنها ستكون بانتظاره في آخر خطوة قبل ولوجه إلى حيث لا يدري إن كان سيخرج جسدًا به الروح أم سيخرج جسدًا دون روحه ..
أمنية وهي تنتشله من بئر أحزانه :
- أذكر الله يا ريان .. وخطي .
ريان وهو يستنشق شهيقًا قويًا أخرجه دفعة واحدة :
- اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الصعب إذا جئت سهلًا ..
لا إله إلّا الله الحليم الكريم، لا إله إلّا الله العليّ العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السماوات السبع وربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيءٍ قدير، الحمد لله الّذي لا إله إلّا هو، وهو للحمد أهل وهو على كلّ شيءٍ قدير، وسبحان الله ولا إله إلّا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
اللهمّ إنّي أسألك من عظيم لطفك وكرمك وسترك الجميل أن تشفيني وتمدّني بالصحّة والعافية.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وبصفاتك العلا وبرحمتك التي وسعت كلّ شيء، أن تمنّ علينا بالشفاء العاجل، وألّا تدع فينا جرحًا إلّا داويته، ولا ألمًا إلا سكنته، ولا مرضًا إلا شفيته، وألبسنا ثوب الصحة والعافية عاجلًا غير آجلًا، وشافِنا وعافِنا واعف عنا، واشملنا بعطفك ومغفرتك، وتولّنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
أمنت أمنية على دعائه وولجت به إلى غرفة العمليات ليتسمر وهو يراها تقف بزي الممرضات تنتظره .. بقيت الأعين متعلقة ببعضها لوقت لا يعلمانه .. كأن الزمن قد وقف هنا .. ولم يشأ أن يمر ..
رأى الحنان المنبعث من عينيها .. وبرغم صعوبة الموقف إلا أنها تتحلى بالقوة .. شعر بابتسامتها من أسفل تلك الكمامة بسبب ضيق عينيها .. ليبتسم هو الآخر متناسيًا آلامه ..
اقتربت بخطى حثيثة ووقفت أمامه ممسكة بكفه بين كفيها وهي تتحدث بتشجيع :
- هتقدر يا حبيبيي .. وبأمر واحد أحد هترجعلي بألف سلامة .. أنا جنبك هنا يا ريان .
ابتسم لها دون أن ينطق ليتحرك مع الأطباء وبقي ينظر لأضواء الغرفة منتظرًا مصيره ..
بينما تقف هي في الخارج ولم تستطع العبرات أن تتوقف عن السيلان بحرقة .. الجميع حاول إقناعها كونها لا تحبه .. لكنها أكثر من ذلك .. لقد انطفأت بهجتها .. وتآكلت روحها .. وانسحب بريق عينيها الشغوفة بالحياة .. كما لا تحصل على نوم هانئ ولا يحصل عقلها على راحة كافية .. تحولت الحياة الوردية إلى حياة باهته لا لون لها .. واحتل السواد أسفل عينيها .. كما تعتزل عن العالم في غرفتها طيلة الوقت وتختصر الحديث مع الجميع .. كأن ريان قد بهُت عليها بطباعه في الآونة الأخيره ..
شعرت ولأول مرة بمعنى الوحدة التي يحياها .. شعرت بمعنى الاستثناء الذي خصصها به .. شعرت بالحرمان من ابتسامة لم تكن تظهر سوى لها هي فقط .. هي ليست سوى تائهة .. لا تدري لقلبها أو لعقلها مرسى .. لن تنكر كونها عشقت استثنائيته لها .. لكن ألمه من السرطان كان يفتك بها هي .. أرادت أن تبتعد كما أراد .. خشيت من أن ترى تلك النظره التي رأتها بعينه في أول مرة ذهبت فيها إليه .. لقد قرأت عدم رغبته في وجودها .. هي في النهايه أنثى حائرة بين الرغبة في وجودها وعدمه ..
شعرت بيد والدتها التي تربت على كتفها بهدوء وحنان لتناظرها بضعف وهي تتحدث بصوت بالكاد استطاعت سماعه :
- هيبقى كويس يا ماما صح ؟.. هيخرجلنا بالسلامه مش كده ؟
أومأت زهرة دون أن تنطق لكنها أخذت ابنتها بين أحضانها وبقيت تربت على خصلاتها بحنان ..
تقدم ناجي تجاههما وتحدث بهدوء :
- فيه مسجد تحت يا ديالا .. افضلوا فيه شوية لحد ما يخرج الدكتور وهتصل بيكم .
كانت سندس على وشك أن ترفض ولكن نظرة والدها جعلتها تبتلع اعتراضها مع غصة قلبها .. هل ستتركه مجددًا !
هبطت للمسجد مع والدتها وبدأت تصلي لله تضرعًا في أن يحميه ويعود إليها سالمًا .. تقسم أنها ستعرض عليه الزواج ان تطلب الأمر ذلك .. فلتحترق كل المسميات التي تمنع تواجدها معه بعد الآن ..
تحدثت بعد مرور وقت لا بأس به :
- ماما عايزة أشم هوا .. هخرج بره شوية .
زهرة :
- متبعديش ومتطلعيش فوق يا سندس .. وتليفونك مفتوح عشان هكلمك .
أومأت سندس وتحركت للخارج تستنشق الهواء .. عليها بتجديد طاقتها كي تهبه طاقة ليتابع حياته .. سيعود لها .. تعلم ذلك .. فهو أنقى من أن يعتمل قلبه ضدها ..
أخذت جرعة هواء لا بأس به وهي مغمضة العينين بقوة ليخترق سمعها صوته المتحدث بِلطافة وهدوء :
- هيبقى كويس .. متقلقيش .
استدارت بكامل جسدها وناظرته بعدم فهم .. هل يعرف ريان ؟!.. هل يعلم بمكنون قلبها تجاهه ؟!
وسيم بابتسامة هادئة وقد قرأ ما تفكر به ببساطة من نظراتها المستفهمة :
- أنا وريان أصدقاء من وقت قريب .. اتعرفنا صدفة و ..
تنهد بقوة وهو ينظر بعمق عينيها قبل أن يتابع :
- وبقينا اصحاب لإننا اكتشفنا إن بينا حاجات كتير مشتركة .
ضيقت عينيها تنتظر بقية حديثه في توضيح ليتابع وهو يعقد يديه خلف ظهره رافعًا رأسه للسماء مستنشقًا جرعة قوية من الهواء زفرها بقوة أيضًا وهو يوضح :
- هو وحيد باختيار ورغبته .. وأنا وحيد غصب عني .. بس في النهاية كل واحد فينا وحيد ..
هو بيحب العزلة عن الاندماج المزيف .. وأنا بحب الاندماج رغم إنه مزيف .. وفي الحالتين منعزلين ..
هو زاهد الحياة لولا أهله .. وأنا زاهد الحياة بسبب أهلي .. بس في النهاية إحنا الاتنين زاهدين الحياة ..
شبه بعض بالمعكوس بس في النهايه شبه بعض ..
اتقابلنا صدفة في وقت كان .. كان صعب عليا إني اتعامل مع ريان بالخصوص .. وكان صعب على ريان يتعامل مع أي حد بشكل عام ..
أنا كنت بالنسبه له اختبار قدرة على الاندماج .. وهو كان بالنسبالي اختبار قدرة على الدخول في علاقة صادقة لو لمرة واحدة في حياتي ..
زفر بتأثر وهو يتذكر اللحظات التي جمعته بريان وكيف اندمجا سريعًا كأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن .. لقد تسلم ظرف بصور السيشن الخاصة بهما أمس .. كانت صورًا غاية في الروعة .. ضحكته كانت صافيه .. قلبه كان مفعمًا بالحياة لكنه مُنطفئ .. عيناه تضخان أملا رغم الألم بهما ..
لقد استطاع ريان أن يصنع لحظات سعيدة بقلب وسيم ببساطة كبيرة ..
لذلك أتى وسيم مُعلنًا استسلامه .. يمكنه أن يحصل على ألف صديق مزور .. لكنه لن يكسب صديق حقيقي سوى مرة واحدة في العمر ..
في حين يمكنه أن يحصل على ألف حب مزور .. وكذلك يستطيع كسب ألف حب صادق ..
الحب يمكن تعويضه .. لكن الصداقة بمعانيها السامية لن يتمكن من تعويضها ما حيا ..
انتبه من شروده على صوتها المرهق :
- إن شاء الله هيرجعلنا بالسلامة .
أمن على دعائها لتستئذن بالمغادرة .. وعادت حيث والدتها بينما نظر هو في أثرها مُعدمًا حبه الذي وُلد لها من أول مرة ..
سيكسب ريان مقابل خسارته سندس .. يثق أنه لن يندم على هذا القرار .
تنهد بقوة قبل أن يصعد ليقف بالقرب من الرجال أمام غرفة العمليات منتظرًا خروج الطبيب .
------*------*------
يجلس إلى هذا الكافيه الهادئ يحتسي قهوته السادة بتمهل مستلذ برائحتها وطعمها النادر ..
رفع أنظاره إلى ذاك الذي وصل توًا ليرحب به وبقدومه .. جلسا متقابلين ليسأل عمار بابتسامة :
- إيه أخبار الدنيا معاك يا كنان ؟
كنان بتوتر :
- الـ الحمد لله .. كله بخير .. انت عامل إيه ؟
أومأ عمار بهدوء وسأل وهو يؤشر للنادل :
- تشرب إيه ؟
نظر كنان للنادل وتحدث بهدوء :
- اسبريسو من فضلك .
غادر النادل ليعقد عمار بين حاجبيه وهو يبتسم بقلة حيلة :
- واضح إن الدماغ واحدة يا صاحبي .
ابتسم كنان وهو يسأل بِلطافة :
- العيلة عاملين إيه ؟
عمار بمكر :
- العيلة ولا اللي تخصك من العيلة ؟
كنان بصدق :
- العيلة كلها تخصني يا عمار والله ... بس أنا بسأل عن العيلة بإستثناء أصالة عشان هسأل على أصالة لوحدها .
عمار وهو يبتسم بغيظ ضاغطًا أسنانه ببعضها :
- طب خد بالك عشان مش ديما هتلاقي حد صريح قوي معاك زيي كده .. بس أنا غيور جداااا فوق ما تتصور .. وخاصة لما يتعلق الموضوع بأصالة .
توترت ملامح كنان وتحدث بهدوء :
- أنا قلت حاجه غلط ؟!
عمار بنفي :
- وواثق إنك مش هتقول بس أنا بعرفك بس .
كنان بضحكة خفيفة :
- وده شيء يسعدني أكتر ما هيضايقني .
رفع عمار حاجبيه بدهشة من صراحته ليرفع كنان كتفيه بقلة حيلة وهو يوضح ببساطة :
- طالما اخترنا الصراحة يبقى أكون صريح بقا .
ضحك عمار وهو ينفي برأسه للجانبين .. صمت لثواني حتى وضع النادل طلب كنان وغادر ليتحدث عمار بعدما داعب طرف أنفه :
- عايز أتكلم معاك بصراحة يا كنان .. وعايزك كمان تكلمني بصراحة .
كنان بتأكيد :
- إحنا هنبقى أهل يا عمار وما ينفعش بينا غير كل صراحة .. أنا معاك اتفضل .
عمار بابتسامة هادئة :
- الوضع بينك وبين أصالة مضايقك في حاجة ؟
ابتسم كنان وهو يرتشف من فنجانه قبل أن يتحدث بصدق كبير وشغف أكبر :
- هتصدقني يا عمار لو قولتلك إني عمري ما كنت سعيد في حياتي قد سعادتي في الفترة دي ؟.. من وقت ما دخلت أصالة حياتي .. أنا مش الإنسان اللي مقطع السجادة ولا اللي ظاهرله علامة صلاه من كثرة السجود ولا اللي بيعمل عمل خير كل يوم والتاني ولا اللي شايف الحياة معكوكة من حواليا .. حياتي كانت عادية جدا يا عمار زي حياة أي حد .. بتعامل مع زميلاتي في العمل بشكل عادي وبهزر معاهم .. مش بالإيد طبعًا .. بس باخد كل شيء ببساطة وحتى الغلط الصغير مبهتمش بيه ..
ارتشف من فنجانه قبل أن يتابع :
- أول مره شوفت أصالة كانت خارجة من العمارة وأنا كنت منتظر والدك تحت قدام عربيتي .. خطفتني بمعنى الكلمة .. وآسف لو هستفز غيرتك بكلامي دلوقتي .. بس هي خطفتي يا عمار .. خلتني واقف مش عارف أنا فين ولا جاي ليه ولا بعمل إيه .. بنوته بدون أي ميك اب .. بخمار ولبس واسع وشيك أوي وألوان هادية .. قلبي كان بيقول دي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك ..
التقط شهيقًا قويًا أخرجه بهدوء وهو يتابع :
- جه عمي مالك وقتها وقطع تخيلاتي فيها وسألته عنها قال إنها بنته .. كان بيقولها بفخر وابتسامة رضا غريبة أوي منورة وشه .. ليك إنك تتخيل إني ركبت العربية ومشيت وراها .. معرفش بس قلبي اللي كان ساحبني .. وصلت عند بيت عمتك ملك وقعدت شوية وبعدها نزلت .. بس مركبتش .. اتمشت شوية وأنا قفلت عربيتي ومشيت وراها .. سحرتني بكل أفعالها .. فونها رن وردت بهدوء تام وصوتها مقدرتش أسمعه .. صوت مشيتها مش عالية زي بنات دلوقتي .. لبسها محتشم .. وقتها اتقابلت مع صديقة ليها تقريبا وطريقتها وكلامها وصوت ضحكتها ... حاجه أنا مكنتش مصدق إني شايفها .. وعشان كده كلمت والدي .. ده أنا أبقى مجنون لو ضيعتها من إيدي .. دي اللي هتسحبني لفوق أوي .. رغم إني عارف إن واحدة زي دي هتبقى عايزة اللي يرفعها هي .. بس قررت أجازف وربنا مش خذلني الحمد لله ..
تفتكر يا عمار مع كل ده ممكن أتضايق من فكرة إنها بتحافظ على نفسها حتى مني .. أو إنك بتحافظ عليها أيا كانت أسبابك ؟
عمار بابتسامة :
- الحمد لله .
كنان بحمحمة :
- أي ده انت كنت بتختبرني ولا إيه ؟!
عمار بضحكة خفيفة وهو يؤشر للنادل :
- لا أبدًا بس .. كنت محتاج أسمع منك اللي مش عارف اقوله لنفسي .
كنان بعدم فهم :
- يعني إيه ؟
عمار بابتسامة :
- قولي تشرب إيه الأول ؟
كنان بهدوء :
- سڨن بقا من فضلك .
عمار بابتسامة هادئة :
- خليهم اتنين لو سمحت .
غادر النادل بعدما أخذ الفناجين من أمامهما ليتنهد عمار وهو يقلب المفاتيح فوق الطاولة معترفًا بهدوء تام :
- أنا بحب بنت بنفس شكلية أصالة .. أو تقدر تقول هي اللي عملت من أصالة أصالة اللي انت شايفها دلوقتي .
كنان بابتسامة هادئة :
- طب وانت ليه كنت عايز تسمع كلامي ؟
عمار بتنهيدة :
- عايز ميكونش بينا الحدود دي يا كنان .. مش عايز أحاسب على كل كلمة معاها ولا عايز أشوفها بلبس جديد مثلا ومقولهاش قد إيه هي جميلة .
كنان بعفوية :
- طب ما انت ممكن تكتب كتابك عليها لو انت عارفها كويس وهي عرفاك .. يعني لو فيه توافق وكده ليه ميكونش كتب كتاب على طول ؟!
ابتسم عمار لما أحرزه الآن ليتابع :
- تصدق !!.. أنا إزاي مجاش في بالي حاجه زي كده ؟
كنان بحاجب مرفوع :
- نعم !.. مجاش في بالك إزاي يعني !.. ما نهايتكم جواز .
عمار بضحكة :
- لا أنا أقصد يعني فكرة إننا نكتب كتاب ونعتبرها فترة خطوبة وكده بس نكون على راحتنا بدون حدود وعقبات .
أومأ كنان وهو يرتشف من كوبه الذي وضعه النادل وغادر وقد شرد في البعيد .. ينصح بما لم يفعل .. أليست حماقة منه ؟!.. حسنًا ربما عليه أن يفعل بالنصيحة أولا ..
بقيا بصحبة بعضهما لوقت لا بأس به قبل أن يغادرا على وعد بمكالمات أخرى ولقاءات أكثر .
------*------*------
بعد مرور عامين ....
------*------*------
- جوووووووووون
صرخت بها وجد وهي تجلس إلى جانب زوجها الذي يتابع بعض أعماله على الهاتف لينتفض على صوتها وهو ينظر تجاه التلفاز الذي يقدم أحد البرامج التلفزيونية لا مباراة قدم ...
نظر لها بتساؤل لتبتسم ببراءة وهي تمسد معدتها بكفها ..
آدم بتساؤل :
- هو إيه اللي جون يا حبيبتي ؟
وجد بابتسامة عريضة :
- البيبي ضربني برجله في بطني .. بس الخبطة المرادي كانت أجمد من كل مرة .. فبخمن إنه جاب جون عشان الضربة كانت جامدة شوية .
رمش آدم عدة مرات يحاول استيعاب جملتها حتى تحولت نظرته الجاهله لنظرة مغتاظة قبل أن يغلق هاتفه ويتحرك للأعلى لتركض خلفه وهي تنادي بمزاح :
- استنى بس .. طب خد بس إيه اللي مضايقك بس .. طب رايح فين طيب ؟
آدم بغيظ :
- هنام يا حبيبتي .. طالع أنام عندي شغل بدري .
وجد وهي تمسك ببطنها ثم لوحت بيدها في الهواء وهي تصيح مجددًا :
- أوبااا .. جوووون تاني .. يا سلام عليك يا حبيب والديك .
التفت ناظرًا لها وهو يحاول استيعاب هذه المجنونة التي تزوج بها .. يا إله هل يمر العمر بها لتكون أصغر أم لتكون أكبر !!
وجد وهي تكتم ضحكتها :
- بهزر يا رمضان إيه مبتهزرش .
آدم محاولًا التماسك أمام كتلة البراءة والطفولة هاته :
- لا يا حبيبتي بهزر .. حتى شوفي ..
أنهى جملته وهو يتحرك تجاهها لتركض ويركض خلفها ..
وجد بضحكة :
- طب خلاص خلاص .. وربنا مش هعمل حاجه تاني خلاص .. بالله عليك بلاش زغزغة أنا حاااااامل .
قالتها وهي تصرخ راكضة من موقعها بسبب صعوده فوق الأريكة وركضه خلفها ..
أمسك بها وألقاها فوق الأريكة وبدأ يدغدغها لتضحك وهي تدفعه كي يكف عن ذلك متحدثة بنبرة متقطعة :
- طـ طب خلا خلاص .. خلا خلاص مش مش هههههه مش هعمل حاجه هههه خلا هههههه مش ههههه
( وربنا لو وقع المشهد ده تحت إيد ناقد محترف ليعلقني عبرة على الضحك والحروف اللي كتباها بتمثيل الموقف دي 😂😂.. استرها معايا يارب ده أنا غلبانة 😂😂 )
توقف آدم لتتنهد هي بعد أن استطاعت التقاط أنفاسها .. رفعت نظرها له ليبتسم لها بحب وهو يُبعد خصلاتها عن وجهها متحدثًا بحب جم :
- وجد .. انتي حلوة أوي .
ازدردت ريقها بتوتر وخجل كفتاة أخبرها حبيبها أنه يحبها للمرة الأولى ..
لكنه سحبها من توترها وهو يداعب وجنتها بحنان متابعًا :
- كل حاجه فيكي تتحب .. إلتزامك .. أدبك .. أخلاقك .. شقاوتك .. براءتك .. مش عارف إيه الحاجه الحلوة أوي اللي عملتها في حياتي عشان ربنا يكرمني بيكي .. لكن من يوم ما دخلتي حياتي وأنا .. وأنا بحاول أعمل كل حاجه حلوه أشكر ربنا بيها عليكي .
اعتدلت وجد في جلستها وأمسكت بيده بين كفيها وهي تتحدث بعينين ملؤهما الحب والاحترام الشديد له :
- قلبك الطيب ومعدنك الأصيل وروحك الحلوة وتعلقك بربنا وحرصك على رضاه هو اللي خلاك تقابلني يا آدم .. وأنا ربنا رضاني أجمل رضا في حياتي كلها يوم ما دخلت انت دنيتي وحياتي .
ابتسم لها بحب وجذب رأسها لتندس بين أحضانه ويتنهد كلاهما بارتياح واطمئنان ..
ابتسمت وجد وهي تتذكر ذلك اليوم الذي أخبرت فيه والدتها أنها قد وافقت على آدم .. وقد كان ذلك بعد صمت دام لشهر بأكمله .. وكلما حادثها وليد تخبره أنها تصلي استخارة .. ومرة أخرى أنها لم تفكر بالأمر بعد .. وبقيت تتحجج حتى أرسل آدم أخته ميرڨت لمنزلهم وتحدثت مع وجد التي شعرت بالخجل من فعلتها هاته .. ومن ثم وافقت بعدها مباشرة ليأتي اليوم الذي أتى فيه آدم كي يتفق على كل شيء ..
وبعد انقضاء حاجتهم واتفاقهم طلب الجلوس إلى وجد التي خرجت تقدم قدم وتؤخر الأخرى ..
آدم بتساؤل :
- هو كنتي بجد محتاجة كل الوقت ده عشان تردي عليا ؟.. يعني أنا يوم ما جيت كنتي قلتي إنك .. يعني إنك موافقة .. ليه الفترة دي كلها .
وجد وهي تفرك يديها معًا :
- عايز الصراحة ؟
آدم عاقدًا حاجبيه :
- أكيد طبعًا !
وجد وهي تزدرد ريقها بتوتر من رد فعله :
- بصراحة كنت ... كنت يعني بعمل زي قرصة ودن .
آدم بتعجب :
- طب ليه ؟
وجد بانفعال :
- عشان كنت بتبعتلي رسايل وشوكالاته وده كان تصرف غلط يا أستاذ آدم .
أنهت جملتها وهي تزم شفتيها بعبوس ليضحك في داخله على عبوسها هذا لكنه تماسك وهو يحاول ألا يتهور في هذه اللحظة كما أخبرها بعد ذلك .. تحدث بهدوء تام :
- في مانع لو .. يعني لو كتبنا كتاب وكده عشان نتعرف على بعض أكتر .. وخدي وقتك في التفكير قبل الرد ميهمكيش .. بس عشان يعني أعرف اقعد واتكلم بدون تقييد .. فهماني ؟
أومأت وجد وقد شعرت بتوترها يزداد وتحدثت بارتباك :
- اا .. الكلام في الموضوع ده يكون مع أبيه وليد .
أومأ وهو يوضح :
- أكيد طبعا بس عايز أعرف لو فيه مشكلة بالنسبالك أو حاجة .. فهماني ؟
نفت وجد وهي تشد على مقعدها ليبتسم في داخله وهو يومئ بهدوء ..
أتى وليد واتفقا بالفعل على أن يتم كتب الكتاب في نهاية الشهر .. وقد كان ذلك بعد أسبوعين من ذلك اليوم ..
غطت وجد في نوم عميق بسبب يده التي تعبث في خصلاتها ليبتسم آدم وهو يمددها لترتاح أكثر وبدأ يعبث في خصلاتها مجددًا وهو يتأمل ملامحها بحب يزداد كل يوم عن سابقه ..
انفلتت عن شفتيه ضحكة خفيفة وهو يتذكر يوم كتب كتابهما .. لقد كانت تجلس في صالة المنزل بصحبة فتيات عائلتها وبعض صديقاتها المقربات وكذلك أختيه وبعض أقربائه من النساء .. في حين يجلس هو والرجال في حديقة المنزل وقد تم كتب الكتاب على خير .. وبعد العديد من المباركات سُمح له أخيرًا بأن يراها .. كان يتوعدها منذ ذلك اليوم الذي أخبرته فيه أنها تعاقبه على إرسال رسائله لها .. ألم تجد وقتًا أفضل لعقابها هذا ..
جعلته لشهر كامل يفيق ويغفو وهو ينظر لشاشة هاتفه ينتظر مكالمة من وليد .. لكنه ما إن رآها حتى تبخر كل ما كان يفكر به .. طلتها التي جعلته يحملق بها لثوان وهو يزدرد ريقه بتوتر ..
لقد كانت ترتدي فستانًا سماويًا هفهاف يتخصر بحزام أبيض مضفر بشكل أنيق .. وكانت تترك العنان لخصلتين تزينان جبينها في حين تبتلع إحدى ماسكات الشعر باقي خصلاتها في تسريحة أنيقة من الخلف .. كما زينت شفتيها بملمع هادئ وتكحلت .. فقط أبرزت ملامحها دون الكثير من المساحيق ..
أخذ يحاول التذكر فيما كان ينتوي أن يفعل بها بسبب فعلتها السابقة لكنه لا يذكر .. لا شيء بتاتًا ..
بشير من خلفه مقاطعًا صدمته وشروده :
- أنا بقول تدخل تاخدها وتقعدوا شوية قبل ما سينس الغيرة عندي يشتغل وأقعد في النص ومش ههنيكوا على قعدة نهائي .
آدم وهو يدفعه من أمامه :
- لا وعلى إيه .. خلي السينس نايم شوية .
تحرك للداخل لتنطلق الزغاريد من أختيه فنفى بسرعة كي يتوقفن لوجود الرجال بالخارج ..
اقترب أولا من مريم وقام بطبع قبلة فوق رأسها وأخرى فوق كفها الذي سحبته بسرعة قبل أن يفعلها لكنه أصر على ذلك وقد فعلها .. تحدث بوعد صادق وهو يرى طلبها في عينيها :
- بأمر الله هتبقى في قلبي وجوه عيني .. هتبقى بنتي وأختي وأمي قبل زوجتي وحبيبتي .
ربتت مريم على ذراعه برضا وأفسحت له الطريق كي يقوم باحتضان أختيه اللتان باركتا له بحب كبير متمنين له السعادة ..
والآن وأخيرًا يقف أمام ملاكه .. هل يحق له أن يخطفها الآن بعيدًا !
اقترب بخطى حثيثة وقام بوضع قبلة رقيقة فوق جبينها ولم يبتعد بل وضع جبينه فوق جبينها وأمسك بكفيها وهو يتحدث بحب كبير :
- كيف لي أن أصف ما لا يوصف !!
عيناكِ التي أسبح في بنيتيها تأسرني، نبرتك الأعذب من عزف بيانو في ليلة شتاء باردة تُدفئ قلبي، لمسة يدك الحانية فوق كفي تنتشلني من عبث الحياة وساكنيها، ابتسامتك .. وآاااه من ابتسامتك ..
ألم أعترف بعجزي عن وصف ما لا يوصف ؟!
أغمضت عينيها بقوة وارتباكها يزداد لتتحدث بهمس بالكاد استطاع سماعه :
- عايزة أقعد .
ابتسم لحالتها فقرر أن يرحمها وتحرك بها إلى حيث تم تجهيز العشاء لكليهما في الحديقة الخلفية ..
لا عتب عليها إن وقعت مغشي عليها الآن .. فهي فتاة قد تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها دون أن تتحدث إلى شاب .. دون أن تستمع لكلمات غزل من حبيب ..
تعففت تمامًا عن كل ما لا يرضي خالقها منتظرة هذه اللحظة التي يخبرها فيها حلالها بكل كلمات الحب .. ولأنه يعلم ذلك جيدًا فقد ادخر لها الكثير من الكلمات والأفعال التي سيعبر بها عن حبه لها .. بل وعشقه لكل شيء منها وبها ويخصها ..
