رواية ظل بعد ظل الفصل الثاني 2 بقلم ياسمين النعيمي

 

رواية ظل بعد ظل الفصل الثاني بقلم ياسمين النعيمي


دنكَت ع الموبايل و فزيت،
- عزااا، بابا هذا، هذاا، يا ربيي ...
و هو ابتسم بهدوء يكَول،
- شنو يشبهني ؟!

رجعت اتأمل الصورة ...
- بابا هذا نسخة، يا ربيي ما تصورت بعمري اشوف نسختك المصغرة.
- يولي ابن اخوي.
- بابا لو عندي أخ ما يشبهك هيجي !!

- هو اكثر واحد بولدنا يشبهني.

- يعني والله لو رايحة بلا ما اشوف الصورة راح اعرفه من اول نظرة.

- ديلا كافي خلصتي رسم ؟! كَومي ما ظل وكت يريد لج فوكَ النص ساعة تا تصلين للمطار.

انطيته الموبايل و صعدت اركض لأنه فعلاً ما ظل وقت. لبست الجينز و ظليت محتارة يا بلوز و كوت البس ؟! آخر شي أخذت بلوز صوف بلون البيبي بلو و الكوت الأبيض فوكَاه.
و نزلت اريد اطلع و صاح لي،

- ها بابا ...
تأملني و كَال،
- سلمي عليه و كَولي له ابوي ينتظرك بالبيت تعبان شواي. و مثل ما وصيتج. و هالله هالله بالثكَل.

- ليش شنو كَالولك بنتك خفيفة ؟!
- لا مو خفيفة بس تحمستي زايد و اني هذا حماسج اخاف منو.

خليت أصابعي على شفايفي و سويت له بوسة هوائية و رديت،
- لا تخاف بنتك اني.

طلعت نظفت مخرج البيت من الثلج حتى اكَدر اطلع السيارة، و انطلقت متوجهة للمطار، و وجه الشخص الرايحة اجيبه انطبع ببالي، سبحان الله شكَد يشبه بابا !!
و قلبي انقبض من هذا الشبه، شمعنى هسة طلع؟ و ليش هلكَد يشبهه ؟!

وصلت للمطار بوقت اقل من المعتاد، الظاهر الناس خاتلين بالبيت من البرد المضاعف هالفترة.
دخلت لصالة انتظار القادمين و اتأمل بوجوه الناس القادمة و ماكو. صار وقت الهبوط و أكثر من نص ساعة مرت و ماكو هو. اتصلت ببابا ع الأقل اعرف منين جاي حتى اسأل عن طيارته،

و رحت استفسر من السكيورتي طلع جاي من عمّان و بسبب العاصفة تأخر هبوط طيارتهم.
و بابا ظل يتصل يسأل، رحت طلبت قهوة و كَعدت اشربها و اتأمل القادمين.

كنت سرحانة افكر بوضعنا و وضع بابا و متفائلة خير بجية شخص من عائلته، كلي أمل إنه يقنع بابا بالعلاج بعد معرفتي بعمق العلاقة الي بينهم. صارت الساعة 9 و تحدث على الشاشة إنه هبطت الطيارة القادمة من عمّان.
انتظرت نص ساعة ثانية و انتبهت على القادمين بلشوا يطلعون، الظاهر اليوم الطيارات قليلة لأنه هواية رحلات ملغية بسبب الأحوال الجوية. و لفت انتباهي الشخص الي ادور عليه، بس الهيئة فعلياً فاجأتني، يعني مفاجأتي بشكله الشبيه ببابا ما تعادل صدمتي بهيئته، هو ابوية نفسه و يمشي !!

نهضت من مكاني متوجهة له، هو غالباً ماشي بسلاسة اتوقع ما يعرف اكو احد ينتظره. تقربت منه ماشية باتجاهه و صارت عيني بعينه، مركز بعيوني و مكمل طريقه بس بطأ بخطواته لما التقت عيوننا، و اني مكملة طريقي باتجاهه، خطواتي ناحيته و عيني الي بعينه غالباً وصلت له فكرة إنه أعرفه و أقصده بخطواتي.
على بعد خطوتين وكَفت اسأله و بالعربي،
- انت قيس ؟!

ميل راسه جانبياً عاكَد حواجبه باستغراب،
- انتييي !!
و كإنه أكد لي و يحاول يتذكر اسمي، اتوقع يعرفه، سهلت عليه المهمة و مديت له إيدي للسلام،
- ريّا ...

انفرجت معالم وجهه و مد إيده يكَول،
- هلا هلا، هلا بنت عمي تشرفنا ...

- الي الشرف شكراً، الحمد لله على سلامتك.

- الله يسلمج، هاي ليش مكلفة على روحج و جاية ؟!

- لا واجبنا والله، بابا راد يجي بس تعبان كلش و دا ينتظرك بالبيت.

- ماكو داعي تتكلفين دكتورة، اني اعرف الدرب. شلونه الوالد ما تحسّن ؟!

أشرت له على الباب،
- خل نطلع للسيارة.

طلعنا نتمشى للسيارة و رديت،
- لا للأسف صحته بالنازل و تعبان هواية.
سأل يستفهم،
- هو مو جان يتعالج و أموره ماشية، شصار هسع و تراجعت صحته ؟!

- توقعت ما حاجيلك الحقيقة الي ضامها حتى عنّا، اني بالغصب رحت وياه للدكتور و فهمت منه الوضع و لمن أصريت عليه يتعالج ثار علية و احتد الوضع بينا فترة لما تقبل إنه اروح وياه لمراجعاته الجاية، أو بالأحرى لمن كَام ما يكَدر يروح لوحده استسلم للأمر الواقع.

وصلنا للسيارة و فتحت له الباب الخلفي داساعده يحط جنطته و رد،
- عنج عنج، عوفيها.
خلى جنطته و صعدنا بالسيارة و كمل يكَول،
- شنهو الشي الي ضامّه ؟!

شغلت السيارة و رديت،
- اني اول مرة التقي بيك و لا تنزعج مني بس ما أعرف شكَد أكَدر أثق بيك.

عيونه تأملت الفراغ و رد بتطمين،
- ريّا ... أركان اخوي مو عمّي، اذا بيه شي كَولي. 

- ما حاجيلك هو ؟!
رفع حواجبه ينفي،
- لا، يكَول تعبان و مريض بس ما يحَجي تفاصيل.

سكتت اتأمل الفراغ الي عيونه تتأمله و رديت له بهمس حزين،
- ادري هسة من احجي لك راح يصير عصبي و يزعل، لأنه طول اليوم هو يوصي ما أحجيلك شي عن مرضه و علاجه الي ما قبل يكمله، بس ما أعرف، من خلال كلامه عنك حسيت اكَدر أثق بيك تكون وياية و نقنعه بالعلاج.

- احجي لا تخافين، عجل علوّيش جابني اذا ما رايد اعرف بالسالفة !!

حركت السيارة بطريقي و رديت،
- جايبك يعرفك علينا حتى يموت نفسه و ضميره مرتاح.

دار وجهه علية يرد باستنكار، عاقد حواجبه،
- هاي شلون حجي، لا تحَجين بالالغاز و فهميني السالفة.

سكتت شوية و رديت مركزة بطريقي،
- عنده تليّف بالكبد، المرض بمرحلة متأخرة، الدكتور يكَوله إنه فرصته الوحيدة بالعلاج هي زراعة الكبد، و هو رافض بحجة ماريد احد منكم يتأذى من ورايا.

سكت لدقيقة يستوعب الصدمة كإنه، حتى قاربت على أن أنسى هو وياية و سمع الي سمعه لولا نطقه بنبرة ثابتة،
- ما يصح يأجل هالشكل علاج، مو بكيفه.

- ما يقبل والله، قلت له خل نروح نسوي الفحوصات و الله كريم بس كل ما فتحت الموضوع يصير عصبي و يسده.

سكت هو و لمعت عيوني بقهر،
- احنا ما عدنا غيره، شكَد ما أحاول اشرح له و افهمه إنه بدونه نضيع ما يستوعب الفكرة، يظل يكَول محد تضيع ورايا، بس ..
نزلت دمعة مسحتها بسرعة و كملت،

- بس احنا فعلاً نضيع بدونه، هو عودنا إنه محد غيره بحياتنا، ما عدنا أهل غيره، حتى صداقاتنا محدودة و اختلاطنا بالناس بحذر.

و هو رد بتطمين،
- لا تكَولين هالشكل، احنا اهلكم و الظفر ما يطلع من اللحم. الشاهد الله شكثر حاجيته من بعد ما توفى جدي، سوالف جثير، اتوقع هو يحجي لج، دوم يكَول لي شكثر قريبة انتي منه. كَلت له جم مرة يجيبكم و يزورنا ع الأقل، ابوي و متلهف لشوفته اكثر منه والله، و اني دومي رايح راد و التقي بيه، يابا عاد عرّفنا على بنات عمنا، بس هو ضامجن، عليش ما ادري.

- دائماً اسأله عن أهله، و ما يقبل نعرفكم و نتقرب منكم. أصلا بالصدفة سمعته يحجي وياك عن جيتك لهنا و منها عرفت انه عدنا ابن عم يلتقي بيه دائماً و ما يخلينا نتعرف عليه.

رد يصحح لي،
- احنا اهلكم ريّا مو اهَله بس. اذا هو ما اعترف بهالشي من كَبل هساعه من وكَع بشدة تذكر. و انتن بنيّات لوحّيدجن ما يصير تظلن بليّا سند حتى لو ابوجن طيّب و بصحته.

رديت بثقة،
- جنت هواية اتحفظ على هاي الأفكار، و بس خفنا نفقد بابا صرت اقتنع بيها.

رد بنبرة الي قرأ شخصيتي،
- انتي تربية عمي، هو زرع هاي الافكار ببالج من الزغر، بس هذا غلط، و الدليل الجاي يصير هسة.

صفن و كَال بفضول،
- انتي لهجتج مو مال وحدة انولدت و ربت هينا، بس حجيج مو مثلنا.

ابتسمت بفخر،
- على كَولتك تربية عمك، بس لهجتكم يكَول تطلع مني تلعب النفس، و زملائي العراقيين هنا كلهم من بغداد و الوسط، فيعني مشت لهجتهم و ابوية يكَول اهم شي تحجون عراقي مو مهم اللهجة.

رد بابتسامة،
- هذا احسن شي سواه.

خيّم الهدوء على السيارة و نطق بعد وقت طويل،
- انتي تعَرفين تسوقين زين، ترى هاي اول مرة اركب سيارة وية مرة و هي تسوق ...
ضحكت ارد،
- يعني تشوف سياقتي زينة ؟!

- اي ما شاء الله متمكنة.

ابتسمت بمرح،
- عليك الله من تكَعد وية بابا كَولّه هالكلام حتى يصدكَ، لازم يطلع لي غلط، صار لي سبع سنوات اسوق و هو يكَول سياقتج رعنة و ما تعرفين تسوقين.

ضحك يكَول،
- ماكو أب يكَول لعياله تسوقون عدل، هذا اني لسّاعه ابوي يكَولّي ما تعَرف تسوق ...

- يعني الموضوع وراثة !!

- تكَدرين تكَولين هالشكل.

وصلنا للبيت و اني احجي له مقتطفات عن منطقتنا. وكَفت السيارة كَدام الباب و كَلت له،
- جثير الهلا ابن عمي ...

ابتسم بفخر و رد و هو يفتح باب السيارة،
- لا يابا ردي بغدادية احسن. حجي أهلنا ما يرهم على ياهو الجان.

طفيت السيارة و رديت و اني انزل،
- هو اني من شفتك تشبه ابوية، عرفتك راح تتنمر علية.

نزل جنطته مبتسم على تعليقي و فتحت باب البيت فتت كَدامه،
- تفضل دكتور.

تبعني يكَول،
- احنا اهل ريّا، الكلافة بين الغرب.

رديت مرتبكة،
- موو، انت مو بكَدّي أكبر مني بهواية.
ابتسم يكَول،
- مو جبير، كَولي قيس.

ابتسمت خجلانة إنه انطيته انطباع أكبر،
- تفضل قيس.
فتح أركان الباب، ظهر قيس بطوله الواضح و هيئته الثقيلة الوقورة.
لم يكن شاباً خفيف الحركة، بل رجلاً امتلأ حضوره بهدوءٍ صلب، كتفاه العريضان يملآن إطار الباب كأن المكان يفسح له الطريق.

و استقبله ابوية طالع يمشي لجهة الباب و يردد،

- حيّاه، حيّاه .. حي الله من جانا ...
تقرب منه قيس يكَول،
- تحَيا و تدوم عمي، تحَيا و تدوم ..

أخذه ابوية بالاحضان و كإنه حاضن قطعة من روحه، و قيس يبوس راسه و يسأل،
- شلونك، شلون عافيتك ؟!
هزّ أبوية رأسه ببطء و قال بنبرة متعبة،
- هذا حالي و الحمد لله على كل حال.

رد هو يشاقيه،
- هاي شو ما ظال بيك حيل، و اني جاي ازوجك.
و ابوية يضحك بتعب،
- هي زواج يول هو اني الي حيل بعد ؟! الحيل الكم.

دخلوا للصالة.
أركان قعد على القنفة و هو يلهث، بس يحاول يخفي التعب بابتسامة متعبة.
قيس كَعد كَدامه، ظهره مستقيم، عيونه ثابتة عليه ... مو عيون زائر، عيون شخص جاي لغرض.
حسيت فجأة أن الغرفة صغرت، أو ربما هو الي ملأها بحضوره.
وقفت شوي، حست الجو تغيّر.
ذاك المزاح عند الباب اختفى.
أركان ابتسم بتعب: 
– ها يول شخبار اهَلك ؟ سلمان شلون كيفو ؟
قيس ما ابتسم، رد و هو يتأمله،
- بخير يسأل عليك.
ظل يتأمله و نطق، 
- انت شلون كيفك ؟ شو كَاضي؟! 
اركان باعد نظره يكَول،
- العمر الو حوبة، خومو اخذ حيلي و حيل غيري.
و قيس نظراته ثابتة، يتأمله بنظرة طبيب، و أخ صغير يعرفه من صغره،
- اليسمعك يكَول فات بالعمرين، هذن سوالف العمر احجيهن لغيري.

سكون.
ريّا حسّت قلبها دگ بقوة.
أركان لف نظره بعيد: 
- شنو تقصد؟
قيس اتكأ للأمام، صوته هادي بس صلب: 
- أقصد انت ما تعبان من ضغط لو عمر.
رفع عينه مباشرة بعين عمه،
– أركان… لا تستخف بعكَلي. الشيب ترس راسي بالمستشفيات.

ريّا شهقت بخفة بينها و بين نفسها.
أول مرة تسمع أحد يحاجي أبوها بهالإسلوب، بس ردة فعله أكثر من عادية و كأنهم متعودين.

أركان عقد حاجبه، بنبرة حاول يخليها ثقيلة: 
- اني عمك يول.
– و تاج راسي، بس تعَرفني بكلمة الحكَ حت ابوي احاجيه طكَ بطكَ                   

اقترب أكثر، صوته واطي بس قاطع،
- الك فترة تتهرب مني، نازل شكثر من وزنك؟ هذا فوكَ العشر كيلوات،
نقّل نظراته من بين عيونه،
- عيونك صفر. و تنهت و انت ما ماشي عشر خطوات.
نزل نظراته لأصابع ايده، و بحركة عفوية أركان لم اصابعه و مد قيس ايده فتح كفه،
- أصابعك منفّخة. 

ريّا حسّت رجليها ثقّلوا.
أركان حاول يضحك: 
- دكتور، خلي التشخيص للمستشفى.
قيس ما رمش.
– رحت للمستشفى ؟!
صمت.
صمت طويل.
أركان يعرف.
عرف إنه يعرف.
بس ما يكَدر يقول: "ريّا گالتلي".
ما يكدر يكشفها.

لف وجهه بعيد، صوته انخفض: 
- مرض مزمن ... مشى بية.
قيس هز راسه ببطء: 
- يمشي بيك لو انت مخليه يمشي بدون علاج؟

أركان شد إيده على مسند القنفة: 
- يزي عاد قيس.
- لا، ما اعوفك.
صوته لأول مرة ارتفع، مو عصبية حرص.
- شكثر نسبة التليف؟
ريّا حبست نفسها.
أركان تنهد ...
و لأول مرة انكسرت نبرته.
– مرحلة متقدمة.
الكلمة وقعت بثقل.
قيس غمض عيونه لحظة، كأنه يتأكد من نفسه.
- حجولك بالزراعة ؟!
أركان سكت.
- أركان.
نطقها بهدوء مخيف.
- الطبيب شگالّك عن الزراعة؟

أركان لف عليه بعينين متعبة: 
- گلي الحل الوحيد زراعة.
ريّا حسّت دموعها تجمعت فجأة.
هو اعترف.
اعترف كَدامهم.
قيس بلع ريكَه، حاول يسيطر على انفعاله، و نطق بأمل،
- و جبتني تا نسوي الاجراءات ؟!
أركان ابتسم ابتسامة باهتة: 
- لا ماريد أذّي أحد منكم.
– و منهو كَالّك عيشتك بهالوضع تونّسنا ؟!

الجو ثقل.
أركان رد بهدوء: 
- عندي بنات ... ماريد يتعذّبن وياي.
قيس مال للأمام أكثر، عينه تلمع:
– وانت هسه شمسوي بيهن؟ مخليهن يشوفنّك تذوب جدّامهن؟ هذا ونسة ؟!

أركان سكت.
قيس تنفس بعمق، حاول يهدأ:
– اسمعني ... الزراعة مو انتحار. والفحوصات مو حكم بالإعدام. خليها على الله، بس لا تسد الباب بنفسك. جثير مروا بهالمرض و الزراعة نجحت و هاي عايشين عمر النسر.
نظراتهم تلاقَت.
نظرة رجلين يعرفون بعض من عمر.

قررت تنسحب عن أنظارهم شوية لعلّ أبوها يلين وية قيس الي حاوطه من كل الجهات. و سمعت صوت أبوها ينطق بصوت مبحوح: 
- خايف.

و صوت قيس هدأ فجأة.
- أدري.
كلمة بسيطة… كسرت الجو.
-  بس الخوف ما يقرر بدالك. انت مو لوحدك.
أركان غمض عيونه، كأنه استسلم.
– نسوي الفحوصات.

ريّا ما استوعبت الكلمة بسرعة.
قيس كررها بهدوء: 
- نسويها. والباقي على الله و لكل حادث حديث.
و عم سكون طويل.

رجعت ريّا للصالة وية صوت خطوات صغيرة.
رهف، بشعرها المفكوك و بجامتها الوردية، واقفة يم الدرج، عيونها مفزوعة من الجو المشحون.
– بابا ... عمو ليش عصبي ؟!

قيس التفت فوراً.
كل حدّته اختفت بلحظة.
ابتسم لها، فتح إيده: 
- تعالي يابا ...

تأملته مترددة و فاجأتها لما راحت له بخطوات و إن تكن مترددة بس غريبة و هي توها شافته يتجادل وية أبوها. وكَفها بين رجليه محاوط جتفها، كأنه يعرفها من زمان.
- شسمچ؟
- رهف.
- رهف؟ الله ... اسم حلو.
ابتسمت خجلانة بحضنه و هو يسألها،
- شكَد عمرج ؟!
و هي فتحت له أصابعها الأربعة، و سألها،
- اي هاي شكَد ؟!
ردت خجلانة،
- أربعة.
رفع حواجبه يكَوللها، 
- انتي اكبر من بنتي بسنة.

و هي تحمست،
- عندك بنية ؟ شنو إسمها ؟ 
مسّد شعرها بأصابعه يكَول،
- اسمها هبة.
و هي انطلقت وياه، الموضوع أثار فضولها،
- وينها ؟ ليش ما جبتها نلعب ؟!
و هو رد بنفس إسلوبها،
- هالمرة جيت سريع، نوبة الاخرى اجيبها.
هزت راسها مقتنعة و طبع قبلة خفيفة على شعرها.
ريّا كانت تراقب.
شي غريب ...
طريقته وياها طبيعية بشكل مو طبيعي.
مو توتر.
مو حرج.

قيس فك إيده عن جتفها بلطف: 
-  عندچ ألعاب؟
- ايييي.
-  شو جيبيهن تاشوفهن بس نخلص سوالف.
رهف ركضت لفوكَ و مبينة النية تجيب له ألعابها فعلاً.

ريّا ظلت تتأمله ... نظرة فاحصة.
و أبوها سأله،
- شكبرها صارت هبّاوي ؟!
و هو ابتسم يحرك كفه بنفس مكان رهف الي كانت بحضنه،
- ثلاث سنين، مو تدري بيها وية رهوفة الله يحفظها.

ريّا رمشت. شكَد هيئته هيئة أب !!
شافت نسخة من أبوها ... شاب قوي ... طبيب ... هيئة سند .. و يتصرف وياهم من الكبير للصغير بثقة مخيفة !!

و التفت لعمه يكَول،
- أول شي نسوي الفحوصات. وبعدين نحچي.
و هنّوبة تمشي بوراي و ما تعاند.
و ابوها معترض،
- يول شو اخذتنا حاصل فاصل ؟!
و رد بثقة،
- و انت عليش جايبني ؟! 

استسلم أركان يتوارى بعيونه عنه و يكَول،
- انت صاير جنك سلمان.

نزلت رهف من فوكَ، رجعت و هي حاضنة دبدوب وردي و وراه صندوق صغير ألعاب مكعبات تجرّه وراها و يضرب بالأرض.
- عموو شوف!

قيس انحنى لمستواها قبل لا توصل، كأنه متعود يسويها. - هاه ... هاي الدبدوبة شكلها مدللة مثِلچ.
ضحكت و قربته من وجهه: 
- اسمها لولو.
- لولو؟ زين لولو تسمح لنا نلعب بمكعباتها لو لا؟
رهف هزت راسها بسرعة: 
- لااا، هاي مالتي مو مالتها. تعرف تلعب انت ؟!

نزل وياها عالأرض، مد إيده للمكعبات،
- هسة نشوف اعرف لولا.
بنى برج صغير بسرعة و كال: 
- تعالي سوي برج أطول من برجي، نشوف منو يفوز.
كانت تنظر له بإعجاب صافي، مو خوف، مو تردد… ثقة فورية.

ريّا ظلت تراقبهم من طرف الصالة. الطريقة. الصوت. الهدوء.
كأنه فعلاً أبوها.
أركان يتأملهم بصمت، بعينين بيهن شيء غريب ... ارتياح ممزوج بحزن خفيف.

ما طولوا أكثر من دقيقتين، ريّا استوعبت إن الوقت تأخر، و العشا جاهز.
رفعت صوتها: 
- قيس، بابا .. يلا العشا جاهز.

رهف رفعت راسها باعتراض طفولي: 
- بعد شوية!
قيس ما استعجلها، ما انزعج. بس مد إيده بهدوء و رتب شعرها ورا أذنها:
- لازم تاكلين حتى تصير عندج طاقة و تسوين البرج أعلى.
رهف فكرت مرة ثانية ... و هزت راسها مقتنعة.
- باچر نكمل؟
- وعد.

وكَف و شال الدبدوب بإيده و ناولها إياه: 
- يلا خلي لولو تتعشى ويانا هم.
ركضت كَدامهم للمطبخ.

ريّا دخلت و بدت ترتب الصحون على السفرة. رغد جابت السلطة و المي و كل شي مرتب بعناية.
أركان جلس على رأس السفرة و تنهد بخفة، بس هالمرة تنهد أهدأ.
قيس جلس يمّه بهدوء، ظهره مستقيم و أكتافه العريضة مستقرة على ظهر الكرسي و أصابع إيديه متشابكة أمامه.
رهف حاولت تصعد على الكرسي بسرعة و تزاحم حتى تكَعد يم قيس.
أبوها يكَول،
- يواش يولي لا تكَعين.
قيس مد إيده يساعدها قبل لا توكَع. 
- يواش يواش ... الأميرات ما يركضن، يمشن بهداي.

رهف ابتسمت بخجل و كَعدت مستقيمة.
أركان ابتسم بفخر، و بدون مقدمات، بنبرة رجولية عفوية:
- قيس يابا اعذرنا ع القصور، احنا هذا اكلنا.

تأمل السفرة،
- كله خير و بركة، تسلم ايدين التعبت بيه.
و ابوية يكَولّه بفخر،
- هاي الأكل من ايدين أمنا ريّا، اللكَمة من ايدها عافية. 
و أشر له على رغد،
- و هالسكوتيّة هاي كل شي تشوفه مرتب و نظيف هذا شغلها.

ريّا حاولت تخفي ابتسامة خجلها و هي تصب الشوربة.
قيس لف عليها نظرة تقدير صريحة: 
- الله يحفظهن و يبارك بيهن. البيت حنين، و ريحة الاكل تفتح النفس والله.
رغد ابتسمت بخجل خفيف. رهف رفعت إيدها فجأة:
- و آني؟!
ضحك أركان: 
- و انتي شنو؟
رهف بعناد طفولي: 
- آني شسوي؟
قبل لا أحد يجاوب، قيس مال عليها بخفة: 
- انتي أهم وحدة.

عيونها اتوسعت.
- ليش؟
- لأن كلهم يتعبون لخاطرج. هاي تطبخ حتى تكبرين و تصيرين قوية، و هاي ترتب حتى تظلين بأحسن مكان.
و بابا يشتغل حتى يشوفچ تضحكين.
و اني جاي مناك لهينا حتى أشوف الأميرة شلونها.

رهف ابتسمت ابتسامة فخر، و كَعدت مستقيمة أكثر، كأنها فعلاً أميرة.
- يعني آني أميرة صدك؟
- إذا مو انتي… منو؟
مد إصبعه يرفع ذقنها بخفة: 
- بس الأميرة تاكل زين حتى تصير ملكة بعدين.
رهف ضحكت و بلشت تاكل بحماس.

و ريّا كانت تراقب بصمت.
طريقة كلامه. نبرته. ثقة الرجل الي يعرف شلون يحتوي طفل بدون ما يكسره.
و نظرت لأبوها…

كان يتأمل قيس بهدوء. نظرة ارتياح عميق … كأنه شايف شيء كان يتمناه.
و فجأة، الجو حسّته ريّا تغيّر.
مو بس اجتماع عشا. كان كأنه تسليم غير معلن … كأن أبوها يريد يشوفه كل شي.
و قلبها انقبض بخفة. إحساس غريب ... مو خوف كامل، مو راحة كاملة.
شي بين الاثنين.

و قيس رفع نظره صدفة و التقت عيونهم لحظة.
ابتسم لها ابتسامة هادئة ... ما كانت مجاملة.
و لأول مرة من يومين …
حست إنها مو وحدها تماماً ...

بعد العشا انشغلت رغد بالصحون، رهف ظلت تحچي عن لولو و البرج الي راح تكمله باچر، و بابا وقيس كَعدوا بالصالة يحچون بهدوء.

ريّا سوت لهم الجاي المهيّل، قدّمته الهم و انسحبت بدون ما يحسّون. حاولت تلهي نفسها بالمطبخ، و هي و رغد صامتين أمام التغيير الملحوظ ببيتهم.

صعدت الدرج بخطوات ثقيلة، دخلت غرفتها، غلقت الباب بهدوء و سندت ظهرها عليه.

سكون.
صوت ضحكة رهف جاي من بعيد … و تكلمه منطلقة بكل حماسها الي واصل للطابق الفوق.
غمضت عيوني.
ليش هالتغيير مأثر بيّة هيچ؟
مشيت للمراية.
وقفت امامها، اتأمل بملامحي.
عيوني تعبانة، ملامحي أحسها كبرت بيومين، يمكن اني أبالغ، بس هذا أبوية.
عيوني تتأمل بملامح ريّا و راودتني مشاهد اخترقت دماغي، مشيته و هو جاي بالمطار، نفس هيبة الهيئة، بس الحضور أثقل، من خلال ساعتين عرفت انه هالشخص حضوره أكثر هيمنة و تملّك. 

جلست على حافة السرير.
صورة وحدة ظلت تعيد نفسها بعقلها: قيس نازل لمستوى رهف، حاضنها بين رجليه، يحچي وياهـا بهدوء، يشرح لها إنها أميرة.
مو مجرد عمو يلاطف طفلة.
لا…
هذا أب يعرف شلون يحتوي.
رفعت كفّها و ضغطته على صدرها.
ليش هالشي زعجني؟

يمكن لأن الصورة الي رسمتها إله بعقلي كانت مختلفة.
كنت شايفته أسهل،
سند،
ظهر، 
بس مو بهذه الهيمنة.

ضحكت بخفة ساخرة من نفسها: 
- و شنو توقعتي؟ يجي أحد من بيئة مختلفة بس مفصل تفصيل ؟!

نهضت تمشي بالغرفة.
- هو جاي علمود بابا … مو علمودنا.
وقفت يم الشباك، الثلج بعده مغطي الشارع، ضوء العمود ينكسر عليه.
فجأة تذكرت نظرة بابا اله بالعشا.
ذاك الارتياح.
ذاك الشي الي يشبه … التسليم.
قلبها انقبض.
لا.
لا يكون بابا يفكر …

هزت راسها بقوة، كأنها تطرد الفكرة.
- لا تسوين دراما براسج.
بس فكرة ثانية دخلت بدون إذن:
لو صار شي لبابا …
قيس موجود.
هو قوي.
هادئ.
فاهم.
يعرف يحچي و يعرف يسند.

غمضت عيونها و همست: 
- ليش حسّيت بالأمان من قال انت مو وحدج؟
هذي الجملة هي الي مربكتها هسة.

مو حتى شبهه ببابا.
بس إحساس الأمان الي دخل بدون استئذان.
جلست مرة ثانية، سحبت ركبتها لصدرها.
- ما يصير.
همستها بخوف صادق.
ما يصير تتعلقين بأي صورة بديلة عن أبوچ.
ولا يصير قلبچ يفسر الأمان غلط.

فزت على صوت المنبه، صار وقت تبدل و تطلع للدوام.

تجهزت و نزلت الدرج، التفتوا عليها التوأم من الصالة، و أبوها يكَولّه،
- ريّا هالاسبوع دوامها شفت ليلي.
و سألها،
- شتّخصصين ؟!

ردت بابتسامة،
- Prosthodontic Restorative Dental Residency.
( يعني اختصاص ترميم و تركيبات الأسنان).
رفع حواجبه بإعجاب،
- ما شاء الله، أي مرحلة ؟! 
- توني بالثالثة.
رد بتأكيد،
- انتو اربع سنوات.
هزت راسها و ابتسم يكَول،
- بالتوفيق دكتورة.
- أشكرك،
و عمّته هو و ابوها بالنظرة،
- اني رايحة تحتاجون شي ؟!

أبوها رد،
- اخذي حذرج من الدرب يابا. الله وياج.
و قيس التفت يكَول،
- ريّا بلا أمر عليج تقارير عمي وين ؟!

بخفة تحركت جابتهم اله، خلتهم بإيده و انتبه على ملامح الهم بوجهها، سحبهم بهدوء واثق يكَول،
- نعدّيها بحيل الله.
- ان شاء الله.

تحركت خطوة من عنده و تبعها ب،
- بالسلامة.

طلعت من البيت و قضيت ليلي بين حالات محجوزة و حالات طوارئ، رغم اختصاصي مو جراحة أو اختصاصات تتطلب طوارئ، بس جزء من متطلبات تخصصي هو روتيشن بقسم طوارئ جراحة الوجه و الفكين لمدة شهرين.

المستشفى بهالساعة كان بنص نشاطه.

ضوء الفلورسنت الأبيض يغسل الممرات، صوت العجلات المعدنية للعربات يمر كل كم دقيقة، و رائحة المعقمات الثقيلة تملأ المكان.
ريّا كانت واقفة على طرف السرير، تراجع ملف المريض بدقّة.

الممرضة قالت: 
- دكتورة الحالة الجاية trauma وية دكتور جورج.
رفعت رأسها فوراً.
و توجهت لقسم الطوارئ.
أول ما دخلت اجاها صوت دكتور جورج: 
-  كسر بالفك محتمل، و جرح عميق بالشفّة.

اقتربت بسرعة.
لبست القفازات و هي تركز عيونها على الفك.
- افتح فمك شوي.
المريض أنّ بصعوبة.
فحصت الإطباق بسرعة، بنظرة ليمين و يسار عضته،
- احتمال fracture بالـ mandible.
دكتور جورج،
- نطلب CT.
هزت رأسها
- و CBCT دكتور، بس نوقف النزيف أول.
بدأت تنظف الجرح.
الدم بدأ يخف تدريجياً.

صوت الأجهزة حولها، حركة الطاقم، التعليمات القصيرة ... كلها كانت مألوفة.
هنا ريّا كانت مختلفة.
هادئة.
مركزة.
إيدها ثابتة.

بعد نص ساعة، المريض انتقل للتصوير.
نزعت القفازات و تنفست ببطء.
وقفت لحظة تسند ظهرها على الطاولة المعدنية.

الغريب …
عقلها رجع لهيئته و هو ياخذ منها ملفات التقارير،
و صوته يقول بهدوء:
"نعدّيها بحيل الله."

تنفست بعمق و همست لنفسها:
- اي … نعدّيها.
بس مو كل شي يمر بسهولة.
مو كل شعور نكدر نتجاهله.
سحبت الملف الجاي و مشت باتجاه الغرفة الثانية.
الليل بعده بأوله.

الممرضة رجعت تركض باتجاهها.
- دكتورة ريّا، حالة جديدة جاية.
رفعت رأسها.
- شنو؟
– حادث سير، منفجرة الأكياس الهوائية بوجهه.
تنهدت بخفة و مشت وياها بسرعة.
دخلت لباب الطوارئ مرة ثانية
رجل متوسط العمر… يمكن ثلاثيني.
وجهه شاحب، و دم متخثر عند زاوية فمه.
صوت المونيتور يرن بنغمة ثابتة.
قربت ريّا بسرعة.
– شنو القصة؟
المسعف رد:
– حادث سير، منفجر كيس الهوا بوجهه، حادث كبير.
قلبها شد لحظة.
دوخة.
هزّت راسها،
- خلي راسك ثابت.

لبست القفازات.
اقتربت من وجه المريض.
- سيد تسمعني؟
المريض فتح عيونه نصف فتحة.
- بهدوء، شوي شوي، افتح فمك.
حاول بصعوبة و طمنته بهدوء،
- لا تضغط على نفسك، بس افتح الماكسمم الي تقدره.
لما حاول يفتح فمه أكثر، انحرفت العضة بوضوح.
ريّا تبادلت نظرة سريعة مع دكتور جورج.
كلاهما فهم قبل أن يتكلم.
الحركة محدودة، مايلة، عضة الأسنان مو طبيعية.
قالت بهدوء مهني:
– احتمال fracture بالـ condyle.
دكتور جورج قرّب:
– حوليه CT دكتورة.
هزت رأسها.
إيدها كانت ثابتة … بس داخلها شي يتحرك.
صورة أبوها مرّت بعقلها فجأة.
وجهه وهو يقول:
"هذا حالي و الحمد لله."
تنفست ببطء.
لا.
هنا لازم تبقى دكتورة.
الممرضة نظفت وجهه من الدم، و وجهتها ريّا،
– CT لقسم الأشعة فوراً.

المريض حاول يتكلم.
صوته ضعيف:
– دكتورة.
بهدوء طمنته،
– لا تخاف.
قالتها بهدوء غريب حتى على نفسها.
– تعدّيها ان شاء الله.

ساعات طويلة مرت بقسم الطوارئ، و بآخر ساعة توجهت لمكتبها تكتب تقارير المرضى الها، للتوثيق، هذه الحالات أثناء علاج كسور عظام الوجه لازم تتواجد، و تقود، و تصمم لهم تعويضات الأسنان المفقودة كلها و تعالج سوء الإطباق بعد الحوادث.

دخلت للبيت منهكة، خلعت حذائها و تركتها بكومدينة الأحذية عند المدخل و مشت لداخل البيت الهادئ إلا من رائحة الخبز المحمص، و الجاي المهيّل.
قبل لا توصل للمطبخ عرفته أبوها و أجواءه، و بس اقتربت تفاجأت بيهم مسوين ثنائي اليوم !! 

صفنت عليهم، قيس يحرك البيض على النار، و أبوها خلى آخر لمساته بترتيب الخبز بالسلة و التفت كشّف غطا قوري الجاي، يشتغلون بانسجام رهيب و مبتسمين كإنه أطفال ممتعتهم لعبة.
مالت بجسمها على إطار باب المطبخ تكَول،
- هاي شتسوون ؟! 

رفع أبوها نظره إلها يتأمل وجهها المتعب و ضحك يكَول،
- بنت حلاال، يلا اكَلطي.
رفع لها قيس نظرته بابتسامة،
- حيّاج حيّاج، جيتي بوكتج.

تقربت خطوتين تكَول،
- زين جيبوا اسوي شي، عيب جاية بس اكل.
أبوها كان توه شايل القوري، و نزّله يكَول،
- يلا عن الحلال و الحرام صبّي الجاي.

تقربت اخذته تصب و تكَول،
- جنت حتى الجاي تصبلي، بس لا ابن اخوك خربك علية!

ضحك قيس يكَول لعمه و هو يبادله نظرة شكوى،
- تجيك التهايم و انت لا بيها ولا عليها. 
و الآخر يرد،
- شتسوي تتّحمل، لسانها بس يكَط علينا صواجع.

كَعدوا ياكلون و شافت مخلمة أبوها بالطاوة، مدت إيدها ذاقت أول لكَمة تكَول،
- والله بابا هاي اطيب اكلة تسويها.

و أبوها تبادل نظرة و بسمة وية قيس،
- اني ما سويت شي.

صفنت تنقّل نظرها بينهم و أصابعها تتحرك على استكانة الجاي أثناء تأملها و ردت رافعة حواجبها،
- داحاول اقتنع بيكم مو توأم، و حركت إيدها تلوح بأصابعها تحاول تعبر،
- صدكَ والله، يعني، يعني اني و رغد ما نتشابه بالتصرفات هالشكل !!

قيس جالس على يمين والدها، ابتسم نص ابتسامة و رد و هو يرفع قطعة الخبزة للطاوة،
- ولا اخوتي يشبهوني هالكثر !! 

سكتت مواصلة تأملها الصامت، و ختمت أكلها بقولها،
- عاشت ايدك، رهيبة.
نهض عن الطاولة مد إيديه يجمع الصحون و رد،
- بالعافية.
نهضت مدت إيدها أمام إيديه تستوقفه،
- لاا هذا علية.

تجاهل منعها له و حمل الي أمامه يكَول،
- ميخالف، جاية من دوام انتي روحي ارتاحي.
- لا قيس والله لا، عوفهم،
و التفتت بنظرة ترجي لأبوها الي نطق يختم الجدال،
- قيس عوفها تشيلهن يابا، تكاونّي اني عليهن.
بادله النظرة و كمل،
- صب كوبين جاي و تعال للصالة.

أخذ كوبين الجاي و تبعه بهدوء. و هي بسرعة لمت كل شي، و طلعت من المطبخ، على الدرج واقفة و استأذنتهم صعدت لغرفتها، ما تعرف كيف بدلت ملابسها بس خلال دقيقتين دخلت بسبات عميق.

هدوء الصباح بالمستشفى، الممرات مضاءة بالضوء البارد، لا تخلو من بعض ضوضاء حركة الموظفين المتنقلين بين الغرف.

قيس واقف عند مكتب الاستعلامات، ملف الفحوصات بإيده، وجهه جدي و مركز. أركان يمشي خلفه بخطوات بطيئة، عيونه قلقة، كأنه يحاول قراءة نية ابن أخيه.
- هسع انت جايبني شتسوي ؟!
سأل أركان، صوته يحمل حذر وارتباك.

- لازم نتأكد من كل شي قبل لا نقرر شي، 
قالها قيس بهدوء، لكن صوته يحمل ثقل قرار لا رجعة فيه. 
- كَلت لنفسي، ليش ما أبدأ بالفحوصات أني شخصياً؟
أركان توقف فجأة، عيونه اتّسعت،
- شنو ... إنت جاي تفحص؟ إنت تعرف شتخربط ؟!

قيس رفع نظره، عيونه ثابتة على عمه:
- أعرف. و أعرف شنو شعورك. بس قبل ما ناخذ قرار نهائي، اني لازم أعرف إذا جسمي جاهز، إذا اكو فرصة، قبل ما نتأمل بمتبرع خارجي.
– لا… لا قيس… ما تصير، هالشي ما يصير، 
أركان يحاول يجمع الكلمات، لكن صوته ارتجف،
- إحنا نكَدر ننتظر المتبرع ...
- عمي، اني ما جاي العب و احط احتمالات 
و كمل بثقة، خطواته تقترب من أركان، حضوره يملأ المكان،
- جاي افحص لأنه هذا لازم يصير ... قبل أي قرار. لازم نعرف أوراقنا و امكانياتنا.
أركان تنهد، يحاول يدور وجهه بعيد:
- وما نكَدر نحجي بالبيت؟ جبتني تحطني بالأمر الواقع ؟!
ابتسم قيس بخفة، لكنها ابتسامة مليانة حزم:
– أركان … صدكَني، الكلام بالبيت راح يضل كلام. هين نكَدر ننجز أسرع، نأخذ نتائج دقيقة. و اني ما أريد أسوي خطوة وراها شكوك.

أركان سكت، قلبه يتسارع. يعرف نبرة ابن أخوه، يعرف لما يقول كلماته بهذا الوقت و الهدوء، إنها مو مجرد كلام … إنها قرار.
- بس…  
ظهرت ملامح التردد بوجه أركان يكَول،
- و إذا صار لك شي ؟ خل تولي السالفة قيس.
قيس تقرب أكثر، هدوءه صار أقوى من أي جدال:
- كل شي تابع لمراقبة طبية. و اني ما سويت شي يا يابا، هي فحوصات تا نعرف راسنا من رجلينا.

وكَف أركان لحظة، يتأمل بعيون قيس، شاف بيها صلابة و حزم، و حس بشيء غريب ... إحساس بالأمان، حتى وسط خوفه.
- إذا … إذا تبين كل شي تمام … 
توتر أركان بالكلام و كمل ببطء،
- قيس انت عندك بنية، عندك اهل حبيبي.
– يابا فدوة غديت خل نجيك اول، بوراها لكل حادث حديث

أركان هز راسه، صامت للحظة، ثم ابتسم بخفة، مزيج من ارتياح وقلق:
- زين زين، بس ما تسوي شي من وراي.
قيس أومأ، رفع الملف و بدأوا يتجهون لغرفة الفحوصات.
كل خطوة له حضور … كل حركة محسوبة … و كل كلمة تقوي الثقة بين الاثنين، رغم التوتر الخفي.

دخلوا قسم زراعة الأعضاء.
القسم كان مختلف عن باقي المستشفى.
أهدأ … أنظف … و الوجوه بيه أكثر جدية.
الممرضة أخذت ملف أركان ونظرت لقيس.
- حضرتك قيس؟
هز رأسه.
- نعم.
- دكتور سامر بانتظاركم.

دخلوا غرفة الاستشارة.
طبيب خمسيني يجلس خلف المكتب، نظاراته منخفضة قليلاً على أنفه و هو يراجع التقارير.
رفع عينيه.
– أهلاً أهلاً تفضلوا … 

صافحه قيس بهدوء، و أركان، نقّل نظراته بينهم و ثبت على العيون المتعبة و الوجه الشاحب المصفرّ،
- أهلاً أركان ...
أركان رد التحية باحترام و جلس.

الطبيب فتح الملف أمامه.
– اني تم عرض التقارير علية قبل وصولكم و تفاجئت، شنو الي خلى التليف يوصل مرحلة رابعة يلا نبدأ علاج ؟!

رد أركان،
- من شهرين عرفت، كان بالمرحلة ثالثة، بدأت علاج بس تقدم التليف بسرعة. تعرف دكتور هذا المرض أعراضه بالبداية مو واضحة، رغم اني طبيب و اعتني بصحتي و أكلي و لياقتي، بس صدفة اكتشفته.
هز الدكتور راسه و رد بنبرة واقعية،
- العلاج الدوائي ما يوقف التدهور هسة. الحل الواقعي الوحيد هو زرع كبد.

أركان زفر بهدوء كأنه يسمع الحكم مرة ثانية.
– نعرف دكتور … بس بعدنا نريد نصيحتك للتبرع.

هنا قيس قال بهدوء:
- ما ننتظر.
رفع الطبيب حاجبه.
و أردف قيس،
- أريد أبدأ فحوصات التبرع.

الغرفة سكتت لحظة.
أركان التفت له بسرعة.
– قيس يواش.
لكن قيس لم ينظر له.
عيونه على الطبيب،
- فصيلة دمي نفسه.
نقّل الدكتور نظره بينهم من فوق نظارته يقول،
- شنو صلة القرابة بينكم ؟ 
- عمي.

رفع حواجبه،
- خيار ممتاز.
و شبك أصابعه يكَول،
– الفحوصات مو بسيطة … تقييم كامل،
تحاليل دم، تصوير للكبد، فحص حجم الفص المتبرع، تقييم نفسي … العملية كبيرة.
- أعرف.
ردها قيس ببساطة.

التفت الطبيب لأركان.
- حضرتك موافق؟
أركان نظر لإيدين قيس لحظة … و تذكر الإيدين الي كان يلزمها و هو طفل يعلمه يمشي. و الطفل الي كان يسرقه من أمه و ياخذه للنهر يعلمه يسبح.
و هز رأسه بسرعة و كأنه يطرد الفكرة من باله،
- لا… لا اني ما موافق.

التفت لقيس بعصبية مكبوتة.
- إنت مخبل؟! شتسوي بنفسك؟!
قيس أخيراً نظر له.
هدوءه كان أثقل من صوت أركان.
- عمي … خلينا نحچي بهدوء. مو من مسّاع اتفقنا نفحص و الله كريم ؟!
- لا بهدوء ولا غيره! اني ما أسمحلك تخاطر بنفسك.
قيس مال قليلاً للأمام.
نبرة صوته نصت … لكنها صارت أثقل.
- أركان… لا تخبلني.
سكت أركان لحظة.
ثم أردف قيس بهدوء ثابت:
- اني مو زعطوط … كل شوي ممشيني براي.

الطبيب رفع حاجبه قليلاً، يراقب الحوار.
قيس كمل:
- أعرف شنو يعني زرع كبد.
و أعرف نسبة المخاطر للمتبرع … أقل من واحد بالمية بالمراكز المتقدمة.
و وجه كلامه للدكتور،
- دكتور صحح لي اذا آني غلطان.
و أكد له،
- لا كلامك صحيح، المتبرع اذا كان جسمه صحي و قوي خالي من الأمراض، ما تزيد نسبة المخاطر عن 1%.

أركان ضغط كفيه ببعض.
- بس تبقى مخاطرة.
- كل شي بالحياة مخاطرة.
رد قيس ببساطة.
ثم أضاف:
- بس فرق جبير بين مخاطرة محسوبة … و موت ننتظره و احنا نتفرج.
أركان سكت.
قيس كمل بهدوء:
- انت تريد تنتظر متبرع… صح؟
- اي.
- تعرف شكثر ممكن ننتظر؟
سكت أركان.
قيس قالها بوضوح:
- أشهر … يمكن سنة … يمكن أكثر.
الطبيب هز رأسه مؤكداً.
- صحيح.

قيس أردف:
– و انت حالتك ما تتحمل.
أركان نظر للأرض.
قيس اقترب قليلاً … صوته صار أهدأ.
- عمي… اسمعني زين.
رفع أركان عيونه له.
- إذا طلعت الفحوصات مو مناسبة … مثل ما وعدتك، انتهى الموضوع.
ننتظر متبرع.
بس …
توقف لحظة.
- إذا جانت متطابقة …
ليش نخلي عائلتك تعيش قلق كل يوم؟
أركان صوته خفت.
- بس اني ما اريدك تتحمل هذا.

ابتسم قيس ابتسامة صغيرة.
- اتحمل شنو؟
عملية يعيش بعدها المتبرع حياة طبيعية؟
ثم قال بهدوء:
- عمي … الكبد عضو يتجدد.
الفص يرجع ينمو خلال أشهر.
الطبيب أومأ.
قيس كمل:
– يعني لا أنا أخسر حياتي… و لا أنت تخسرها.
أركان تنفس ببطء.
بس خوفه ما اختفى.
- و البنات؟
رفع رأسه.
- ريّا… رغد… رهف…
صوته صار أهدأ.
- إذا صار شي بيك … شراح يصير بيهن؟
سكت أركان و كمل له قيس بطولة بال، 
- خليهن على الأقل شايفاتك تاخذ بالأسباب لخاطرهن.
ثم أضاف بهدوء صادق:
- و اني اضمن لك ما يصير عليهن شي.
الغرفة سكتت.

كان وعد أكثر من مجرد جملة.
أركان نظر له طويلاً.
كأنه يحاول يقرأ الرجل الي أمامه.
هذا مو ذاك الطفل الي كان يركض وراه قبل سنين.
هذا رجال …
واكَف كَدامه بثبات غريب.
اتفقوا على إكمال الفحوصات لقيس، شكروا الطبيب و طلعوا.
خرجوا من الغرفة بصمت.
أركان كان يمشي أبطأ من قبل. خطوتين مشوا عن الباب و قال بصوت منخفض:
- ليش ؟!

قيس رفع حاجبه.
- شنو ليش؟
- ليش تسوي كل هذا ؟!
قيس ابتسم بخفة.
- لانك رفيج دربي.
ثم أضاف بهدوء:
- و لأنك تستاهل اكثر من هذا

صمت طويل.
أركان أخيراً تنهد.
رفع يده يفرك جبينه.
– الله يهديك يابا ...

مشوا و هو ينظر للباب الي خرج منه.
قلبه مليان خوف …
بس لأول مرة من شهور …
بيه أمل.... 

تعليقات