رواية اسيرة الجزار الفصل الثالث 3 بقلم سالي دياب


 رواية اسيرة الجزار الفصل الثالث 

دخل إبراهيم الذراع الأيسر للجزار… إلى منزله، صعد سريعًا للدور الأول…. دخل إلى الشقة الخاصة بوالدته فرأى الجميع مجتمعين…. لم يبال بأحد، حتى أنه لم يلقي السلام عليهم….. ذهب سريعًا إلى الجزار الذي كان يتحدث مع شقيقته ويبتسم انحنى عليه وهمس بعض الكلمات بأذنه …. ثم اعتدل في وقفته.
لم تزل الابتسامة، بل تحولت إلى ابتسامة مرعبة …. أعزائي القراء، عندما يبتسم الجزار بجانب فمه فاعلم أن الآتي يفوق الشراسة بحدود.
وقف من مجلسه ببطء …. وتوجه إلى الخارج بملامح مرعبة ملامح الجزار …. ومن خلفه ذراعه الأيمن وذراعه الأيسر …… وهم إخوته إبراهيم وإسماعيل.
نظرة النساء لبعضهن باستغراب …. فدخل شقيقهم الرابع أحمد العطار وقال باستغراب
= هو في إيه؟ هما رايحين فين دول؟
لوت أمنية زوجته فمها وهي تنظر إليه بسخرية. جميعًا لياسمين عندما قالت وهي تتوجه للشرفة: نظروا
=أنا هشوف إيه من البلكونة.
توجهت إلى الشرفة …. ليس هي فقط، بل جميع النساء، ومنهم أيضا أحمد العطار ….. نظرت للأسفل عندما رأوا الجزار يخرج من البناية وخلفه إبراهيم وإسماعيل.
وضع يده في جيب بنطاله…. وتوجه إلى ذلك المقهى الشعبي…… جلس بجانب أحد الرجال الذي يبدو عليه الهيبة والوقار ….. مسحعلى شعره وضحك بخفة وقال:
=إزيك يا معلم زكريا ؟
سحب المعلم زكريا من الأرجيلة التي أمامه…. ثم نظر للجزار وقال بخباثة:
=أكيد بخير يا جزار.
لم تزل الابتسامة، نظر إلى السماء وقال بنبرة خشنة:
=لازم تكون بخير ….. الله يرحمه أبويا الحاج سيد…. قال لي كلمة عمري ما هنساها …. قال يا ابني لو عايز تنجح في الدنيا دي عيش على مبدأ الثقة والأمانة. عملت بنصيحته، مشيت بمبدأ الأمانة، بس الثقة دي أنا ما بثقش في صوابع إيدي…. فهمني يا معلم؟
عقد المعلم زكريا حاجبيه بعدم فهم….. التفت له الجزار وتلاشت ابتسامته وقال بنبرة مرعبة
= هفهمك …. فاكر لما كنت واقع وجيت تترجاني عشان أمونك….. قلت وماله؟ هو مالي وبكبرة …. قلت لي هتمضيني وقلت لك حد الله ما بمضي حد …. أنا بدي الأمان وبس…. وحصل وأديتك الأمان وانت خنت الأمان…. وطلعت أنت وأمان ماضين عقد احتكار مع بعض.
ألقى المعلم زكريا خرطوم الأرجيلة من يده وقال بانفعال وعصبية:
=ما تحترم نفسك يا جزار …. أم الليلة اللي أنت عاملها دي فاضية وما لكش عندي حاجة وبينا المحاكم.
ضحك الجزار بشدة ….. ثم قطعها فجأة وقال بقوة وهو ينظر داخل عين خصمه
=هو أنا عويل عشان أروح للحكومة يجيبوا لي حقي…. أنا هاخد حقي ووقتي.
بلحظة …. لا أعلم ماذا حدث غير أن الجزار وقف فجأة وأمسك بهذا الرجل المسمى بالمعلم زكريا …. من لياقة عباءته…. وسحبه بقوة أجبره على الوقوف، نظر له بنظرة مرعبة وقال بنبرة أتت من الجحيم
= لما قلت لي مضيني قلت لك هديك الأمان بس لو خنته هوريك
الجزار ….. وانت خنته. رحب بالجزار.
يا مرحب يا جزار ….. أمسك برأسه من الخلف وبكل قوته….. هبطها بقوة في هذا الجدار الصلب ….. صرخ المعلم زكريا بالألم…. وانهمرت الدماء من رأسه …. التفت حمى الجزار للخلف عندما رأوا أربعة من الرجال يأتون باتجاههم وهم مسلحون بالأسلحة البيضاء مثل الجنازير والسيوف… وأيضا العصيان التي يستعملونها في المعارك …. رفع إبراهيم طرف تيشرته وسحب
جنزيرا غليظا …. ومد إسماعيل يده للخلف وأخرج من بنطاله سلاحًا أبيض حادًا يسمى بالطيرة.
وبينما كان الجزار يجعل هذا الرجل أو حطام الرجل يمضي على ورقة ما……. كان الإخوة يحمون ظهره وهنا بدأت المعركة ….. والاشتباك العنيف.
صرخت النساء بفزع وهم ينظرون لهذا المشهد من شرفة المنزل…. فقالت رشا شقيقتهما وهي تلطم على وجنتيها
= يا لهوييييي….. إخواتي ياما …. انزل يا أحمد اعمل حاجة.
ابتلع أحمد لعابه برعب من هذا المشهد وقال بارتباك
=وأنا مالي؟ أنا إيه ينزلني … إخواتك عاملين الواجب وزيادة اهو.
نظرت له أمنية وقالت بسخرية
= فالح يا دكري.
انضم إليهم الجزار …. وشق قميصه إلى نصفين…. فظهر جزعه العلوي المعضل….. أمسك بأحد المقاعد وهشه بقوة على رأس أحد الرجال….. التفت من الخلف ولكن….. نظر إبراهيم وإسماعيل إلى شقيقهما مراد العطار عندما تلقى لكمة قوية
جعلت رأسه تلتفت للجانب الآخر، ولكن لم يتحرك من مكانه خطوة واحدة ….. رفع يديه ومسح هذه الدماء التي خرجت من شفاهه السفلى…. ابتسم بجانب فمه ثم التفت برأسه لهذا الرجل الضخم….. رفع الرجل قبضته كي يلكمه مرة أخرى…. ولكن حاصر الجزار قبضته داخل قبضته وضغط عليها بقوة …. حاول الرجل سحب يده ولكن كانت يد من حديد تقبض عليها …. آه…. صرخة بضعف عندما شعر بالألم في قبضته، لوى الجزار قبضته قليلاً فصرخ بالألم وركع على ركبتيه كرد فعل طبيعي عن هذا العلم الذي فتك بقبضته…. نظر له الجزار بغضب وبلحظة كان يرفع قبضته الأخرى وينزل بها بعنف على معصم يده الذي أصدر صوتا عنيفا دالا على تهششه ….. صرخ الرجل بالألم…. دفعه الجزار بقدمه …. ثم رفع بصره ونظر لجميع البشر الذين تجمعوا ليشاهدوا هذه المعركة ….. وقف ذراعه الأيسر في ظهره من جانب …. وذراعه الأيمن من الجانب الآخر …. فكانوا مثل المثلث الذي يصعب أن تخترقه ….. وكأنهم يرسلون رسالة للجميع أننا قوة لا تقهر ….. ابتسمت الحاجة عطوة برضا وفخر بابنها البكري ….. هذه الابتسامة التي رآها الجزار فابتسم لها بابتسامة خفيفة …. تبادلت الأم وابنها النظرات المشفرة التي لا يفهمها أحد
سوی هم…..عينا فخورة …. وعينا حامية
*************************************************************
وعين أخرى تبكي….. تبكي بالقهر والألم والكثير من الحسرة ….. نعم الحسرة على حياتها التي تدمرت بفضل هذا الجزار …… أغمضت عينيها ولعنت هذا اليوم الذي ذهبت فيه إلى ((سلخانة الجزار)).
فمن هنا بدأت قصتها هي وهذا الجزار …. فهو عندما رآها أول مرة …. لم يتركها تعيش بسلام….. أجبر خطيبها محمود أن يتركها ….. أو هذا ما تعتقده هي فقط …. طلب منها أيضًا الزواج أكثر من مرة وفي كل مرة كانت ترفض…. فقام بخطفها وأجبرها على الزواج منه …. بالقوة وأيضا هددها، وها هي الآن في هذا المكان البغيض….. منذ شهر تقريبا لا تعلم أي شيء عن العالم الخارجي….. حتى أنها لا تعلم أي شيء عن شقيقتها أوجدتها ….. تجلس في هذا المكان لم تذهب إلى دراستها …… فأصبحت أسيرة الجزار.
مسحت دموعها سريعًا …. عندما استمعت لصوت تكات الباب ويبدو أن أسرها قد أتى …. أغمضت عينيها بضيق…… عندما رأته هو …. دخل الجزار وأغلق الباب جيدا خلفه بالمفتاح …… وضع المفتاح في جيب بنطاله …. وابتسم تلقائيا عندما رآها ….. توجه إليها وهو يضع يديه الاثنين بجيبي بنطاله…. وهو ينظر إليها باشتياق والكثير من النظرات الوقحة وهو يمرر عينيه على
ساقيها البيضاء التي تظهر من هذا الشورت القصير …. الذي يصل لنصف فخذيها …. وترتدي من الأعلى تيشرت من اللون الرمادي نصف كم ملتصق على جسدها بإحكام….. جلس بجانبها وفرد ذراعيه الاثنين على الأريكة من الخلف…. ابتسم باتساع على مظهرها اللطيف …. وهي تجلس هكذا في زاوية الأريكة ……. فكانت شروق تجلس وهي تضم ساقيها إلى صدرها ….. نظرت إليه بضيق وقالت بغضب لذيذ
= بتضحك على إيه .. شايفني أراجوز قدامك؟
لم تزل الابتسامة …… بل ازدادت اتساعًا وقال وهو يمرر عينيه بوقاحة على جسدها المثير:
=لا أحلى من الأراجوز …. شايف مهره عفيفة نفسي أظبطها بس مش راضية تتظبط …. مش ناوية تتظبطي بقى يا مهره عايزين نزفر السرير.
نظرت له شروق بشمئزاز وتقزز من ألفاظه الوقحة التي لم تفهم
معناها لبراءتها وذهنها النظيف …. الذي يحاول هذا … ال…. ال….. والله احترت في تفسيرك.
وقفت من مجلسها …. وكادت أن تتوجه إلى الأعلى ولكن وضع هذا المستفز قدمه على الطاولة الدائرية الصغيرة كحاجز أمامها
فلم تستطع المرور ….. نظرت إليه بضيق….. فبادلها هو بابتسامة مستفزة ….. أغتاظت كثيرًا …. رفعت قدمها وركلته بقوة في قدمه الموضوعة على الطاولة وهي تقول بضيق:
وسع عايزه أعدي يا حيوان.
لم يتزحزح سنتي واحد …. مما جعلها …. عااا…. تصرخ بقوة من أسلوبه المستفز …. صعدت على هذه الطاولة الدائرية …. وقفزت إلى الجانب الآخر وصعدت للأعلى وهذا الوقح المستفز يضحك بشدة عليها …. نظر إلى السماء وهو يضحك وقال بسخرية من حاله
= تعالي شوفي الأمله اللي أنا فيها ياما ….. بيتقالي يا حيوان وأنا ساکت…. هههههههه
**************************************************************
فتحت عزيزة الباب الخاص بشقتها …. فظهرت من خلفه الحاجة عطوة ….. لوت فمها بضيق وقالت بابتسامة زائفة
= اتفضلي ياما….
دخلت الحاجة عطوة وهي تنظر لعزيزة …. بسخرية فهذه البلهاء تظن أنها لم تر هذا الضيق الذي ظهر على محياها توجهت إلى الداخل وجلست في غرفة المعيشة …. التي يجلس بها أبناء الجزار الثلاثة يوسف ومريم وريان….. ابتسمت عندما اقترب منها الطفل ريان …. واحتضنها من قدمها ….. انحنت عليه وقبلته أعلى رأسه وقالت بحب وحنان
= حبيب ستك …. تعالى تعالى مش قادرة أشيلك
جلسوا سويا… وأجلست الطفل على قدمها … وقفت عزيزة على الباب وقالت:
=تشربي إيه يا ماما ؟
نظرت إليها الحاجة عطوة … ثم نظرت للأطفال وقالت بحنان
=قوموا يا عيال العبوا في أوضتكم عشان عايزة ماما في كلمتين.
ذهب الأطفال سريعًا إلى غرفهم… فأشارت الحاجة عطوة لعزيزة وقالت:
=تعالي يا بنتي اقعدي جنبي…
تقدمت عزيزة وجلست بجانبها ونظرت إليها وقالت باقتضاب مخفي
= خير يا حاجة في إيه؟
نظرت إليها الحاجة عطوة وقالت:
=في إن حالك مش عاجبني… جوزك داخل في شهر وشوية بيبات بره البيت… وإنتي ولا على بالك… كل اللي بتعمليه تسلطي العيال يسألوا بيبات بره ليه.
نظرت لها عزيزة وقالت بضيق وغشومية
=وإنتي عايزاني أعمل إيه … إنتي عارفة ابنك ما حدش بيقدر يمشي عليه كلمة ولا حد بيقدر يقول له ثلث الثلاثة كام… .
قطعتها الحاجة عطوة عندما وضعت يدها على قدمها وقالت بحكمة:
= ما حدش بيقدر يمشي عليه كلمة آه عشان راجل من ظهر راجل… إنما إنتي مراته وواجب عليكي تعرفي هو بيبات فين ومع مين… مش بالغشومية ولا الهبد إنك تروحي تقولي له بتبات فين وتدبي معاه عركة، لا بالحكمة والنصيحة.
نظرت عزيزة بضيق أمامها … تنهدت الحاجة عطوة وقالت بغلب من هذه البلهاء:
=يا بنتي أنا عايزة مصلحتك… يا بنتي ده إنتي من ساعة ما خلفتي وإنت بقيتي مهملة في نفسك … ما فكرتيش جوزك بيبات الشهر ده كله بره ليه مش يمكن متجوز عليكي يا متخلفة واحدة تانية وبيبات عندها؟
نظرت إليها عزيزة سريعًا وقالت بعدم تصديق
=لا يا ماما مراد ما يعملش كده … وبعدين هو هيتجوز ليه تاني عيال وجبت له… نظافة ومخلياه بيمشي يشوف ويرف ما فيش حاجة ناقصاه.
ضحكت الحاجة عطوة بتهكم وقالت بسخرية
=نظافة … ناقصه يا عزيزة ناقصه مرة يا حبيبتي.
عزيزة بغباء = ليه هو أنا مش ست ولا إيه؟
لوت الحاجة عطوة فمها وقالت بسخرية
=لا ست يا أختي… بس ما بتفهميش يا عزيزة.
كادت أن تتحدث ولكن منعتها الحاجة عطوة عندما قالت بقوة:
=اسكتي واسمعي الكلمتين اللي هقولهم ليكي يا عزيزة، لو كان الراجل يا أختي بيتجوز عشان النظافة وعشان العيال بس… ماكنش حد غلب يا حبيبتي الراجل من دول عاوز المراة تكون راجل في غيابه وفي حضوره تكون أنثى … يعني مش بس على السرير تبقى ست… لا ده في كل وقت تحسسه إن ليه قيمة في حياتها … وأنا بقول لك اهو لو مراد اتجوز عليكي يبقى إنتي السبب… لأنك لا مهتمة بنفسك ولا مهتمة بيه… وابني راجل وصغير محتاج واحدة تدلعه وتهننه وتوريه اللي ما شافوش مع مراته….أنا قلت لك اللي عندي يا ريت بقى مخك ينضف شوية وتعملي بيهم… قبل ما راجلك يضيع من إيديكي.
***************************************************************
نزلت شروق بحذر من الأعلى… بعد أن ارتدت ترنج رياضي… باللون الأسود… وكانت تمسك بيدها حذاء رياضي… نظرت بارتباك لمراد الذي كان يتسطح على ظهره وينام على الأريكة بعمق… ابتلعت لعابها … وضعت الحذاء من يدها على الأرض ثم تسللت بحذر باتجاهه… على أطراف أصابعها … انحنت ببطء …. وجلست على عقبيها أمامه… نظرت إليه راغبة ينام بعمق…. رفعت يدها بتردد وارتعاش أمسكت بطرف جيبه … بيد وباليد الأخرى أدخلتها رويدا رويدا … وهي تنظر إليه بحذر سحبت المفاتيح وأمسكتها بقبضتها سريعًا حتى لا تصدر صوتا.
وقفت ببطء… وتراجعت للخلف وهي تنظر إليه… هرولت سريعًا وبخفة دون أن تصدر صوتًا إلى حذائها، أخذته سريعًا … وركضت باتجاه باب الشقة … وضعت المفتاح في الباب وهي تنظر إلى مراد طاره… وإلى الباب طاره أخرى … انفتح الباب… فانطلقت سريعًا للخارج دون أن تغلقه … لم تستخدم المصعد بل ركضت على الدرج بقوة وبقلب يخفق بجنون.
ابتسم الجزار بجانب فمه … وهو يغلق عينيه … وضع يديه الاثنين خلف عنقه ….
………

تعليقات