رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثاني
"أوتدري أن الحب لا يحتاج سُوى نبضة قلب ليُعلِن عن وجوده؟"
- إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة .. لا تتحركي.
قال جُملته تلك وهو يقوم بتجهيز سلاحه ثم اندفع خارجًا أن يلتفت للخلف حيث تقبع تلك الفتاة والتي ابتلعت الصدمة كلماتها بل وجعلتها تقف كالتمثال وكل مايدور أمام عينيها تلك الحرب القائمة أمامها والتي لم تعهدها من قبل في موطنها طيلة فترة حياتها.
خرج ديميتري من الزقاق الذي احتمى به مع تلك الفتاة المغلوبة على أمرها وأخذ يطلق وابِلاً من الرصاص على إحدى السيارات حتى انفجرت بمن داخلها واستطاع أن يعود للسيارة مرةً أخرى لحظة انشغال الجميع بذلك الإنفجار وعاد الإثنان يُطلقان النار على السيارات من حولهم ولكن نفذت ذخيرتهما من الأسلحة، تبادل الإثنان نظرة سريعة ثم اختبئا داخل السيارة، والتي نالت وابلاً من الرصاص وعلى الرغم من أنها مُصفحة من الجوانِب إلا أن طلقات الرصاص أخذت تزينها بشكل مُبدِع ومُرعبٍ أيضًا!
- ديميتري ستنفجر سيارتي.
ذلك ماتحدث به دييجو بضيق ليبتسم ديميتري بهدوءٍ مُخيفٍ للغير:
- لا تقلق سأشتري لك أخرى يا أخي.
وفي تلك اللحظة سمع الإثنين دوى إنفجار بجانبهما مما جعل ديميتري يرفع رأسه بحذر حينما توقفت الرصاصات ينظر من فعل ذلك ولم يكن سوى ستيفانو الذي كان يرتكز بإحدى رُكبتيه على الطريق على بُعدِ أمتارٍ قليلة ويحمل فوق كتفه قاذف صواريخ.
أخذ يُدمِرُ سياراتٍ أخرى بتركيز، ولكن عندما انتهى من سيارتين، اتجهت بعض السيارات نحوه لتُجهزَ عليه، عقدَ حاجبيه وزمجر بضيق واعتدل من مكانه وأخذ يركض لمسافاتٍ قليلة والسيارات تسير خلفه يحاولون اللحاق به لتقطع طريقه دبابة ولكنه لم يخف! بل صعد بها وأغلق الباب خلفه بعنف وتلك الدبابة لم يكن يقودُها سوى لوكا الغاضب.
في الجهة الأخرى، ابتسم ديميتري وقد لمعت التسلية في عينيه:
- لقد أتى ذلك المتهورُ الصغير، لنخرج من السيارة ستنفجر الآن حقًا.
خرج الإثنين مُسرعين من السيارة مستغلين إنشغال باقي السيارات بظهور دبابة أمامهم بشكل مُفاجِيء، تجهز لوكا لوضع الإطلاق بعدما رأى خروج أخويه سالمين، وزمجَرَ بصوتٍ خفيفٍ وحاد كاشفًا عن أسنانه البيضاء بينما إنعكست لمعة عدساتة الزجاجية الموجودة فوق وجهه الغاضب الجاد والبريء أيضًا:
- كيف تجرؤون على محاولة قتل إخوتي! سأقتلكم جميعًا.
أخذ يُطلق الكثير من الرصاصات على السيارات مما جعلها جميعًا تنفجر حتى سيارة دييجو والذي تجمد وهو يرى مشهد تحول سيارته إلى حُطامٍ مشتعل، وقال بهمس حزين:
- سيارتي.
ربت ديميتري على كتفيه، ولم ينتبها لتلك الفتاة المصعوقة مما يحدث أمامها ولم ينتبها أنهما عادا لنفس الزقاق الذي احتمي فيه ديميتري سابقًا مع الفتاة التي أنقذها .. أوليس من المفترض أن تهرب من البداية؟ ولكن ماحدث لها هو أن الصدمة جعلتها كالتمثال لا تتحرك، رأت كل ذلك بأم عينيها، تريد أن تصرخ ولكن كالعادة ابتلعت الصدمة كلماتها.
انتبه الإثنين على وجودها وقطب دييجو حاجبيه وقال متعجبًا:
- أما زلتي هُنا؟
ثم طالع ساعة يده وأردف بقلق:
- لقد تأخر الوقت يافتاة، ممكن الممكن أن يخرُجَ قطاع الطرق في أي وقت .. ذلك الوقت محفوفٌ بالمخاطر هنا في إيطاليا، من الممكن أن تخرج لكِ مافيا خطيرة أيضًا انتبهي لنفسكِ جيدًا؛ فلترحلي الآن.
كانت تُطالعهما بفمٍ نصف مفتوح وعينين جامدتين .. أشار لها دييجو أمام عينيها كأنه يحييها.
- مرحبًا، هل أنتِ بخير، أنا أتحدث إليكِ.
انتبه الإثنين على وقوف الدبابة بالقرب من الزقاق وقام ستيفانو بفتح الباب لهما وأردف بصوتٍ مسموع:
- هيا إخوتي؛ سنعود للمنزل.
هز ديميتري رأسه لستيفانو تم التفت نحو الفتاة وتحدث ببساطة:
- يبدو أنها مريضة دييجو، هيا لنوصلها في طريقنا للمنزل.
وعند تلك الكلمة أطلقت جوداء صرخة قوية جعلتهم يضعون أيديهم على آذانهم ثم فرَّت هاربة من أمامهم وهي تبكي وتصرخ، ركضت بلا وعي وبلا إتجاه أي دون وُجهةٍ مُحددة فقط تركض .. متناسية كونها فتاة وأن ركضها لا يليق بها وبعد دقائق من الركض أخذت تلتقط أنفاسها وفي ذات الوقت تجهش بالبكاء.
توقفت أمامها سيارة أُجرة تعجب السائق لحال تلك الفتاة التي تبكي.
- مرحبًا يا آنسة، ماذا هناك؟ لمَ أنتِ في الشارع لذلك الوقت المُتأخر؟
انتبهت على وجودِ أحدٍ أخيرًا بعدما كانت الشوارع فارغة، رفعت رأسها وأخيرًا هُناكَ بَشَر؛ أما من رأتهم سابقًا فهم وحوش متنكرون على هيئة بشر؟، كان السائق رجُلاً كبيرًا في العُمرِ قليلاَ أشيب الرأس.
- أريد العودة للمنزل.
أردفت بتلك الجُملة بارتجاف وتحدث السائق بقلق بسبب وجهها الشاحب:
- حسنًا يا آنسة؛ فلتصعدي للسيارة.
صعدت السيارة بارتجاف تحاول نسيان ما رأته ولكن لا هؤلاء كانوا يُفجرون السيارات ويقتلون الأشخاص كأنها مُتعتهم الخاصة! .. إنهم أشرار كما كانت ترى بالأفلام الأجنبية بل هُم أسوأ بكثير.
- إلى أين سنذهب يا آنسة؟
أخبرته بتشتت عنوان المنزل ثم أوصلها السائق للمنزل وأعطته نقوده، دخلت المنزل بعدم استيعاب لا تصدق أنها وأخيرا عادت لشقتها أغلقت الباب ثم جلست خلفه بارتعاش تنزع حجابها .. هل من الممكن أن يقوموا بملاحقتها! إنها شاهدةٌ على جريمة .. لا .. إنها شاهدة على عراك مافيا!.
كانت سيلفانا جالسةً في غرفتها، ينعكس ضوء شاشة الحاسوب على ملامحها؛ فيبرز تناسق وجهها الهادئ، انزلقت خصلات شعرها الداكن على أحد جانبي وجهها يُخفي نصف تعابيرها، بينما تتحرك أصابعها الطويلة فوق لوحة المفاتيح تبحث عن معلوماتِ شخصٍ ما، عيناها كانتا مركزتين على الشاشة تتنقلان بين السطور بسرعةٍ حادة ولكنها تشتت عن بحثها ذلك عندما سمعت صوتًا طفيفًا خارج الغرفة، عقدت حاجبيها ثم اعتدلت وتحركت بهدوء ثم فجأة قامت بفتح الباب مما جعل تلك المسكينة تنتفض بمكانها ويسقط الكوب من يدها وينكسر.
- ما خطبكِ؟
ذلك ماتحدثت به سيلفانا وهي تراها شاحبة اللون.
- إنه مجرد كوب يا جوداء على ما أتذكر أن هذا إسمكِ بالطبع.
ولكنها لم تُجيبها حيث كانت ترتجف، عقدت سيلفانا حاجبيها بعدم فهم ..
- ماذا هُناكَ يا فتاة؟
- لا .. لا شيء أنا أنا بخير.
اقتربت منها بقلق وأردفت:
- لا أنتِ لستِ هكذا، يبدو أنكِ قد رأيتي شبحًا للتو، ماذا حدث؟
ابتلعت جوداء بتوتر:
- أشعر أنهم سيبحثون عني، سيقتلونني صحيح؟
أردفت سيلفانا بعدم فهم:
- من هم؟؟
- عصابة من المافيا كانوا يتصارعون سويًا أعتقد ........
أخذت تشرح لها ماحدث وسيلفانا تنصت لها بهدوء ...
- لماذا أنتِ صامتةٌ هكذا؟ هل كنت أقصٌّ لكِ قصة ماقبل النوم؟ لما لم ترتعدي؟؟
ذلك ماتحدثت به جوداء بعدم فهم وهي تُطالعها؛ لتُجِيبها سيلفانا ببساطة:
- هذا طبيعي جوداء، إنها روما، صراعات المافيا هُنا طبيعية، وفي الغد سيكون الأمر طبيعي لدرجة أن الصحافة لن تتحدث عن العراك الذي حدث المافيا هُنَا لها قانون أيضًا.
ظلت جوداء ترمقها بعدم فهم هل هي الوحيدة الطبيعية هُنَا؟
- دعيني أزيل بقايا الزُجاجِ تلك، واذهبي أنتِ لغرفتكِ واستريحي سأقوم بتحضير مشروب لطيفٌ لكِ.
أخذت سيلفانا تقوم بتنظيف الأرضية وذهبت جوداء لغرفتها ترتعش وتقوم بمراجعة أيامها الماضية هل ارتكتب أي ذنبٍ لكي تعيش ذلك الرعب اليوم؟ هل عاملت أحدٌ بسوءٍ؟ أم هل لم تبتسم بوجه أحد؟ ولكنها تتذكر أنها كانت حريصة أن تعامل البشر بما يُرضِي الله،، أخذت تقوم بمراجعة كل شيء لعل هناك ذنبٌ خفي سبب لها ذلك وهي في طريقها للحمام لكي تتوضأ فهي ستطمئن بقربها من الله.
.........................
وفي قصرٍ ضخمٍ يرمز للشموخ والقوة فهو من أفضل قصور روما، كان سايلس جالسًا في كرسيه ولكنه يبدو أنه غير مسترخٍ، انحنى بحزعه قليلا إلأى الأمام مستندًا على مكتبه بينما يده تمسك الهاتف بإحكامٍ متزايد مع كل كلمة يسمعها، تصلبت كتفاه وبرزت عروق ساعديه بوضوح تحت ضغط قبضته، فكه بارزٌ بقسوة، حتى بدت عضلاته مشدودة وارتفع رأسه قليلاً كأنه يحاول أن يستوعب ما يُقال على الجانب الآخر من المكالمة الهاتفية:
- ماذا تقول؟؟
ذلك ماتحدث به سايلس بغضب وجاءه الرد مرتبكًا:
- لقد دمروا جميع السيارات سيدي، هناك من رجالنا من استطاع الهروب وآخرون أُصيبوا وهناكَ من فقدناهم سيدي.
ساد صمتٌ ثقيل ثم أنهى سايلس المكالمة فجأة وظل ضاغطًا على الهاتف بقوة لدرجة أنه كاد أن يتحطم وذلك قبل أن يرفعه عن أذنه ببطء وعينيه تشتعلان غضبًا ويفكر بعدة أشياء ولكن قطع تفكيره ذلك دخول أحد رجاله للغرفة وهو يدفع الباب بعنف ويلهث كأنه كان يتسابق في الركض مع أحد:
- سيدي، هناك حريقٌ بالخارج.
اعتدل سايلِس واقفًا ليرى من شرفة غرفة نومه الرئيسية مايحدث، لثانية فقط اتسعت عينيه بدهشة ممزوجة بالغضب ثم أخذ يتفحص الحريق، لم يكن حريقًا عاديًا بل كانت رسالة ترحيب! نُقِشَت بالنيران على الأرض المٌحيطة بالقصر، وكأن الجحيم ذاته قد خطَها بيديه:
"آل مارينتوس يرحبون بك سيد سايلس، نتمنى لكَ إقامة سعيدة."
كانت الكلمات المكتوبة بالإيطالية تتوهج بلونٍ ناريٍ مُرعِب لأي شخص إلا سايلِس لم يظهر على وجهه أي ذُعر، يقف باردًا بمكانه يقرأ الكلمات كأنها مُجرد رسالة عادية قد آتته على هاتفه، ارتسم شبح ابتسامة على شفتيه وهو يُفكر بالكثير والكثير.
...................................
رواية/ جحيم آل مارينتوس .. بقلم/ سارة بركات
كانت تسجد وتبكي تدعو الله أن يحميها ويحفظها وأطالت سجودها قليلاً، طرقت سيلفانا الباب عدة طرقات بسيطة ولكنها لم تسمع صوتها قلقت عليها ودخلت الغرفة مُسرعة ولكنها تنهدت عندما تسجد على الأرض تبكي وتتحدث ببعض كلماتٍ لا تفهمها ..وضعت العصير جانبًا ووقتها انتهت جوداء من صلاتها ثم اعتدلت.
- أعتذر سيلفانا عن عدم ردي.
أردفت بلباقة:
- لا داعي للإعتذار، أعتقد أنكِ كنتِ تتعبدين صحيح؟
أومأت وهي تجلس على فراشها بثياب الصلاة، حمِلَت كوب العصير وأخذت ترتشفه بهدوء وهي تحاول أن لا تتذكر ماحدث اليوم فهي قد هدأت بعد أن أدت صلاة قيام الليل ولكن الأمر نفسه ظل محفورًا في ذاكرتها .. ظلت سيلفانا تُطالعها ثم تحدثت بهدوء:
- لا تقلقي ستعتادين على الأمر.
فقدت جوداء أعصابها وتحدثت بالمصرية بذهول وصوت حاد قليلاً:
- نعم؟؟ أتعود على إيه؟؟ إنتِ بتهزري!! دي مش عيشة دي، بقولك كانوا بيفجروا العربيات قدامي وبيضربوا بعض بالرصاص!!!! تقومي تقوليلي هتتعودي!!
لم تفهم سيلفانا ماتقول..
- ماذا تقولين؟ لم أفهمك.
تنهدت مُردفة:
- لا شيء، أنا فقط مُتعبةٌ قليلاً .. شُكرًا سيلفانا لم يكن هناك وقت كافي لأن نتعارف جيدًا أنا وأنتِ ولكنني أتمنى أن نكون صديقتين.
ابتسمت سيلفانا بهدوء:
- سأترككِ الآن وسنتحدث بالغد كثيرًا نتعرف على بعضنا أكثر بما أن غدًا هو يوم عُطلَة، ما رأيُكِ جَوداء؟
أومأت بهدوء ثم تركتها لتخرج من الغرفة وتعود لغرفتها.
.................................
في صباح اليوم التالي:
في قصر آل مارينتوس:
كان الجميع على قدمٍ وساق، يتحركون هُنا وهناك في تناغم واضح، الخدم ينشغلون بإعداد مائدة الفطور بعناية، أطباقٌ تُرصٌّ بدقة وأكوابٌ تُلَّمَع حتى تُصبح كالمرايا؛ بينما تتصاعد روائح القهوة الطازجة والمخبوزات الشهية لتملأ جميع أنحاء القصر؛ فالجميع يسعون جاهدين للترحيب بعودة وريث عائلة مارينتوس الأكبر، ثم توقفت الحركة تدريجيًا واصطف الخدم في أماكنهم بسرعة مُتقنة وذلك بمُجَرَد هبوط ديميتري على أدراج القصر وخلفه أبناء عمومته، حيث جلسوا جميعا على المائدة وأخذوا يتناولون الطعام بهدوء مُنَظَم ماعدا لوكا الذي كان بالكاد يُبقي عينيه مفتوحتين قبل أن يستسلم أخيرًا ويغفو على المائدة، وكزه دييجو بهمس:
- استيقط لوكا، أكمل فطورك.
أردف بنعاس وتأفف:
- أنا لم أنم حتى لكي فطورًا، إنه العَشاءُ بالنسبة إليّ.
انطلقت قهقهة خافتة من إحدى الخادمات ولكنها صمتت بمجرد أن نظر إليها دييجو ببرودٍ قاتل؛ فتجمدت في مكانها، ثم عاد يوقظه مرة أخرى:
- يافتى استيقظ.
وهنا انتفض لوكا وصاح بضيق وتلقائية وهو يرفع رأسه تحت أعين أبناء عمومته:
- كفى! هذا يكفي، فقط دعوني أنم قليلاَ، بالله عليكم إنها الساعة السادسة صبَاحًا من الذي يستيقظ في ذلك الوقت في يوم العُطلَة؟!
ساد صمتٌ لثوانٍ ثم تحدث صاحب الصوت الهادئ:
- ماذا تقول لوكا؟ لم أسمعك جيدًا.
ذلك ماتحدث به ديميتري بهدوء وهو يُطالعه بنظرة ثابته، تخبط لوكا قليلاً فهو على الرغم من أنه يبغض ديميتري كثيرًا إلا أنه يحترمه أكثر! أوتدرون أن الأمر فيه تناقضٌ كبيرٌ جدا حقًا.
- أعتذر ديميتري، يبدو أن النعاس أثرَّ عليّ.
ثم عاد يجلس بهدوء على المائدة وشرع بتناول الفطور وكأن شيئًا لم يحدث.
..........................
كانت تجلس على سجادة صلاتها خاشعة، تتمتم بآيات من القرآن الكريم بصوتٍ خافت وبعد أن أنهت وردها بقيت لثوانٍ على حالها، ساكنة؛ كأنها تحاول التمسك بذلك السلام النفسي الذي تسلل إليها، ثم نهضت ببطئ واتجهت إلى فراشها لكي تقوم بترتيبه لكن ذهنها لم يكن حاضرًا بشكلٍ كامل إذ عادت إليها أحداث الأمس توقفت يدها على الفراش للحظة وأغمضت عينيها تحاول أن تمحو تلك الأحداث لكنها لم تستطع، كل ماتتمناه الآن أن لا يتكرر ذلك المشهد أمامها مرةً أخرى.
أخذت نفسًأ عميقًا ثم قامت بخلع ثياب صلاتها وبقيت بمنامتها وخرجت من الغرفة لتقوم بتحضير الفطور لها ولسيلفانا.
...............................
كانت جلوريا تجلس بمتجر المخبوزات المُفضل لديها، تتناول فطورها بهدوء وبجانبها فنجان قهوة يتصاعد منه بخارٌ دافئ، اليوم في الشوارع بدا أكثر هدوءًا عن المعتادِ بدون ضجة الصباح الخاصة بالمارة بسبب عجلة الخطوات التي اعتادت سماعها أثناء هرولتهم للحاق بالعمل، حتى الأحاديث من حولها كانت أخف، أنصتت قليلاً لذلك السكون حولها، أعجبها ذلك المتجر أمس ولقد قررت أن تأتي هُنا يوميًأ لتتناول فطورها به، كانت جميلة حقًا بمظهرها ذلك فهي تبدو للوهلة الأولى أنها كأي فتاة تستمتع بصباحٍ هادئ، جمالها الأخاذ يلفتُ الإنتباه دون أن تبذل أدنى جهد؛ لكن عينيها رغم اتساعهما وهدوئهما، لم تلاحقا شيئًا مما حولها؛ بل ظلتا ثابتتين في إتجاهٍ واحد؛ بعدما أخذت قضمة صغيرة من طعامها أخذت تتلمس حافة الطاولة بأطراف أصابعها برفق، تتحسس مكان فنجانها قبل أن ترفعه بدقة مُعتادة ترتشفه برفق؛ فهي من عُشاق القهوة وما أذهلها أكثر هو أن القهوة هُنا رائعةٌ للغاية يبدو أن ذلك المتجر يربح المركز الأول في كل شيء، لم يكن عقلها حاضرًا بالكامل حيث عاد إليها ذلك الشعور فجأة، تلك القشعريرة التي سرت في جسدها أمس عندما أمسك بيدها ذلك الرجل يساعدها في عبور الطريق، لا تدري ما سببها؛ فهي لم تره حتى، أحيانًا تكره عجزها ذلك ولكنها تحمدُ الله أنها مازالت على قيد الحياة.
........................
طرقت جوداء باب غرفة سيلفانا عدة طرقات بسيطة توقظها لكي تتناولا طعام الفطور، استيقظت سيلفانا واعتدلت.
- لقد استيقظت جوداء، شكرا.
- أنتظرك لنتناول الفطور سويًا سيلفانا.
- حسنًا.
ذلك ماتحدث به سيلفانا بنعاس؛ فعلى ما يبدو أنها سهرت لوقتٍ متأخرٍ من الليل تتابع بحثها عن شخصٍ أرهقها محاولة إيجاده .. إنها تسمع عنه فقط!، تأففت ثم ذهبت للمرحاض لكي تقوم بأداء روتينها الصباحي؛ فإحقاقَا للحق هي جائعةٌ كثيرًا لم تتناول أمس سوى الوجبات السريعة لأنها بالطبع لا تعلم كيف تقوم بإعداد الطعام، بعدما انتهت قامت بفتح باب غرفتها فتسللت داخل أنفها رائحة الفطور الشهية، أغمضت سيلفانا عينيها بابتسامة جميلة واقتربت من المطبخ حيث وجدت جوداء تقوم بِرَصِّ أطباق الفطور على الطاولة الصغيرة.
- أتيتِ في وقتكِ، هيا لنبدأ.
- ماهذه الرائحة الشهية جوداء؟
تحدثت سيلفانا بابتسامة وهي تنظر إلى الطعام البسيط الموضوع أمامها ولكنه يبعث للأٌلفة.
- إنها بعض الأصناف نتناولها في فطورنا بِمِصر.
- رائع.
- هيا تناوليه.
قدمت لها الخبز لتتناول الطعام وبالطبع أعجِبَت سيلفانا بالأصناف الموضوعة على الطاولة وهُناكَ طعم صنفٍ منهم علقت لذته في فمها.
- لذيذ.
ابتسمت جوداء واستأنفت تناول الطعام معها وبعد أن انتهيا كانتا تغسلان الصحون سويًا.
- إذا سيلفانا أخبريني عنكِ.
ذلك ماتحدثت به جوداء بابتسامة وانشغال، تنهدت سيلفانا وأردفت ببساطة:
- أُدعَى سيلفانا أبلُغُ من العُمرِ سبعةٌ وعشرون عامًا، قضيت طفولتي وسنواتي السابقة هُنا في روما ولكن حدثت ظروفٌ طارئةٌ لي جعلتني أنتقل لأسبانيا وتلك الظروف أيضًا هي من أعادتني إلى هُنَا وهو إنتقالي من الشركة الأم لفرع روما.
- ذلك فقط؟
- ماذا هناك يمكن أن أضيفه؟
تعجبت جوداء:
- أين عائلتكِ؟ أليس لديكِ عائلة.
تهدل كتفي سيلفانا وأردفت بشرود وهو تقوم بغسل الصحون وتحدثت بخيبة أمل:
- لا .. لا يوجد، أنا يتيمة.
- أعتذر كثيرًا، لم أكن أقصد.
- لا عليكِ، وأنتِ أخبريني عنكِ جوداء.
ذلك ماتحدثت به سيلفانا بابتسامة، وأردفت جوداء بتنهيدة وهي تقوم بتجفيف يدها فقط انتهيا للتو من غسل الصحون.
- أنا أُدعى جوداء، ولسهولة النُطق هُنا أطلِق على نفسي جود، مصرية الجنسية أبلغ من العمر ثلاثون عامًا، انتقلت للعيش هنا في روما منذ خمس سنوات وذلك بعد البحث الطويل عن وظيفة تليق بلغتي الإيطالية والتي درستها في الجامعة ولم أجد بالطبع سوى الوظيفة الرائعة التي أعمل بها، أحمد الله على ذلك بالطبع لأنه لولاها لما كان معي المال ولما استطعت أن أنفق على أسرتي .. والداي تقاعدا عن العمل في الوقت الذي كنت أبحث فيه عن عمل بالخارج.
- لماذا أتيتي هُنا؟ لما لم تبقي في بلدتك، لا أقصد شيء، بل أقصد أن بلدتك أفضل من أي بلدة أخرى.
تنهدت جوداء بحزن ثم أردفت:
- بسبب حالتنا المادية، أعتقد أن الراتب في بلدتي لن يكفيني أنا وأسرتي في بداياتي هُنَاك تحتاجين أن تكوني خبيرة في عملك منذ مايقرب العشرة أعوام أو أكثر لكي تأخذي راتب جيد وفي النهاية سيتبخر في منتصف الشهر، ثم إن لدي أُختي الصغيرة تبلغ من عمرها اثنان وعشرون عامًا * اتبسمت بحنين واشتياق لعائلتها* مخطوبة وستتزوج قريبًا، تحتاج للكثير من الأشياء بالطبع فكل عروس تُريدُ أن تشتري الصغيرة والكبيرة لأجل منزلها الصغير الدافئ، حتى وإن لم تُخبرني فأنا أعلم بذلك؛ فقد كنتُ مكانها يومًا ما.
عقدت سيلفانا حاجبيها:
- هل كُنتي عروسًا من قبل؟
ابتسمت جوداء بهدوء:
- كنتُ مخطوبةً يومًا ما .. ولكن الحمدلله لم يكن فيه الخير وهذا أفضل.
تساءلت سيلفانا بحيرة عندما رأت الحزن يكسو وجه جوداء:
- هل كنتِ تُحبينه؟
صمتت جوداء قليلاً ثم أردفت:
- لم يُمتلأ قلبي بحب أحدٍ يومًا سوى حب الله ورسوله في المرتبة الأولى وتأتي في المرتبة الثانية عائلتي وبالطبع أنتوي أن يكون هُنَاك مراتبًا إضافية أخرى لأصدقائي في المُستقبل.
تحدثت بالجملة الأخيرة بابتسامة هادئة وهي تُطالع سيلفانا التي ترمُقها في المقابل بعدم فهم ولكن سُرعَانَ مافهمت ماتقصد.
تساءلت سيلفانا باستيعاب:
- أنتِ لا يوجد لديكِ أصدقاء؟
أردفت بتنهيدة:
- لا .. لا يوجد خذلني الجميع أو أنا من ابتعدتُ بسبب المسئوليات لم يفهمني أحد .. ولم يُقدر أحدٌ انشغالي .. لا أحد يفهم مايمر به المرء في حياته، لا أستطيع أن أصف لكِ مشاعري المُتضاربة بداخلي ولكن الحمدلله، ماذا عنكِ ألا يوجد لديكِ أصدقاء؟
فكرت سيلفانا قليلاً ثم أردفت:
- لا لا أريد، يكفي ما أعيشه من صراعاتٍ نفسية، لا أريد من يصبُّ عليَّ من الهَمِّ صبًا.
- طب يا شيخة قوليلي كلمة حلوة اجبُري بخاطري بدل طحن الخواطر ده؟!
ذلك ماتشدقت به جوداء بالمصرية مما جعل سيلفانا تتحدث بصدمة وعدم فهم:
- ماذا؟؟؟ ماذا تقولين؟
تأففت جوداء متحدثة:
- لا شيء ياستي لا شيء.
- ستي؟ ماهي ستي .. هل تقصدين مدينة؟
صرخت جودا بيأس مما جعلت سيلفانا تضحك بقوة:
- أمزح .. أُقسم إنني أمزح .. ولكن ما أقصده يا جوداء أنني لا يوجد لدي أصدقاء ولكن لا مانع لدي من تكوين صداقةٍ معكِ فأنتِ لطيفة للغاية.
قالت تلك الجُملة وهي تضمها برفق وابتسمت جوداء بهدوء:
- أعلم أن هذا غريبٌ بعض الشيء ولكنكم يا أهالي روما غريبون تُشبهون بعضكم كثيرًا.
- لماذا؟
- تُذكرينني بفتاةٍ إلتقيت بها بالأمس، كانت لطيفة للغاية وعلى ذِكر ذلك، ما رأيك بالخروج لشراء بعض المُعجنات؟ هناك متجرٌ رائعٌ للغاية في قلب روما.
تحدثت سيلفانا بابتسامة هادئة:
- بالطبع أعلم عنه، كُنَّا نشم رائحة مخبوزاته ونحن في الملجأ أنا والفتيات.
ابتسمت جوداء لها ثم تسائلت:
- حسنًا، لَم تُخبريني برأيكِ حتى الآن؟
أردفت سيلفانا بهدوء:
- هل مُمكن أن نترك ذلك الأمر للغد؟ ما رأيك بعد إنتهاء العمل؟ أريد الراحة اليوم.
أردفت جوداء بابتسامة:
- حسنًا لكِ ذلك.
...................................
في قصر آل مارينتوس:
كانوا جميعًا مُجتَمِعٍين في غرفة المكتب الرئيسية يجلسون حول ديميتري الذي يرمقهم وتحدث بهدوء:
- يجب أن تكونوا حريصين للغاية، إن سايلِس لن يصمت بعد ما فعلناه.
- هو من بدأ أولا أخي.
ذلك ما تحدث به لوكا بضيق، تدخل دييجو بعقلانية:
- إهدأ لوكا أنت تعلم من البداية أننا بدأنا كل ذلك.
- لا إن لوكا محق .. هم من بدأوا كل ذلك بداية مافعله أخيه بفيرونيكا.
ذلك ماقاله ستيفانو بغضب وهو يتذكر ماحدث لتلك المسكينة بسبب ذلك المسخ ديابلو، كسر ذلك الجو المشحون صوت ديميتري الهادئ:
- لقد انتهينا من الحديث في ذلك الأمر عندما غسلنا عارنا بيدنا.
اندفع لوكا وأردف بغضب:
- كيف تتحدث عن فيرونيكا هكذا أخي؟ هي لم تُوصف بهذا أبدًا .. هل تتذكر بماذا كانت تُناديك؟ كانت تُناديك بأبي منذ بدأت بالتكلم لم يكن لها أحدٌ سوانا أخي!! إن فيرونيكا كانت الأذكى بيننا، أنتُمَا كُنتُما قريبين أكثر منا .. كيف أصبحتَ هكذا؟ كيف تقتلها دون رحمةٍ منك؟ أنت كنت والدها ديميتري، كيف تفعل هذا بإبنتك؟
هبَّ ديميتري واقفًا يُنهي المجلس الذي لم يبدأ من الأساس:
- دعونا نكمِلَ حديثَنا في وقتٍ لاحق، لعلكم تكونوا وقتها في أفضل حال.
خرج من المكتب وتركهم غارقين في أفكارهم الآخر يشعر بالضيق من ديميتري كثيرًا وهو لوكا .. والآخر يفكر إلى متى سيبقى في تلك الحروب وتلك الأسرة؟ والتالت يُريد أن يستنشق بعض هواء مدينة روما ليهرب بعيدًاعن ضغوطات العائلة.
خرجوا جميعًا دون حديثٍ إضافي وعاد لوكا لغرفته يُلقي بجسده على الفراش لينسى ما يُريدُ نسيانه وذلك لأنه هو وفيرونيكا كان هناك فرقٌ طفيفٌ بينهما كان يكبرها بعامٍ واحد ولكنهما كانا صديقين وأكثر من إخوه كانا كالتوأم المُلتصِق؛ أما دييجو فقد عاد إلى غرفته ليقوم بفتح حاسوبه المحمول يبحث عن شيء ما حتى وجده "موقع زواج" يريد أن يقوم بتكوين أُسرة صغيرة لنفسه لقد أصبح في السادسة والثلاثين من عمره ولم يتزوج حتى الآن تنهد بهدوء وقام بتدوين بياناته وتوقف قليلاً أمام الإسم ثم كتب إسم العائلة مزيفًا بالطبع "دييجو خافيير" لكي يُبعد إسم العائلة عن الشُبهات، وقام بإنشاء حساب شخصي على ذلك الموقع ليبدأ باستكشافه.
..................................
كان ستيفانو يُحَلِّق بسيارته في قلب روما حيث تتحرك كالسهم في الشوارع الفارغة يقود دون توقف غاضبًا عاقدًا حاجبيه، لا يدري لماذا يفعلون هذا بأنفسهم؟ يعيشون على قانون عائلة قديمة قضى نحبها في الماضي آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم، لما عليهم أن يُكمِلوا مِسيرَةَ العائلة التافهة تلك؟ لماذا يستمرون في العمل مع المافيا الإيطالية يكفي ماعاشوه، تشنج تفكيره عندما لمح تلك اللافته بعينيه لافتَةٌ معلقة على متجر المخبوزات المعروف بروما، أوقف سيارته مما أصدرت صريرًا عاليًا.
وعاد للخلف بالسيارة ليتوقف أمام المتجر، ظل يرمقه قليلاً ثم ترجل من سيارته ليدخله .. كان متجرًا راقيًا وهادئًا يبعث الطُمأنينة لقلب كل من يدخل إليه بالإضافة إلى رائحة مخبوزاته الشهية أيضًا، تنهد ستيفانو وهو يستنشق تلك الرائحة الجميلة، ابتسم بحزن وهو يتذكر ذكرى قديمة مرت على باله بشكلٍ خاطِف ..
- أخي أنا أحب تلك المخبوزات الشهية، هل مُمكن أن تأتي بها إلي في طريق عودتك إلى المنزل؟
- حسنًا فيرونيكا.
قال تلك الجُملة وهو يُربت على شعرها، ثم تبخرت تلك الذكرى ليستفيق وينظر لذلك المتجر المُفضل بالنسبة لأخته وإبنة عمه الراحلة، وقعت عينيه على صبيٍ يعمل في المتجر:
- مرحبا.
التفت الصبي له وابتسم بهدوء:
- مرحبا سيدي ماذا تُريدُ أن تتناول اليوم؟
- لا أريد أن أتناول شيئًا .. أنا فقط أريدُ أن أسأل عن شيء؟
أردف الصبي بحيرة وهو ينظر إليه:
- هل توجدُ وظيفةٌ شاغِرةٌ هُنا؟
ذلك ماتحدث به ستيفانو باستفهام جعل الفتى أمامه يُطالع مظهره فاحش الثراء؛ فمظهره لا يليقُ بسؤاله إطلاقًا.
- بالطبع سيدي ولكن لمن؟
تحدث ستيفانو بابتسامة سطحية:
- لي.
.........................................
وفي مكانٍ آخر في روما:
كان ديميتري يقف أمام منزلٍ بسيطٍ يرتدِي غطاءًا للرأس يٌخفِي هَويته، طرق الباب طرقات بسيطة حتى قامت بفتح الباب، تحدث ديميتري بابتسامة حنونة:
- اشتقت إليكِ كثيرًا، صغيرتِي.
ثم قام بضمها بقوة وهو يُربت على شعرها الأسود، همست في أذنيه قائلة بحب:
- وأنا أيضًا اشتقت إليكَ كثيرًا، أخي.
...................................
