رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثلاثون 30 بقلم دنيا ال شملول


 رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثلاثون 

تثاءب بكسل وهو يتحرك من فراشه بعدما لم يجدها إلى جواره .. كيف تتحرك هكذا ببساطة دون أن يستيقظ وهو الذي يستيقظ من أعمق نوم إن شعر بهمس إلى جواره !.

حك مؤخرة رأسه وهو يتحرك من الغرفة قاصدًا المطبخ ليجدها تتحرك على أطارف أصابع قدمها كي لا تصدر أي صوت وتزعج نومه ..  يا إله كم هي زوجة رائعة ولطيفة .. 

تحرك بخفة ما إن وقفت إلى الطاولة تقطع الخضار ثم قام باحتضانها من الخلف مستندًا بذقنه فوق كتفها لتشهق بخضة وما لبثت أن مالت برأسها فوق رأسه وهي تحادثه بابتسامة :
- صبحك الله بالخير والبركة . 

ابتسم لجملتها التي ومن الواضح أنها ستلازمه في كل صباح .. لقد قالتها بنفس الصيغة بالأمس أيضًا .. رد وهو يقبل عنقها بحب :
- صباحي انتِ يا فرحة كل صباح .

ابتسمت وهي تسأل بمشاكسة :
- فرحة ده إسمي ولا صفة ؟ 

ابتسم وهو على وضعيته ليتمتم بصوت هادئ :
- إسمك وصفات أيامي معاكي . 

ابتسمت بخجل وهي تخبره بِلطافة :
- طب يلا الفطار جاهز . 

أخذ شهيقًا قويًا قبل أن يزفره على مهل وهو يتحرك للخارج مفصحا عن كونه سيتم فرضه أولًا قبل أن يعود لتناول الطعام . 

ابتسمت في أثره وهي تتذكر المرة الأولى التي رأته فيها .. كان جالسًا إلى مكتبه يراجع بعض الأوراق أمامه حينما ولجت بصحبة بدر وبدور إلى الجريدة لينتبه لوجودهم .. لقد رأت إشراق وجهه حينما نظر لبدور .. وابتسامته التي اتسعت حينها .. وكذلك رأت صدمته وهو يستمع لقولها :
- يا جماعة .. إن شاء الله خطوبتي الأسبوع الجاي .. شدا أعلنت عن خطوبة بدور أختها وحازم قبل كده .. لكن أنا كبدور بعلن بنفسي أهو .. ومفيش أي عذر لأي حد أبدًا .

انهالت المباركات والتهنئات عليها وهي تستقبلهم بسعادة قبل أن تتحرك تجاه علي الذي لم يتحرك من مكانه وكان يركز في اللاشيء .. حينها تحركت هي وبدر خلف بدور التي وقفت أمام علي عاقدة الحاجبين وهي تسأل بقلق :
- مالك يا أستاذ علي؟.. حضرتك كويس؟ 

رفع أنظاره لها لدقيقة قبل أن ينتبه للموقف ووقف سريعًا وهو ينفي بطريقة غريبة وكأنه ينفي شيء آخر بداخله :
- لا لا أنا كويس .. 

تابع وهو يضحك ببلاهة رافعًا الأوراق التي تحتل مكتبه أمامها موضحًا بنبرة مضطربة :
- الـ الأخبار بتاعة قضية التجار .. خلصت و .. وأنا اللي هكتب في التفاصيل فـ .. فشغلاني شـ شوية .. انـ انتي مش جاية للشغل ولا إيه ؟ 

نفت بدور وهي تخبره بابتسامة :
- لا قدمت أجازة للأسبوع الجاي عشان خطوبتي الأسبوع الجاي .. مش هقبل أي عذر أبدًا .. حضرتك ليك فضل كبير أوي عليا في شغلي وكنت خير مرافق ودليل .. فحبيت أشكرك من قلبي على كل المجهود اللي عملته معايا واللي ساعدتني فيه إني أكمل هنا . 

أغمض عينيه بقوة كأنه كان يتمنى سماع شيء آخر .. شعرت به وبألمه حينها .. لكنه ابتسم باتساع وهو يقدم مباركته لها ويظهر اصطناعًا مدى سعادتها لخبر كهذا .. 

استأذنت بدور وغادرت الجريدة وتبعتها فرحة وبدر .. 

انتبهت من شرودها على صوت أحد أبواق السيارات المارة أسفل البناية لتتحرك كي تنهي إتمام الفطور وهي تدعي في داخلها أن تستطيع محو بدور من قلبه .. 

بينما يقف علي أمام المرآة يصفف خصلاته بعدما وضع عطره ووقف يحملق لنفسه في المرآة وابتسامة رضا تعلُ شفتيه .. لطالما كان يتمنى نجمة وقد أهداه الله القمر .. يؤمن بذلك .. لقد تمنى بدور لما تكن بقلبها من طيبة ونقاء ولما تحمله أخلاقها من اتباع لله وبعد عن الشهوات .. فرزقه الله بفرحة والتي هي بمثابة فرحة لحياته بحق .. تتمتع بالخلق والدين وكذلك الطيبة .. لن ينكر أنه أحب بدور بصدق .. لكن فرحه قد امتلكته .. يذكر في خطبة بدور والتي تم فيها كتب كتابها أيضًا أنه كان يجلس في أحد الزوايا يرى من أحب وهي ترتدي خاتمًا ببنصرها ليربط بينها وبين غيره .. كان الألم لا يحتمل .. لكنه لم يكن ألم الحب .. بل كان ألم الندم .. لم يكن لديه الشجاعة الكافيه كي يخبرها أنه يرغب بإتمام حياته معها .. لم يتحلى بالجرأة كي يطرق بابها طالبًا إياها شريكة له .. الخوف من رفضه كان حاجزه .. 

يذكر حينما أخبرته شدا أن أمثال بدور يتم اختطافهن لكونهن نادرات .. لم يحسب لذلك حسابًا .. 

لكن فرحة بدور الآن وتوهج ملامحها التي تضخ سعادة تظهر جلية في حديثها وحركاتها وعينها التي تنحرف كل ثانيتين لتلمح بهما خطيبها جعلته متيقن من أنه لم يكن له مكان من البداية .. وهاجس الخوف كان سيصبح الحقيقة اللاذعة .. لذلك فضل أن يعاملها كصديقة عمل ويتمنى لها السعادة من كل قلبه .. 

في هذه الأثناء لمح شجارًا حادًا يقوم في أحد جوانب الحديقة التي يقام بها الحفل الصغير .. كان الشجار بين فتاة وشاب بصحبته فتاة أخرى .. رأى نظرات الفتاة التي كادت تبكي وهي تتحدث بانفعال .. وكذلك حديث الشاب المحذر والفتاة الأخرى التي تراقب ما يحدث بابتسامة شامته .. جذبه القدر ليذهب ويرى ما يحدث .. 

استطاع أن يفهم كون الشاب ما هو إلا أخاها .. بينما الفتاة ابنة عمها .. والشجار الناشب بسبب ملابس فرحة التي بكت بحرقة وهي تتحدث :
- كفاية بقا حرام عليكوا .. انتوا إيه !.. ملكش دعوه بيا يا أخي بقا .. ألبس اللي ألبسه ان شالله ما لبست خالص .. انتوا عايزين تشيلوا ذنوب شيلوها بعيد عني .. لكن أنا مش هغير لبسي بسبب انتقاداتكوا اللي بتسموني بيها دي .. أنا اخترت الصح ومش هعمل غير اللي شيفاه صح . 

تحدثت الفتاة بشيء من النزق :
- يا بنتي البسي اللي تحبيه عادي .. احنا بنتكلم على إن ده فرح صحبتك .. يعني المفروض تشرفيها على الأقل مش تعريها بخمار لحد بعد وسطك وطقم ساده ولونه بنفسجي مطفي كمان ومفيش ولا أى حاجه تظهر ملامحك كده .. ده فرح يا بنتي مش عزا . 

لا يعلم لماذا شعر أن هذه اللحظة هي لحظته هو .. اندفع في حديثه دون تفكير :
- مش باللبس والميك اب أبدًا على فكره .. بصي حواليكي وانتي تعرفي قريبتك لبسها كده ليه .. دي خطوبة صحبتها المختمرة واللي لابسة على فستان خطوبتها السادة من أي بهرجة خمار بردو .. ومش عامله أي ميك اب .. أختها لبسها واسع وطويل ومحتشم وبخمار وبدون ميك اب .. بنات عيلتها كلهم مختمرات أهم والمحجبة منهم بردو جاية بحجاب ساتر .. لو بصيتي على الفرح كويس كنتي عرفتي قريبتك بتنتمي لمين .. المكان اللي انتي فيه غلط يا آنسة .. ونفس الكلام لحضرتك كمان .. بدل ما تدور على ستر أختك وإزاي تخليها تلتزم باللبس الشرعي .. بتهاجمها على لبسها وشايف إنها هتسببلك عار وانت ماشي مع واحده محتشمه مش مبينه اي تفاصيل من جسمها .. طب دي هي طالعه باللبس ده عشان متكونش ديوث .. انت عايز تكون ديوث !!

كان هذا حديث علي الذي انفجر دون سابق إنذار .. لم يكن يدرك أن صوته قد أسمع جميع من بالمكان لكون الأجواء بدون موسيقى .. 

أخفت فرحة وجهها بين يديها وركضت من المكان لتلتقفها بدر وتلج بها لمكان ما .. في حين جذب الشاب يد ابنة عمه وغادر المكان وهو يغمغم بكلمات غير مفهومة .. بينما قام علي بالمسح على وجهه في عصبية من تصرفه هذا .. ما دخله هو في كل ذلك  .. 

شعر بأحدهم خلفه ليستدير ويجدها بدور بصحبة عمار .. هذا في الواقع ما كان ينقصه .. زفر داخليًا وهو يعد من واحد إلى عشرة كي يهدئ من انفعاله ثم تحدث بصوت هادئ تمامًا :
- أنا .. أنا آسف مقصدتش أشوشر كده بس .. 

بدور بابتسامة :
- معملتش غير الصح يا أستاذ علي والله .. هي للأسف في الموال ده كل يوم وكل ساعة تقريبا .. الخمار مكبرك الخمار عاملك شبه المطلقين .. محدش شايفك فمش هتتجوزي .. اللي بيتعامل معاكي بيحسك معقدة ومتشددة .. كلام كتير أوي بيوجع بتسمعه منهم .. فاللي حضرتك عملته ده كسرت بيه ترددها اللي كانت للحظة هتستسلم لمجرد إنها تعبت من انتقاداتهم . 

علي بتساؤل :
- فين والدها ووالدتها؟ 

بدور ببساطة :
- والدها متوفي ومامتها حامل فيها .. ومامتها اتوفت من خمس سنين .. عايشة مع أخوها ومراته اللي هي بنت عمهم واولادهم .. وزي ما انت شايف كده  . 

علي بأسف :
- ربنا يهديهم بجد ويصلح حالها ويثبتها .. مشكلة لما الانتقاد يطلع من الأهل .. كويس انها لسه قادره ترد حتى عليهم .. كويس مفقدتش الثقة في نفسها ولا رجعت عن اللي هي فيه . 

بدور بتنهيدة :
- ربنا يتولاها . 

قرصت ذراع عمار في الخفاء قبل أن تستأذن لرؤية المعازيم .. 

وقف عمار بصحبته قليلًا ليتحدث علي بهدوء :
- مبارك .. ربنا يتمم بخير .. وبجد ونعم الاختيار . 

عمار بابتسامة هادئة نوعًا ما :
- ربنا يباركلك .. وعقبال ما نفرح بيك مع حُسن اختيارك .

ابتسم علي وهو يحيد بنظره تجاه تلك الآتية من بعيد بصحبة بدر .. 
رمش سريعًا وهو يراها تتجه حيث يقف .. ولكن ما صدمه فعلا حديث عمار :
- تقريبا حُسن اختيارك جيالك برجيلها .. اللي زي فرحة بيتخطفوا .. متأجلش خطوة شايفها صح .

كانت عينيه متستعتان .. هل أعاد عليه عمار ما نصحته به شدا من قبل .. هل هذه رسالة له ؟! 

ازدرد ريقه وهو يراها تقف أمامه وبصحبتها بدر التي بدأت تعبث في هاتفها لتتحدث فرحة وهي تنظر للأرض :
- أنا .. يعني .. اا .. شـ شكرا على .. على موقفك معايا يعني و .. وكلامك . 

رغم أنه سمعها لكنه تصنع عدم ذلك فسأل بنبرة مستفهمة :
- بتقولي إيه ؟؟ 

فرحة وهي تستنشق شهيقًا قويًا أخرجته على دفعات مع كلماتها :
- كنت بقول لحضرتك يعني أنا متشكرة أوي على اللي عملته معايا . 

ابتسم علي ابتسامة هادئة وهو يضع يديه في جيب بنطاله متحدثًا وهو يدور بعينيه في المكان :
- العفو .. يعني لو تتجوزيني نبقى خالصين . 

كانت الصدمة من نصيبها وهي ترمش سريعًا وقد اتسعت عينيها .. هل ما سمعته صحيح ؟

علي مقاطعًا صدمتها :
- متعرفيش كرتون ( ديف) ولا إيه ؟

تنهدت بقوة وهي تتنفس ظنًا منها أنه يقلد الكرتون فأومأت بعفوية ليتابع :
- طب كويس .. مش ناوية تردي بقا الجميل؟

رمشت سريعًا وهي تتحدث بهدوء :
- شوف حضرتك عايز إيه واللي أقدر عليه مش هتأخر  .

على ببساطة :
- ما أنا قلتلك أهو .. لو تتجوزيني نبقى خالصين .

بدر متدخله في الحوار بمكر حينما رأت الجدية بعيني علي :
- يا أستاذ علي الله يكرمك البنت جاية تشكرك .. فرجاءً الكلام الكتير هيلفت الأنظار وأصلا وقفتنا غلط .. فحضرتك ممكن تقولها تعبر عن شكرها إزاي عشان نتحرك من هنا ؟

علي مومئًا ببساطة ويكاد يضحك وهو يشعر أنه يتحدث لبدور وليست بدر بسبب هذا الشبه بينهما :
- عنوانها .. مش أكتر .. أو تليفون حد كبير من عيلتها .

بدر ببساطة :
- هخلي بدور تعرفك عنوانها حاضر .. ودلوقتي متشكرين أوي على موقفك .. بعد إذنك .

جذبت بدر فرحة التي كانت تتحرك كالآلة غير مدركة لشيء حولها ليبتسم علي برضا تام .. هي ليست بدور التي نبض قلبه لها .. لكنها فتاة يحلم بها حقًا .. الحب ليس للحبيب الأول .. الحبيب لمن بقى .. يؤمن بذلك وسيحيا هذا الحب بكل تأكيد .

أفاق من شروده وهو يتنهد بقوة .. الآن يحياه .. الآن هذا هو الحب .. لقد تزوجها منذ يومين فقط .. وقد كان هذا بعد عذاب مع أخيها الذي كان يرفضه ويمقته ولم ينسى له موقف يوم الخطبة .. لكنه أخذها في نهاية المطاف ..

خرج من غرفته وجلس إلى طاولة الطعام ليبتسم لها وهو يِصرح :
- ربنا يستر ولما ندخل شوية في الجواز كده مجيش في يوم تقوليلي مفيش فطار وافطر في الشغل .. حاكم أنا سمعت عن المواقف دي كتير . 

ضحكت فرحة ضحكة خفيفة هادئة وهي تنفي :
- لا مش هعمل كده .. لو فضلت كيوت وبتساعدني في أمور البيت مش هنزلك من غير فطار ولا هنيمك من غير عشا . 

علي بعينين متسعتين :
- هو كمان ممكن تنيميني من غير عشا !!! 

فرحة ببساطة :
- يعني لو أنا معايا بيبي وبيسهرني طول الليل وطول النهار دايرة في البيت غسيل وتنفيض وترويق وتلميع .. غير متطلبات البيبي كمان .. برأيك وقت العشا هكون قادرة ؟! 

علي وهو يزدرد لقمته بغيظ :
- لا يا حبيبتي .. لا طبعا مش هتقدري .. نقسم بالعدل أحسن . 

فرحة بتأكيد ومزاح :
- صح كده .. يا تساعدني بما يرضي الله .. يا تنام من غير عشا بما لا يرضي الله . 

ضحكا معًا لينفي علي بقلة حيلة من هذه الفتاة التي يكتشف مع كل صباح ومساء شيء جديد بها يجعله يتعلق بها أكثر .. وهذا الأمر يروقه كثيرًا في الواقع . 

------*------*------

تجلس في احد الكافيهات ترتشف من كوب العصير الذي يقبع أمامها وهي تقلب في هاتفها ..
صدح معلنًا عن اتصال جاء باسم  " طنط ديالا " .. عقدت بين حاجبيها وهي تجيب بسرعة وداخلها ينبض بعنف ..

استمعت لحديث أنس الصغير والذي أخبرها بما انتظرت أن تسمعه منذ عامين كاملين ..

أغلقت معه وتحركت على الفور إلى منزلها .. ولجت بصياح لتجذب يد فردوس وتقفز بها في فرحة افتقدها المنزل بأكمله لما فعلته بذاتها منذ تخليها عن ريان في أذمته .. كانت صرخاتها السعيدة قد أعادت الحياة للمنزل لتخرج زهرة ركضًا على صياحها وهي تتساءل بقلق لحالة ابنتها :
- في إيه يا بت ؟.. إيه الصويت ده ؟

سندس وهي تذهب تجاه والدتها وتحتضنها بقوة :
- ريان يا ماما .. ريان راجع الصبح من السعودية .. أنس اتصل بيا وقالي .. ريان هيكون هنا الصبح يا ماما . 

أنهت جملتها وهي تحتضن والدتها التي ازدردت ريقها بحلق جاف وهي تنظر تجاه فردوس التي تقضم أظافرها بخوف .. 

سندس بجانب عينها :
- إيه يا جماعة مالكوا .. بقولكوا ريان جاي الصبح .. المفروض تفرحوا معايا .. إيه النكد ده ؟!! 

زهرة وهي تجذب يد ابنتها وتجلس بها إلى أحد المقاعد :
- إسمعيني يا سندس .. ريان يا بنتي مسافر السعودية بقالوا سنتين .. لا كلمك ولا طمنك عنه ولا حتى ديالا كانت بتقول أكتر من إنه كويس .. ريان اللي قبل ما يسافر حاجه وبعد ما هيرجع هيكون حاجه تانيه .. لازم تفوقي لنفسك يا سندس .. ريان حد مختلف . 

وضعت سندس يديها على أذنيها وهي تنفي برفض تام :
- لا يا ماما .. لا .. مش هسمع الكلام ده تاني ولا همشي وراه تاني لا .. من وقت ما تعب وانا سيبت إيده .. سبته يعافر في مرضه لوحده .. مكنتش جنبه .. وده عشان خلتوني شكيت في حبه ليا .. خلتوني تايهه ومش عارفه هو بيحبني وعايزني ولا أنا تعود في حياته وهنتهي مع الوقت .. أكتر وقت احتاجني فيه مكنتش معاه .. هو سافر عشان يعاقبني .. أن عارفه ومتأكده .. سافر كل الوقت ده عشان يعاقبني على إيدي اللي سابت إيده وقت احتياجه .. بس لازم أرجع أشبكهم يا ماما .. أنا اللي فصلتهم وأنا اللي هشبكهم . 

أنهت جملتها وركضت لغرفتها في الحال لتتنهد زهرة بقلب حزين على هذا الحال .. 
اقتربت فردوس منها وهي تتحدث بحذر :
- ماما .. سندس هتتدمر أوي لو فعلا ريان تخطاها .. دي عايشة السنتين على أمل إنه بيعاقبها ببعده زي ما هي حرمته قربها في محنته .. وأملها كله إنه هيرجع ويرجعها بعد ما يشوف ندمها ده . 

زهرة وهي تنفي بقلة حيلة :
- هنعمل إيه بس يا فردوس .. ربنا يعمل الصالح .. إحنا السبب من البداية .. مكانش ينفع أبدًا نسيبهم من صغرهم لما يتعلقوا ببعض كده .. ومكانش ينفع نحكم على اللي بينهم من غير ما يواجهوا هما أنفسهم .

فردوس بتنهيدة :
- ربنا يراضي قلبها . 

------*------*------

مالك بس يا أصالة زعلانه ليه ؟
هكذا كان يحايلها كي يعرف ما بها .. وسبب حالتها هذه .. لتجيبه بضيق :
- إسأل نفسك بقا .

كنان وهو يستنشق دفعة كبيرة من الهواء :
- ما أنا بسألك أهو يا حبيبتي .. زعلانه ليه ؟

أصالة بغباء :
- ما قلتلك إسأل نفسك وشوف بقا عملت إيه زعلني .

كنان بابتسامة هادئة وهو يمسك كفها بين كفيه :
- طب يا ماما ما أنا بسألك عن سبب زعلك أهو .. مش انتي بتقولي إسأل نفسك ؟.. وانتي نفسي يا أصالة .. عشان كده بسألك إيه مزعلك مني بقا .

رمشت عدة مرات وهي تناظره بعيني القطط خاصتها لدقيقة قبل أن تنفجر باكية . 

رمش كنان بصدمة من بكائها المفاجئ :
- أصالة .. أصالة يا حبيبتي في أيه بس ؟.. طب انتي تعبانه ؟.. ها ؟.. نروح للدكتورة بتاعتك ؟

نفت بقلة حيلة ولا تزال مستمرة في بكائها ليجذبها إلى أحضانه وأخذ يمسد خصلاتها حتى غطت في نوم عميق .. 

كنان :
- أصالة !!.. انتي نمتي ؟ 

تنهد بقوة وهو يحاول تذكر ما حدث خلال اليوم .. ربما أغضبها دون أن ينتبه .. أو ربما طلبت منه شيء ما ولم يتذكر .. 
أخذ يتذكر لكن لا شيء .. إذا ماذا دهاها ؟! 

طَرْقٌ على باب المنزل جعله يتحرك تاركًا إياها ليفتح بعدما علم هوية من بالخارج .. 

سبأ بابتسامة :
- إزيك يا كنان يا بني ؟ 

كنان بتنهيدة :
- الحمد لله يا حماتي بخير اتفضلوا . 

دخلت سبأ وهي تناظره باستفهام لتتحدث بهدوء :
- ادخل يا فجر انت وسلسبيل .. جاية وراكوا . 

ولج الاثنان لتسأل سبأ بقلق :
- مالك يا كنان ؟ في حاجه حصلت؟ 

كنان بنفي :
- لا أبدًا بس مش عارف أصالة مالها .. يعني من شوية دخلت بكلمها لقيتها متضايقة أسألها مالك تقول إسأل نفسك .. وفجأة دخلت في نوبة عياط .. كنت هتجنن .. وأهي نامت من كتر العياط ومعرفتش مالها .. قعدت والله أفتكر أحداث اليوم كلها .. يمكن طلبت مني حاجه ونسيتها أو أنا كلمتها بطريقة ضايقتها لكن مفيش خالص والله . 

ربتت سبأ على كتفه وهي تتحدث بهدوء :
- معلش يا كنان استحملها شوية .. الحمل هو السبب في حالتها .. لسه مشوفتش حاجه انت .. دي هتصحيك من عز نومك تنزل تشتريلها حاجه جايه على بالها تاكلها .. وتنزل وترجع تقولك لا مبقتش عايزة  .. شوية هتنكد عليك وشوية هتفرحك .. وفجأة هتعيط ومن غير إنذار هتلاقيها بتضحك وفي وسط كل ده هتتعب فجأة وفي أواخر الحمل بقا هتصحى كل شوية على صويت على إنها بتولد وتكتشف إنه ألم طبيعي وعادي .. ولما هتتعود على الموضوع ده هتلاقي نفسك في ليلة بتقولها نامي يا حبيبتي ده وجع عادي وهي تفضل تصرخ وتبقى بتولد بجد .. عايزة بقا اقولك إن كل ده كوم وبعد الولاده كوم تاني عشان هيكون... 

كنان مقاطعًا إياها بصدمة :
- باااس .. بس يا حماتي بس إلهِ يسترك دنيا وآخرة بس .. إيه يا حماتي في إيه ؟!! .. انتي المفروض بتهوني عليا ولا بترعبيني ؟ 

ضحكت سبأ وهي تخبره بحنان :
- متقلقش يا حبيبي .. إحنا جنبك على طول .. حاول بس تنسجم مع هرمونات الحمل دي شوية .. وشوية وقت بس وهتروق وتبقى زي الفل . 

أومأ وهو يتنهد بإرهاق ثم ولج معها للداخل فجلست القرفصاء أمام ابنتها الغافية وطبعت قبلة هادئة فوق جبينها وهي ترى آثار الدموع العالقة على جفنيها لتبتسم عليها وأخذت تنظف وجهها بأحد المناديل وعدلت من نومها ثم خرجت للشرفة لتجلس بصحبة كنان وفجر بانتظار عمار الذي سيأتي في وقت العشاء .. 

------*------*------

جلست فوق فراشها بعدما جلبت كوبين من عصير البرتقال لها ولبدر وأخذت تناظرها بغيظ :
- يا باردة .. يا باردة اتلحلحي بقا يا باردة .

بدر بجانب عينها :
- بت بقولك إيه .. متوجعيش دماغي .

فرحة وهي تضرب كفيها معًا :
- أفهم بس .. هتعذبيه وتجننيه وراكي أكتر من سنه ونص إيه تاني ها ؟.. يا بنتي ده حِفي وراكي عشان تقبلي بيه .

بدر :
- لنفسه مش ليا .. أنا ما ابصش لحاجة مستعملة يا فرحة .

فرحة بتنهيدة :
- اسمعيني يا بدر وركزي في كلامي كويس .. هو هشام اتغير وبقا شخصية غير الشخصية قبل ما يتقدملك ولا بعدها ؟

بدر بهدوء :
- معرفش .

فرحة :
- ومسألتيش ليه يوم ما جه واتقدم ؟

بدر بلامبالاه :
- واسأله ليه أصلا وهو مرفوض ؟!

فرحة وهي تضرب كفيها بغيظ :
- بدر .. اتظبطي كده وخلينا نتكلم بالعقل الله يكرمك .. وبجد بقا عشان مينفعش الوضع ده خالص .

بدر وهي تزفر بحنق :
- وضع إيه يا فرحة اللي بتتكلمي عنه .. وضع إيه .. البيه اللي بتتكلمي عنه ده كان بيمشي مع بنات .. صاحب بنات بعدد شعر راسي والله أعلم علاقته بيهم وصلت لحد فين .. علاوة على إنه كان مصاحب صحبتي .. اللي كااانت صحبتي .. حتى لو بقى كويس عمري ما هفكر فيه عشان كان في يوم من الأيام حبيب صحبتي .. وصلت كده ولا إيه ظروفك يا فرحة !

تعليقات