![]() |
رواية حتي يجمعنا القدر الفصل الثالث بقلم رشا رومية
لكل إختيار ثمن سيُدفع لا محالة، ولطالما هناك ثمن فلابد من أن يكون هذا الإختيار عظيمًا، أو على الأقل يستحق ما سيدفع بمقابلُه، عليك أن تكون حرًا دون إجبار حين يتوجب عليك الإختيار، فالحرية هي أن تستطيع الإختيار دون قيود، فحين يُسلب منك حرية إختيارك فأنت في سجن بلا شك، ومع الإختيار تأتي الحيرة والخوف من إتخاذ القرار، فبعض الإختيارات توقع الندم دهرًا كاملًا، وببعضها نربح السعادة، أكثرهم حيرة وألمًا حين توضع بين خيارين يصعب الإختيار بينهم، حيرة بين القلب والمال، فبكلا الإختيارين مكسب وخسارة، فأيهما تتحمل ..؟!!!
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت "ليلى ذو الفقار" ..
ظلام وخوف وقلب منتفض، هكذا وقفت "ليلى" بأعلى الدرج قبل أن تفتح باب شقتهم، حين أمسك أحدهم زندها يدنو منها إلى الحد الذي دَب الخوف بقلبها ...
إلتفتت بأعين متسعة وفاه مفغور لتتفاجئ بصديقة طفولتها وشبابها، تلك التي تقاسمت معها أحزانها وأفراحها، شقيقتان لا يجمعهما أب وأم، بل جمعتهم الحياة بدربها، إتسعت إبتسامة "ليلى" بسعادة لرؤية صديقتها الحميمة تقف قبالها لتهتف بإبتهاج ...
- مين، "زهرة"، خضتيني، وحشتيني أوي يا عروسة ...
ضمتها "زهرة" بحنان قائله بصوتها الدافئ ..
- وحشتيني يا "ليلة" ...
دلال خاص بينهم، هم من يرق قلوبهم لبعضهم البعض، بإبتسامة هادئة وملامح لا تظهر إلا برفقة "زهرة" فقط، مالت "ليلى" برأسها بإستنكار مازح ...
- لا يا شيخة، ده أنا قولت نسيتيني خلاص، عندك حق، ما هو من لقى أحبابه نِسي أصحابه ..
بوجه مختلف تمامًا عن ذلك التعيس الذي كان يحتل ملامحها منذ قليل بزيارتها لوالدها وزوجته، أشرق وجه "زهرة" بإبتسامة ناعمة أخاذة قائلة ..
- والله، ده على أساس إيه إن شاء الله، هو أنا عندي إخوات ولا أصحاب غيرك يا "ليلة" ...
سحبتها "ليلى" من ذراعها نحو داخل الشقة وهي مستكملة لحديثها ...
- كلام، تعالي بقى أقعدي معايا شوية وإحكِ لي عن غيابك عني كل ده، من يوم ما إتجوزتي وإنتِ مختفية ...
ولجا لداخل الشقة فيما إستطردت "زهرة" ردها على صديقتها ...
- إللي يشوف كدة يقول بقالي سنين غايبة عنك، دول هم يا دوب أسبوعين بس ...
بدلالها الذي لا تُظهره كثيرًا عقبت "ليلى" ...
- برضه كتير ...
جلستا بشكل متجاور على تلك الأريكة القديمة كما لو أن هذا المكان مُلتقى لتلك القلوب المحبة، منقوش بأسمائهم، يحمل لهم من الذكريات المحفورة بين طيات قماشه القديم، فكل منهما تدرك جلستها وموضعها من قبل ...
رشا روميه قوت القلوب
سنوات مرت كانت صُحبتهم أجمل ما فيها، إستدارت كل منهما تجاه الأخرى بأريحية ضمت سكينة الموطن لتستكملا حديثهما الذي مازال ببدايته ...
- وحشتيني يا "زوزو"، قوليلي بقى أخبارك إيه، وعاملة إيه مع جوزك وأهله ..؟!؟
لم تجب "زهرة" بسعادة متوقعة من صديقتها، بل كانت مستكينة بحزن لا يناسب عروس لم يمر على زواجها سوى أسابيع قليلة، تنهدت "زهرة" مصطنعة إبتسامة أدركت "ليلى" زيفها على الفور حين أجابتها ...
- عادي ...
تمعنت "ليلى" بوجه "زهرة" لتتلاشي إبتسامتها وظهرت بعض ملامح التوجس بوجهها الممتلئ تتسائل بغرابة ..
- هو إيه إللي عادي !!! المفروض إنك عروسة ومبسوطة مع عريسك ؟؟ ولا أنا غلطانة ..؟!!!!
لحظة إنكشف بها قناع التَقبُل الذي وضعته "زهرة"، فممن ستُخفي حزنها وقد تلاقت مع أليفة روحها، من تحفظها ككف يدها ولا يمكنها إخفاء أمر عليها ...
إرتعشت شفتيها بقوة وهي تحاول كبح تعاستها لمرة أخيرة قبل أن تنفلت منها نبرتها البائسة تخرج ما في جعبتها مع مرآتها التي لا تُخفي عنها شيئًا ...
- ما إنتِ عارفة يا "ليلى" جوازتي جت إزاي، وإن لولا العيشة إللي كنت عايشاها مع "سمية" وطريقتها معايا هي وبابا ولا كنت وافقت أسيب المعهد، ولا كنت وافقت أتجوز بالشكل ده ...
مدت "ليلى" كفها تحيط كفيَّ "زهرة" اللاتي تضغطهما بعضهما البعض بحنو تآزرها بتفهمها لها ...
- عارفة يا "زوزو"، بس برضه جوزك وأهله شكلهم ناس طيبين وكويسين، ده أنا قولت هم دول إللي حيعوضوكِ عن إللي بيعمله معاكِ عم "خليل" ومراته ...!!!
رفعت "زهرة" عينها للأعلى بضحكة قصيرة ساخرة من وضعهما، فمن يواسي من !!! فهما وجهان لعملة واحدة، مثالان للحرمان والفَقد، مالت "زهرة" بثغرها بتهكم قائلة ..
- عارفة يا "ليلة"، أنا بحس إن أنا وإنتِ عاملين زي المثل بتاع إتلم المنحوس على خايب الرجا، قال يعني إنتِ فارقة عني، ما هو عم "عزت" ميفرقش عن بابا حاجة، الإتنين حرمونا من حنيتهم علينا بعد ما أمهاتنا ماتوا ...
نحترف الإستغباء حينما تزعجنا المقاصد، فبعض الأحيان علينا التغاضي لنوهم أنفسنا أننا بخير، حتى نكمل طريقنا دون الشعور الدائم بالإنهزام، نتغافل بإرادتنا عن جرح كلما تذكرناه نتألم ...
ضاهت إبتسامة "ليلى" الحزينة تلك المرسومة بوجه "زهرة" فهي محقة تمامًا فيما تفوهت به، لكنها تصنعت أن لا شئ يؤثر بها رغم صحة كل كلمة نطقتها، لتهتف بها ببعض المزاح تُخفي خلفه قلب مُحطم بالحرمان والجفاء ...
- يووه، إنتِ حتقلبيها غم ليه ؟!! ما تفرحي كدة وتفرحينا معاكِ يا عروسة، ولا خايفة أحسدك !!!
رفعت "زهرة" حاجبيها بسخرية ممزوجة بأوجاع لم تدرك "ليلى" سببها بعد ...
- عروسة آه، أنا لازم أستحمل أي وضع في عيشتي معاهم، ما أنا مش حينفع أرجع أعيش تاني هنا مع مرات أبويا يا "ليلى" ...
عقدت "ليلى" حاجباها لتسألها بجدية وتخوف من أن تكون "زهرة" ليست سعيدة بزواجها ...
- إنتِ ليه بتتكلمي كدة ؟!!!!! هو "أنور" مزعلك في حاجة، ولا تكون حماتك أو حماكِ مضايقينك ..؟!!!
صراحة وتلقائية وقلب منفتح، هكذا تحدثت "زهرة" مع "ليلى"، فكلما تحدثت معها شعرت براحة كما لو أن حديثها مع نفسها، فحتى وإن حُرمت من الحنان والإحتواء؛ إلا أنها رُزقت بمحبة وآخاء صديقة عمرها التي لن تعوضها على الإطلاق، رزق مختلف كـ كف حنون يربت على قسوة حياتها، كحلوى باردة ترطب حلقها من جفاف وسخونة صيف حار، إنها الراحة واللطف بحياتها ...
أكملت "زهرة" بطريقتها الهادئة الناعمة التي تميزها، خاصة بصوتها الرقيق وكلماتها ذات اللحن الهادئ ...
- عارفة، أنا في الأول إستغربت أوي، وسألت نفسي، ليه ناس مبسوطين و أغنياء زي دول يطلبوا يجوزوا إبنهم لواحدة زيي !!! ولا مكملة تعليم، ولا من عيلة كبيرة، قولت لنفسي يمكن نصيبي ربنا يعوضني وأعيش عيشة كويسة، وإنتِ عارفة إللي حصل من "سمية" وإزاي أقنعت بابا عشان يوافق وتخلص مني وتاخد كمان فلوس من ورا جوازتي دي ...
قلق "ليلى" جعل صبرها يسير بطريق ممتلئ بالأشواك ولم تعد تتحمل عدم وضوح مقصد "زهرة" وسبب حزنها بهذا الشكل ...
- قلقتيني يا "زوزو"، هم زعلوكِ ولا إيه ..؟!!
تنهدت "زهرة" بإختناق، فحديثها مع "ليلى" هو منبع الضياء الذي ينفذ بحياتها، هي الوحيدة التي تستطيع أن تخرج ما في جعبتها دون خوف، لا تخشى أن تخفي أمرًا، أو تجمله، فحديثها معها كما لو كانت تتحدث مع نفسها، إستطردت "زهرة" بنبرة منكسرة ...
- عارفة يا "ليلى" حماتي قالتلي إيه ؟؟ قالتلي إنهم جوزوا "أنور" عشان الجواز يهديه، كأننا جايين نصلح إللي هم فشلوا فيه، يوم ما لاقوا فيه مشكلة قالوا يجوزوه عشان ينصلح حاله، طب بنات الناس ذنبهم إيه، أنا يا "ليلى" ذنبي إيه ..؟!!!!!
إتسعت عينا "ليلى" لتتوهج سوداوتيها بإندهاش رغم القلق الذي إعتراها لتجيب صديقتها بسؤال متوجس ...
- قلقتيني يا "زوزو"، هي إيه الحكاية بالضبط ؟!!
عادت "زهرة" برأسها للخلف قليلًا وقد إرتسمت بسمة ساخرة من حالها قائلة ..
- أصل الأستاذ "أنور" جوزي المحترم إبن الناس الطيبين طلع بتاع مخدرات، مدمن، شمام، بيتعاطى حاجات غريبة مخلياه طول الوقت مش في وعيه خالص، شوفتي بقى إللي أنا فيه !!!! ..
رفعت "ليلى" كفها لفمها تمنع شهقتها المنصدمة من الخروج فهي لم تتخيل مطلقًا ما تُحدثها به "زهرة"، فتلك العائلة تتسم بالأخلاق والطيبة وذات ثراء وسيط يسبقها ولا يمكن أن يتحلى ولدهم بهذا الإنحراف ...
- مخدرات !!!! يا نهار أبيض، وأهله عارفين بكدة ؟!!!
رشا روميه قوت القلوب
أكملت "زهرة" بذات اليأس الذي سيطر على حياتها، فلا يمكنها الفرار من هذا المصير الذي إقترن بها ...
- أيوة يا "ليلة"، مش بقولك أهله جوزوه عشان ينصلح حاله ..
تحولت نبرة "ليلى" للجدية وإحتلت النصيحة والتخوف على صديقة عمرها مما هو قادم لتلك الحياة التي لا مستقبل لها ...
- وبعدين يا "زوزو"، حتكملي معاه ؟؟! ده مدمن يا "زهرة" إستحالة الحياة معاه ..
رضوخ تام جعل "زهرة" تنكس مقلتيها السوداوتين بإختناق ...
- عندك حل تاني !!! أنا حتى جيت عشان أحكِ لبابا إللي عرفته عند "أنور"، وأكيد إنتِ عارفة البقية، مرات بابا طبعًا إتدخلت وقالت إن كل شباب اليومين دول كدة، وبكرة ينصلح حاله، وإزاي أطلق بعد أقل من شهر، والناس حتقول علينا إيه، وكلام كتير بالشكل ده، تفتكري أنا حعمل إيه !!!
تملك الغيظ من "ليلى" فزوجة والد "زهرة" إنسانة ليس لها قلب، حقودة جاحدة، لا يتوقع منها الخير مطلقًا، ضيقت "ليلى" جبهتها بإنفعال هاتفة ...
- منها لله، وطبعًا عم "خليل" وافقها كالعادة ؟!!
- طبعًا ( قالتها "زهرة" بإستسلام قبل أن تستطرد مُلطفة الأمر ولو بالكذب على نفسها وعلى صديقتها)، بس على الأقل أنا عايشة مع عيلة "مكاوي"، ناس كويسين، وبيعاملوني كويس أوي، وده لوحده كفاية عليا ...
ثبتت عينا "ليلى" تجاه "زهرة" تطالعها بإشفاق، فقد ألقتها ظروفها السيئة بزيجة حُكم عليها من قبل بداية حياتها مع رفيق مدمن وعليها تقبل ذلك عوضًا عن العودة لجحيم زوجة أبيها المتصابية ....
فهمت "زهرة" مغزى نظرات صديقتها لتبتسم رغم حزنها تحاول إخفاء ما لا يمكنها إخفائه خلف عذوبة بسمتها، كمحاولة فاشلة منها لإطمئنان "ليلى" ...
- متفكريش وتشغلي بالك يا "ليلة"، أنا خلاص حأقلم نفسي على حياتي الجديدة وخلاص، متفكريش فيا ..
قالت عبارتها وهي تنهض حاملة حقيبتها فوق كتفها إستعدادًا للمغادرة ثم قالت متهربة من بقية حديث تدرك بالتأكيد صحته من "ليلى" ...
- أنا لازم أروح عشان إتأخرت أوي ...
تحركت "زهرة" لخطوات بسيطة حينما لحقتها "ليلى" قائله بنبرة منخفضة حزينة على حال صديقتها ...
- إبقي تعالي قريب يا "زوزو" ...
أومأت "زهرة" بخفة قبل أن تغادر الشقة عائدة لمنزل عائلة زوجها، تنهدت "ليلى" بحنق وهي تتابع رحيل "زهرة" ثم أغلقت باب الشقة لتدلف نحو غرفتها لتبدل ملابسها أولًا لتعود للمطبخ لتحضير طعام لتتناوله فهي جائعة للغاية ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت نور بركات ...
ثقل الكاهل كشجرة تمنت الإستلقاء، فكلاهما مسألة معقدة، مهما بحثت عن الراحة يكون نصيبك التعب فقط لتبقى واقفًا ...
بذهن شارد وصمت طال لبعض الوقت، جلس "نور" يعبث بملعقته يبعثر محتوى طبقه الذي وضعته والدته أمامه لتناول وجبة العشاء بعد عودته من عمله بالمستشفى ..
نظرت "ألفت" لولدها الشارد ثم بدأت حديثها بنبرة حانية ...
- مالك يا "نور"، سرحان ليه من ساعة ما رجعت ..؟!!
إنتبه "نور" لوالدته مستفهمًا ...
- نعم، خير يا ماما بتقولي حاجة ..؟؟؟
إبتسمت "ألفت" قليلًا لتعيد سؤالها ...
- إللي واخد عقلك !!! مالك سرحان ليه زي ما يكون تفكيرك مشغول ؟!!
ترك "نور" ملعقته بالطبق ليعود بجذعه للخلف قليلًا وقد رُسمت إبتسامته الهادئة فوق ملامحه الجذابة، تألقت نظرته الحانية تجاه والدته ليطمئن بالها عنه فعليها ألا تنشغل به وبتخبط أفكاره ..
- ولا حاجة يا روح القلب، الشغل بقى و إللي فيه، متشغليش بالك ...
هو الوحيد بخلاف أخوته الذي لا يستطيع إخفاء مشاعره، تستطيع كشفه بسهولة، فـ"نور" واضح بمشاعره، صادق بقوله وفعله، مستقيم بشكل يدعو للفخر، لهذا إرتسمت بسمة كاشفة فوق شفتيها وهي تناظره بغير تصديق ...
- شُغل برضه ..!!! عليا أنا يا "نور" !!! ده إنت الوحيد في إخواتك إللي لا تعرف تداري ولا تخبي، يا إبني إنت عيونك فضحاك، قول مالك يا حبيبي، إيه إللي شاغل تفكيرك، ومخليك متضايق كدة ..؟
لم يرواغ أو يماطل فهي من يفيض إليها بما يمر به، فبعد زواج إخوته الثلاث جميعًا ووفاة والده، لم يبقى سواهما بهذا البيت، قُرب زادهم قوة وترابط، أمر لا يخجل منه مطلقًا فوالدته طيبة القلب متفهمة لحد بعيد، بل أحيانًا يُحدثها كصديقة له، أمر جعله يتنهد بتشتت قبل أن ينطق بكلمة واحدة لخصت سبب تخبطه ...
- "نسرين" ...
لم تتعامل "ألفت" مع "نسرين" بصفتها أم لخطيبها (حماتها) بل تعاملت معها بصفتها أم تبحث عن أعذار و أسباب، لتردف ببعض التمني ...
- إيه يا حبيبي، نويت تحدد معاد فرحك بقى وتفرح قلبي ؟؟!
ضم شفتيه ببعض الحيرة وهو يرفع من حاجبيه ويهدلهما أثناء حركة رأسه النافية ...
- لأ يا ماما، أنا لحد دلوقتِ مش قادر أحدد، "نسرين" مش فهماني خالص، كل يوم مشاكل مشاكل، مش عارف أخرتها إيه ...
بحثها عن عذر دومًا كانت طريقتها لتبرير تصرفات "نسرين" ..
- ما يمكن عشان إنتوا بعيد عن بعض، عارف، لما تتجوزوا حتكون أهدى وتفهموا بعض كويس ..
مسح وجهه بكفه بخفة قائلًا بصوته الهادئ ..
- بحاول والله أفهمها وأعذرها، بس هي عصبية أوي وصوتها دايمًا عالي، بحس إنها فعلًا بتتعمد تضايقني ...
صمتت "ألفت" لوهلة ثم قدمت نصيحتها بلطف كعادتها ...
- فَهِمهَا يا "نور" إللي بيضايقك بالراحة، وهي أكيد مش حتعمل كدة ...
لكن يبدو أن لكل محاولة ذروة تصل بصاحبها لبداية الملل والفتور من تكرار المحاولة والإصلاح، هكذا لخصها "نور" بزفير طويل عقبه قائلًا ...
- غُلبت والله، بس "نسرين" عِندية جدًا، ساعات كتير بحس إني إتسرعت لما وافقت بابا الله يرحمه على خطوبتي منها ...
لحظات من الندم لاحظتها "ألفت" لتنهر ولدها على الفور من مجرد التفكير ولو للحظة بالتراجع، فخطبة "نور" من "نسرين" كانت رجاء من زوجها له، وصية وصاه بها وعليه الحفاظ على ما كان يتمنى محققًا رجائه، هتفت بولدها بعجالة ...
- لا يا "نور"، ده كان طلب أبوك الله يرحمه، إنت عارف إن أبوها كان عِشرة عُمره، ومن خوفه على "نسرين" وأخواتها طلب منك إنك تتجوزها وتتحمل مسؤوليتها من بَعده، ما إنت عارف يا إبني إنهم ملهمش حد، وإن أبوك هو إللي كان بيراعيهم بعد صاحبه ما مات ...
رغم أن ذلك ضد رغبته وميوله إلا أنه تراجع عن تفكيره لما يشعر به بالمسؤولية التى ألقاها والده على عتقه بعد وفاته ليردف بتقبل دون رضى ...
- ما هو ده إللي مخليني صابر عليها والله، هي وصية بابا الله يرحمه، ( إنتبه لتأثر والدته التي وُضِعت بين حيرة مُرة، فهل ترضى بذلك الإنطفاء الذي يتوغل بنفس ولدها، أم تنفذ وصية ورغبة والده بإكمال تلك الزيجة، ليرفع "نور" رأسه ببسمة مزيفة مستكملًا بمزاح)، خلاص بقى يا ست "ألفت" متقلبيهاش حزايني يا روح القلب، ولا إنتِ عاملة الشوية دول عشان قولت لك إني نازل أقابل "سامح"..!!! إيه عاوزني أقعد جنبك ؟!!
إبتسمت "ألفت" بسكينة رغم فهمها لما يتصنعه ولدها ...
- لا يا حبيبي، روح لصاحبك وإنبسطوا سوا، وإبقى سلم لي عليه ...
وضع "نور" كفيه فوق الطاولة قبل أن يستقيم قائلًا ...
- ولو، مش نازل إلا لما أشرب الشاي الأول معاكِ يا روح القلب ...
تلبية لطلبه الودود إتجهت "ألفت" تجاه المطبخ لتحضر كوبان من الشاي الساخن أولًا قبل مغادرة "نور" بعد قليل ....
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
ليته خُلق من عظام، لكان أصبح يتسم بالقوة، ورغم أنه ليس به عظمة واحدة إلا أنه أكثر شئ يُكسر، لكن سبحان من خلق القلب باللين فلو كان أرادك صلبًا لخلقك من صخر ...
رشا روميه قوت القلوب
بيت سامح الحداد ...
هدوء ووداعة وربما صمت تام يغلف شخصية هذا الشاب، مرغمًا أو مقصودًا، فقد وُضع بتلك الحالة ولم يتزحزح منها، ليس مريضًا نفسيًا، لكن نفسه الهشة أجبرته على ذلك ...
وصل "سامح" قبل قليل لبيته بعد إنتهائه من مناوبته بالمستشفى، تصرفات متكررة محددة غلفت حياته، فقد وصل لبيته بنفس الساعة التي يصل بها يوميًا، بدل ملابسه بتلك التي تناسب بقائه بأريحية بالمنزل، رتب ملابسه بنفسه بداخل خزانته، ثم عاد ليصفف شعره المموج مرة أخرى ليظهر بطلته المحببة التي تخترق القلوب دون مجهود يذكر ...
خرج لغرفة المعيشة حيث جلست "أسماء الحداد" -والدته- تنتظر قدومه لتناول طعام الغذاء المتأخر ....
نظرت نحوه للحظات تسترجع هذا التبدل الذي حل بولدها منذ سنوات طويلة، كم كان حيويًا مقبلًا على الحياة، يتعامل معها بدون حساب أو إكتراث، حتى مجئ هذا اليوم الحزين الذي بدله تمامًا من فتى حيوي مُقبل على الحياة، لآخر متخوف يخشى كل شئ حتى البوح عن مشاعره ...
حادث مؤسف فقد إثره والده وأخيه الوحيد، حادث خسر به محبيه وخسر شغفه وحيويته معهما، إنغلق على نفسه حتى أصبح خجولًا إنطوائيًا، حساسًا للغاية ...
تطلعت به "أسماء" بحزن ليتكرر نفس السؤال بداخل نفسها - كيف سيستطيع مواجهة الحياة وصعوباتها بهذه الطيبة والحساسية؟؟!- رفعت رأسها تجاه ولدها قائلة ...
- ثواني وححضر لك الغدا وتقعد تحكِ لي عن يومك النهاردة ...
إكتفى "سامح" بإبتسامة هادئة وإيمائة خفيفة ردًا على والدته، فبماذا سيجيبها، فاليوم مثل كل يوم لا جديد بالمرة ...
سحب ذراع التحكم الخاص بالتلفاز ليشغله باحثًا عن إحدى القنوات بعينها، فهذا موعد برنامجه المفضل الذي يستمع به لمشكلات أصحابها وحلها على يد هذا الطبيب النفسي المتخصص ...
لقد أحب كثيرًا حل المشكلات، فطبعه الهادئ جعل زملائه بالمستشفى يلجأون إليه ببعض الأوقات بدلًا من الطبيب النفسي لقدرته الدائمة على الإستماع وحل المشكلات بتفكير هادئ وتروي وثقه فى الله، أحب "سامح" مساعدة الجميع لإحساسه الزائد بآلامه، فهو يعلم جيدًا كيف الألم يكون، إستطاع بظلام حياته أن يتوهج القمر من داخله، فلن يظهر القمر إلا وسط ظلام يحاصره ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت ليلى ذو الفقار ...
عليَّ التجاهل كما لو أنني بلا قلب، كُتب علينا ضبط النفس رغم أن المعاملة بالمثل عدالة، لكن بتلك الحالة العدالة أمر منهي عنه ...
يوم طويل منهك للغاية يتطلب راحة بالتأكيد، بعد رحيل "زهرة"، دلفت "ليلى" لغرفتها الفقيرة لتبدل ملابسها بمنامة مريحة أولًا، لم يكن لديها خيار متعدد فيا لعددهم المحدود، وخامتهم الشعبية الرخيصة ...
إرتدت منامتها بتكاسل شديد ثم إتجهت نحو المطبخ، أو ما تبقى منه لتحضر بعض الطعام لتسد جوعها، فمعدتها كادت تصرخ تعلن ثورتها طلبًا للطعام الذي لم يزورها منذ الصباح ...
فتحت الثلاجة لتخرج منها عُلبة صغيرة وثمرة (باذنجان) واحدة قد إبتاعتهم بالأمس أثناء عودتها من المستشفى، وها هي تأكل منه ليومها الثاني على التوالي فلم يعد من راتبها إلا القليل بعد سداد دين صاحب البقالة الذي طالبهم به، وتهرب والدها كالعادة من سداده ...
ليس هناك أي نوع من الرفاهية، لكنها تتقبل ذلك دون تذمر أو لوم، راضية بحياتها رغم كل عقباتها، لم تحقد على أحد يومًا، ولم تتطلع لما بيد غيرها، إنها تتقبل وترضى فحسب ...
وضعت طبق الجبن وطبق الباذنجان المقلي الذي حضرته للتو فوق صينية لتحملها بين يديها متجهة لطاولة الطعام بالصالة لتناول الطعام، سحبت مقعدها بإرهاق تتمنى لو تتناول الطعام بعجالة لتخلد للنوم من شدة إنهاكها اليوم ...
رفعت لقمتها الأولى تجاه فمها حين إستمعت لصوت مفتاح يدب بباب الشقة جعلها تنتبه وهي ترفع عينيها الواسعتين تجاه الدالف نحوها ...
همست "ليلى" بخفوت ..
- بابا ....
"عزت ذو الفقار"، رجل ممتلئ بأواخر عقده السادس، ذو شعر ممزوج بين اللونين الأبيض والأسود يظهر بشاربه الغليظ أيضًا، متوسط الطول تكسو ملامحه المقتضبة الضيق والإنفعال لتتوهج بشرته الحنطية بحمرة غضب أثناء ولوجه لداخل شقته قائلًا بغمغمة ..
- أما راجل بارد صحيح ...، (دفع الباب بقوة منتبهًا لعودة "ليلى" متسائلًا بروتينية)، إنتِ جيتِ يا "ليلى" ؟!!
إنتبهت "ليلى" لعودة والدها المتأخرة لتنهض من جلستها حول طاولة الطعام، تقدمت خطوتين متسائلة بإستفهام عما حدث ليجعل والدها يغمغم بهذا السخط هذه المرة أيضًا ...
- أيوة أنا جيت يا بابا، خير، فيه حد مزعلك تاني ولا إيه ..؟؟؟
أغلق "عزت" باب الشقة بقوة وهو يهتف بإنفعال كما لو كان من يضايقه مازال يقف أمامه هنا ...
- الراجل صاحب البيت السئيل ده، مصمم برضه يدفعنا في تصليح باب العمارة، أنا مالي، أدفع ليه أنا، هو أنا إللي بوظت الباب عشان أدفع وأصلحه ...!!!
زفرت "ليلى" محاولة ضبط نفسها وتحمل طريقته، فهو والدها وهي مجبرة على ذلك، لا يمكنها التأفف أو إظهار ضيقها، مجبرة على تقبل مساوئه مهما كان ومهما بدر منه، سحبت شهيقًا يحمل إصرار على كبح نفسها للبقاء هادئة متقبلة، لتوضح بهدوء ونبرة لينة ...
- يا بابا، دي حتبقى مشاركة بسيطة يعني، لو كل واحد في العمارة دفع مبلغ بسيط حيتصلح الباب ...
رشا روميه قوت القلوب
رفع "عزت" كفيه للأعلى معترضًا عن ذلك الفعل الذي يتسم بالإسراف والبذخ ...
- أنا معنديش أي مشكلة مع الباب وهو كدة، إللي متضايق منه يعمله هو، ولا هي يعني فنجرة من جيوب الناس وخلاص، مش دافع يعني مش دافع، هو أنا عبيط أدفع في حاجة زي دي ...
نظرة ضيق حاولت فرض نفسها على أعين "ليلى" سرعان ما أبدلتها بإشاحة وجهها عن والدها حتى لا تنهر أفعاله الشحيحة، أردفت بنبرة مستاءة مجبرة على الحفاظ على هدوئها ...
- خلاص يا بابا، حصل خير، أنا حبقى أعدي على عم "علي" وأشوف الحكاية دي ...
كان ردها كفيلًا لإغلاق الموضوع برمته، فهو لن يثنيها عن التصرف ليتخلص من غثاثة هذا الرجل الذي ينتظره كلما جاء أو ذهب ليطالبه بالمال، سيتغاضى عن ذلك مقابل ألا يدفع ويخسر أمواله ...
إقترب "عزت" وهو يشتم بأنفه تلك الرائحة التي دغدغت حاسته بقوتها، إنها رائحة الباذنجان المقلي، إتسعت عيناه بإندهاش يقرب للصدمة وهو يتطلع لتلك الصينية التي وضعتها "ليلى" فوق الطاولة، فغر فاه للحظات قبل أن يهتف بها بإنفعال ....
- إيه ده كله !!!! كل ده أكل ليكِ لوحدك يا "ليلى" ...؟!!! معقول ده !!!!!
نظرت "ليلى" نحو الصينية بإستنكار ...
- كل ده !!!! كل ده إيه يا بابا، دي حتة جبنة وبدنجان، عادي ...
لم يكن يمزح مطلقًا بل كانت حدته جدية للغاية وهو يناظر إبنته كما لو كانت أجرمت بجريمة بشعة، وأخطأت خطأ لا يغتفر، ليكمل بإنفعال متوجم وقد زادت إستدارة وجهة بحمرة غاضبة ...
- ما كفاية حاجة واحدة فيهم، والتانية تكفي يوم تاني، لازمته إيه اللي إنتِ عاملاه ده، ده إنتِ حتى بتاكلي لوحدك !!!!
تحشرج صوتها بإختناق تخفي غصة علقت بحلقها بطريقة فاشلة، فقد يأست من تغيير هذا الرجل، فإنه شحيح بخيل ولن يتغير مهما حاولت معه، وعليها تقبل الأمر دون ضجر منه فهو والدها وعليها طاعته وعدم التطاول عليه، إرتجف قلبها المختنق بين الثورة والصمت، فللمال عند أبيها مقام آخر ....
خرج صوتها بالنهاية مردفة ...
- متخافش يا بابا، ده أنا إللي جايباهم من مرتبي، ما أخدتش منك حاجة، لو تحب تاكل معايا إتفضل ....
أومئ "عزت" بقبول رحب، فقد تحضر له طعام مجاني، ليردف بإبتهاج عكس ما كان عليه منذ قليل ...
- أه، أكل، ما أكلش ليه ....
أسرع "عزت" بسحب المقعد الخشبي ليجلس عليه ليشرع بتناول الطعام على الفور فهو جائع بالفعل ...
وجدتها "ليلى" فرصة سانحة لتعيد سؤالها عن رأيه بأمر البعثة فربما يوافق تلك المرة، ترددت قليلًا قبل سؤاله لكنها عزمت على إطلاق كلماتها دفعة واحدة حتى لا تتراجع ...
- بابا، مفكرتش تاني في موضوع البعثة إللي قولت لك عليها ؟!!
أجابها بصرامة ودون أن يلتفت إليها بل أكمل تناول طعامه بشراهة ...
- أنا قولت لأ وخلاص، مش كل شوية تعيدي الموضوع وتقعدي تتكلمي فيه، لأ يعني لأ ...
ألن تجد لين بحياتها على الإطلاق، ألن تجد بسمة وراحة بين ثنايا هذا الواقع الرتيب، لقد تعلق أملها بتلك البعثة لتخرج للعالم وتتعلم من جديد، حياة تتوق إليها لتغير موت واقعها الشحيح، لكنه يرفض بالنهاية ...
نكست سوداوتيها بإختناق لتنهض دون تناول الطعام الذي كانت تحتاج إليه ليسد رمقها، لكن من أين تأتي بالشهية وقلبها يبكي، فلا طعم للحياة ولا طعم للطعام، فحتى ما تقبلته على قِلته أصبحت لا تستساغه ولا ترغب به ...
إنتبه "عزت" لمغادرة "ليلى" ليهتف بها متسائلًا ...
- رايحة فين يا "ليلى" ..؟!!
- شبعت الحمد لله، أنا حدخل أنام، تصبح على خير ...
تركته يكمل طعامه لتدلف لغرفتها لتصلي فرضها قبل أن تخلد للنوم، جسد بلا روح، فيا ليت الشح كان بالمال فقط، بل بكل ما يربطهما ببعضهما البعض، أغراب تحت سقف واحد، فجوة واسعة بينها وبين والدها، لم تشعر بحنانه وقربه رغم أنها إبنته الوحيدة، ليس لهما من حطام الدنيا سوى بعضهما البعض، فكيف يصنع البخيل الحب، فالحب ينبت من أيدي الكرماء ...
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
بيت نسرين الحناوي ....
يا بائع النسيان أما آن الأوان أن تبيعني بعضًا مما تبيع، فلقد كللتُ من الفكر وآلامه وتمنيت حياة لا أتذكر منها سوى راحتي ونفسي ...
ساعات متكررة مرت على "نسرين" حتى كاد اليوم أن ينتهي، لكنها لم تقم بعمل واحد، بل قضت وقتها كاملًا جالسة فوق أريكتها الجانبية المستندة إلي هذا الحائط بصالة المعيشة، تمامًا كالهائمة التي لا تدري عن الحياة شيئًا، غائبة عن وعيها المدرك منسحبة بعينيها بتركيز تام لشاشة هاتفها، لا تكاد تشعر بمن حولها، فقط إندمجت بخبايا الهاتف وإنفصلت تمامًا عن الواقع ...
لذة لا يشعر بها سواها، بريق عينيها المطفئتان، غياهب حياة إفتراضية تشعرها بالسعادة الغائبة عن واقعها، حتى آذانها ضربت عليها فلا تكاد تميز الصوت من حولها، نداء تكرر لعدة مرات يناديها بإسمها لم تنتبه له مطلقًا ...
"عفاف شلبي" والدة "نسرين" إمرأة خمسينية بيضاء خط الزمن على ملامحها علامات الشقاء، وجه باهت وأعين منهكة، عانت لسنوات من مرض الروماتيزم ومازالت تكافح لأجل أولادها وإعالتهم، لم تشتكي ولن تقدر على ذلك فمن سيعولهم، حتى بعد إنهاء "نسرين" لدراستها الجامعية لم تستطع الحصول على بعض الراحة فلا عمل مناسب لإبنتها لتحمل معها عبئها ومصاريف إخوانها ومعيشتهم المحدودة ...
تنهدت "عفاف" لمرة أخيرة وهي تدفع بنبرة صوت عالية لعلها تصل لأسماع إبنتها وتنتبه لها، فقد صبت كل تركيزها بالهاتف فقط ...
- يا نسريـــــــن" ، يا بنتي بقى، سيبي التليفون إللي في إيدك ده و ردي عليا ..!!
وكالعادة لم تنتبه لها "نسرين" لتستكمل "عفاف" بنبرة أحد تنهرها بضيق ..
- يا بنتي ردي، إخواتك جم من الدرس وإتغدوا ولا لسه ..؟!!
لم تجيبها "نسرين" أيضًا، لتضطر بالتقدم منها لبضع خطوات تجاه أريكتها التي لا تنهض من جلستها من عليها طيلة الوقت، لتلكزها بكتفها لعلها تنتبه هذه المرة، لكن نبرة "عفاف" كانت قد إزدادت حدة وإقتضبت ملامحها المتعبة ...
- يا "نسرين" ...
إنتبهت بالأخير إثر لكزتها لمجئ أمها، كما لو كانت قد وصلت للتو ..
- ماما !! إنتِ جيتي إمتى ؟؟
تمللت"عفاف" وهي تزم شفتيها بإستياء ...
- من شوية، هو إنتِ طول الوقت ماسكة التليفون في إيدك كدة وبس، دي بقت حاجة تزهق بصراحة ...
قلبت "نسرين" عينيها بمراوغة ثم هتفت بوالدتها تنفي عن نفسها ذلك ..
- طبعًا لأ، أنا لسه ماسكاه من شوية بس ...
تطلعت "عفاف" بإبنتها للحظات تدرك أنها تغالطها لتزفر بهدوء قائلة ..
- ربنا يصلح حالك يا "نسرين"، ها، قابلتي "نور" وصالحتيه زي ما قولت لك ؟!!
- أه، أه، كله تمام متقلقيش ...
بإيمائة خفيفة وشعور بالراحة أغمضت له "عفاف" جفنيها لوهلة، ثم إستطردت بنصيحة أم تخشى على مصلحة إبنتها التي لا تدرك ذلك ...
- حافظي على "نور"، لو خسرتيه مش حتعرفي تعوضيه تاني، "نور" راجل محترم وإبن حلال ...
مالت "نسرين" بشفتيها العريضتان بتهكم ثم عقبت بلا مبالاة ...
- مش للدرجة دي يا ماما، "نور" زيه زي كتير أوي، ويمكن فيه ناس أحسن وأغنى منه، إنتِ بس إللي شايفة كدة ...
- "نور" إنسان كويس وطيب وإبن حلال، ومتربي، وأبوكِ الله يرحمه كان بيحبه أوي، وكان بيعتبره زي إبنه، وأبوه الله يرحمه كان في مقام أبوكِ بعد ما مات الله يكرمه ..
مجرد ذكر إسمه والمبالغة في مدحه أصبح يسبب لها ضيق وإنزعاج، حاولت "نسرين" بتملل من حديث والدتها أن تنهي هذا الحديث مردفة ..
- خلاص بقى يا ماما سيبك منه، المهم إيه إللي معاكِ ده ..؟؟
أنهت عبارتها وهي تشير لتلك الأكياس التي تحملها بين يديها ...
- دي شوية بقالة من السوبر ماركت ...
دين جديد سوف يدانون به لصاحب البقالة لسد حاجة البيت والطعام، أمر جعلها تجيب بقبول مضطر ..
- طيب ...
أعادت "عفاف" سؤالها الذي كانت تسأله لإبنتها منذ مجيئها ..
- إخواتك جم وإتغدوا ..؟!!
- اه، جوه ...
تحركت "عفاف" تجاه غرفة أولادها لتطمئن عليهم لتجدهما يتشاجران مبعثرين محتويات الغرفة بشكل بشع، فلا رقيب لهم أثناء غيابها وإنشغال "نسرين" بهاتفها طيلة الوقت ...
- يا ربي، إيه إللي إنتوا عاملينه في بعض ده ؟!!! ينفع كدة ...( ثم أعلت صوتها تنادي أختهم التي كان من المفترض أن تنتبه إليهما) يا "نسريــــــن"، يا "نسريـــــــــن" ...
بخطوات متمللة تقدمت نحوهم "نسرين" لتبدأ والدتها بإلقاء اللوم عليها لعدم الإنتباه لأخويها، أمر معتاد ويتكرر بشكل قد سأمت منه للغاية ...
- بقى كدة تسيبي إخواتك يبهدلوا الدنيا كدة، والله حرام عليكم لما آجي بعد تعب اليوم ده كله أرجع ألاقيكم كدة، ده ميرضيش ربنا أبدًا ....
إستمعت "نسرين" لكلمات والدتها لتتحرك بلا مبالاة دون رد أو إعتذار نحو غرفتها مغلقة الباب عليها لتبقى وحدها، هي لا تحب وحدتها لكنها أيضًا تبغض تلك الحياة التي تعيشها، وليس لديها إختيار آخر ...
أغلقت هاتفها وجلست بمفردها فوق التخت الهزيل خاصتها تتمنى لو تجد ما يسعدها، لكنها لم تصل بعد لتحقيق تلك الأمنية ....
رشا روميه قوت القلوب
❈-❈-❈ــ
ليس هناك جاهلًا تمامًا، فالكل مدرك لما يفعله ويود الإستمرار به، ووقتها يجب علينا توفير اللوم، لكن القوة تأتي من إخفاء أسرارك عن الناس، فأنت سيد ما تخفيه، وأسير ما تتفوه به ...
فى سواد الليل الذي يحمل الكثير من الأسرار، يخفي وجع ويظهر فرح، تجمع بعض الشباب بأحد الشقق المفروشة، امتلأت بأصواتهم الصاخبة ومجون أرواحهم ...
أضواء صفراء متناثرة ضاع بريقها وسط أدخنة لفافات سجائرهم ذات الروائح الغريبة وزجاجات الخمور المغيبة للعقول، أصوات منفرة تعالت معها أفراح الشياطين لبعدهم عن الله وذكره، ملأتهم الأخطاء وأحاطت بهم المعاصي، يتضاحكون ويرقصون ...
رشا روميه قوت القلوب
بأحد الأركان جلس إثنان من هؤلاء الشباب، كان أحدهم ذو وجه مستدير وشعر يميل للأشقر الباهت، ترنحت عيناه من أثر الشراب الذي يحتسيه، له علامة قاطعه بحاجبه قام بها عمدًا كمواكبة للموضة التي يرونها مستحسنة يدعى "رضا" ...
بينما الآخر كان أكثر من طولًا ذو وجه مستطيل جامد وأعين زرقاء باهتة وأنف مدبب، له شعر أسود ناعم وملامح تبث القلق بالنفس يلقبونه بالمايسترو "منصور" ...
تملل "رضا" من هذا الوضع الخانق المتكرر ليلوم صديقه، بل ومعلمه "منصور" بنبرة يملؤها الضجر ...
- وأخرة القاعدة الناشفة دي إيه، إحنا زهقنا بقى من الوشوش العكرة دي ..!!
بعنجهية غريبة رشف "منصور" القليل من مشروبه الداكن تبعه بسحب نفس من لفافة التبغ التي يعلقها بين إصبعيه ثم أجابه بعد وهلة بنبرة واثقة هادئة ...
- مالك مستعجل ليه، أصبر بس وأنا حبسطك، إنت عارفني ...
تطلع "رضا" نحو "منصور" محاولًا إستشفاف عما يقصد ليردف بتساؤل ...
- هو فيه حاجة جديدة ولا إيه ..؟؟! قول وفرحني ..
أمال "منصور" شفتيه العريضتان جانبيًا بغرور ...
- طبعًا ده أنا المايسترو، فيه واحدة قريب أوي أوي حجيب رجلها وتكون معانا هنا، بس فاضل على الحلو تكة، بس تيجي برجلها هنا وإنت تشوف إنها تستاهل التخطيط ده كله ...
أطلق "رضا" صفيرًا متحمسًا لقدرة "منصور" على إيقاع الفتيات بشراكه وإقتيادهم لشبكتهم التي لا مناص منها، ثم عقب هاتفًا ...
- أيوة كدة، هو ده شغل المايسترو بصحيح، بس طالما قولت كدة يبقى حاجة فاخر من الآخر، بس بقولك إيه أنا عايز الصيده دي ليا أنا الأول ...
رمقه "منصور" بحدة ليتلجم "رضا" بتخوف، فـ"منصور" له نظرة ناعسة مخيفة للغاية، بينما عاد "منصور" لجلسته بأريحية لظهر المقعد ليسحب نفسًا آخر من لفافته معقبًا ...
- طالما حتيجي هنا، تبقى بتاعتي أنا الأول ...
طأطأ "رضا" رأسه بقبول ورضوخ ..
- أوامرك يا مايسترو ....
