رواية ظل البراق الفصل الثاني والثلاثون
الغياب لا يُقاس بالزمن،بل بما يهتزّ داخلنا حين يحدث.
فقد تمرّ أيام كاملة دون أحدٍ، ولا يتبدّل فينا شيء،
وقد تمرّ ساعات قليلة… فنشعر وكأن شيئًا في الروح قد اختلّ، كأن ترتيب العالم من حولنا لم يعد كما كان.
الحبيب لا يحتاج إلى طول غياب ليُشتاق،يكفي أن ينقطع حضوره فجأة،أن يخفت صوته الذي اعتدناه،أن يغيب ذلك الاطمئنان الصغير الذي كان يتسرّب إلى القلب بوجوده دون أن نشعر.
نحن لا نشتاق للأشخاص فقط،نشتاق لما كانوا يتركوه فينا:
ذلك السكون، تلك الطمأنينة، ذلك الإحساس الخفي بأن كل شيءٍ بخير.
وحين يغيبون،لا يغيبون وحدهم،بل يغيب معهم جزءٌ من هذا السلام، لهذا يبدو الغياب ولو كان عابرًا ثقيلًا،ليس لأنه طال،بل لأنه مسّ مكانًا عميقًا لا يحتمل الفراغ.
كانت” سُميّة” تجلس في بيتها، تحدّق في الباب بين الحين والآخر، تنتظر عودة ابنها “مروان “وزوجها” إبراهيم” من الاعتكاف. كان السكون يملأ المكان، لكن قلبها لم يعرف الهدوء منذ إعلان ثبوت رؤية الهلال، وأن الغد هو أول أيام عيد الفطر المبارك. كانت تعرف أنهما سيعودان بعد صلاة العشاء مباشرة، لذلك أبقت باب الشقة مفتوحًا، كأنها تخشى أن يتأخر الفرح إن أغلقته.
وقفت قرب الباب، تضمّ طرف ثوبها بين أصابعها في توترٍ خفيف، وعيناها تلمعان بشوقٍ صادق. لم تمضِ سوى لحظات حتى سمعت صوت البوابة يُفتح ويُغلق بثقلٍ مألوف، فانتفض قلبها فرحًا، وعرفت أنهما قد وصلا، وأنهما في طريقهما إلى المصعد.
وبالفعل، بعد ثوانٍ قليلة، دوّى صوت باب المصعد وهو يُفتح، فاندفعت بخطواتٍ سريعة نحو الخارج. رأت” مروان” يدفع الكرسي المتحرك الذي يجلس عليه “إبراهيم” فتقدّمت نحوهما بسرعة، وعيناها تغرورقان بدموعٍ دافئة.
قالت بلهفةٍ غلبت على صوتها، وهي تنحني لتحتضن” إبراهيم” بقوة، كأنها تستعيد جزءًا من روحها:
_ حياتي رجعت تنور من جديد ، حمدالله علي سلامتك يا حبيب سمية.
ابتسم” إبراهيم” بمحبةٍ عميقة، وارتسمت في عينيه نظرة امتنان واشتياق. شدّد على عناقها، ثم قبّل رأسها برفق، وقال بصوتٍ يحمل عشقًا لم تُطفئه السنين:
_ والله أنا اللي قلبي رجع ينور تاني بطلتك ، وحشتيني يا حبيبة ابراهيم.
وقبل أن تكتمل لحظتهما، جاء صوتٌ ساخر من الخلف، يحمل نبرة مرحٍ معتادة:
_ امشي واسيبلكم البيت يومين ولا اجبلكم اتنيين لمون الأول قبل ما امشي ؟
التفتوا معًا نحو” يوسف”، الذي كان يستند إلى الحائط، واضعًا ذراعيه أمام صدره، يراقبهما بغمزةٍ ماكرة وابتسامةٍ واسعة.
ضغط” إبراهيم “على أسنانه في تمثيلٍ واضح للضيق، وقال بنبرةٍ ساخرة:
_ مش عايزين من وشك حاجة ، مع السلامة اسبوعين أربعة وتعالي.
اتسعت عينا” يوسف” بصدمةٍ مصطنعة، ووضع يده على صدره كأنه تلقّى طعنة، وقال بدراما مبالغ فيها:
_ ده أنا قولت الطعنة تيجي من الكل إلا أنتَ يا إبراهيم يا نجار ، قوم في الأخر ماتجيش غير منك ؟
ثم وضع يده على رأسه وهزّها بأسى مصطنع:
_ آه يا زمن.
تعالت ضحكات “سُميّة”، واقتربت منه بخطواتٍ دافئة، وفتحت ذراعيها وهي تقول بحنان: _ وحشتي يا ابن النجار ، تعالي في حضن امك.
ابتسم” يوسف” ومال نحوها، يحتضنها بحنانٍ لا يخلو من مرح، وقال بنبرةٍ مداعبة:
_ بعد ايه يا سمية؟ لما خلصتي الترحيب بحبيب القلب افتكرتيني.
ضربته على كتفه بخفة، وهي تبتسم:
_ بطل غلاسة ، وبعدين فين ابن خالتك؟
ردّ “إبراهيم” بهدوء:
_ راح لأخواته ، أنتِ عايزاه يجيلك ومايروحش لرقية ؟
ضحكت” سُميّة” وهي تقف خلف الكرسي لتدفعه إلى الداخل:
_ لا كله ألا رقية ،دي ممكن تقتلني، يلا عشان تغيروا هدومكم وتأكلوا لقمه.
دخل “يوسف” قبلهم، يحمل الحقيبة التي كانت معهم في المسجد، وقال بصوتٍ مرح:
_ لقمتين تلاته يا حبيبة ابراهيم ،خلي إيدك فرْطه يااختي.
غمز لهم بعد كلامه، ودخل مباشرة، فضحكت “سُميّة” و”إبراهيم” على خفة دمه، وتبادلا نظرةً دافئة قبل أن يدخلا الشقة ويغلقا الباب خلفهما.
………….
كان” سيف” يصعد الدرج بأقصى سرعةٍ يستطيعها، أنفاسه تتلاحق، وقلبه يخفق كطفلٍ ضلّ طريقه ثم وجده أخيرًا. توقف أمام الباب، وبدأ يطرق عليه بقوةٍ وحماس، كأنه يعلن عودته بكل ما فيه من شوق.
فُتح الباب فجأة، وصاح صوتٌ مليء بالحماس، وظهرت” نور “و”هنا” وما إن رأتا “سيف” حتى اندفعتا نحوه، وألقتا نفسيهما في حضنه دون تردد.
احتضنهما بقوة، ولفّ ذراعيه حولهما وهو يضحك:
_ مجانين والله العظيم ، براحة يا عيال هتخنق .
ضربته” نور” على ظهره وهي ما زالت تحتضنه، وقالت بنبرةٍ مشاكسة:
_ غيابك طلع بيأثر يا حيوان.
واكملت “هنا” وهيبتخط راسها في راسه وبتقول:
_ وطلعت بتوحشنا رغم رخامتك يا رزل .
ضحك” سيف” بصوتٍ عالٍ، ثم أبعدهما عنه قليلًا، وقال وهو يبتسم:
_ مدح ولا ذم يا ريا وسكينة ، أنا حيوان ورزل يا قزمة منك ليها..آه ياخربت ايديكم التِقيلة.
قال آخر جملة وهو يتأوه بعدما تلقّى ضربةً متزامنة منهما، فنظر إليهما بتذمرٍ مصطنع:
_ وسعوا من وشي فين اللي زارعة شجر زيتون في عيونها .
وقبل أن يكملا الرد، سمع صوتًا هادئًا يحمل دفئًا خاصًا، جعل قلبه يهدأ فورًا:
_ لسانك هيتقص يا قلب اختك .
التفت” سيف”، وابتسم فور أن رأى “رقية” تخرج من غرفتها، ملامحها تحمل مرحًا وحنانًا في آنٍ واحد. لم يتردد لحظة، بل أسرع نحوها، وبدون أي كلمات، احتضنته بقوة.
اقتربت من أذنه وهمست بصوتٍ دافئ:
_ حمدالله علي اخويا وسندي اللي شايفه في عيونه انه رجع افضل من الأول، نورت بيتك يا سيف.
أغمض عينيه للحظة، كأنه يستوعب كلماتها. كان يفهمها جيدًا… فهو لم يعد إلى البيت بعد فترة علاجه من الإدمان إلا مراتٍ قليلة، يمكث ساعة أو اثنتين ثم يغادر. كان قد وعدها أنه لن يعود نهائيًا إلا حين يشعر أنه أصبح بخيرٍ تمامًا.
ابتسم بمحبة، ثم قبّل وجنتها برفق، وقال بثقةٍ هادئة:
_ رجعت عشان رقية المهدي مربية راجل مابيعرفش يعني ايه استسلام ، ممكن يقع مرة وعشرة بس يستسلم؟ لأ يا أم عيون خضرا.
ضحكت” رقية”، وامتلأت عيناها بالدموع، ثم قبّلت رأسه بحنان:
_ قلب أم عيون خضرا والله ، تعالي ادخل اوضتك ارتاح شوية .
قالت “نور” بحماس وهي تتجه للمطبخ:
_ هدخل أنا وهنا نجهز الأكل عبال ماتغير هدومك.
ردّ” سيف” وهو يضحك:
_ اه لأحسن جعان قوي ، هغير وهاجي علي طول .
دخل غرفته، وما إن وقع نظره عليها حتى تجمّد في مكانه. اتسعت عيناه بدهشةٍ واضحة، كل شيء قد تغيّر. لون الجدران أصبح مختلفًا، بل اللون الذي كان يحبه. الأثاث أعيد ترتيبه، والسجاد تغيّر، وحتى تفاصيل صغيرة كانت تحمل ذكرياتٍ مؤلمة، لم تعد موجودة.
تمتم بدهشةٍ صامتة، وعيناه تجولان في المكان:
كتبي وصلت امتي هنا؟ مش كانت في بيت خالتي؟
سمع صوت” رقية” خلفه، وهي تدخل الحقيبة التي نسيها،
فتوقف عن الحركة.
قالت بهدوء، وصوتها يحمل شيئًا من الألم المخفي:
_ أنا ماعرفش انتَ عشت ايه في الاوضه دي وقتها؟ ماعرفش أي ركن فيهم كنت بتتدمر فيه .
ساد صمتٌ ثقيل للحظة، قبل أن تبتسم ابتسامة خفيفة، وكأنها تحاول تخفيف وطأة الكلام:
_ وماحبتش تدخلها من جديد وتفتكر ذكريات مش كويسة ، غيرت لون الدهان وشوية حاجات تانية ، وولعت في أي قطعة هدوم لبستها في الفترة دي ، مش عايزاك تفتكر أي حاجة منها ولا حتي مجرد ذكري .
ثم أشارت إلى الدولاب وهي تقول بمرحٍ خفيف:
_ وماتخفش جبتلك هدوم غير اللي حرقتهم ، يلا غير هدومك وتعالي .
تركت الغرفة وخرجت بهدوء، بينما ظل سيف واقفًا مكانه، عيناه تلمعان بدموع امتنانٍ صادق. اقترب من الدولاب ببطء، وفتحه… فوجد ملابس جديدة مرتبة بعناية.
ابتسم بخفوت، وهزّ رأسه بإعجابٍ وامتنان، ثم بدأ يبدّل ملابسه، وقلبه أخفّ مما كان عليه منذ زمن.
…………
_ وسع وسع حلويات البراق وصلوا يا جدعان .
قالها” حسن “بمرحٍ واضح، وهو يدفع باب بيت عامر البراق ليدخل، يتقدّمهم عامر، وخلفه “مهاب” ومازن، ومعهمؤ محمد” ، وقد بدت على وجوههم آثار التعب ممزوجة براحةٍ هادئة بعد أيام الاعتكاف.
كانت أول من سمع صوتهم “نادين”، التي كانت تقف في المطبخ تُساعد في تجهيز الطعام. التفتت بسرعة، وقلبها يخفق بلهفةٍ مفاجئة، فأسرعت ترتدي حجابها على عجل، ثم خرجت بخطواتٍ سريعة، وابتسامة واسعة تملأ وجهها.
قالت باشتياقٍ صادق، وعيناها تلمعان بفرحٍ واضح:
_ من ناحية حلويات فانا اخواتي حلويات ونوروا البيت .
تبادل” مهاب” و”مازن” نظرةً سريعة، ارتسمت فيها فرحة خفية وراحة عميقة، فقد أدركا أن رحلة العلاج النفسي التي مرّت بها نادين بدأت تؤتي ثمارها، وأنها تخلّت أخيرًا عن الأفكار السلبية التي كانت تُثقلها، وعادت إلى طبيعتها القديمة، تلك الفتاة المرحة التي افتقدوها طويلًا.
اقتربت من” عامر” فانحنى قليلًا واحتضنها، يربت على ظهرها بحنانٍ أبوي، وقال بنبرةٍ دافئة:
_ ماحدش بيصبرني علي البيت ده والحلاليف اللي ورايا دول غيرك .
ضحكت بخفة، ورفعت حاجبها بمشاكسة وهي تنظر إلى إخوتها، وقالت بمرح:
_ معلش يابابا هنستحملهم شوية لعند لما يتجوزوا .
اقترب منها “مهاب”، وفتح ذراعيه بمحبةٍ واضحة، فاندفعت نحوه واحتضنته، بينما قال وهو يبتسم لها بعينين تفيضيان حنانًا:
_ والله ماحد حلو غيرك يا حلو انتِ؛ عاملة إيه يا قلب اخوكِ؟
رفعت وجهها نحوه، وابتسمت بهدوءٍ مطمئن:
_ بخير الحمد لله .
جذبها “مازن” إليه فجأة، وضمّها بقوةٍ خفيفة وهو يضحك، وقال بنبرةٍ مرحة:
_ أنتِ بتحلوي في اليوم كام مرة يا بت؟
رفعت رأسها بتصنّع غرور، وقالت بثقةٍ مضحكة:
_ أقل حاجة خمس مرات .
انفجروا جميعًا بالضحك، فتقدّم “محمد “خطوة، وقال وهو ينظر حوله:
_ نادين انتِ قتلتي امي وتيتا ولا ايه؟ هما فين؟
أجابت :
_ عمتي وتيتا راحوا يزورا ست في الحارة تعبانة بس زمانهم جايين .
التفت “مهاب ” وقال متسائلًا:
_ وماما؟
ردّت بهدوء:
_ ماما فوق ، يلا اطلعوا غيروا هدومكم وانزلوا تكون تيتا وعمتو وصلوا عشان ناكل لاننا ماكلناش لسه .
ربّت “عامر “على رأسها بحنان، وقال بصوتٍ يحمل رضا:
_ ماشي يا حبيبتي ، يلا كلوا يطلع يغير ويفوق وينزل عشان ناكل ونزل بعدها نجهز اماكن الصلاة .
هزّ الجميع رؤوسهم بالموافقة، ثم تفرّقوا، كلٌ منهم اتجه إلى غرفته.
وكان المشهد مشابهًا في الاستقبال الحافل للرجال في بيت الهاشمي… حيث وقفت عائشة وهدى تستقبلان الجد هاشم ومحمد ومروان باشتياقٍ ومحبة، في صورةٍ دافئة تشبه باقي البيوت.
إلا أن هناك بيتين فقط… كان الاستقبال فيهما باردًا، كجمود الحجارة.
دخل “عبدالله البراق” المنزل، يحمل حقيبة صغيرة في يده، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة تحمل أملًا بسيطًا. وقعت عيناه على أمه سعاد وأخته شهد، الجالستين أمام التلفاز، منشغلتين تمامًا.
قال بهدوءٍ مهذب:
_ السلام عليكم.
ردّت “سعاد” دون أن تلتفت إليه، وبنبرةٍ خالية من أي شعور:
_ وعليكم السلام ، لو عايز تاكل قول لصباح تحضرلك الاكل .
تجمّد في مكانه للحظة… كأن كلماتها سقطت عليه ببرودٍ مؤلم. نظر إليها بغصّةٍ حادة، لم تُبدِ أي اهتمام بغيابه عشرة أيام، لم تبتسم، لم تسأله حتى كيف كان، بل طلبت منه أن تترك الخادمة تطعمه.
أغمض عينيه ببطء، يحاول ابتلاع ذلك الألم، هو يعرف قسوة قلبها، لكن لماذا لا يزال يتأذى؟ ربما لأنه كان ينتظر رد فعلٍ صغير، شيء يربّت على قلبه.
فتح عينيه، وسحب نفسًا عميقًا، ثم قال ببرودٍ مصطنع وهو يتحرك متجهًا إلى الداخل:
_ أكلت يا ماما ، انا طالع استريح .
مرّ من أمامهما دون أن ينظر، وصعد الدرج بخطواتٍ ثقيلة. ربما كان يتمنى أن تبتسم أخته على الأقل، لكنها بدت نسخةً أخرى من قسوة والدته، أو ربما كانت تلك القسوة هي ما شكّلها.
هزّ رأسه لينهي أفكاره، وقرّر أن يرتاح قليلًا، ثم ينزل لاحقًا ليساعد كعادته كل عام في تجهيزات صلاة العيد.
في بيت محسن المهدي…
دخل” زين” وعلى وجهه ابتسامة مشرقة، وحقيبة معلّقة على كتفه. كان في استقباله المربية الخاصة به، التي ما إن رأته حتى تهلّل وجهها.
قالت بحنانٍ صادق:
_ الحلو اللي وشه نور وراجع بيبتسم ، حمدالله علي سلامتك يابني .
ابتسم بسعادة، واقترب منها:
_ الله يسلم يا دادة ، وحشتوني والله فين بابا وماما؟
أشارت بيدها نحو الأعلى:
_ محسن بيه خرج من شوية ، والست وفاء في اوضتها فوق .
أومأ برأسه وهو يتجه نحو السلم:
_ هروح اشوفها وبعدها انام شوية ، بس عشان خاطري يا دادة هما ساعتين وتصحيني .
ابتسمت:
_ حاضر يا زين .
صعد بخطواتٍ سريعة نحو غرفة والدته، وطرق الباب حتى سمع صوتها يسمح له بالدخول. فتح الباب بحماسٍ واضح، وقال بصوتٍ مفعم بالحيوية:
_ أنا جيت يا ست الكل .
توقفت” وفاء” عن الحركة، ونظرت إليه لثوانٍ بصمتٍ بارد… صمتٌ كفيل بأن يقتل كل حماسه. ثم أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى.
تجمّد في مكانه، وتسلّل القلق إلى صوته:
_ في إيه يا ماما ، حضرتك زعلانة مني في حاجة؟ انا عملت حاجة تزعلك ؟
جاء ردّها مفاجئًا، بنبرةٍ حادة وانفعالٍ واضح:
_ يعني مش عارف؟ هو انا مش قولت مافيش مرواح لأي مكان ؟ والأستاذ عمل ايه ؟ راح برضوا مع شوية العيال البيئة اللي هو مصاحبهم ، لا وكمان سبت كل المساجد اللي حوالينا ورايح في مسجد وسط حواري ، عجبك قعدتك وسطهم ؟
نظر إليها بصدمة، ثم ردّ بهدوءٍ يحاول الحفاظ عليه:
_ أنا أخدت أذن بابا وهو عارف كويس أنا كنت فين ، وبعدين أنا ماكنتش رايح اتفسح ، أنا كنت في الاعتكاف ، وبخصوص صحابي فهما شباب كويسة وبتعرف ربنا مش بيئة لمجرد أنهم من أماكن بسيطة ، والأهم أن المسجد مسجد مكان مايكون ، بيت ربنا ومكان ذكر أيًا كان مكانه ، أخيرًا أنا كنت في الحُسين ياماما؟ هو الحُسين بقي حواري!!
قالت بسخريةٍ ممزوجة بنفور:
_ مع مين؟ مع عيال كل واحد فيهم من حارة ومناطق عشوائية ؟ صح
ولا مش صح؟ فين صحابك اللي في النادي وعيال صحباتي ؟
ردّ بتلقائيةٍ مباشرة:
_ في الديسكو ، تحبي أبقي معاهم؟
قالت ما صدمه حقًا، بنبرةٍ جادة:
_ ناصحين وعارفين مصلحتهم؟ انتةعارف ان المكان ده بيسهر فيه رجال اعمال وناس هاي قوي ، أهو هيعملوا علاقات كويسة تسندهم بعدين ، ابقي اتعلم منهم.
صمت للحظات، يحدّق فيها… ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لا تصل إلى عينيه. اقترب منها بهدوء، وانحنى ليقبّل رأسها، وقال بصوتٍ ثابت:
_ حاضر يا ماما ، هتعلم منهم من بكرة، بس دلوقتي عايز ارتاح شوية ، تصبحي علي خير.
قالها دفعة واحدة، ثم استدار وخرج، تاركًا إياها تنظر إليه بغيظ.
اتجه إلى غرفته، يتمتم باستغفارٍ خافت، وصوتٍ يحمل صبرًا مرهقًا:
_ الصبر من عندك يارب .
…………………
تنفس الصبحُ بنور العيد، وانداحت خيوط الشمس الأولى لتغسل مآذن المدينة بضياءٍ دافئ، بينما كان الهواء يحمل في طياته عبقاً خاصاً لا يتكرر؛ مزيجاً من رائحة المسك والبخور، ونسماتٍ باردة تداعب الوجوه بيقينٍ مطمئن. وما هي إلا لحظات حتى شقّ سكون الفجر ذلك النداء السماوي الذي يهز الأرواح: “الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”؛ أصوات التكبيرات تنساب من المآذن، تتعانق في السماء، وتتردد في الأزقة الضيقة، كأنما الأرضُ نفسها تشارك السماء تسبيحها.
في الشوارع، دبت الحياة فجأة بضجيجٍ عذب؛ أصوات الأطفال تسبق خطاهم، صرخاتهم المليئة بالدهشة والزهو بملابسهم الجديدة تملأ المدى، يركضون ببهجةٍ فطرية وتتطاير خلفهم البالونات الملونة كأنها قطعٌ من قوس قزح هبطت لتحتفل معهم.
لكنّ جوهر هذا المشهد، وسرّ بهجته الحقيقي، يكمن في تلك التفاصيل التي لا تصنعها إلا يد امرأة. فالعيد، وإن كان شعيرةً ونسكاً، إلا أنه لا يكتسب روحه إلا بنسائه؛ هنّ اللواتي نَفخن في هذا اليوم من روحهنّ ليكون عيداً. لولا تلك اللمسات الحانية في ترتيب المجالس، ورائحة الكعك والسكر التي تفوح من بين أيديهن، وضحكاتهن التي تملأ زوايا البيوت بالدفء، لظلّ العيد يوماً بارداً في رزنامة الزمن.
إن العيد هو عيد النساء أولاً؛ فهنّ ميزان الفرح، وهنّ اللواتي يحولن الواجب الديني إلى احتفالٍ إنساني مبهج، يربطن القلوب ببعضها بخيوطٍ من الودّ والتنسيق والجمال. لولاهنّ، ما كانت لتكتمل للصورة ألوانها، ولا للبهجة معناها.
كما كان لرمضان في حارة البراق رائحةٌ خاصة تميّزه، كان للعيد أيضًا عبيره الفريد… لكن يبقى الأجمل في كل ذلك أن الأماكن لا تكتمل إلا بأهلها، وأن البهجة الحقيقية تسكن القلوب قبل الشوارع.
عند مدخل ساحة الحارة، كان الجميع يتوافد للصلاة، وجوههم مشرقة بابتساماتٍ صادقة، وعيونهم تحمل طمأنينة لا تخطئها العين. هذا يُسلّم على ذاك، وذاك يُعانق آخر اشتاق إليه، واثنان تصالحا بعد خصامٍ طويل… كأن العيد جاء ليُلين القلوب، ويعيد ترتيب المشاعر من جديد.
كان “عامر البراق “يقف شامخًا، يرتدي جلبابًا صعيديًا بأناقةٍ لافتة، وهيبةٍ تفرض نفسها دون عناء. من يراه لا يصدق أنه تجاوز الستين،ملامحه لا تعطيه أكثر من أربعين عامًا، وقامته ما زالت منتصبة كأن الزمن لم يمر عليه.
إلى جواره وقف” رزق البراق”، يتصنّع التفاخر، ولا أحد يدري بماذا تحديدًا،فالجميع في الحقيقة يضع له اعتبارًا فقط لأنه شقيق عامر، لا أكثر.
وفي الجهة الأخرى، وقف” مهاب” بعباءته البيضاء، تحيط به هالة من الهدوء والثقة، وبجواره “يوسف” و”مازن” و”عبدالله” يرتدون مثله، في مشهدٍ يوحي بوحدةٍ غير معلنة.
_ عمال تبص في الساعة ليه يا حبيبي ، وراك معاد؟
قالها” يوسف” بنبرةٍ مستفزة، وهو يميل قليلًا ناحيته بابتسامةٍ خبيثة، فنظر إليه “مهاب” بضيق، وردّ بنفاد صبر:
_ خلصنا صيام وسيادتك بقيت فايق ، فأول ما تفوق تفوق عليا .
ضحك” يوسف” بخفة، وغمز له بمكر:
_ طيب اللي أنتَ مستنيها وصلت يا حلو .
توقفت أنفاس مهاب للحظة، ورفع عينيه بسرعة نحو مدخل الشارع، وهناك، شعر أن العيد قد اكتمل فعلًا.
فما كان لعيده أن يكتمل دون رؤيتها،تلك التي سرقت قلبه دون إذن.
كانت تسير بين أخواتها، بخطواتٍ هادئة، وبجوارهم ناهد وهبة وسما. ملامحها ساكنة، لكن حضورها يملأ المكان. اتجهوا مباشرة إلى الجزء المخصص للنساء.
في تلك اللحظة، تحرّك” سيف” بسرعة، واتجه نحو عامر ليُعايده، ثم التفت إلى الشباب.
قال وهو يصافح” عبدالله” بابتسامة:
_ كل سنة وانتِ طيب ياهندسة .
صافحه “عبدالله” وهو يبتسم:
_ وأنتَ طيب يا كابتن سيف.
_ يا ميزو
_ ياسيفو
تلك كانت عبارات” سيف” و”مازن”، وهما يحتضنان بعضهما بحرارة، فضحك “يوسف” بصوتٍ عالٍ وقال:
_ فُوله واتقسمت نصين ياجدع ، تعالي يا أهبل هات حضن.
نظر إليه “سيف” بصدمةٍ مصطنعة، وقال بدراما:
_ حضن إيه؟ كله إلا شرفي يا معلم يوسف .
هذه المرة، تعالت ضحكات “مهاب”، وقال وهو ينظر ليوسف بشماتةٍ خفيفة:
_ اللي بتعمله فيَّ بيطلع عليك يا جو ، الدنيا دوارة ياحبيبي
لم يتركه” يوسف”، بل جذبه إلى حضنه وهو يضحك بمحبة:
_ طب والله لحضنك برضوا وابوسك كمان.
ثم قبّله على خده فعلًا، وسط ضحكات الجميع.
اتجه “سيف” إلى “مهاب”، وقال وهو يبتسم:
_ كل سنهةوانتَ طيب يا باشمنهدس.
احتضنه” مهاب،” وقال بمرح:
_ بالله عليك بلاش باشمهندس دي مش هتبقي أنتَ وهي ، ألا صحيح مين كاويلك الجلابية اللي بتلمع دي .
رفع “سيف” يده على صدره بفخامة مصطنعة، وقال:
_ رقية المهدي.
همس مهاب بصوتٍ خافت، وعيناه تتجهان نحو جهة النساء:
_ يابختك .
ثم قال بصوتٍ أعلى:
_ يلا ندخل عشان الصلاة هتبدأ
هزّوا رؤوسهم بالموافقة، واتجهوا جميعًا إلى أماكنهم.
تعالت وقتها أصوات المكبرات…
الله أكبر، الله أكبر…
الله أكبر من كل شيءٍ وأيّ شيء، الله أكبر من كل خوفٍ يسكن داخلك،أكبر من ذلك القلق الذي يسرق طمأنينتك في منتصف الليل،وأكبر من تلك الحيرة التي تجعلك واقفًا بين الطرق لا تدري أيها تسلك.
الله أكبر من أحزانٍ ظننتها لن تمر،ومن وجعٍ أخفيته خلف ابتسامةٍ متعبة،
ومن أيامٍ ظننتها لن تنقضي أبدًا.
الله أكبر من ضعفك حين تظن أنك وحدك،ومن كسرك حين لا يسمعك أحد،ومن كل شيءٍ يثقل صدرك ولا تجد له اسمًا.
تعالت الأصوات أكثر…،لم تكن فقط تُسمَع،بل كانت تُطمئن،تربّت على القلوب،وتهمس في أعماقك:لستَ وحدك، ما دمت تقول: الله أكبر.
بعد الصلاة، امتلأت الشوارع بالأطفال، وأصوات الضحك، والألعاب الصغيرة التي تُعلن بداية يومٍ مختلف. البيوت فُتحت، والزيارات بدأت، والود عاد يسري بين الجميع.
في شارع ورشة عامر البراق، وقف عامر يوزّع العيديات على الأطفال، كما يفعل كل عام… يجبر بخاطر كل طفلٍ ربما لا يجد من يُعطيه.
تفرّق الأطفال تدريجيًا، حتى لم يبقَ أمامه إلا صفٌ من الشباب، فابتسم، وقد فهم المشهد.
كان “مهاب” و”مازن” و”عبدالله” و”سيف”، ومعهم شباب الورشة، يقفون في صفٍ منتظم، كما يفعلون كل عيد.
اقترب منهم “عامر”، وقال وهو يهزّ رأسه بابتسامة:
_ شوف ياأخي مهما تكبروا وتطُّولوا بس عند العيدية وبتقلبوا عيال عندها خمس سنين ، يلا خدوا مش خساره فيكم .
أعطى كل واحدٍ منهم مبلغًا، حتى وصل إلى “مهاب” وتوقف أمامه وقال:
_ وأنتَ عايز؟
ابتسم مهاب بمكر:
_ وأنا كبير يعني
العيدية تكبر يا حاج .
ضحك “عامر”، وأعطاه المال، فأخذه مهاب، ثم أمسك يد والده وقبّلها باحترامٍ صادق.
لكن،هل اكتفى الشباب؟ بالطبع لا.
اتجهوا جميعًا نحو” إبراهيم النجار”، الذي كان يجلس على كرسيه، بجوار رقية والنساء، وبدأوا في أخذ العيدية منه أيضًا.
ضحك “إبراهيم”، ونظر إلى الفتيات، وقال:
_ وانتوا مش عايزين عيديه زي الناصحين دول .
رفعت “هنا “يدها بسرعة، وقالت بحماس:
_ أنا عايزة طبعًا وأقل من ورقة أم ميتين جنية مش هقبل .
ضحك، وأعطاها المال:
_ مايغلاش عليكِ يادكتورة ، خدي ياستي عيديتك اهي .
ثم أعطى” نور”:
_ وعيدية عروستا أهي .
ابتسمت” نور”، وأخذتها، ثم أعطى سما أيضًا.
ثم نظر إلى” رقية” وابتسم وهو يعطيها:
_ وأحلي عيدية لأجمل بنت في حارة البراق.
ابتسمت، وقالت بخفة:
_ تسلم ايدك أجدع راجل في حارة البراق.
تدخلت” سُميّة” بضيقٍ مصطنع:
_ وأنا فين من الليلة يا اخويا؟ ماليش في الطيب نصيب.
ضحك، وأعطاها:
_ ده أنتِ ليكِ النصيب كله ، خدي.
أخذتها وهي تبتسم، بينما اقترب” عامر “من الفتيات، وأعطاهن العيدية أيضًا، وقال مازحًا:
_ حلويات الحارة كُلهم قدام عيوني ؟ طب بالراحة لأحسن السكر يرتفع .
ضحكوا، وقالت” هنا”:
_ بعد الشر عليك يا عم عامر ، وبعدين تتعب وأنتَ معاك المركز الطبي كله .
ضحك وقال:
_ لا ودي تيجي ، ده حتي تبقي عيبه في حقكم .
في الخلف، كان “مازن” يضع يده على كتف” مهاب”، ينظران إلى والدهما.
قال “مازن” ضاحكًا:
_ ابوك واخدهم لحسابه يا كبير .
ردّ “مهاب” بنفس النبرة:
_ لا وكلامه حلو ، وعيونه عسلي .
_ وهيبه وفخامة ، طب مانخليه يكلمهم يمكن يحنوا علينا .
التفت إليه” مهاب” ببطء، وابتسم بخبث:
_ تصدق فكر…يحنوا ؟؟ مين اللي يحنوا ويحنوا لأجل إيه يا ابن البراق ؟
توتر” مازن” للحظة، ثم قال سريعًا:
_ قصدي يعني انهم بيعاملونا بجمود أوي.
اقترب منه “مهاب” قليلًا، وقال بنبرةٍ هادئة لكنها تحمل معنى:
_ وانتَ عايزنهم يعاملونا بحنية ليه؟
زفر مازن بنفاد صبر:
_ مهاب!!
ابتسم مهاب، وربت على كتفه:
_ حبيب اخوك قول قول اللي في نفسك.
غمز له “مازن” وقال:
_ طب ماتقول أنتَ اللي في قلبك؟
اقترب “مهاب”، وهمس بخفوت:
_ هنا المهدي هي اللي سرقت قلب مازن البراق صح؟
ردّ” مازن” فورًا، بابتسامةٍ
_ رقية المهدي هي اللي سرقت قلب مهاب البراق صح؟
تعالت ضحكة “مهاب” فجأة، لدرجة أن من حوله التفتوا إليه باستغراب، لكنه لم يهتم، بل مال نحو “مازن” وهمس بعشقٍ صريح:
_ دي أحلي مرة اتسرقت فيها وأول وأخر مرة ، والغريب أني مبسوط بعملية السرقة اللي تمت علي قلبي .
ابتسم” مازن” وعيناه تلمعان:
_ وأنا اتخطفت من مرة ، ومن وقتها مش لاقي نفسي غير في وجودها .
تبادلا نظرةً صامتة، مليئة بالاعتراف غير المعلن.
ربت “مهاب “على كتف مازن، وقال بهدوء:
_ لو نصيبنا ربنا هيرزقنا بيهم ، المهم أحنا نصون قلبنا لعند لما نتكافئ بيهم يا ابن أبويا.
هزّ “مازن “رأسه موافقًا، بينما بدأت أجواء العيد تعلو أكثر…
خرج “يوسف” من ورشة عامر، ممسكًا بدف، وبدأ يضرب عليه بإيقاعٍ مرح، فاجتمع الشباب حوله، وارتفعت أصوات الغناء والضحك، لتملأ الحارة بحياةٍ لا تنتهي.
………
ليلًا، في يوم العيد، كانت عائلة الهاشمي تصعد إلى منزل “يوسف النجار”. خرجوا من المصعد، فوجدوا “يوسف” في انتظارهم عند الباب، يستند بخفة إلى الحائط، وعلى وجهه ابتسامة ترحيب واسعة.
قال بحماسٍ واضح:
_ يا مرحب بعيلة الهاشمي وحبيبنا دكتور مروان.
تقدّم “مروان” نحوه بسرعة، واحتضنه بحرارة، وهو يقول بابتسامةٍ صادقة:
_ تصدق يالا وحشتني كل سنة وأنتَ طيب
ابتعد “يوسف” قليلًا، ودفعه بضيقٍ مصطنع، وهو يرفع حاجبه:
_ يالا؟ أنا يتقالي يالا .
ضحك “مروان”، فتدخّل الجد “هاشم”، وقال بنبرةٍ مرحة:
_ لا إزاي ، ده أنت حتي باشمنهدس قد الدنيا.
هزّ يوسف كتفيه بمرح وقال:
: _ والله ما اشتغلت بيها ساعة.
تعالت ضحكاتهم جميعًا، ثم حيّا “يوسف “والدة مروان وأخته بحركة رأس بسيطة، قبل أن يفسح لهم الطريق ليدخلوا إلى الشقة.
بعد جلسةٍ دامت بعض الوقت بين العائلتين، امتلأت بالحديث والضحك، جلس “مروان” و”نور” بمفردهم في الشرفة ، وضع “مروان”علبة هدايا على الطاولة بينهما، وقال بنبرةٍ هادئة:
_ كل سنة وأنتِ طيبة يا نور ، يارب تعجبك.
نظرت إليه بابتسامةٍ خفيفة، ثم مدّت يدها وأخذت العلبة. كانت متوسطة الحجم، فتحتها بفضول، لتجد بداخلها أنواعًا مختلفة من الحلوى… وداخلها علبة أخرى أصغر.
توقفت لحظة، ثم أمسكت بها وفتحتها، لتجد سلسلة فضية رقيقة.
اتسعت عيناها بإعجاب، ورفعت السلسلة برفق، وقالت بابتسامةٍ صادقة:
_ الله دي جميلة قوي ، تعرف إني بحب الفضة أكتر من الدهب ، بحسها رقيقة .
ابتسم “مروان”، وعيناه تستقران عليها بهدوء، وهمس في داخله:
“تشبهك”
ثم قال بصوتٍ طبيعي:
_ عارف أنك بتحببيها .
نظرت إليه باستغراب:
_ عرفت منين ؟
مرّر يده في شعره بحرجٍ خفيف، وقال:
_ بصراحة سألت هدي عن الحاجات اللي بتحبيها وهي قالتلي ، ماكنتش عايز أجيب حاجة ماتعجبكيش وتاخديها بس لمجرد إني جايبها.
ارتسمت الفرحة على وجهها بوضوح، وقالت بامتنان:
_ شكرًا يامروان ، علي الهدية علي اهتمامك.
ابتسم بخفة، وقال:
_ سيد عيب إحنا أهل.
ضحكت، وهزّت رأسها:
_ ماشي يا سيدي مقبوله منك ، بس ماجبتش واحدة زيها لهدي ليه ، بتحب الفضة هي كمان وكان نفسها في واحدة زي دي ..
نظر إليها بإعجابٍ خفي، اهتمامها بغيرها لم يمر عليه مرور الكرام.
قال بحنان:
_ أنا جبتلها سلسلة شكل تاني كانت منزله صورتها علي الأكونت بتاعها ، شوية وهتلاقيها بتوريهالك .
أومأت برأسها، ثم نظر إليها وقال:
_ المهم أنا كنت قولت لعم إبراهيم ويوسف أنكم تيجيوا في يوم عشان تشوفي الشقة وترتبي هتعملي فيها إيه.
قالت وهي تُفكر:
_ أيوة قالولي بس الفترة اللي فاتت كان الوقت ضيق ، بإذن الله ممكن نتفق ونيجي الاسبوع ده ، بس هدي كانت قالتلي أن الشقة جاهزة ، أنا هعمل فيها إيه؟؟
نظر إليها بجديةٍ واضحة، وقال:
_ افرضي الدهان مش عجبك ؟ أو أي حاجة تانية أنتِ ماحبتهاش ؟ بصي يانور دي هتبقي شقتك ، ولازم كل جُزء فيها يبقي علي مزاجك ومرتاحه له ، فأنتِ ماتشغليش بالك بأن الشقة جاهزة ولا مش جاهزة ، أنتِ هتشوفي إيه اللي عايزاه واللي محتاجه تعمليه فيها وتبلغيني وأنا هعمله.
ابتسمت له بمحبة:
_ يعني بس خسارة اللي اتعمل ..
قاطعها فورًا، بنبرةٍ حاسمة لكن دافئة:
_ هو ايه اللي خسارة؟ يعني انا هقعدك في مكان باقي عمرك كله وتبقي مش حابه تفاصيله عشان خسارة؟ ياستي أنا بحب الخسارة .
ضحكت، فأكمل بهدوء:
_ مش عايزك تفكري في كل الحاجات دي ، كل المطلوب منك تقولي عايزة إيه وناوية تظبطتي فيها ايه وأنا هعمله ، ماشي يادكتورة؟
ابتسمت وقالت:
_ ماشي يا دكتور .
وانقضى يوم العيد بكل ما فيه من فرحٍ وبهجة، تاركًا خلفه ذكرياتٍ دافئة.
…………………………
في اليوم التالي…
خرجت” رقية” من بيتها في الصباح، متجهة إلى المطعم لترتيب بعض الأمور قبل فتحه في الغد.
كانت الشمس لا تزال خفيفة، والهدوء يخيّم على الحارة.
ما إن خرجت من بوابة المنزل، حتى وقعت عيناها على “مهاب”… يجلس على أحد كرسيين أمام ورشة والده، رغم أن الورشة في إجازة، والساعة لم تتجاوز الثامنة صباحًا.
توقفت للحظة، مستغربة، لكنها تجاهلته، واتجهت إلى بقالة الحاج “عمران” دخلت لدقائق، ثم خرجت متجهة نحو المطعم.
وقبل أن تمر أمامه، جاء صوته ثابتًا:
_ محتاجين نتكلم وهنتكلم دلوقتي .
التفتت إليه بصدمة:
_ دلوقتي؟
وقف بهدوء، وقال ببساطة:
_ آه ، أنتِ وعدتيني يوم مشكلة سما إننا هنتكلم بعد رمضان ، وكان المفروض نتكلم امبارح ، بس سيبتك ، يبقي النهاردة مالكيش حجة يا بنت المهدي ، اقعدي .
فتحت فمها لتعترض، لكنه أكمل بجدية:
_ بُصي ماهو نتكلم لأما نتكلم ، وبعدين أنا واخد الأذن من عم إبراهيم واخوكِ بيبص علينا من الشباك اصلًا وقاعدين في وسط الحارة وهنتكلم يارقية يعني هنتكلم.
رفعت عينيها نحو شباك البيت، فوجدت “سيف” يقف ممسكًا كوب شاي، يلوّح لها بابتسامة.
تنهدت باستسلام، ثم اتجهت وجلست على الكرسي، وقالت:
_ قعدت ،يا هندسة .
جلس أمامها مبتسمًا:
_ اسمي مهاب ، اتدربي عليه .
ابتسمت بخفة:
_ أنتَ عايز إيه؟
نظر إليها مباشرة، دون مقدمات:
_ اتجوزك .
توقفت لثانية، ثم قالت:
_ مش أنا رفضت قبل كده؟ بتتعب نفسك ليه؟
ابتسم بنفس الهدوء:
_ تقولي إيه بقي غاوي تعب ومايعرفش يسيب حاجة قلبه متعلق بيها .
ارتسمت غصّة خفيفة على ملامحها:
_ حتي لو كانت هتوجعك وتسبببلك مشاكل ؟
مال للأمام قليلًا، وقال بسرعة ولهفة:
_ مين اللي قال؟ مين قالك أنك هتوجعيني ولا هتسببي ليا مشاكل ؟ طب ياستي حتي لو ده حصل ، والله راضي .
تنهدت، وقالت بهدوء:
_ إحنا طريقنا مش واحد يا باشمهندس ، مش هننفع لبعض؟
رفع حاجبيه وقال:
_ اقنعيني ؟ اه اقنعيني أصل أنا تعبت من الرفض بدون اسباب واضحة يا رقية ، قولي رافضاك عشان واحد اتنين وانا والله هصلحهم ، ماتقوليش لأ من غير سبب عشان ماتجننش .
أشارت له بهدوء:
_ صوتك بدأ يعلي !
نظر لها للحظة، ثم أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا، وعاد يتحدث بهدوء:
_ طب ماشي أحنا مش هننفع لبعض ليه؟
قالت ببساطة:
_ مش هتجوز قبل ما اجوز اخواتي.
ابتسم بسخرية خفيفة:
_ قديمة وبايخة ورقية المهدي بعقلها ماتقولش كذبة زي دي ، قولي غيرها .
نظرت له بضيق:
_ في فرق اجتماعي وثقافي بينا و….
قاطعها وهو يلوّح بيده:
_ هش هش ماتكمليش الهبد اللي بيطلع منك ده ،غيره غيره .
اشتعلت بنفاد صبر:
_ لا إله إلا الله ، مش هبد دي أسباب حقيقية .
قال بثبات:
_ ولا تفرق معايا .
ردّت بسرعة:
_ بس تفرق معايا أنا .
قال بلا مبالاة:
_ مايهمنيش رأيك طالما بالشكل ده .
رفعت حاجبها، وقالت ببرود:
_ طيب يا ابن البراق أنتَ مش ذوقي .
انفجر ضاحكًا:
_ طب مقبوله منك ، واوعدك هبقي ذوقك ، ده لو ماكنتش كده .
أدارت وجهها بعيدًا، وصمتت. تنهد هو، ثم قال بهدوءٍ أعمق:
_ بتلفي وتدوري ليه يا رقية ؟ أنتِ مش هتقعدي القعدة دي ولا توعديني إننا نتكلم إلا لو حاسمة قرارك ، ولو كان بالرفض ماكنتيش قعدي دلوقتي ، كنتِ صدرتي عم ابراهيم أو يوسف ، يبقي بلاش تلفي وتدوري عشان رقية اللي عارفها بتيجي دوغري.
نظرت إليه وسألته:
_ وأنتَ عارف رقية منين؟
ابتسم ببساطة:
_ من زمان قوي ، ومن خلال معرفتي ، فأنتِ موافقة ، بتجادلي معايا ليه دلوقتي بقي؟
مرّرت يدها على وجهها بإرهاق:
_ أنتَ عايز إيه مني يا مهاب ؟
ضحك بخفة، وقلبه يخفق بقوة لمجرد سماع اسمه منها لأول مرة:
_ بكرر كلمتي للمرة المليون ، اتجوزك؟
صمتت لحظة… ثم قالت:
_ موافقة!
توقّف الزمن بالنسبة له.
دقات قلبه أصبحت مسموعة له بوضوح، أنفاسه تسارعت… لم يعرف أهو مصدوم أم سعيد؟ أكثر من ست سنوات وهو يُرفض،واليوم، وافقت.
رفع يده إلى فمه، وضحك بخفوتٍ غير مصدّق، وهمس لنفسه:
يا لك من أحمق، كل هذا لأنك سمعت كلمة “موافقة”… ماذا ستفعل إن قالت “بحبك”؟
ثم نظر إليها، وقال بابتسامةٍ واسعة:
_ والآن يتوج مسعانا بالقبول .
ابتسمت وقالت:
_ ماببتقلش كده ، بس ماشي ، وآه عندي شرط.
نظر إليها باهتمام:
_ ده أنتِ تؤمري ، قولي قولي مالازم تقفلي القعدة بحاجة تليق بيكِ .
ضحكت:
_ مدة الخطوبة أنا اللي أحددها.
اتسعت عيناه بصدمة:
_ خطوبة أيه ، مين قالك في خطوبة أصلًا؟ده أنا حالف بدقني أنها ماتبقاش علي راجل لو ماتجوزتك قبل ما السنة تخلص .
قالت بهدوء:
_ أولًا نتفق إن مافيش حلفان غير بالله ، ثانيًا ماتخلقش عليَّ تاني ؟ ، ثالثًا دقنك مش هي اللي هتحدد رجولتك ،ماشي ؟
تنهد وقال:
_ ماشي ،بس ممكن أعرف السبب .
وقفت وهي تبتسم بخفة:
_ لا أنتَ كفاية عليك اسباب النهاردة ، مش كفاية عطلتني ، يلا سلام يا هندسة.
تركتْه وغادرت، بينما ظل ينظر خلفها، ثم انفجر ضاحكًا:
_ والله أنا كفاية سمعت موافقة دي .
ظلّ مهاب مكانه، لم يتحرّك.
كأن الكرسي الذي يجلس عليه أصبح فجأة أثقل من أن يُغادره، أو كأن الأرض تحته قررت أن تثبّته… ليُدرك.
“موافقة.”
الكلمة لم تمرّ عليه مرورًا عاديًا، بل سقطت في صدره كشيءٍ حيّ، يتمدّد، يملأ فراغًا ظلّ مفتوحًا لسنوات.رفع يده ببطء، مرّرها على وجهه، ثم على شعره، وكأنه يتأكد أنه ما زال في وعيه، أن ما حدث لم يكن وهمًا صنعه تعبه الطويل.
للمرة الأولى منذ زمن،لم يكن هناك صراع داخله،لا خوف من الرفض القادم،لا استعداد لجولة جديدة من الإقناع،لا قلق من أن يسمع لا مرة أخرى.
سكون.
سكون غريب لم يعتده،لكن هذا السكون لم يكن فراغًا،بل كان امتلاءً.
امتلاءً بها.
انحنى بجسده قليلًا للأمام، وأسند مرفقيه على ركبتيه، ثم شبك يديه معًا، وكأنه يحاول احتواء ذلك الشعور الذي بدأ يفيض.
اكثر من ست سنوات،
ست سنوات وهو يقف عند نفس الباب،يطرق، يُرفض، ويعود… ثم يرجع مرة أخرى كأن قلبه لم يتعلم.لم يكن غبيًا،كان فقط صادقًا أكثر مما يحتمل العالم.
رفع عينيه نحو الطريق الذي سلكته، همس لنفسه، بالكاد سُمِع:
_خلاص ما بقيتش بعيد.
