رواية اسيرة الجزار الفصل الثاني 2 بقلم سالي دياب


 رواية اسيرة الجزار الفصل الثاني 

نزلت من سيارة الأجرة وهي تبتسم بسعادة. عقدت حاجبيها ووضعت يدها على أنفها عندما استنشقت هذه الرائحة الكريهة. توجهت إلى داخل هذه المؤسسة أو المزرعة، رفعت رأسها
ونظرت إلى اللافتة المكتوب عليها بالخط العريض
(سلخانة الجزار)
لم تبال، نظرت إلى الصندوق الملفوف الذي تحمله بيدها وهي ما زالت تبتسم كادت أن تتوجه إلى الداخل، لكن أوقفها الحارس
قائلا:
=حيلك حيلك رايحة فين يا أبلة؟
توترت شروق وقالت بارتباك
=أنا كنت جاية … آه، أنا جاية علشان أخد طلبية.
نظر لها الحارس من أعلى لأسفل وقال باستغراب
=انتي جاية تاخدي طلبية من هنا؟
شروق بكذب واضح
= أيوه أستاذ محمود هو اللي إداني العنوان علشان أجي أخدها من هنا.
نظر الحارس خلفها وقال بشك
=طب إزاي؟ وأنا مش شايف معاكي عربية … ولا تلاجة ولا أي حاجة!
قالت شروق ببراءة وعدم فهم
=وأنا هجيب تلاجة معايا إزاي يعني؟
الحارس
=يا آنسة عربية تلاجة أمال هتاخدي اللحمة إزاي؟ لو خدتيها في الشمس هتعفن.
أدركت شروق خطأها سريعًا، أغمضت عينيها ووضعت يدها على وجهها وهمست لنفسها
=أكيد طبعا … إيه الغباء ده!
نظرت للحارس وقالت:
=لا، العربية جاية ورايا. أنا بس جاية أتفق وأدفع العربون…. ممكن أدخل؟ ولا في أسئلة تانية؟
أشار لها الحارس بالدخول. دخلت شروق تحت نظرات الحارس المريبة، لكنه لم يهتم كثيرًا، وجلس مكانه وكأن شيئا لم يكن.
تقدمت شروق إلى داخل هذه المنشأة الواسعة وهي تنظر من حولها بدهشة، لم تتوقع أن يكون المكان بهذا الاتساع. توقفت فجأة، فتحت فمها عندما رأت العدد الهائل من الأبقار والعجول.
شهقت بقوة وقالت بصدمة
=واو ! كل دي حيوانات؟!
=اسم الله …
صرخت شروق بفزع والتفتت بسرعة للخلف عندما سمعت هذا الصوت الرجولي الخشن. لم يكن الصوت إلا لرجل واحد…. الجزار، الذي كان يراقبها عبر كاميرات المراقبة واستمع أيضا لحديثها مع الحارس.
لمعت عيناه عندما رآها تلتفت بتلك الطريقة وخصلاتها البنية الطويلة تتطاير حول وجهها ابتسم من جانب فمه بتسلية عندما سمعها تقول بضيق:
=في حد يخض حد كده يا أستاذ؟!
مرر عينيه الوقحة على جسدها من أعلى إلى أسفل. توترت شروق من نظراته المزعجة، فرفع الجزار بصره مجددًا وقال بإعجاب
= هو العود الفرنساوي جاي يعمل إيه في مكان زي ده؟
عقدت شروق حاجبيها بعدم فهم وقالت برقة
=سوري، يعني إيه عود فرنساوي؟
ضحك الجزار بخشونة، واقترب منها، فتراجعت إلى الخلف. قال بمشاكسة وهو يغمز لها بطرف عينه
=المكان هنا مفتوح، تعالي جوه وأعرفك يا عسل.
شعرت شروق بعدم الارتياح من نبرة صوته، فتحدثت بتوتر
=لا، ميرسي. أنا كنت جاية أشوف محمود.
عقد الجزار حاجبيه وقال بتعجب
= محمود مین؟
نظرت إليه شروق بعينيها الواسعتين بطريقة جعلته يتجمد للحظة….رفعت يدها ولفت خصلات شعرها إلى جانب واحد، وقالت برقة
=محمود المنوفي… النهارده عيد ميلاده، وحبيت أفاجئه علشان كده جيت هنا.
قالت جملتها بابتسامة سعيدة، هذه الابتسامة التي جعلت الجزار يبتسم تلقائيا. نظر لها بإعجاب وقال بوقاحة
=بذمتك، دي شفايف تقول محمود المنوفي؟ الفراولة دي مكانها في حتة تانية خالص!
قال كلماته وهو ينظر إلى شفتيها بنظرات شهوانية. غضبت شروق وقالت بعصبية
=إنت قليل الأدب ومش متربي
ضحك الجزار وقال باستفزاز
=اسكتي… مش أنا عارف
نظرت له بضيق وكادت أن تنصرف، لكن صوت خطيبها هتف باسمها من بعيد
= شرووووق
التفتت شروق وابتسمت تلقائيًا عندما رأته غفلت عن نظرات هذا الرجل الوقح، الذي وقف واضعًا يده في جيب بنطاله وقال
= اسمك شروق؟
نظرت له بضيق ولم تجب، فأكمل بوقاحة
=عسل شروق… لا ، شروق وهي شروق فعلا…
ابتعدت عنه بعد أن ألقت عليه نظرة لا يُفهم إن كانت غاضبة أم ساخرة. تابعها الجزار بابتسامة متسلية.
ذهبت شروق إلى خطيبها وهي تبتسم بسعادة، وقفت أمامه وقالت بحب
=كل سنة وانت طيب… إيه رأيك في المفاجأة دي ؟
نظر لها محمود بضيق وقال باقتضاب
=مفاجأة زي الزفت انتي إيه اللي جابك هنا؟
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا، وامتلأت عيناها بالدموع سريعًا. نظرت إلى الهدية في يدها ثم له مجددًا وقالت بصوت مهزوز
=أنا… أنا بس حبيت أفرحك….
قاطعها وهو يأخذ الهدية وقال بابتسامة باردة
=وانتي طيبة يا ستي… يلا امشي من هنا بقى.
نزلت دموعها رغما عنها، وشعرت بالحزن الشديد. أرادت أن تسعده، لكنه حطم سعادتها قبل أن تكتمل … وكل ذلك كان يحدث تحت أنظار مراد العطار، الذي وقف يراقب ما يحدث ببرود. شعر بالضيق عندما رأى الدموع في عينيها، فاقترب منهم.
التفت له محمود فورًا وقال بابتسامة مصطنعة
= مراد باشا، أنا آسف والله بس هي كده… غبية وما بتعرفش تفكر !
رفعت شروق بصرها ونظرت إليه بانكسار. هذه النظرة جعلت الجزار يشعر برغبة في ضرب هذا المعتوه. نظر إلى الهدية ثم إلى محمود وقال ببرود
= خطيبتك ؟
التفت محمود سريعًا إلى شروق وأمسك بيدها بقوة وجذبها أمام الجزار وقال بتبجح
=آه يا فندم… شروق خطيبتي.
حاولت شروق سحب يدها، لكنه ضغط عليها بقوة حتى تألمت. ظهر الألم واضحًا على وجهها. كان الجزار يركز بصره على يده التي تعصر معصمها. نظر له بحدة، ثم أمسك بمعصم محمود وضغط عليه بقوة وقال من بين أسنانه
= سيبها.
تركها محمود وهو يبلع ريقه بتوتر. أمسكت شروق معصمها المتألم وفركته بألم. لم تنتظر أكثر، خرجت وهي تبكي، والجزار يتابعها بنظراته
التفت مجددًا إلى محمود وقال بسخرية
=والله العظيم هي والهدية خسارة فيك… غور شوف شغلك…
لم يجرؤ محمود على الرد، وانصرف بسرعة.
أما الجزار، فوقف واضعا يديه في جيبي بنطاله، ناظرا إلى الطريق الذي سلكته شروق، وقال مبتسما
= شروق… والنبي خسارة في البغل ده. وأنا أولى بالمهلبية دي !
ضحك الجزار وأغمض عينيه، وتخيلها في إحدى اللحظات الحميمة ……..أحم… أحم
فتح عينيه بسرعة عندما شعر بيد تهزه
= يااااا جزار…
نظر إلى شقيقه بغضب
= في إييييه يا لالا؟
ابتسم إسماعيل وقال مشيرًا إلى المنزل
= وصلنا يا باشا… هننزل ولا إيه؟
عقد الجزار حاجبيه ونظر حوله وجد نفسه في السيارة الخاصة بشقيقه، أمام منزله في الحارة الشعبية. أغمض عينيه وابتسم مسترجعا أول لقاء جمعه بأسيرته الجميلة.
نظر إلى شقيقه مجددا وقال ببرود
= يلا.
نزل الجزار من السيارة الفاخرة إلى ذلك المكان الشعبي المليء…بالناس الطيبين. نظر إلى المنزل الفاخر المكون من أربعة طوابق ثم دخل بخطوات ثابتة واثقة، يتبعه شقيقه وذراعه الأيسر إسماعيل.
صعد إلى الطابق الأول، حيث توجد شقتان، واحدة لوالدته والثانية لزوجته وأولاده. توجه إلى شقة والدته، حيث تجتمع العائلة كلها وقت الغداء.
ألقى السلام، فرد الجميع، ثم توجه إلى والدته وقبل رأسها وجلس بجانبها قائلا:
=عاملة إيه يا حاجة؟
ابتسمت الحاجة عطوة وقالت وهي تربت على ساقه
=طالما انت بخير … يبقى أنا بخير يا ضنايا.
ابتسم مراد، ثم نظر إلى ابنه الصغير ريان الذي جاء وجلس بجانبه وقال:
=بابا… انت ليه بقيت بتنام بره البيت؟
لم تزل ابتسامته، لكنه نظر بطرف عينه إلى زوجته “عزيزة” التي كانت تحدق به بازدراء. علم أنها هي من ملأت عقل الطفل بهذه الأفكار. نظر إلى ابنه مجددًا وقال:
=كنت مشغول وبعدين ما انت راجل البيت في غيابي.
تدخلت عزيزة بسخرية
=والشغل بقى طول الليل والنهار؟ جديدة دي !
كادت الحاجة عطوة أن ترد لكن مراد أمسك بيدها وغير مجرى الحديث:
=أنا واقع من الجوع، بقالي يومين مقضيها سندوتشات
كاد إسماعيل أن يختنق من شدة الصدمة، فقد أحضر له الطعام بالأمس لكن مراد لم يلتفت له، واكتفى بنظرة جانبية تحمل خبثا.
ثم أخرج هاتفه، وفتح تطبيق المراقبة، فتحولت ابتسامته إلى ابتسامة هائمة عاشقة، وهو يرى “صغيرته” من خلال الكاميرات التي زرعها في شقتها الخاصة ….
…..

تعليقات