رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل الثاني 2 بقلم هند رفاعي


 رواية لا تترك يدي الجزء الثاني الفصل الثاني 

عاوز هنا اثنين مراقبين الشاطئ"

قال خالد العاطف مدير الفندق الجديد وهو يتفقد الفندق للتأكد من الاستعدادات للافتتاح، مرا على الشاطئ الخاص بالفندق.

ملهوش لزوم با استاذ خالد بياخدوا مرتب على الفاضي، مجرد انهم واقفين مراقبين الناس على الشاطئ"

توقف خالد فجأة والتفت إليه وقال

"ولما تحصل مصيبة وحد يغرق، مش هنشيل أحنا ذنبه"

" إن شاء الله مش هيحصل حاجة، يعني أثنين ياخدوا مرتب قد كدة لمجرد انهم قاعدين يراقبوا الناس اللي نزلت العاية علشان لو حصل وحد دخل جامد في الماية يجبوه. "

"اللي أقوله يتنفذ. أنا مش عاوز مصيبة في الفندق."

"حاضر قبل الإفتتاح منشغل أتنين منقذين. أي أوامر ثانية ؟"

"لا أتفضل حضرتك "

دخل عاطف مكتبه وهو في قمة غضبه، فهو رجل في منتصف الخمسينات من عمره وله عشر سنوات خبرة في إدارة الفنادق ولم يحدثه أحد بهذه الغلظة من قبل، وها هو الآن يتلقى الأوامر من شاب في مقتبل العمر متعجرف بماله، فبدون أموال أبيه وفنادق أبيه التي ورثها كان مصيره عامل استقبال في أصغر فندق يديره عاطف، ولكن ما باليد حيلة فخالد صاحب الفنادق ورئيسه ولا يستطيع عاطف مخالفته، جلس عاطف على مكتبه وبدأ في تنفيذ توجهات خالد الفاشلة من

وجهة نظره.

جلس خالد على الشاطئ وسرح بتفكيره في حال الدنيا، ففي خلال عشر سنوات نهض بفنادقه التي ورثها عن أبيه، ففندق اللوتس في القاهرة ترقى من فندق ثلاث نجوم الفندق خمس نجوم. وفندق اللوتس في أسيوط ترقى من فندق درجة ثانية الفندق ثلاث نجوم، وبنى فندق اللوتس بشرم الشيخ من الصفر. فهو أكبر إنجاز له في حياته العملية، هذا الفندق يعتبر وليده فهو لم يرته مثل باقي الفنادق من أبيه. هذا الفندق فكرته وبني من أمواله الخاصة، وها هو الحلم تحقق أمامه وأصبح حقيقة ويفصله عن إفتتاح الفندق أسبوع واحد فقط.

تعجب خالد من أحوال الدنيا وحمد الله كثيرا على توفيقه في عمله. فلولا مقابلته لمريم من اثني عشر عاما ووجودها بجانبه طوال هذه الفترة ما كان بمقدوره تحقيق كل هذا الإنجاز في فترة قصيرة كهذه، وأيضا لولا حادث الحرق الذي تعرض له منذ عشر أعوام ما كان انتقل للحياة. في أسيوط فترة تعليمه الجامعي وما أكتسب الخبرة الكبيرة في إدارة الفنادق من خلال عمله في فندق أسيوط لفترة أربع أعوام بأكملها.

أبتسم خالد عندما تذكر أصعب وقت مر عليه في حياته وقت إصابته بذلك الحريق والآلام المفجعة التي تحملها في ذلك الوقت تسائل لو علم حسام أن يذلك الحادث الذي ديره أسدى خدمة عظيمة لخالد، بدلا من أن يتسبب ذلك الحادث في فشله في دراسته بل تسبب في نجاحه ووصوله لهذه المكانة في وقت قياسي.

تذكر أيضا معاونة زوجته ورفيقة دربه مريم له في ذلك الوقت، وتحاملها على نفسها لمساعدة في استذكار دروسه. ووصفات وخلطات الأنترنت لتساعده على الشفاء بأسرع وسيلة وبدون أي

نديات تذكر بالرغم من قوة الحرق.

تمنى وجود زوجته معه في هذا الوقت لتشاهد ثمرة تعبهم طوال عشر سنين، تمنى لو تخرج من قوقعتها وتقف بجانبه ليفتخر بها وويستند عليها في وقت نجاحه مثلما ساندته في صعابه.

تمنى لو يعلم سبب تمنعها من مرافقته وكرهها للظهور أمام العامة. فقد سألها كثيرا وألح عليها بالطلب الترافقه ولكنها دائمة الرفض. فهي منهمكة بمتطلبات الأولاد وأعمال المنزل والإهتمام

بكل ما يتعلق بالمنزل.

ابتسم لتذكره لأولاده الثلاثة قرة عينه محمد أكبر أولاده ورجل المنزل في غيابه، وأسيل حبيبة قلبه ومدلكته. فهو لا يقوى على رؤية دموعها أبدا. أما عمر الصغير فهو فاكهة منزلهم. يملأ المنزل بالحيوية والضحكات خاصة عندما يتلعثم في الكلمات بسبب سقوط سنته الأمامية، فطريقة کلامه ظريفة جدا وتبعث السرور في قلب أبويه.

عاد خالد من بحر أفكاره التي سبح وتعمق فيها لأكثر من ساعة عندما لاحظ وجود شخص في البحر أمامه على مسافة بعيدة لا يظهر منه إلا رأس بعيد جدا لا يعلم من ملامحه إن كان صاحبه رجل أم إمرأة شعر خالد بالقلق لبعد ذلك الشخص عن الشاطئ ووقف يراقبه. بعد دقائق قليلة لاحظ ذلك الرأس يغطس ويطفو على سطح الماء، علم أن ذلك الشخص يواجه مشكلة وربما

تغرق

خلع خالد معطف بدلته وحذاوه في لحظة وقفز في الماء بدون تردد سبح خالد حتى وصل للفريق وتأبطه وسحبه للشاطئ، وصل بالفريق للشاطئ ولاحظ أنها فتاة في مقتبل العمر وغائية عن الوعي تماما حملها خالد عندما وصل للشاطئ ووضعها على الرمال وتفقد تنفسها، وجدها تتنفس فقلبها على بطنها وضغط على ظهرها بكلتا كفيه ليخرج الماء من رئتيها، بعد دقيقتين

بدأت الفتاة تسهل وتخرج الماء من جسدها.

ربت خالد على ظهرها ولاحظ جسدها العاري تقريبا فهي ترتدي بدلة سياحة من قطعتين

صغيرتين للغاية. ظن أنها أجنبية وسألها باللغة الانجليزية.

هل أنت بخير؟ هل تستطعين التنفس ؟"

اومات الفناة برأسها فهي لم تقوى على الكلام بعد، ابتعد عنها خالد خطوتين وجلس على الرمال أمامها حتى يطمئن على حالها. تجمهر العاملين في الفندق حول خالد والفتاة وجاء عاطف

مسرعا وهو يصيح.

" الهام حبيبتي، مالك يا بنتي ؟ في أيه ؟"

لم تجبه ابنته واستمرت في السعال الفترة، نظر خالد للاب وابنته ووقف واستدار معطيا لهم ظهره أقترب منه عاطف ولف ليواجه خالد وسأله.

" في ايه يا خالد بيه؟ ايه اللي حصل؟ الهام مالها ؟ "

نظر له خالد بغضب وأجابه بحدة.

" في أن بنتك كانت هتفرق وأنت من شوية بس كنت بتقول مش محتاجين منقذين، لو ما كنتش شوفت بنتك وهي بتغرق دلوقت كانت ماتت وما لاقيتش حتى جثتها علشان تدفنها." جفل عاطف الحدة خالد وكلامه عن احتمال وفاة ابنته وحيدته، توجه لابنته وأحتضنها بشدة.

وقال.

"الف بعد الشر عليك يا بنتي "

نظر لهما خالد بغضب وقال.

يا ريت تاخد بالك من بنتك"

استدار خالد وأبتعد عن المشهد. لم تحتمل الفتاة أسلوب خالد القاسي مع أبيها، فأستندت على كتف أبيها ووقفت ونادت على خالد

با استاذ انت يا استاذ "

توقف خالد وأستدار لها ووقف أمامها وقال.

نعم، حضرتك بتناديني ؟"

"أيوة. أنت أزاي تكلم بابي بالشكل ده انت مش عارف هو مين ده مدير الفندق هذا، يعني هو اللي مشغلك ويقدر يرفدك "

ابتسم خالد بسخرية وقال.

بابي مدير الفندق هنا؟"

رفعت الفتاة رأسها بفخر وتجاهلت نكر والدها لها وقالت.

"أيوة، بابي المدير هنا، أنت ازاي تكلمه كده؟"

اقترب خالد خطوتين وقال.

علشان أنا صاحب الفندق ده، يعني أنا اللي مشغل أبوك وانا اللي أقدر أرقد أبوك تحبي

أرفده."

اتسعت حدقتي الفتاة وتلعثمت وقالت.

ن.. نعم. أنت..... أنت صاحب الفندق "

أبتسم خالد لإرتباكها وقال.

"أيوة... أنا ... أنا صاحب الفندق "

غضبت الفتاة السخرية خالد منها فقالت والغضب يتطاير من عينيها.

برضه مشر من الذوق تتكلم كدة.

نظر لها خالد بتحدي تم استدار وتركها أبتعد خطوتين ولف برأسه تجاهها وقال.

"سيبت الذوق كله لحضرتك بدل ما تشكريني علشان انقذتك من الموت. حضرتك أول ما قمت

بتتخانقي معي هو ده الذوق بعينه."

لف خالد وابتعد عنهما توجه لغرفته وبدل ملابسه المبتلة وأستحم ليغسل صورة هذه الفتاة المتمردة من عقله وذاكرته.

دخلت إلهام غرفتها بمعاونة والدها. جلست على السرير وسألها والدها.

عاملة ايه يا حبيبتي ؟ كويسة ؟ لسة تعبانة ؟ أجيب لك دكتور؟"

"لا أنا كويسة، أنا بس مفروسة من المتخلف اللي كان بيكلمك ده "

يا إلهام ده خالد بيه صاحب الفندق، ما كانش ينفع أبدا تتكلمي قصاده بالطريقة ده. "

نظرت له إلهام بغيظ وقالت.

" يعني كان ينفع طريقة كلامه هو. ده قليل الذوق. متخلف ما يعرفش يتكلم ازاي مع البنات "

" هو صعيدي ومتخلف واحد وارث قرشين وفاكر نفسه ملك الدنيا بهم، لكن هتعمل ايه؟ هم الناس البيئة دول اللي معهم فلوس دلوقت لازم تقول نعم وحاضر وما تقدرش تفتح بقنا

قصادهم."

وقفت إلهام والتفتت لوالدها وقالت.

"لا مش أنا اللي أقول نعم وحاضر، وقلة ذوقه ده يخليها لنفسه. أنا إلهام البحيري لازم يتكلم معي بأدب وإحترام. ده حتى لما كنت بكلمه ما كانش راضي يبص لي خالص، كأنه قرفان مني "

"مش بقول لك صعيدي متخلف إنسان ما يفهمش لا في الذوق ولا الاتيكيت"

"عادي أفهمه أنا."

وقف عاطف وأقترب منها وقال.

"لا أبعدي عنه يا إلهام أرجوك مش عاوز مشاكل هذا في الفندق. أنا ما صدقت لاقيت شغل بعيد عن القاهرة علشان المشكلة اللي حصلت في الفندق اللي فات ما تأثرش على شغلي، هو قاعد هنا اسبوع بس لغاية الإفتتاح وبعدين راجع مصر ومش هنشوفه إلا فين وفين. فكك منه وابعدي

عن طريقه "

"أبعد عن طريقه ازاي ده انا حطيته هنا ومش هسيبه."

أشارت إلهام بسبابتها لرأسها.

ناوية على ايه يا بنتي أنا عارف دماغك، لما تحطي حد فيها يبقى يا الله السلامة "

ناوية أجيبه راكع على رجليه. إما خليته يجي يتذلل لي ما أبقاش أنا إلهام البحيري "

خلى بالك ده مش سهل ابدا ده صعيدي ودقة قديمة، يعني مش سهل توقعيه "

لمعت عيني إلهام وابتسمت بخبث وقالت.

"أحكي لي أخباره أيه؟ على علاقة بحد ولا أيه؟"

"ما أعرفش. محدش يعرف أي حاجة عن حياته الشخصية، كل اللي يعرفوه انه ورث الفنادق والفلوس عن أبوه ومن يوم ما أستلم أملاكه وهو عامل في القول . محدش بيقدر عليه أبدا"

أشارت إلهام على نفسها وقالت

"أنا يقى اللي هقدر عليه وهوقعه على بوزه

يا عمر قولت مفيش لعب كورة في الشقة "

صاحت مريم في ابنها الصغير عمر عندما شاط الكرة وأسقط بها زهرية فخارية فحطمها، جفل

الصغير وبكى من نبرة أم الحادة، علا صوت بكاؤه وحنت مريم عليه اقتربت منه ونزلت على

ركبتيها لتكون في مستواه وأخذته في حضنها.

بس يا حبيبي، خلاص بقى بطل عباط"

استمر الطفل في البكاء ودفن رأسه في حضن أمه. بعد ثواني معدودة أبعدته أمه من حضنها

نظرت له ومسحت بيدها الحانية دموعه وقالت.

بس بقى بطل عياط ما تزعلش مني بقى"

هر الطفل رأسه نافياً نظرت له مريم متعجبة..

"أيه مش زعلان مني ؟"

توقف الطفل عن البكاء ومسح عينيه بظهر يده وقال بصوت ضعيف.

"বু"

ابتسمت مريم وسألته.

"أمال بتعيط ليه ؟ "

آتل بابا لما يرجع ويلاقي الفازة مكتورة هيرحل مني "

ضحكت مريم للغة ابنها الصغير وأحتضنته وقالت.

ه "ما تخافش مش هقول له أنك كسرتها. هقول أنها وقعت مني "

نظر لها الصغير وسألها.

" يعني مش هتقولي له."

هزت مريم رأسها نافية وقالت.

" لا مش هقو........

قاطعها صوت ابنها البكر محمد الذي تابع الحوار من أوله بعدما خرج من غرفته على صوت

تهشم الزهرية.

"ما ينفعش يا ماما ما ينفعش تكتب على بابا عمر غلط ولازم يقول الحقيقة لبابل"

ابتسمت مريم بفخر لابنها ولم تجبه فلم تجد الكلمات لتبرر موقفها، فهي بالتأكيد لن تكذب على

زوجها ولن تخفي عنه حقيقة كسر الزهرية ولكنها أرادت طمئنة صغيرها ليتوقف عن البكاء.

ولكن محمد ابنها على حق. فلا يصح لها أبدا أن تربي ابنها على الكذب والتهرب من أخطائه.

نظرت مريم لعمر بعيون حانية وقالت له ..

"أخوك عنده حق. أنت اللي كسرت الفازة ولازم تقول الحقيقة لبابا."

هله الصغير من قرار أمه بالاعتراف بالحقيقة لأبيه. استأنفت الدموع هروبها من عينيه

الزرقاويين، مسحت مريم دموعه وقالت له مطمئنة أياه.

"ما تخافش أنا هقول لبابا ما يزعلش منك "

نظر لها عمر والرجاء يملأ عينيه.

" يجد يا ماما ؟"

احتضنته مريم وقالت له.

بجد يا قلب ماما"

أبتسم محمد وداعيهما وقال.

"لما هو قلبك أنا بقى أيه "

مدت مريم ذراعها ليحاوط ابنها الكبير مع ابنها الأصغر وابتسمت لهما وقالت.

"أنت كلية. ينفه كدة ؟ "

"لا ما ينفعش، أنا الرئق "

علت ضحكات مريم وأبنيها وقالت.

"أنتم كل حاجة بالنسبة لي. "


تعليقات