رواية ظل البراق الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم مريمة


 رواية ظل البراق الفصل الواحد والثلاثون 

نمضي رغم التردد. تحمل في صدورنا أسئلة بلا إجابات.

تكمل الطريق مثقلين بما لم يكتمل، وبما تركناه خلفنا، تمضي بلا رغبة حقيقية، كأن الطريق

يجزنا لا نحن تسير فيه.

تتقدم بخطوات واهنة، نود لو تتوقف، لكن لا شيء ينتظرنا إن فعلنا.

قنمضي... فقط لأن الرجوع لم يعد ممكنا.

كانت الحارة على أتم الاستعداد كأنها تتحضر لحرب. لكن الحقيقة أن كل هذه الترتيبات كانت من أجل مباراة العام: مباراة كرة قدم ثقام مرة واحدة كل عام في شهر رمضان، وخصوصا قبل بداية العشر الأواخر، غالبا ما تكون بين فريقين من حارتين مختلفتين، لكن هذا العام قرر الشباب أن يشكل الفريقان من حارة البراق نفسها.

والآن، اكتملت التجهيزات في ساحة الحارة المجاورة للمسجد، فتم تحويلها إلى ملعب رياضي کامل بالأرضية العشبية، والأنوار المعلقة، والميكروفونات، والكراسي الفرتضة على الحواف حيث يجلس عليها الشباب والرجال من بينهم "عامر البراق"، و"إبراهيم التجار"، وصديقهما الحاج" عمران"، وأيضا "هاشم الهاشمي" وابنه" محمد الهاشمي " الذين أتوا بصحبة "مروان". الواقف وسط الملعب مع الفريق الأول، المكون من مهاب "و "مازن " و "عبد الله البراق". و "محمد " و "حسن أبناء عمتهم، و"سيف "و "يوسف" و "حسن العامل في ورشته، بالإضافة

إلى "مروان" و"زياد" صديق" عبد الله"، و"حسين " ابن الحاج عمران.

الفريق الثاني كان يتكون من أحد عشر شابا من شباب الحارة التف كل فريق حول نفسه

وبدأت الاستعدادات النهائية.

نظر" مهاب " إلى "زياد " وقال له يغلب:

والله أنا ما عارف أنت معانا بتعمل ايه ؟ مش قولت يابني ما بتعرفش تلعب كورة ؟

رد زیاد" بغرور:

و اتعلمت يا كبير وهبقى الحارس بتاعكم ومشرفكم نص هبهرك

نظر له "يوسف " بجدية وقال بتحذير

عارف يا زياد الكلب لو كورة دخلت في الجون معمل فيك إيه ؟ قسما بالله معلقك طول الليل.

نظر له زياد " بقلق مصطنع وهمس

أقلق ولا أخاف؟

همس له "عبد الله " بصوت مسموع لهم:

اترعب يا زيزو

ضحكوا جميعا، ثم قال "سيف " بجدية:

هنلعب بخطة أربعة أربعة اتنين الدفاع هيبقى فيه حسين وحسن ومحمد ومروان الوسط

مهاب وعبد الله ويوسف وحسن، والهجوم ده بتاعي أنا ومازن، تمام؟

رد "مروان "وقال:

تمام يا كابتن سيف كل واحد كده عارف مكانه.

قال "مازن "بحماس:

طيب يلا يا ابطال عايز اشوف ماتش ما تشافش قبل كده.

ضحك "عبد الله " وقال:

النور هي قطع ولا إيه.

نظروا له بصمت فحمحم وقال:

صامت بالله بس بلاش البصه دي.

هر مهاب "رأسه يضحك وقال:

مستعدين.

ردوا جميعا في نفس الوقت بصوت عال:

مستعدين!

انطلقت صفارة المباراة، وبدأ الشباب يصرخون ويصفرون، ومن معه دف يقرع عليه بإيقاع حماسي، وكان الساحة كلها قد انفجرت بالحماس.

مستعد لأي خطأ.

بدأت الكرة تتحرك بسرعة بين اللاعبين، مهاب يستعرض مهاراته في المراوغة، يراوغ بين اللاعبين قبل أن يمررها "العبد الله" الذي يختطف الكرة من الخصم بلمسة سريعة، ويطلقها نحو مازن الذي يسير بسرعة، قلب قلبه يخفق بحماس بينما زياد يراقب من خلف مرماه كحارس

تصاعدت الهتافات، واندمجت الأصوات مع رائحة العشب والمساء الرمضاني، حتى بدا وكأن الساحة كلها تنبض بالحياة، ووسط هذا الزخم، بدأت المواجهات الفردية، صراعات صغيرة بين اللاعبين، وتسديدات خاطفة، ومناورات تكاد تكون رقصات على العشب كل لحظة فيها توتر وادارة.

"سيف "وقف في منتصف الملعب ، وقال بحماس :

حاولوا تضغطوا على الجنب اليمين شوية.

وراءهم، الشباب الواقفون على الحواف يهتفون بصوت واحد، أصواتهم ترتفع وتتناوب بين

التشجيع والتحفيز والسخرية من الخصم:

يلا يا مهابا يا عم عبد الله ا شدوا حيلكم !

" عامر البراق " و "إبراهيم التجار يصرخان بصوت مرتفع، يحاول كل واحد منهم أن يوجه

الفريق:

یا حسین، شوط يابني .

جون يلا ، دخلها في الجون

ضحك متقطع من بعض الشباب، بينما آخرون يرفعون أيديهم في الهواء ويهتفون بحماس.

وفي الجهة الأخرى، "زياد" يتصبر خلف المرمى عينيه مركزتان على الكرة، يحاول يتوقع

تحركات الخصم. فجأة، انطلقت كرة عالية، حاول "مروان" الوصول لها قبل لاعب الخصم.

واصطدموا ببعض ! " عبد الله " تمكن من السيطرة على الكرة، ومررها " لمازن" الذي انطلق بسرعة

إلى الأمام، والدف يقرع بحماس أكبر، وكأن الإيقاع يعكس نبض المباراة:

شوف الجون ده بقى من عيال البراق

"سيف" وقف في منتصف الملعب، يلوح بيده بعصبية وحماس:

الوسط ركزوا علي الخصم محبوس

"مهاب" استدار بسرعة، مرر الكرة "العبد الله" الذي راوغ لاعب الخصم، ثم أرسل كرة طويلة إلى مازن، والجمهور ينفجر بالهتافات:

جون كمان للفريق الأول.

وبعد وقت طويل دوي صوت الفريق الأول بالصراخ، وقد غمرتهم نشوة الفول فقد انتصر فريق" مهاب" على الفريق الثاني، احتضن الأحد عشر لاعبا بعضهم بعضا بفرحة صادقة. وارتسمت البهجة على وجوههم، ثم وعلى حين غفلة، تبادل "يوسف" و "مروان" و "مهاب" ومازن النظرات، وكأنهم اتفقوا في لحظة صامتة، قبل أن يندفعوا جميعا نحو "سيف". حملوه فجأة، فتجمد في مكانه لثوان من الدهشة، قبل أن تنفجر ضحكاته، عالية وصافية، تملأ المكان. أخذوا يقذفونه إلى الأعلى وهم يهتفون بحماس، وأصواتهم تتعالى:

الكابتن بتاعنا أهو أهوا

انضم إليهم باقي الشباب، يصفقون ويطلقون الصافرات، وقد اشتعلت الأجواء بالحماس، وبعد لحظات أنزلوه إلى الأرض، وهو يلتقط أنفاسه ويقول ضاحكا، وقد وضع يده على صدره

افرض كنت وقعت منكم يا أخويا أنت وهوا

نظر إليه مهاب"، وعيناه تلمعان بالمرح، وقال ضاحكا:

ليه يا واد شايلك سوسن ومديحة ولا إيه؟

أكمل" مروان"، وهو يضع يده على كتف "مهاب" بنبرة ساخرة:

يا خسارة العضلات والجيم اللي بتدفعك فلوس.

تدخل "يوسف "ضاحكا، وهو يهز رأسه:

ويخسارة أكل سمية.

تعالت ضحكاتهم معا، قبل أن يقول " محمد"، وهو يشير بيده:

تعالوا نروح تتصور مع خالي عامر والياقيين.

استحسنوا الفكرة، وتحركوا جميعا نحوهم بخطوات متحمسة، وما إن اقتربوا، حتى قال اللواء"

هاشم"، بنبرة مازحة، وهو يضع يديه خلف ظهره

ده لعب يا رجالة ؟ ما شفتوش لعبى وأنا قدكم.

رد "عبد الله "بابتسامة واسعة:

على قدنا بقى يا سيادة اللواء بس عايزين نشوف لعبك برضه

ضحك " هاشم" وقال:

اعتزلت.

انفجروا جميعا بالضحك، فقال " عامر" وهو يربت على أكتافهم :

مبروك يا أخويا أنت وهو، عقبال العيال.

ضحك " مهاب " بقوة، وأمال رأسه للخلف وهو يقول بنبرة متعبة مازحة:

طب يا رب يا كبير يا رب زود دعوات الجواز دي بالله عليك.

قال " مروان بسرعة، وهو يرفع يده كأنه يتوسل:

ايوه يا عم عامر، وحياة عيالك معاك تراويح وقيام وادعي بضمير.

تدخل "إبراهيم "صاحكا:

كلنا هند عيلكم عشان عايزين نرتاح من زنگم... هنمشي من هنا ولا هتقعدوا ؟

نظر" محمد الهاشمي في ساعته، ثم قال بأسف خفيف:

إحنا هنستأذنكم عشان عندي شغل كتير والله الواحد مش عايز يمشي علشان قعدتكم الحلوة

دي، بس تعمل إيه حكم القوي.

ريت" عامر" على كتفه بمحبة وقال:

مكانك وتيجي في أي وقت يا دكتور الأيام جاية كثير وهنقعد مع بعض أكثر.

تبادلوا السلام بحرارة، ثم اتجه "محمد " و "اللواء هاشم نحو سيارتهما، عندها التفت "مهاب

" إلى " مروان"، وقد عقد ذراعيه وقال بنبرة مازحة:

وحضرتك واقف لنا ليه؟ يلا مع السلامة.

رفع "مروان" حاجبيه بحركة راقصة، وقال بنقة:

أشوف خطيبتي الأول.

نظروا إليه جميعا بنظرات تقطر سخرية مصطنعة، فقال " سيف"، وهو يرفع ذقته بتكبر مرح:

والدكتور أحد معاد؟

تجمد "مروان" لحظة، وقال بدهشة:

معاد؟

رد "سيف"، وهو يكتم ضحكته بصعوبة

آه، معاد مني الأول، ولا حضرتك فاكر عشان خطبتها تبقى تشوفها في أي وقت كده عادي؟

أكمل " مازن"، بابتسامة خبيثة:

ولا الدبلة مقوية قلبك ؟

انفجروا جميعا بالضحك، فمال "مروان" قليلا نحوهم وقال بغمزة:

أه مقوية قلبي معاكد واحدة زيها تقوي قلبك أنت وأخوك؟

نظر إليه " مهاب"، رافعا أحد حاجبيه، ثم ضربه بخفة على كتفه وقال:

اخوه قاعد ساكت أهو تجيب في سيرته ليه؟ وبعدين يا حبيبي، بكرة يبقى معانا واحدة.

الصبر حلو، وحسبي الله في اللي مخليه الناس تشمت فيا كده.

تعالت ضحكاتهم مرة أخرى، فقال "عامر" بجدية مصطنعة:

ما تحسينش عليها يا متخلف.

تنهد "مهاب"، وقال بنبرة استسلام خفيفة:

حاضر یا حاج حاضر، يلا نمشي من هنا عشان كل واحد يجهز نفسه للاعتكاف من الليلة

الجاية.

قال "سيف" بحماس واضح، وقد اقترب منه خطوة:

اعتكف معاكم وحياتي يا مهاب

قلده "يوسف" ساخرا، وهو يمد يده

وحياتي يا هوبا ... ايه ايدك تقيلة يا ابني !

أنهى جملته متألها، بعدما ضربه "مهاب"، فبادر "محمد "و "حسن" قائلين:

واحدا كمان يا مهاب.

نظر" مهاب" إليهم، فوجد الثلاثة أبناء عمته وسيف يقفون أمامه كالأطفال، بوجوه مترقبة

وعيون متوسلة زفر بهدوء، ثم قال:

الثنائي الحقير ده ماشي، سيف بقى مش هقدر أوافق أو أرفض الرأي رأي الحكومة.

ضحاد "سيف" وقال بسرعة

هتقولي لا يا عم زي كل سنة، والدروس وبتاع، قولها أنت خليها توافق.

وضع" يوسف" يده على كتفه، وقال بثقة:

اعتبرها وافقت با سیفو، ده احنا هنعمل جو ما حصلش في الإعتكاف.

تدخل "عامر"، ناظرا إليهم بتحذير خفيف

والمرة دي الشيخ مصطفى هيطردكم ولا هيولع فيكم؟

انفجروا بالضحك، فقال "مهاب"، وهو يرفع يده كأنه يقسم:

لا يا حاج، المرة دي هتقعد بأدينا والله.

همس" يوسف" بصوت مسموع، وهو يقترب منه:

ما تحلفش عشان الأدب ما عداش علينا.

تعالت ضحكاتهم في المكان، وامتزجت بروح الألفة بينهم التقطوا صورا تذكارية، والابتسامات لا تفارق وجوههم، قبل أن تبدأ الإضاءة في الخفوت تدريجيا، ويعم الهدوء المكان شيئا فشيئا.

يا مؤنسي في وحدتي يا منقذي في شدتي، يا سامغا لندائي....

فإذا دجى ليلي وطال ظلامه ناديت يا رب، فكنت ضيائي.

كان صوت التواشيح ينساب من داخل مطعم "رقية"، دافنا وملينا بالسكينة، يمتزج بأصوات

الأواني وحركة الزبائن المكان مزدحم، والوجوه متلاحقة، وكل يحمل استعجاله في عينيه طلبا السحوره.

عملها بعينين يقظتين تتابع كل شيء حولها دون أن تفقد اتزانها.

وفقت" رقية "خلف المقلاة، تحرك الفلافل بيد ثابتة، وملامحها هادئة رغم الزحام، تركز في

أما" ناهد"، فكانت جالسة إلى الطاولة، تمسك النقود بيد، وبالأخرى تجهز الطلبات، وجبيلها

معقود قليلا من ضغط العمل، بينما "محمود" يتحرك بينهما بخفة، يجهز السندوتشات ويقدمها

بسرعة للزبائن.

لمحت "رقية " طفلا صغيرا يكاد يختفي بين الأجساد المتزاحمة ملامحه مترددة وعيناه تبحثان عن دور له، فعالت قليلا للأمام، ونادته يصوت حنون، وابتسامة خفيفة تزين وجهها:

الصفين محشور ليه كده؟ تعال في جنب يا حبيبي، ومحمود هيجيبلك اللي عايزه

تم رفعت صوتها قليلا، وهي تلتفت ناحية "محمود"، بملامح جادة لكنها مليئة بالاهتمام:

محمود العيال الصغيرة دي تخلصهم بسرعة من وسط الناس، وطلع كراسي كمان للناس تقعد بدل ما هما واقفين كده.

هر "محمود" رأسه بسرعة، وهو يبدأ في سحب الكراسي، وقال بهدوء:

حاضر يا أيلة، مرض الكراسي حالا.

في تلك اللحظة، كانت" ناهد" تتفحص ورقة نقدية، تقلبها بين أصابعها، وعيناها نصيقان بشك.

تم رفعت رأسها لامرأة تقف أمامها وقالت بنبرة فيها ضيق واضح

الخمسين جنيه دي مقطوعة يا أم أحمد، مش هتمشي.

تأففت المرأة، وحركت يدها يعجل، وقالت:

واخداها من السواقين يا ست ناهد اعمل ايه؟ ما كل الفلوس كده، والقطع مش كبير.

رفعت "ناهد "شفتها بضيق، ومالت بجسدها للأمام قليلا، وقالت بنبرة حادة:

يوه، وأنا مالي ؟ أخد فلوس مقطوعة ليه ؟ فلوس شغل أوديها فين دي ؟

عقدت المرأة حاجبيها وقالت ينفاد صبر:

يعني مش هتديني الأكل؟

ردت "ناهد"، وهي تشير بيدها كأنها تحسم الأمر:

لا هديك يا أختى بس يبقى لينا عندك حساب... مش هاخد الفلوس المقطوعة دي.

كادت المرأة ترد لكن "رقية" التفتت إليهما، وعيناها تحملان حسما هادئا، وقالت:

خلاص یا ناهد بقی، خدى الفلوس واديها السحور عشان تمشي.

رفعت "ناهد الورقة مرة أخرى، ولوحت بها قليلا، وهى تنظر لرقية بنصف عين:

مقطوعة يا أبنة رقية.

أخذت رقية " الورقة، نظرت إليها سريعا، ثم هزت رأسها بابتسامة خفيفة فيها شيء من الاستسلام، وقالت بهدوء

معلش هنحطها في فلوس الأنابيب، وهو بيسلك المقطوع يا أبلة ناهد، ورقي اليوم معايا، ربنا يباركلك، ماشي ؟

رمقتها "ناهد" بنظرة جانبية، وحاولت أن تكتم ضحكة كادت تفلت منها، فقد كانت تمزح مع

المرأة من البداية، ثم قالت بدلال خفيف

ضحكت" رقية " وعادنا إلى العمل، واستمر المكان يعج بالحركة، قبل أن يهدأ تدريجيا مع مرور الوقت

بعد فترة، خف الزحام، وخرجت " زاهد" و "محمود" لجلب الأنابيب وبعض الطلبات، فبقيت

رقية "وحدها، ترتب المكان في هدوء، ملامحها مسترخية قليلا بعد التعب.

وفي تلك اللحظة، دخل مهاب" و"سيف"، وصوتهما يسبق خطواتهما:

السلام عليكم.

رفعت "رقية" رأسها، ونظرت إليهما، وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة، خاصة وهي ترى

قرب" مهاب " من " سيف"، فذلك المشهد يرضيها دون أن تظهره صراحة. قالت بخفة:

وعليكم السلام، بقلق من دخلتكم فيارب تبقوا جايين تاكلوا مش جايين لحاجة ثانية.

اقترب "سيف" بسرعة، وانحنى قليلا وقبل خدها بحب، وقال بحماس :

من ناحية هناكل، فإحنا هناكل، عشان هموت من الجوع.

تبدلت ملامحها فورا إلى حنان واضح، ورينت على كنفه

بعد الشر عليك يا حبيبي اقعد شوبة وأخواتك جايين تتسحر مع بعض.

وقف "مهاب" ينظر إليهما، وعيناه تلمعان بشيء خفي من الغيرة، وزفر بهدوء، ثم قال بنبرة فيها

شكوى طقيقة:

وانا كمان هموت من الجوع.

فهمت مقصده فوزا فارتعشت شفتاها بابتسامة كادت تظهر، لكنها كتمتها، وقالت بمراوغة، وهي

تلتفت عنه:

هجهزلك السحور أنت كمان يا باشمهندس

ضغط على أسنانه، وحدق فيها بغيظ خفيف، وقال:

ماشي... ليك يوم يا بنت المهدي

صمنت، فالتفت "سيف " إلى "مهاب" وغمز له بخفة، ففهم الإشارة سحب مهاب كرسيا وجلس

ملامحه تحاول أن تبدو جادة، وقال:

إحنا جايين تكلمك في موضوع مهم وخطير وجاد.

رفعت رقية حاجبيها قليلا، وضيفت عينيها بشك، وقالت:

الثلاثة مع بعض ؟ والله قولت دخلتكم دي وإنتوا مأنكجين بعض وراها مصيبة... خير؟

سيف "لوح بيده سريعا، وقال مطمئنا:

لا مصيبة ايه بس بعد الشر دي حاجة بسيطة كده يا روقا.

وضع " مهاب" ساقا على الأخرى، وقال بثقة مصطنعة:

إحنا هناخد سيف معانا الاعتكاف، موافقة صح ؟ أنا قولت كده برضه، يلا يا سيف عشان هي مشغولة.

كاد أن يقوم، وتحرك سيف معه، لكن صوت رقية" جاء حارقا، ونظرتها ثابتة:

مكانك أنت وهوا

تبادلا النظرات لتوان، ثم عادا وجلسا فورا، كأنهما تلميذان ضبطا متليسين، نفخت "رقية "

بضيق، ونظرت إليهما بنظرة تجمع بين الضيق والمرح، وقالت:

ايه ؟ جايين ترموا الكلمتين وتخرجوا ؟ مش لما تسمعوا رأيي الأول

كان " سيف" على وشك الرد لكن "مهاب" انتفض واقعا فجأة، متقدما خطوة، وقال بنبرة.

هجومية متعمدة:

وانت هترفضي كمان؟ ايه مش عايزة الواد يعتكف والإيمان يزيد في قلبه؟ هنعترض كمان

في العبادات ولا إيه؟ تحبي أقولك فوائد الاعتكاف؟

هزت راسها بالنفي، وهي تكتم ضحكتها بصعوبة، فجلس مرة أخرى وهو يميل للأمام قليلا وقال بمكر

ولا أقول ؟ أصل فاضي عادي، ومستعد أتكلم من هنا لبكرة.

رفعت حاجبها، وقالت يمكر مماثل :

بس أنا مش فاضية زي ما أنت لسه قابل لسيف.

مرر يده في شعره بتوتر خفيف، وقال:

دي جملة عابرة.

هزت رأسها بيأس خفيف، ثم التفتت إلى سيف"، ونظرتها أصبحت أهدأ، وقالت:

مش هقول المرة دى دروسك ولا حاجة، عشان عارفة إنك كبير بما فيه الكفاية وأكيد عامل

حسابك في كل ده بس ما تنساش تدعيلنا معاك وأنت معتكف يا سيفو.

اتسعت عينا "سيف" بفرحة، وقف بسرعة، وكانت تتوقع أن يحتضنها، لكنه اندفع نحو مهاب

واحتضنه بقوة وهو يهتف:

الله أكبر يا كبيرا سرك بائع ووافقت

ضحك "مهاب"، واحتضنه، وقال بحيث وهو ينظر ناحية رقية:

عقبال الموافقة اللي في بالي يا رب.

نظرت إليهما" رقية"، ورفعت حاجبها باشمتز از مصطنع، وقالت:

قوموا امشوا من هنا عشان رفعتولي الضغط.

ردا في نفس واحد، وهما ينظران لها ببراءة مبالغ فيها:

جعانين !

مر يومان سريقا، وعادت الأيام تسير على الوتيرة نفسها كل منهم يحاول تيل الغفران في تلك

الأيام المباركة، وبينما كان البعض يصلي، وآخرون يرفعون أكف الدعاء، كان" محسن المهدي" يجلس في غرفة ذات إضاءة خافتة، يلفها دخان السجائر، وبين أصابعه سيجار يرفعه بين الحين

والآخر إلى شفتيه، وعيناه تلمعان بمكر خفي.

تحدث بنبرة هادئة، لكنها تحمل خلفها حبنا واضحًا، وهو ينفت الدخان ببطء:

عملتوا إيه في الصفقة الأخيرة يا رزق ؟

نظر إليه " رزق البراق"، وقد شد كتفيه قليلا، محاولا إخفاء توتر تسلل إلى ملامحه، وقال: - ما أنت عارف كل التفاصيل يا باشاء الصفقة كانت مشتركة بينا كلنا.

ارتسمت على وجه " محسن" ابتسامة ساخرة، قبل أن ينفجر ضاحكا، ثم أشار بيده نحوهما. وعيناه تضيقان بحدة

أوعوا تكونوا فاكرين إنكم لما تلعبوا من ورانا، ورايا أنا بالذات، وتبيعوا هيروين بملايين العدونا اننا كده مش هتعرف

تبادل " رزق" و "خالد" نظرات سريعة امتلأت بالصدمة التي حاولا جاهدين إخفاءها، لكن "محسن" لم يترك لهما فرصة، إذ استقام في جلسته قليلا، وصوته أصبح أكثر صرامة، يحمل تهديدا واضحا

معتبرها غلطة ومش هتتكرر تاني يا رزق و هقول ابنك صغير ومش فاهم وبيتعلم... لكن غلطة ثانية

توقف لحظة، ثم أكمل ببطء مقصود، ونظراته ثابتة:

بتطير فيها رقاب

لم يتحفل "خالد" الصمت، فمال للأمام، وملامحه مشدودة بغضب، وقال:

عشان فكرنا نكبر شغلنا هفتهدد؟ ما بيهمناش التهديد... وتتهدد منك ليه من أصله، إذا كان الكبير ما قالش حاجة

رمقه" رزق بنظرة حادة، يحذره أن يصمت، لكن " محسن" كان قد عاد للخلف، مستندا إلى

كرسيه، واضعا ساقا فوق الأخرى، وقال بهدوه مستفز

وانت عارف الكبير يا خالد؟ عمرك شوفته قبل كده ؟

ها "خالد "رأسه نفيا، وقال بثقة ظاهرها التماسك:

لا ... بس عارف إنه موجود والتعليمات كلها بناخدها منه ، وطالما ما قالناش حاجة على

صفقتنا، يبقى هو موافق عليها.

ضحك "محسن" باستهزاء، ثم التفت إلى رزق، وقال بنبرة لاذعة:

اينك خايب زيك يا رزق

ثم عاد بنظره إلى " خالد" وعيناه تلمعان ببرود

أبوك برضه كان زيك كده، متسرع ومش بيلقط المعلومة. فرميناها في وشه عشان ياخد باله

ويعرف مقامه، فأنا هتعامل معاك زيه، وهرميها في وشك.

انحنى قليلا للأمام، وصوته انخفض لكنه أصبح أكثر رعبا:

أنا الكبير اللي بتاخد منه التعليمات يا خالد، واللي كلكم بتسمعوا كلامه من غير ما تعرفوا أنا مين

تجمد" خالد" في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة حقيقية هذه المرة. كان يظن أن محسن مجرد تاجر كبير، لكن ليس هو القمة فكرة أن يكون هو الكبير جعلت شيئا من الخوف يتسلل إلى داخله، خاصة وهو يتذكر خططه السابقة، وكيف كان ينوى استغلال رقية كورقة ضغط ، أما أن تتزوجه أو يخبر الجميع أن والدها تاجر مخدرات ويتم عمل مشاكل لأخوتها بسبب والدهم .

ابتلع ريقه، وأخذ نفسا عميقا، ثم قال بنبرة هادئة متصنعة:

ماشي يا كبير عرفنا مقامك والواجب عليك تقدرنا إحنا عايزين تكبر الشغل وتزود نشاط

الهيروين شوية، تعبنا من السلاح، قولت ايه ؟

نظر إليه "محسن" طويلا، ثم قال بجدية:

وأنا موافق ... وهسيبك تعمل صفقة لوحدك توزيني شغلك اللي بجد، وبناء عليه محدد مكانك وسطينا.

تبدلت ملامح " رزق" و "خالد" فوزا، وارتسمت الفرحة على وجهيهما، وقال " خالد" بثقة متعالية:

ما تقلقش يا باشا واثق إن مكاني هيبقي كبير أوي.

هر "محسن" رأسه ببطء، ثم رفع كأسه وقال بنبرة تحمل سخرية خفيفة:

هنشوف اشربوا بقى عشان تبقى مضينا الاتفاق، ونشجع خالد بيه على الشغل الجديد.

أمال "خالد" رأسه قليلا، وعيناه تلمعان بخبث، وقال:

لو حضرتك عايز تشجعني على الشغل، قلو الحنة اللي قدمت لينا المشروبات دي ما تلزمكش

نظر إليه "رزق " بصدمة، بينما انفجر " محسن ضاحكا، وقال بلا مبالاة

ما تلزمنيش عندك برا أهي، وبراحتك خالص

غمز له "خالد"، ونهض متجها للخارج، بينما ظل " رزق" ينظر في أثره بذهول حقيقي، كأن ابنه فاجأه بجرأة لم يتوقعها.

لمح " محسن" تلك النظرة، فابتسم بمكر، وقال:

بتبص له بصدمة ليه كده يا رزق ؟ ما إنت زيه يعني هو هيجيبها من برا؟

ضحك " رزق" ضحكة خافتة، وقال:

أيوه بس في الحيالة كده مش قدام الكل.

قال "محسن" بسخرية، وهو يهز رأسه:

معلش هو عدى مرحلة الوقاحة من زمان، وقال يعني لو قولتلك واحدة من إياهم جاية.

دلوقتي، مش هتقوم؟

ارتسمت ابتسامة خبيئة على وجه " رزق"، وقال:

هقوم هو حد يقول للجمال لأ؟

ضحك " محسن"، لكن ضحكته كانت مشوبة ينفور واضح، ثم عاد إلى كأسه، يغرق أكثر في عالمه القدر من تجارة السلاح والمخدرات.

في مكان آخر، وبينما كان رزق غارقا في فرحته، غير مدرك لما يحدث خارج حساباته.... كانت ابنته الوحيدة التي يسعى لتزويجها لابن عمها طمعا في ماله تجلس الآن في شقة شاب بمفردها.

نعم، "شهد البراق"....

تلك الفتاة التي تخضع الكلام أمها، وتسعى للزواج من مهاب، لا لأنها تحبه، بل لتثبت لأمها وأبيها أنها قادرة على تنفيذ أوامرهما، ولترضى غرورها الداخلي، لكنها في الحقيقة... فتاة فارغة من الداخل، تبحث عمن يمنحها كلمة حلوة، شعورا زائفا بالاهتمام، وما إن وجدت ذلك، ألقت بنفسها في حضنه دون تفكير.

وقفت فجأة، ملامحها متوترة قليلا، وعيناها تتحركان يقلق، وهي تمسك حقيبتها بسرعة، وقالت بصوت يحمل استعجالا واضحا

أنا متأخر ولازم أمني.

نظر إليها الشاب، وقد مال براسه قليلا، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة، وعيناه تتفحصاتها

بنظرة غير مريحة، ثم قال بنيرة ناعمة لكنها تحمل نية أخرى:

خليك شوية كمان يا شهودة ما قعدناش مع بعض كثير.

تنهدت بخفوت، وظهر على وجهها تردد، ثم قالت بصوت خافت فيه مسحة حزن، وهي تتجنب النظر في عينيه

معلش يا عمرو، هحاول أجيلك بكرة يا حبيبي دلوقتي همشي عشان أرجع قبل بابا وإخواتي. وقف امامها، فانتصبت قامته الطويلة، شاب في العشرينات من عمره، عمرو عاصم الفاروق، ابن أحد رجال الأعمال، والذين يعملون في تجارة المخدرات مع محسن المهدي ورزق البراق.

اقترب منها خطوة، وعيناه تلمعان بشيء من السيطرة، وقال بهدوء:

ماشي روحي دلوقتي، وهستناك بكرة.

اومات برأسها سريعا، وكأنها تريد إنهاء الموقف، ثم أخذت حقيبتها وقالت:

حاضر يا حبيبي، همشي أنا بقى.

رد عليها وهو يبتسم ابتسامة واسعة:

سلام یا شوشو

خرجت من الشقة يخطوات سريعة، وكأنها تهرب من المكان، أو من نفسها، ثم نزلت إلى الشارع. وأوقفت تاكسي، وجلست في الخلف، تنظر أمامها بترود، قبل أن تتحرك السيارة في اتجاه الحارة.

في الوقت الذي كان فيه رزق البراق جالسا، يرفع كأسه بيد مرتجفة من نشوة المال والصفقات.

غارقا في عالم صنعه بيديه من الحرام، يخطط، ويتأمر، ويظن أنه يحكم قبضته على كل

شي عاد

كانت ابنته، في الجهة الأخرى تساق في طريق لا يقل ظلمة، ولكن هذه المرة، دون أن تشعر.

هو يبيع السموم للناس، ويملأ البيوت خرابا.

ولا يدرك أن الخراب، يتسلل إلى بيته هو خطوة خطوة.

يحسب أنه يسيطر ، ويظن أنه يحمي، ويخطط لمستقبلها كما يريد....

لكن الحقيقة التي غابت عنه، أن من يزرع الفساد في طرق الآخرين، لا بد أن يعود إليه الطريق

يوما، ولو من أقرب الناس إليه.

وبينما كان الأب يغرق أكثر في ظلامه بإرادته.

كانت ابنته تنزلق إليه... دون أن تدري.

وكأن القدر يهيئ لهما نفس المصير.

لكن بطريقتين مختلفتين....

مصير واحد

وطريقان من الخطأ....

سيلتقيان قريبا.



تعليقات