رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني 2 بقلم رشا رومية



 رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثاني بقلم رشا رومية 



ليس كل عابر يسمى صديق، فهم نادرون، شحيِحوُن بعالم يغلُبه الزيف، فإن فُزت بأحدهم فلتتمسك به بقوة، تشبث بوجوده ولا تُفلته بسهولة ...


هم الضياء الذي يُضيء دروب الحياة المُظلمة، الصديق هو من يسير بطريقك عندما يسير الآخرون مبتعدون عنك، فلا قيمة للسعادة بدون مشاركتها مع الرفقاء، لولا الأصدقاء لـ جُننا ومرضنا وفقدت أمانينا، ونسينا طعم الفرح، إنهم تلك الإبتسامة التي تستوطن وجوهنا حين تغلبنا مصاعب الحياة ...

رشا روميه قوت القلوب 

❈-❈-❈ــ


حي شعبي بسيط للغاية، الكل منهمك بأعماله وسط ضجيج الحرف اليدوية التي صدحت به، الجميع بالكاد يكسب قُوت يومه بهذا المكان، فلا مظهر للرفاهية أو الرخاء ...


بيئة لا تنم عن ثراء لكن حين ولجت "نسرين" إلى داخل الحي كانت مُلفتة للنظر، ليس لحُسن أو جمال مُلفت، بل لإرتدائها تلك الملابس التي يبدو عليها التنعم بخلافهم، كانت تبدو كصاحبة أملاك أو عاملة بوظيفة مرموقة تكسب منها رغدًا وليس لفتاة يتيمة عاطِلة عن العمل ...


رفعت عنقها بخيلاء وهي تدري بتتبع الأعين لها لكنها أكملت طريقها بلا إهتمام بهم، طولها الفارع زادها غرورًا وهي تدب الأرض بقدميها معتدة بنفسها واثقة من حُسنها بشكل غريب ...

رشا روميه قوت القلوب 

رغم تلك الهيئة التي تحلت بها إلا أنها دنت من أحد البيوت القديمة لتدفع بتلك البوابة الصغيرة الخشبية والتي أصابها التقشر والعطب لتخطو بقدمها نحو الأسفل وليس الأعلى، فمنسوب البيت كان أعمق من الطريق الخارجي، تقدمت لبضع خطوات قبل أن تصعد السلم الضيق نحو الطابق الثاني والأخير حيث تقع شقتهم الصغيرة التي يقطنون بها ...


لكن قبل أن تفتح باب الشقة نظرت "نسرين" أولًا تجاه السلم المؤدي إلى سطح البيت لتتأكد بأن لا أحد من إخوانها أو والدتها بالبيت ...


عادت برأسها لتستقيم بوقفتها قبل أن تستدير نحو باب الشقة لتفتحه وتدلف نحو الداخل ...


شقة من ثلاث غرف ضيقة للغاية و صالة للمعيشة تحتوي على أثاث زهيد من بعض الأرائك القديمة وتلفاز صغير، ألقت "نسرين" حقيبتها السوداء فوق الأريكة على يمينها بتملل وإمتعاض لملامحها وهي تزفر بقوة ...

- توب علينا يا رب من عيشة الفقر دي ...


إنتبهت بإلتفاتة نحو غرفة والدتها تحسبًا من أن تكون قد عادت من عملها مبكرًا، تحركت صوب الغرفة لتجدها خاوية متيقنة بأنها بمفردها تمامًا بالشقة ...

- لسه ماما مرجعتش من الشغل ...


نظرت تجاه الصورة المعلقة على الحائط تتمعن بها، فكم كانت صغيرة وهي تقف إلى جوار والدتها ممسكة بيد والدها، بينما جلس أخويها "نادر" و "ماهر" على الأرض بسعادة، تنهدت "نسرين" بحزن قائلة ...

- الله يرحمك يا بابا، وحشتني أوي ...


سنوات مرت بفقدانها لوالدها وسكنهم بهذا البيت الخرب، أغمضت عيناها لوهلة قبل أن تخرج مرة أخرى تجاه الأريكة المحببة لها بصالة المعيشة لتسحب حقيبتها التي ألقتها عليها منذ قليل لتفتحها مخرجة هاتفها من داخلها ...


كانت كمن غابت بعالم آخر تهيم به دون الإنتباه لأى شئ يحدث حولها، عالم التكنولوجيا والإنترنت، تسبح ببحور أمواجه الزائفة، تستمتع بوهم خلقته لنفسها لتملأ فراغ حياتها الكبير، فلا إهتمامات ولا عمل ولا صُحبة، إنها تعيش مع عالمها الإفتراضي مع هاتفها فقط ....

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


لين وبساطة ومحبة، كم تُشبِهك روحي، فنقاء القلوب من صفاء النوايا، تيقن من أن حظك العَثِر هو صَحوة لغفلة العيون ...


السويس (بيت فرح الصعيدي) ..

نقية القلب، بشوشة الوجه، تقدمت "فرح" نحو شقتهم بتلك المدينة الساحلية الرائعة بعد عودتها من لقائها بـ"هاني" ...


دفعت بسلسلة مفاتيحها برف جانبي من الزجاج وهي تبحث بعينيها هنا وهناك، أخذت تميل برأسها بقوة وشقاوة لتتمايل خصلات شعرها العسلي معها ...


بنبرتها المحببة وصوتها الدافئ أخذت تنادي أمها "مديحة" أثناء توجهها نحو المطبخ حين إستمعت لصوت صادر منه ...

- "ديحه"، يا "ديحه" ...


إتسعت إبتسامتها وهي تقفز بسعادة وإشراقة حقيقة حين طلت من الباب لتقع عيناها على والدتها بداخل المطبخ لتكمل بحيوية ...

- وحشتيني يا "ديحه" ...


رغم صغر حجم تلك الشقة إلا أنها كانت نظيفة، مرتبة بعناية، تمتزج ألوان الحوائط البيضاء بتلك المزروعات الخضراء كزينة مريحة مبهجة للعين، سلام نفسي وراحة تامة بهذا المكان، كما لو أن هناك روح لطيفة تعم الأرجاء تدب السَكينة بالنفوس منذ الوهلة الأولى ...

رشا روميه قوت القلوب 

نظرت "مديحة" بوجهها الدائري وملامحها اللطيفة لإمرأة على مشارف الخمسين من عمرها حَسنة المظهر طيبة القلب، حاولت "مديحة" ألا تكون سيدة ساذجة، رغم طيبة قلبها، إلا أنها كانت تتمتع بفطنة وحُسن تصرف ولباقة في الحديث وإجتماعية لا محدودة بين الجميع ...


نظرت بشكل شِبه مائل تجاه "فرح" قائلة بذكاء ..

- أيوة، أيوة، تعالي كدة وإضحكِ عليا عشان مسألش كنتِ فين، وإتأخرتِ ليه كدة ؟!! 


تقدمت "فرح" من والدتها لتقبلها بمحبة بالغة من وجنتها الممتلئة مجيبة إياها بشهد حديثها المعسول ...

- وهو أنا أقدر برضه، ده إنتِ حبيبتي يا "ديحه"، هو أنا ليا في الدنيا دي كلها غيرك إنتِ يا قمر ...


تقبلت "مديحة" كلمات إبنتها بضحك فهما أقرب لأختين أو صديقتين وليس أم وإبنتها، لتدفع بالمقعد الخشبي برفق قائله ..

- طب أقعدي قدامي، ويلا إحكِ لي إتأخرتِ ليه ...


جلست "فرح" بالبداية وهي تمط شفتيها كطفلة كُشف أمرها، ثم تنهدت وقالت ..

- أمري إلى الله، كنت مع "هاني" ...


تركت "مديحة" الخضروات من يدها بإنفعال ولاحت تعبيرات مقتضبة بملامحها الطيبة تنهر إبنتها عن ذلك ...

- تاني يا "فرح"، "هاني" تاني، مش قولنا خلاص بقى كفاية الحكاية دي ...


مدت "فرح" كفها لتضعه فوق كف والدتها وإمتلأت أعينها بنظرات الترجي لتَفهمُ مشاعرها ...

- والله يا ماما إنتِ ظالماه، "هاني" بيحبني بجد ...


عادت "مديحة" بجذعها نحو الخلف لتعقد ذراعيها أمام صدرها ومازالت تتحدث بضيق من تصرف إبنتها ومن تراخي "هاني" المستمر ...

- ولما هو بيحبك بجد، متأخر كل ده ليه، مجاش يطلب إيدك مني ليه ؟؟! ده ولا هو ولا عيلته ناقصهم حاجة، أبوه راجل غني ومعاه فلوس، ومرتاح، وهو عنده شقة، وأبوه شَغَلُه معاه بعد ما خلص الكُلية، إيه إللي مانعه بقى ؟!!!!!!!!!


بيقين تام بصدق مشاعر "هاني" تجاهها أكملت "فرح" تدافع عنه أمام والدتها ...

- هو كان مستني لما يظبط نفسه في الشغل وييجي على طول ...


دفعت "مديحه" بزفيرها دفعة واحدة لتتحول نبرتها الغاضبة لأخرى لينة للغاية تُشفق على حال إبنتها المتعلقة بهذا الشاب المتراخي ...

- أنا مش مرتاحة لتصرفاته دي يا "فرح"، بحس إنه بيتهرب، واحد غيره كان يجري عشان يطلب إيد إللي بيحبها، خصوصًا إن مفيش عنده حاجة تمنعه ...


نهضت "فرح" لتُقبِّل وِجْنَة أمها مرة أخرى لتردف بتبرير ...

- والله بكره تشوفي، هاني بجد مش عاوز غير إنه يتقدم لي رسمي ونتجوز على طول، أصبري بس وإنتِ تشوفي ...


تنهدت "مديحة" وهي تجفل بعينيها دون يقين بنوايا هذا الشاب ...

- أدينا صابرين، ربنا يخلف ظني، بس برضه مينفعش تشوفيه إلا لما يتحرك وياخد خطوة رسمي، كفاية كدة يا "فرح" ...


إهتزت "فرح" بأطراف أصابعها بخفة، لتردف بشقاوة ...

- يلا غديني بقى، أحسن ريحة المحشي جوعتني أوي ...


أنهت عبارتها وهي تدفع بغطاء الوعاء لتلتقط لفافة من ورق العنب الذي تعشقه، لكن كانت يد والدتها أسرع منها لتضربها بخفة فوق كفها قائلة ..

- بس، روحي إغسلي إيدك الأول، وغيري هدومك دي وتعالي نتغدى أكون خلصت السَلطة ...


رفعت كفيها لتضم قبضتيها بالهواء وهي تتحرك بخفة إلى خارج المطبخ ...

- أوك ....


ضحكت "مديحة" بخفة وهي تتابع إبنتها الوحيدة وكل عائلتها وهي تخرج من المطبخ، تتمنى بداخلها أن يُخلِف "هاني" ظنها ويكون بقدر الأمانة التى تتمناها إبنتها ذات القلب الصافي ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


ذات المدينة لكن بحي آخر راقٍ للغاية، طريق ممهد عريض تُحِفهُ الأشجار على الجانبين، أحواض من الزهور والنخيل من كل الإتجاهات ...


بأحد المنازل الفاخرة بمدينة السويس، منزل يدل على رغد معيشة أصحابه بشكل مُبهر، أثاث كقطع نفيسة من الأثريات القيمة، بيت منمق ومؤسس بشكل راقي ومميز ...


بيت (هاني الخماري) ..

لقائه بـ"فرح" كان مثيرًا لإعصابه التي أثارتها بطريقتها المعتادة بالآونة الأخيرة، دومًا متهربة من لقائهم لتُسبب له ضغط نفسي لم يعد يحتمله، عاد مباشرة نحو منزله بهذا الحي الراقي ....


بخطواته الثابتة تقدم نحو ذلك البهو الكبير ليلاقي تلك السيدة الأرستقراطية تجلس بثقة فوق المقعد تناظر تقدُمه نحوها ...


"رقية الخشاب"، سيدة بنهاية عقدها الخامس، لكن إهتمامها بنفسها وتألقها وتأنقها جعلها تبدو بعمر أصغر من عمرها بكثير، ولم لا تهتم بذلك إن كانت تعيش حياة رغدة كتلك التي تحياها ببيت زوجها "نبيل الخماري" رجل الأعمال المعروف ...

رشا روميه قوت القلوب 

نَظرةٍ محبةٍ غمرت بها ولدها الوحيد "هاني" حين تقدم نحوها قائلًا بهدوء مُخفيًا ضِيقهُ من لقاء "فرح" ...

- مساء الخير يا ماما ....


تمعنت "رقية" به قليلًا قبل أن تجيبه بإستنكار ...

- مساء الخير ..!!! كنت فين من الصبح يا "هاني"؟!! باباك سأل عليك كتير أوي لما إتصل ...


جلس "هاني" مدركًا لمقصد والدته لكنه تغاضى عنه قائلًا بغموض ..

- كان عندي شوية مشاوير كدة، خلصتها وجيت على طول ...


مطت "رقية" شفتيها بإستياء قبل أن تردف بعنجهية شديدة وهي تناظر ولدها بطرف عينها ...

- مشاوير، ولا رُحت عشان تشوف البنت الكَحيانَة بتاعتك ...


بالتأكيد هو لا يحتمل الآن ضغط والدته أيضًا، تذمر "هاني" من طريقة والدته الساخرة بإستمرار ...

- وبعدين يا ماما بقى ...!!!!


إعتدلت "رقية" لتناظر "هاني" بحدة توبخه على إختياره السئ ...

- أنا إللي وبعدين !!! رايح تجيب لي واحدة ولا نعرف أصلها ولا عيلتها يطلعوا مين، لا إسم ولا صيت ولا غِنى، وعايز تتجوزها، ليه ؟!! هو إنت قليل ؟!!!!!!


- عجباني يا ماما ...

قالها "هاني" متشبثًا بـ"فرح" كطفل يتشبث بلُعبته التي إختارها ولا يود التنازل عنها، لتحاول "رقية" إثناؤه عن هذا الإختيار كأم متخوفة على مستقبل ولدها الوحيد ...


- ما الحلوين كتير يا حبيبي، وبنات ناس ومن عائلات معروفة كمان، إشمعنى دي إللي إنت متشعبط فيها، مش إتسليت يومين معاها، خلاص بقى ساعة الجواز نفكر في إللي تناسب عيلة "الخماري" ...


كطفل مدلل إنفعل "هاني" محتدًا لما تتفوه به والدته ...

- إيه يا ماما إتسليت معاها دي !!! ، إحنا كنا زمايل مع بعض في الكلية ...


أكملت "رقية" بغيظ مكتوم من سطحية تفكير ولدها ...

- والله ما حيوديك في داهية إلا طيبتك الزايدة دي، حتكون إيه يعني ؟!! حِرباية عرفت تلف عليك وتوقعك عشان إنت غني وأبوك غني ...


- أكيد لأ طبعًا، إنتِ متعرفيش "فرح"، لما تشوفيها حتقولي كلام غير ده ...


لوت "رقية" فمها جانبيًا بتملل ...

- لما نشوف ...


تطلع "هاني" نحو والدته ببعض من الصمت ثم سألها بشك ...

- كلمتي بابا زي ما قولت لك ؟؟؟


أجابته دون أن تتطلع نحوه، كما لو كان الأمر لا يستحق عناء جهدها ...

- لما يرجع من الشركة حقوله ونشوف ...


- كويس أوي، حدخل أريح جوه شوية في أوضتي لحد ما بابا يرجع وبعدين نتكلم سوا ...


تركها "هاني" متجهًا نحو غرفته بالأعلى بينما أخذت "رقية" تغمغم بسخط بنبرة مستاءة للغاية ...

- أما نشوف بنت الممرضة إللي جايبها لنا دي حكايتها إيه، الظاهر واكلة دماغه على الآخر ....

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


مستشفى الهلال المركزي ...

لعلك على قيد الحياة، لكنك لا تشعر بذلك، بعض الأحيان تسرقُنا دوامة العيش دون أن نستمتع بوجودنا، عمل يلي عمل، إرهاق متراكم، وأعين باهتة ...


نظرت "مروة" بإشفاق على حال صديقتها وهي تخطو لداخل غرفة إستراحة الممرضات بعد ساعات من العمل وإنتهاء مناوبتها بعيادة الأسنان التي تعمل بها، مطت شفتيها تلويهما بإستياء معتاد دون أن تدري، خاصة وهي تطالع صديقتها "ليلى" وقد أنهكت قواها بعد عمل متواصل ...


أسندت "ليلى" رأسها فوق ذراعيها المعقودتان فوق الطاولة تسترق لحظة راحة بزخم يوم عمل مرهق، إقتربت منها "مروة" قائله بإشفاق ...

- شكلك تعبان أوي يا "ليلى" ...


إنتبهت "ليلى" مؤخرًا لوجود "مروة" لترفع رأسها بتثاقل تحاول بالكاد فتح أعينها السوداوتين اللاتي يغلبهما النعاس بقوة، لتجيبها بنبرتها الناعسة ...

- عاوزة أنام أوي، أنا منمتش إمبارح غير ساعتين بس ...


نعم هي صديقتها، لهم سنوات رِفقة معًا، تحبها بشكل إستثنائي، لكن "مروة" لها طريقة خشنة نوعًا ما في التعبير، وإن لم تقصد أن تكون بهذا الجفاء، لكنها عَقبت بإستنكار ...

- وعاملة في نفسك كدة ليه ؟!! ما تروَّحي بدري شوية، ده حتى العيادة عندكوا في العظام فاضية ومفيهاش حالات خلاص، محدش حيقول لك لأ ...


إعتدلت "ليلى" لتلُوح شبح إبتسامة متهكمة من حالها، قبل أن تردف بأسى ...

- أروَّح !!!! وبدري كمان !!!! ليه ؟!! وعشان أعمل إيه ؟!! لا يا "مروة" مش عايزة أروَّح ...


سحبت "مروة" المقعد وهي تعقب بفراسة ضامة شفتيها بإدراك ..

- أممم، قوليلي بقى، شكلك لسه زعلانة من باباكِ، صح ؟ 


زفرت "ليلى" بقوة تخرج حنقها وضيقها بهذا النفس الطويل، ضيق إحتل نفسها وبالكاد تتمالك ميلها للبكاء من شدة إختناقها، أخرجت كلماتها ببعض الإنفعال من تصرف والدها "عزت ذو الفقار" معها ...

- أنا مش عارفه هو بيعمل معايا كدة ليه ؟!! ده أنا بنته الوحيدة، لا أخ ولا أخت، بجد حرام والله ...


حاولت "مروة" إيجاد عذر لوالد "ليلى"، أو ربما تهدئ من حنقها عليه لرفضه طلبها ..

- مش يمكن خايف عليكِ يا "ليلى"، وإنه مثلًا ممكن يكون مش متقبل فكرة إنك تسافري لوحدك دي ...


أجابتها "ليلى" ساخرة من تفكير صديقتها الغريب، فمنذ متى هي من أولويات والدها لتلك الدرجة، متى شعرت بهذا الخوف والإهتمام منه، لابد أن صديقتها تتخيل حياة ليست لها، وبضحكة قصيرة للغاية تسخر من حال والدها وحالها معه قائلة ...

- خايف عليا !!!!! ده من أي إتجاه إن شاء الله، إسكتِ يا "مروة" بالله عليكِ وخليني في إللي أنا فيه ...


لم يكن رفض والده "ليلى" أمر غريب، فهو نادرًا ما يوافق ويرضى بأمر تريده إبنته، لكن "مروة" لم يكن لها سوى أن تهون الأمر على صديقتها قائلة ...

- معلش، بس إنتِ لازم تتكلمي معاه تاني، هو فيه حد عاقل يرفض بعثة زي دي !!! طب يا ريت كانت جات لي أنا، والله ما كنت سبتها تروح من إيدي أبدًا ...


رفعت "ليلى" مرفقها فوق الطاولة لتسند وجنتها فوق قبضتها بتحسر وإعتلت سوداوتيها نظرة حزينة ...

- عارفة يا "مروة"، لو كان بابا رافض عشان خايف عليا يمكن ساعتها مكنتش زعلت، بس أنا عارفة ومتأكدة إن ده مش السبب خالص ...


- أمال إيه بس ..؟!!


تنهدت "ليلى" وهي ترخي من عينيها تجاه الأسفل وقد تجمدت ملامحها على سكونها الحزين، فيبدو أن هذا هو وجهها الأصلى ...

- بابا أهم حاجة عنده إنه ميدفعش فلوس، سفر يعني مصاريف، هو مش عاوز ده، أنا حاولت أحوش مبلغ مش بطال عشان أصرف على نفسي لما أسافر، ده أنا حضرت كل حاجة، كل حاجة فعلًا عشان البعثة دي، وإتعلمت محادثة بالإنجليزي كمان عشان أسافر، لكن للأسف بابا رافض خالص موضوع السفر ده ...


- طيب خلاص بقى متزعليش نفسك، إنتِ كل ما نتكلم في موضوع السفر ده نفسيتك تتعب أوي، بلاش نتكلم فيه أحسن، مش عايزة أشوفك زعلانة ...


يتوجب عليك بعض التجاهل كما لو أن لا قلب لك، خاصة حين تدرك أن مُحدِثُك لا يهتم بل مجرد ثرثرة بدافع الفضول، عليك تعلم الإبداع في التجاهل كما تبدع في الإهتمام، لهذا إعتدلت "ليلى" وتلاشت نظرتها المنكسرة ووضعت قناع الإبتسامة الجذابة التي تمتلكها، حتى ضياء عينيها المنطفئ تبدل لوهج فاتن بلحظة وهي تدير مجرى الحوار لإتجاه آخر، فـ"مروة" لا تكترث بـ"ليلى" وما يحزنها بل هي كائن يدفعه الفضول ...


- على سيرة الشوف صحيح، دكتور "سامح" كان عاوز منك إيه الصبح بقى ؟!

رشا روميه قوت القلوب 

كانت إجابة "مروة" تحمل الكثير من الإحباط والضيق ...

- أبدًا، كان عنده واحدة قريبته تقريبًا وكان بيوصيني عليها عند دكتور "محمد" ...


سألتها "ليلى" بوضوح وتلك سمة مميزة لها بشخصيتها التي لا تحيد عن الحق ...

- وهو لحد دلوقتِ متكلمش معاكِ في حاجة خالص، ولا حتى لمح لك ؟!!


- ولا كأنه شايفني ...


حركت "ليلى" رأسها بالإيجاب متيقنة بحدوث أمر بالقريب بين "مروة" و "سامح" ...

- أكيد قريب أوي حيتكلم ...


رفعت "مروة" حاجباها بإندهاش وهي ترمق "ليلى" بنظرة غريبة لم تفهم "ليلى" مغزاها ...

- حيتكلم إزاي وهو شايف حد تاني قُدامه ..!!!!!


ضيقت "ليلى" جبهتها بدون فهم متسائلة بإستفهام ...

- حد تاني ؟!!! مين الحد التاني ده ؟!! 


نظرة إستهزاء من "مروة" كانت رد فعلها على تساؤل "ليلى" الكاذب، لتردف بإستنكار لما تحاول إخفائه عنها ...

- إنتِ بتسألي !!!! يعني مش عارفة مين !!! إنتِ يا "ليلى"، ولا إنتِ مش واخده بالك من طريقته معاكِ وإهتمامُه بيكِ !!!


إتسعت عينا "ليلى" الواسعتين وقد فغرت فاها بصدمة وعلا وجهها علامات إندهاش حقيقي مما تفوهت به "مروة" ...

- أنا ...!!!! لأ طبعًا، مفيش أي حاجة من دي خالص، إنتِ أكيد غلطانة ...


رفعت "مروة" كتفها وأهدلته بتملل وهي تقوس شفتها السفلى بإستهزاء غير مصدقة لما تحاول "ليلى" إظهاره لها ...

- أهو ده إللي أنا شايفاه بعيني ...


شك أم إدعاء أم ظن، لكن بكل الحالات هي لا تقبل أن يطالها سوء لسمعتها أيًا كان الوسيلة، فقد حاربت لسنوات العديد من التطاولات و الأحاديث الباطلة عنها، هي من تحافظ على نفسها من نظرة شك قد تطالها، تدينها وإستقامتها وأخلاقها ليسوا محل للظنون على الإطلاق، أمر زاد من إنفعال "ليلى" لتهتف بحدة ...

- دكتور "سامح" بيتعامل معايا زي ما بيتعامل مع الكل، بطلي بقى طريقتك وكلامك إللي ملهوش لازمة ده ...


تغاضت "مروة" عن إنفعال "ليلى" وحديثها لتكمل بتمني ...

- يا ريت يشوفني زي ما هو شايفك ...


يبدو أن "مروة" لن تحيد عن أفكارها الغريبة لتستكمل "ليلى" حديثها بجدية وحِدة بذات الوقت ...

- "مروة"، بقولك إيه متتخيليش حاجة وتصديقها، مفيش حاجة من إللي في دماغك دي، إعقلي كدة هي مش ناقصة ...


وقفت "مروة" بمقابل "ليلى" وهي تناظرها بأعين يملؤها الإتهام وقد زادت حدة نبرتها ...

- إنتِ بس إللي بتقولي كدة !!! ده إللي بيعمله معاكِ الأعمى يشوفه ..


رفعت "ليلى" كفها بغيظ من حديث "مروة" الخالي تمامًا من الصحة لكنها تمالكت غضبها وكورت قبضتها قبل أن تترك غرفة الممرضات حتى لا تنفعل لأكثر من ذلك بسبب هذا الإتهام الخاطئ الذي تلقيه عليها صديقتها ...


تمتمت بغضب أثناء مغادرتها ...

- ده إنتِ غريبة، الوقت معاكِ ضايع، أنا أشوف شغلي أحسن لي ...


ظلت "مروة" تناظر باب الغرفة الذي خرجت منه "ليلى" محدثة نفسها بغيظ ...

-( مش عارفة حتفضلي تنكري لحد إمتى، ده الكل شايف بعينه وساكت ...) ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


قلوب تَفهَمُنا دون حاجة لشرح، تشعر بك دون الحاجة للحديث، كاتمة لأسرارك، ذو محبة خالصة، إن وجدتها فلتتمسك بها فبعض العلاقات لا تعوض وبعض الأشخاص لا تستبدل ...


إنتهى "نور" من مناوبته فقد حل المساء سريعًا، خرج من المستشفى التي يعمل بها مستقلًا سيارته الصغيرة ذات اللون الرمادي متخذًا طريق عودته للمنزل فمازال الوقت مبكرًا على موعد لقائه بـ"سامح"، توقف بإحدى إشارات المرور التي طالت لإزدحام المرور بهذا التوقيت ...


دقائق من الإنتظار الصامت لإستئناف تحركه بتلك الإشارة جعله يشرد بذهنه متذكرًا فترة تدريبهم بآخر عام لهم بكلية الطب ...


لاحت بوجهه إبتسامة خفيفة حين تذكر ضحكاته برفقة أصدقائه "سامح" و "كريم"، تذكر كيف توطدت علاقتهم ومحبتهم بتلك الفترة حين تدربوا بنفس المستشفى رغم إختلاف تخصصاتهم ...

﴿ بذلك اليوم جلس ثلاثتهم معًا بوقت راحتهم حين بدأ "سامح" قائلًا ...

- طب والله الراجل ده صعبان عليا ...


ضرب "نور" كفيه ببعضهما البعض بعدم تصديق لسذاجة "سامح" و طيبته الزائدة عن الحد ...

- صعبان عليك !!!! ده كان حيقتلك دلوقتِ يا "سامح"، وإنت بتقولي صعبان عليك ...


لم يكترث "سامح" لرد فعل المريض المتهور، لكنه أدرك أنه متخبط ويحتاج للمساعدة بالفعل ..

- أه والله، شكل المشاكل إللي هو فيها مخلياه يتصرف بطريقة مش طبيعية، ولا إيه رأيك يا "كريم" ما تقول حاجة ..؟؟


رغم تطلعه بـ"سامح" منذ بداية الحديث، إلا أن "كريم" مال بعنقه النحيل تعجبًا للحظات لتظهر ملامحه جليًا أمام أعين صديقيه، "كريم خطاب" رفيقهم الثالث، شاب خفيف الظل، يعشق المزاح والمرح، أبيض البشرة ذو جسد متوسط الطول يميل للنحافة التي تظهر بشكل ملحوظ بوجهه المثلث وأنفه المدبب، يترك خصلات شعره الأسود بعشوائية لاقت بشخصيته الماجنة ..


بعد فترة من التحديق بـ"سامح" أجاب "كريم" بسخرية ...

- وأنا مالي، حد قالك إن أنا الدكتور النفسي بتاعه ...


شخصيته الوسطية ما بين جموح "كريم" وخجل "سامح" كان "نور" حلقة الوصل المفقودة تلك، لهذا تحدث بنوع من الجدية يحذر "سامح" من إنغماسة بمساعدة الجميع دون تفكير حتى لا يقع بمشكلة لا يمكنه الخلاص منها بسهولة ..

- المفروض كنت تحرص منه، بقولك إيه، دي آخر مرة تعدي على القسم الغريب ده، إنت راجل بتاع عيون، مالك إنت ومال المرضى النفسيين يا جدع ...!!!


نقاء روح غير طبيعي بشاب ذكي، من المفترض أن يكون أكثر حرصًا وخبرة، لكنه يفضِل التعامل بتلقائيته وطبيعته الفطرية دون تفكير، ليعقب "سامح" بهدوء ..

- أهو إللي حصل بقى، صعب عليا، إيه مطمنش عليه، هو إحنا في غابة ولا إيه ؟؟!!!


إبتسم "كريم" بمكر وهو يرفع لسانه يتلمس أسنانه أولًا كحركة لا إرادية منه ثم أطلق تعقيبه ساخرًا بمزاح ...

- طيب إفرض يعني كان وصل لك، وقطع ودنك مثلًا، تقدر تقولي كدة ممكن تتجوز إزاي ..؟!!


أنهى "كريم" عبارته وهو ينظر تجاه "نور" متضاحكًا بقوة يمد له كفه ليضربه "نور" بخفة بكفه ليشاركه بضحكه أيضًا لإثارة حنق هذا الخجول ...


إشتعل وجه "سامح" بحُمرة خجل ليهتف بحدة ...

- الله، إيه يا "كريم"، وبعدين إيه إللي جاب الجواز للودان ..؟!!!!


مظهره الخجول وحمرة وجهه الغير طبيعية زادت من ضحكات "نور" و "كريم" بقوة لتتلاقي عيناهما بنظرات ماكرة، بصوته الصاخب عقب "كريم" متخللًا ضحكاته ..

- يا خبر أبيض، وشك إحمر كدة ليه يا دكتور، إنتِ مكسوفة يا بيضا، لا، إخشن كدة أمال، الكسوف ده مينفعش، معندناش رجالة تتكسف، إنت حتتجوز إزاي يا إبني بكسوفك ده ؟!!!!!


شعر "سامح" بالضيق من تكرار سخريتهم من خجله حين يتطرق الأمر بينهم بحديثهم عن الزواج أو الفتيات، فهو يشعر بالخجل الشديد حين يبدأ أي منهم حديث من هذا القبيل، إنفعل "سامح" بضيق من مزاح "كريم" الثقيل ...

- إنتوا حتقلبوها مسخرة عليا بقى ولا إيه، والله لو ما سكتوا لأسيبكم وأمشي ...


وقف "سامح" مهددًا بالمغادرة حين تشبث "نور" بذراعه قائلًا ...

- خلاص يا دكتور خلاص، بنهزر معاك، وبعدين زعلت مني أنا ليه، أنا منطقتش ...


لم يكن حديث "نور" بالجدية الكافية ليصر "سامح" على المغادرة ...

- أنا ماشي ...

تنحنح "نور" متمالكًا ضحكاته فيبدو أن "سامح" لم يتقبل مزاحهم، وهذا أمر لا يقبله، فلن يسبب الضيق لصديقه، فله من المحبة بقلبه ما يضحي بكل غالي لأجله ...


نظر "نور" تجاه "كريم" ينهره على التمادي بالمزاح الذي سبب الضيق لـ"سامح" ...

- خلاص بقى يا "كريم"، سيب "سامح" في حاله، وإنت يا "سامح" أقعد بقى بلاش حركات العيال دي ...


جلس "سامح" مستكملًا حديثه مع رفاقه، موقف من مواقف عدة جمعتهم سويًا ...﴾

رشا روميه قوت القلوب 

عاد "نور" لواقعه بسيارته المنتظرة أن يُفتَح الطريق بعد أن توقف بإشارة المرور، يالها من ذكريات حلوة ترسم ضحكة خفية بنفوسهم قبل وجوههم ...


سحب "نور" هاتفه ليبحث عن إسم "كريم" الذي إشتاق له بالفعل، فمهما بعدت بينهم المسافات إلا أن قلوبهم مازالت متضافرة معًا، وسيظلون دومًا أصدقاء ...


ضغط "نور" بزر الإتصال لتتسع إبتسامته كما لو كان يراه أمامه بالفعل ...

- ســـــــــــــــــــــــلام ...


- يااه، لو تصدقني، كنت فعلًا على بالي، واحشني يا "نور" ...


أسند "نور" مرفقه لحافة النافذة ثم إستطرد ...

- والله وإنت كمان وحشتني رخامتك يا أخي، أخبارك إيه طمني عنك ..


- أنا كويس جدًا الحمد لله، إنت فينك و"سامح" عامل إيه، وحشتوني يا ولاد اللذينة إنتوا ..


بضجر شديد أجابه "نور"، فحياته أصبحت رتيبة للغاية ..

- زي ما إحنا، لا جديد ...


بصوته الصاخب ومزاحه المعتاد عقب "كريم" ..

- وناوي تتجوز إمتى إن شاء الله ؟!!


لاح طيف "نسرين" أمامه متذكرًا مشاكلها التي لا تنتهي قائلًا بفتور ..

- لسه محددناش، يمكن على الصيف مثلًا، أنا بصراحة مش مستعجل ...


إندهش "كريم" لتراخي "نور" وعدم تحفزه لإتمام زواجه، ليطلق لسانه اللازع متهكمًا بمزاحه الثقيل ..

- مش مستعجل !!! إوعى تكون قلبت كسوفه زي "سامح" إنت كمان ؟!! 


ضحك "نور" بخفة معقبًا بإيضاح كاذب ...

- لا طبعًا، بس أهل خطيبتي محتاجين شوية وقت عشان الجهاز والحاجات دي، المهم، سيبك مني أنا، أخبار ألمانيا إيه معاك ..؟؟

- تحفة يا "نور"، إيه مش بتفكر تيجي ؟؟


- لأ، أنا مبسوط هنا ...


تحولت نبرة "كريم" المازحة لأخرى جادة تمامًا قائلًا ...

- أنا بتكلم بجد، أنا أصلًا كنت عاوز أتصل بيك وبـ"سامح" بس قولت لما أخلص الشغل، فيه بعثة مطلوبة من مصر، وممكن أحط أساميكم فيها إيه رأيك ؟؟!


ضحك "نور" بخفة ساخرًا من ثقة "كريم" الزائدة ...

- مدير ألمانيا حضرتك، حتعملها إزاي دي بقى !!!


أكمل "كريم" بثقة كمن يستطيع تنفيذ ذلك بسهولة حقًا ...

- مالكش دعوة، قول إنت بس موافق، وأنا ليا علاقاتي هنا، وحخلص لكم كل حاجة ...


شرد تفكير "نور" قليلًا لينهي محادثته فور أن وجد الطريق إستأنف حركته مرة أخرى ..

- ماشي يا دكتور، حبقى أكلمك تاني ونشوف، سلام بقى عشان أنا سايق والطريق فتح ...


- أوك، وبلغ سلامي للخجول بقى ..


مع نهاية المكالمة ظل "نور" يفكر بالأمر بذهن مشتت أثناء قيادته للمنزل دون الوصول لقرار فيما أخبره به "كريم" ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


من المؤسف أن يتمنى الإنسان حقه، أن يتشوق لأن يشعر بأن له روح وليس مجرد شخص على قيد الحياة، كم مرة نموت ونحن على قيدها، وكم من مرة سنولد بها من جديد ونجد فرصتنا الضائعة ...


أعين جميلة كقطعة الأوبال لكنها باهتة، لا حياة فيها، إنطفأت بها وميضها اللامع، وجه برئ تجتمع به صفات الحُسن والرقة والعذوبة، والتعاسة أيضًا، دموع مختنقة أبت أن تترقرق، صوت متحشرج إختفى عن الوجود، فمن البرئ ومن الجلاد !!!


"زهرة زيدان"، إسم على مسمى، فهي رقيقة ناعمة كالزهرة، هادئة بطبعها كالنسيم، تتقبل حياتها رغم مساوئها دون شكوى، حتى وإن حاولت الشكوى لا تخرج كل ما بجعبتها، بل تقطف كلمة على إستحياء فربما يدركون أوجاعها ...


أعين أخرى حائرة بغيظ بين "زهرة" و والدها "خليل زيدان" لا تترك له فرصة للتفكير، حينما هتف هذا الرجل النحيل الذي إقترب من الستين بحدة ...

- إحمدي ربنا يا "زهرة" ....


فور أن نطق بكلمته أسرعت زوجته "سمية"، تلك السيدة الممتلئة ذات الأربعون عامًا بالتدخل قبل أن يستكمل كلاهما حديثه، حين رمقت "زهرة" بالبداية بتقزز ثم أردفت ...

- ده إنتِ المفروض تبوسي إيدك وش وضهر على الأملة إللي إنتِ عايشة فيها، وبعدين هو عملك إيه يعني ..؟!!!!


تعلق أملها بإتجاه واحد فقط، هو منقذها من رأي زوجة أبيها المتسلطة، تتمنى لو أنه يقف بصفها ويساعدها ولو لمرة واحدة، هتفت "زهرة" كغريق يستنجد بآخر أمل ...

- يا بابا ..!!!


تطلع "خليل" بزوجته "سمية" أولًا والتي كانت تناظره بعينيها بحدة أربكته، فعليها فرض سيطرتها عليه طيلة الوقت، تلقائيًا عاد "خليل" موجهًا حديثه لـ"زهرة" بقسوة وجمود محطمًا أملها في أن يساندها ...

- بلا بابا، بلا هم !!! إنتِ أصلًا كدة طول عمرك ناكرة للجميل، بقى في الآخر ده ذنبي عشان جوزتك جوازة متحلميش بيها، إحنا أصلًا كنا نحلم بنسب عيلة "مكاوي" ...


أعجبت "سمية" بتلك النغمة لتكمل حديث زوجها الذي تماشى مع أهوائها لتستطرد قائله ..

- ومش أي جوازة يا "خليل"، ده حسب ونسب وفلوس، (مالت "سمية" بشفتيها بتقزز من إبنة زوجها وهي تلومها بإستياء)، ألا يعني يا وش الفقر إنتِ مش جايبة لنا معاكِ حاجة تزورينا بيها وجاية إيد ورا وإيد قدام !!!!


زاغت عيناها الواسعتان بوالدها وزوجته لتهتف برجفة فربما يفيقا لنفسهما ويدركا ما فعلاه بها ...

- بقولكم مش حباه، بخاف منه، تقولولي زيارة !!!!


شعر "خليل" بأن "زهرة" تميل للتملص من زواجها ووقتها ستعود لبيته مرة أخرى، أمر دفعه للإنفعال بشدة وهو ينهض من جلسته ...

- بقولك إيه، أنا مبحبش الدلع، "أنور" جوزك مفيش منه، على الله أسمعك بتشتكي منه تاني، خروج من بيتهم، مش حيحصل، إنتِ إتجوزتي وخلاص، عيشي ومشي أمورك، لكن تقوليلي أسيبه، ده ولا عمره حيحصل أبدًا، هو أنا قادر أصرف على أخواتك الصغيرين عشان أرجع أصرف عليكِ تاني !!!


بتأييد تام وقفت "سمية" إلى جوار زوجها قائله ...

- أه والله، دول محتاجين مصاريف قد كدة ..

أشارت "سميه" بكلتا كفيها تعبيرًا عن الكثرة، ثم أكملت كمحاولة منها للوصول لأى إستفادة من زيارة "زهرة" لهم، فتلك زيارتها الأولى بعد زواجها من "أنور مكاوي" ..


- معاكِ بقى فلوس تساعدي بيها أبوكِ الغلبان ده ...


هل حاولت لأن تجد السلام بين صخور قلوبهم، هل تبحث عن سكينتها بداخل فوضويتهم، أم ترضخ لطمعهم وتبيع حياتها مقابل حفنة من المال يتلقاها والدها وزوجته المستغلة ...


أتنتظر منهما شفقة وحنان، لإنتظار الإرتواء من السراب أيسر من أن تلاقي منهم ما تطمع به ...


فتحت "زهرة" حقيبتها الجديدة وهي تخرج بضعة أوراق مالية بغصة قائلة ..

- خدي يا "سمية"، خدي فلوس، حماتي إدتهم لي قبل ما أنزل، خدي يمكن تشبعي ...


لم تكترث "سمية" لما تتفوه به "زهرة" فما يهمها هو أن تحصل على المال، أليس هذا ما سعت إليه حين دفعت "خليل" بالموافقة على زواج "أنور" من "زهرة" ...


لملمت "سمية" المال بين كفيها بسعادة، لتغمض "زهرة" عينيها بأسى لتحمل حقيبتها فوق كتفها مغادرة شقة والدها البسيطة لتعود لبيت زوجها وعائلته ...

رشا روميه قوت القلوب 


❈-❈-❈ــ


حتى مع حلول المساء تبقى أجواء المستشفى أمر آخر، إنتهى موعد الزيارات وبدأ السكون يحف الأرجاء لكن العمل مازال مستمرًا ببداية نوبة مسائية جديدة، لتعلن إنتهاء فترة عمل من كان لهم نصيب بالصباح ...


بغرفة الإستراحة الخاصة بممرضات المستشفى وقفت "مروة الشيمي" تلملم أغراضها بالحقيبة الخاصة بها لتهتف قائله ...

- أنا خلصت خلاص، لسه بدري يا "ليلى" ولا إيه ..؟!!


برضا تام عن وضع حجابها بعد تبديل ملابسها وهي تدفع بجفنيها للبقاء متيقظة فالنعاس يغلبها بقوة ...

- خلاص أهو طالعة، غيرت هدومي وجيالك يا "مروة" ...


خرجتا من المستشفى لموقف الحافلات القريب لتستقلاها معًا رغم بُعد مسكن كل منهما عن الأخرى، لكن الحافلة تمر بقرابة الحي الذي تقطن به "مروة" أولًا، بعد قليل من الوقت ترجلت "مروة" من الحافلة تاركة "ليلى" بمفردها تكمل طريقها وسط الزحام وأعين هؤلاء المحدقين بتطفل ...


إنتظرت بسكون حتى وصلت لمحطتها لتدفع بنفسها لخارج الحافلة مستكملة طريقها سيرًا على الأقدام ...

رشا روميه قوت القلوب 

إنتهت حياة الصخب بعملها بالمستشفى لتبدأ حياة أخرى رتيبة للغاية، بل وحيدة بشكل قابض للنفس، إنها فتاة وحيدة ليس لها أخوة أو أخوات، تعيش برفقة والدها الذي يعود ليلًا من عمله ...


حياتها القاسية التي أجبرت عليها لم تكن بإختيارها، ومن منا يستطيع إختيار قدره، إنها راضية بجهدها وعملها المنهك، لكن قدرها كان بـ أب بخيل لا يفكر سوى في المال الذي لن ينفقه، شح قاست به حياتها مع والدها "عزت ذو الفقار"، شح غلب كل تفاصيل حياتها معه، ليته كان بخيلًا بماله فقط، لكنه أيضًا شحيحًا بمشاعره وحديثه، إنهما كغريبان يعيشان ببيت واحد ...


قِصر يده في الإنفاق عليها جعلها تتخذ أقصر الطرق لكسب المال وهو العمل في الصغر، تركت حلمها بتعليم جامعي وإكتفت بدراستها الثانوية للتمريض ليمكنها من العمل لتكفي إحتياجاتها دون الطلب منه فهي تدرك جوابه الدائم بالرفض ...


عملها كممرضة لم يكن حلمها أو ما تسعى إليه، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، لتقرر ألا تقف عند هذا الحد، فطموحها ليس له حدود وعليها تطوير نفسها بما تستطيع الوصول إليه، تطمح لإكمال دراستها والإرتقاء بنفسها حتى مع عملها بالمستشفى ...


بعد سير لمسافة لا بأس بها وصلت "ليلى" لحيهم البسيط الذي تسكن به، حي يمتاز ببيوت صغيرة ذات أشكال عشوائية مختلفة، لكنها تتميز بالبساطة والقِدم، وقفت أمام بيت قديم من أربعة طوابق ذو بوابة عريضة من الحديد الصدئ، جدرانه بهتت ألوانها فلا يمكنك تمييز لونها الأصلي ...


دفعت "ليلى" البوابة الحديدية بكل قوتها بكلا يديها لتصدر صرير عال مزعج للغاية مُحدثة نفسها بتأفف ...

- هو محدش بيصلح البوابة دي ليه ؟!! طيب بابا وعارفة إنه مش حيدفع عشان تتصلح أبدًا، بس باقي الجيران مبيصلحوهاش ليه ؟!! إيديا وجعتني كل يوم وأنا بزقها ....


صعدت الدرج وهي تتحاشى إحدى الدرجات المكسورة وسط هذا الظلام فجميع المصابيح قد خربت، لتقف أمام شقتهم بالدور الأول ممسكة بمفتاحها حين سمعت أصوات أقدام تدنو منها آتية من الأعلى ...


وقبل أن تلتفت لترى من هذا الشخص شعرت بقُربه منها، وتمسكت يده بزندها لتلتفت بأعين متسعة وضربات قلب متسارعة ...


إتسعت عيناها بقوة وهي تفغر فاها بتفاجئ ...

- مين ؟!!  

الفصل الثالث من هنا


stories
stories
تعليقات