رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الثالث
يقف أمام عيادة الطبيب منذر .. والذي هاتفه منذ وقت ليس بطويل يخبره بضرورة التوجه إليه في الحال .
أخذ شهيقًا عميقًا قبل أن يدلف بثبات لتقابله الممرضة التي تعمل مع الطبيب بابتسامة هادئة وهي تُبلِغه بهدوء :
- اتفضل يا أستاذ ريان .. دكتور منذر منتظر حضرتك .
أماء ريان دون أن يضيف أي كلمة، وتحرك للداخل بعد عدة طرقات خفيفة على الباب .
الطبيب بهدوء :
- تعالى يا ريان يا بني .. اتفضل .
جلس ريان بصمت ينتظر حديث الطبيب الذي خلع نظارته الطبية وعقد أنامله معًا فوق مكتبه .. وأخذ شهيقًا طويلًا أخرجه مع كلماته :
- شوف يا ريان يا بني .. أنا محتاج صورة دم كامل وشوية فحوصات مهمة .. مش هتاخد منك وقت طويل متقلقش .
ريان بهدوء واستسلام تام :
- تمام .
الطبيب بروتينية :
- يبقى تمام يا بني .. إن شاء الله بكرة الصبح تجيلي المستشفى وأنا هقوملك باللازم .
أماء ريان بهدوء قبل أن يتحرك مصافحًا الطبيب وهو يتمتم بإيجاز :
- شكرًا لحضرتك .
صافحه الطبيب بالمثل قبل أن يتحرك ريان من أمامه ليتنهد الطبيب بقلق متفوهًا مع نفسه :
- يارب يطلع اللي ظنيته غلط يا بني .
بينما قرر ريان أن يعود لمنزله سيرًا .. فهو لا يبعد عن العيادة سوى بنصف ساعة سيرًا على الأقدام .
أخذ يفكر في حياته وأمور دنياه .. إنه لا يمتلك من الدنيا سوى أخيه الصغير " أنس " والذي لم يبلغ من العمر سوى عشر سنوات فقط .. ووالديه " مراد وديالا " .. و اللذان تعبا كثيرًا كي يعرفا مشكلته مع الوحدة والتفرد بذاته ..
هم لا يعلمون أنه يفضل هذه الوحدة على أن يُكوِّن علاقات زائفة مع شخصيات زائفة ..
لا يريد أن يقول عن ذاك " صديق " وتأتيه الطعنة منه .. ولا يريد أن يتخذ من آخر " أخًا " فتأتي الخيانة عنه .. لا يود أن يُكوِّن علاقات مع أشخاص يضحكون معه في وجوده ويتحدثون عنه في غيابه .. لا يريد أن يتعلق بأحدهم .. ويكون الفراق هو النهاية الحتمية في علاقتهما .. ففي كل تلك الأحوال .. سيعود وحيدًا ..
يذكر ذات مرة وهو في عمر صغير .. أنه قد رأى أحد الأفلام التي تُعرض على شاشة التلفاز .. كان صغيرًا لا يدري أن ما يُعرض ما هو إلا تمثيل ..
يذكر أن صديقًا قتل صديقه من أجل أن يحظى بحبيبته .. ومن ثم عاد ليقتل حبيبته من بعده بسبب رفضها له .. كما يذكر العديد من المشاهد في الأفلام والمسلسلات التي تُعرض على الشاشة مُظهرة أسوء ما في العلاقات ..
وبحكم عمره الصغير .. فهو لم يستوعب أهداف هذه العروض .. فقط خشي من العالم والعلاقات لئلا يحدث معه مثلهم ..
قرر خوض الحياة وحيدًا دون صديق أو مُعين .. حتى بعدما كبُر واستطاع التفرقة بين هذا وذاك .. إلا أن هناك عائقًا في نفسه يمنعه من الإقتراب من أحد أو السماح لأحدهم بالإقتراب منه .. التمثيل خلف الشاشات ما هو إلا تجسيد للواقع .. وهذا يعني أنه واقع .
لم يكن له من بين كل هؤلاء سوى سندس .. سندس ؟!!.. طفولته وصبيته وشبابه معها .. لا يدري لما يحبها إلى هذا الحد الجنوني .. لكنه يحبها كثيرًا .. وتبقى هي الإستثناء الأوحد من بين الجميع .. ورهانه الأعظم على الثبات ..
لقد نجحت منذ أن كانا طفلين في أن تجعل من نفسها محور اهتمامه وشغفه .. استطاعت ببراءة الطفولة أن تحتوي وحدته .. أن تُنير عتمته .. أن تزرع بداخله معتقد الحب والإرتباط الأبدي .. يتمنى من كل قلبه ألا يأتي هذا اليوم الذي يجعله يندم على هذا الإستثناء الذي خصصه لها .
وصل إلى منزله ودلف بخفة ليقابله أنس الذي قفز إليه بسعادة متمتمًا :
- رينو جه ، رينو جه .. ريان خدني عند بيت عمو ناجي .. عايز ألعب مع زياد .
ريان وكأنه قد تذكر شيئًا ما .. فضرب جبينه بيده ومن ثم نطق بهدوء :
- ماشي .. إلبس وأنا هغير هدومي وأجي أوديك .. ماما وبابا فين ؟
أنس :
- بابا لسه مجاش من الجامعة وماما في المطبخ .
أماء ريان وكان على وشك الدلوف حينما قابلته ديالا التي استقبله بابتسامة حنونة :
- حمد الله ع السلامة حبيبي .. جعان أجهز أكل ولا تستنى بابا ؟
ريان بهدوء :
- لا هستنى بابا .. اممم .. هو أنا هودي أنس عند عمي ناجي شوية وأجي .
ديالا وهي تسحبه معها بهدوء كي يجلسان إلى المقعد :
- بمناسبة عمو ناجي بقا .. قولي يا رينو .. إيه رأيك حبيبي في سندس ؟
ريان وقد ضرب قلبه طبولًا وتوترت ملامحه :
- سـ سندس ؟.. مالها سندس ؟
ديالا :
- يعني كنا بنتكلم أنا وبابا وبعدين بنفكر نخطبلك يعني .. فحبيت أعرف رأيك في سندس بنت ناجي .. متربية وسطنا .. ونعرفها كويس .. وهي ما شاء الله عليها جميلة وكويسة .
سحب ريان يده وتحرك إلى غرفته بعدما ألقى كلماته :
- مش وقت كلام في الحوارات دي يا ماما .. أنا لسه طالب جامعي .
لعنت ديالا تسرعها في الحديث معه .. لقد أخبرها زوجها ألا تتحدث معه عن أي شئ حتى يرى طريقة مناسبة .. لكنها لم تستطع صبرًا .. والآن ماذا ستفعل !.. هي تعلم أن علاقته بسندس قوية .. ظنت أنها حينما تتحدث عن هذا الأمر فسيكون رد فعله الموافقة مباشرة .. لم تنتظر رد فعله هذا أبدًا .
( 🌸 سبحان الله العظيم وبحمده 🌸 )
( 🌸 من قالها .. غُرست له نخلة في الجنة 🌸 )
تجلس إلى فراشها وتفكر فيما حدث اليوم .. وسبب ذهاب ريان هكذا .. وما تلك النظرة التي رأتها بأعين وسيم !
أخرجها من شرودها صوت أختها التي تصغرها بثلاثة أعوام وهي تركض لها متحدثة بحماس :
- بت يا سندس .. ريان تحت مع أبوكي .
قفزت عن الفراش وهي تُطالبها بعدم تصديق :
- إحلفي !
فردوس بتأكيد :
- والله والله والله كمان مره تحت .
ركضت سندس إلى خزانتها وهي تسأل :
- حد طلع ضيافه ولا لسه ؟
فردوس :
- بابا قالي أعمل شاي .. وأنا حطيته ع النار وجيت أقولك .. خلصي وتعالي وديه بقا .
أماءت سندس وهي تُعدِّل من حجابها وتحركت سريعًا إلى المطبخ .. ومن ثم خرجت إليهما وهي تحمل صينية الشاي بيدها .
ناجي بابتسامة :
- شكرًا يا دوسه .
سندس بغيظ :
- يابابا بطل تقولي دوسه دي .. فردوس هي اللي دلعها دوسه .
ناجي :
- لا انتي دوسه وهي فِرفِر .
ضحك ريان رغمًا عنه لتبتسم سندس عليه تزامنًا مع إعلان هاتف ناجي عن مكالمة .. فاستأذنهما لدقيقة كي يجيب على هاتفه .
ريان بهدوء :
- ازيك ؟
سندس :
- كويسه .
ريان :
- وجامعتك .
سندس :
- كويسة .
ريان مستشعرًا نبرة الضيق بصوتها فوضح بهدوء على غير عادته :
- انتظرت كتير النهارده عشان أتطمن عليكي لإني مكنش عندي غير محاضرة واحدة بس .. ومشيت عشان .. اا .. عشان بابا كلمني .
سندس وهي ترفع كتفيها :
- محصلش حاجة .. أنا بس قلقت ليكون حصل حاجة .
ريان بهدوء :
- كل خير الحمد لله .
عاد ناجي لتتحمحم سندس متمتمة بهدوء :
- هطلع أذاكر أنا .. عايزين حاجة ؟
ناجي بجانب عينه :
- لا سلامتك .. بس ذاكري يعني .
سندس بابتسامة مصطنعة :
- هحاول .
لم تترك لوالدها فرصة الحديث بل ركضت إلى الأعلى سريعًا ليضرب ناجي يديه معًا بيأس وهو يقول بقلة حيلة :
- ربنا يهديكي يا دي البنت .. المهم يا ريان .. كنا بنقول أي ؟
ريان بهدوء :
- إن الكوتشينج بيحتاج كورسات تقوية .
ناجي بتذكر :
- أيوه آه .. عشان تشتغل في مجال الكوتشينج لازم يبقى عندك مهارة التواصل والإتصال مع الآخرين .. وده بيبقى عن طريق فهمك وإدراكك بالحاجات اللي بيبقى الشخص اللي قدامك عايز يقولها ومش عارف .. أو عايز يقولها وخايف .. أو عن طريق تحليلك المبسط للأمور بشكل واقعي وسليم .
أماء ريان بتفهم وهو يتمتم بهدوء :
- وانا معنديش مهارة التواصل مع الآخرين .. فخلاص انسى الموضوع .
ناجي بحنان وود :
- مين قالك كده .. بص يا ريان .. كل واحد مننا ربنا خلقه عنده مميزات وعنده عيوب .. ولازم نستخدم ميزاتنا دي في اللي يفيد .. ونحاول نحجم العيوب .. وعشان تقدر تتعامل مع ميزاتك .. لازم الأول تدور عليها وتعرفها .. ساعتها هتقدر تعمل لنفسك هدف وتشتغل عليه .
ريان بابتسامة حزينة :
- متشكر أوي يا عمي ناجي .. هستأذن أنا بقا عشان بابا زمانه رجع من شغله .
ناجي :
- ما انت قاعد يا بني نتغدى مع بعض .
ريان :
- لا معلش مره تانيه .. وبعتذر إني دوشتك .. بس كنت حابب أتعرف على المجال شوية .
ناجي :
- متقولش كده تاني .. وفي أي وقت تحتاجني أنا موجود .. ولو خدت خطوة وقررت تبقى كوتش .. فصدقني ده هيفيدك في طريقك للتواصل مع الناس .
ريان بهدوء وهو يصافحه :
- إن شاء الله .. يلا السلام عليكم .
ناجي :
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .. إبقى سلملي على أبوك كتير لحد ما أشوفه .
ريان :
- يوصل بأمر الله .
غادر ريان وقرر للمرة الثانية أن يعود للمنزل سيرًا على الأقدام بعدما مر على أخيه أنس الذي يلعب مع زياد الأخ الأصغر لسندس واللذان يركضان في الحديقة معًا وقد أخبره أنه سيبيت هذا اليوم مع زياد وأنه قد أخبر والدته بذلك ..
بقي يفكر قليلًا في طريقة يستطيع أن يمارس عملًا ما دون أن يضطر للتعامل مع الناس إلا في أضيق الحدود .. لكنه لا يجد .. كل شئ بهذه الحياة يعتمد على التواصل .. وهو أكثر الناس فشلًا في هذا التواصل .. أو فليكون صريحًا أكثر .. هو ليس بفاشل .. بل جبان .
تنهد بقوة وهو يرفع رأسه للأعلى محاولًا تهدئة أفكاره .. ليتذكر ما قالته له والدته بعد عودته من الجامعة في أمر خطبته لسندس .
سيكون هذا يوم سعده .. لكن كيف له أن يفعل دون أن يعتمد على ذاته .. إنه على وشك أن يتم الأربعة وعشرين عامًا دون أن يكون له عمل يدر عليه دخلًا .. هل سيحيى على نفقة والده أم ماذا ؟.. وحتى ينتظر التخرج من كلية العلاج الطبيعي ثم بناء نفسه ومستقبله .. فهذا سيكلفه أعوام كثيرة .. كما أن هناك عقبة أخرى .. ألا وأن سندس أيضًا في عمر يسمح للخطاب بالتوافد عليها .. ماذا لو أتى من هو مناسب لها !!
حينما وصل بتفكيره إلى هذه النقطة .. قام بنفض رأسه على الفور وهو يتحدث إلى نفسه بضيق :
- لا لا مش هينفع أبدًا .. لا .. أنا لازم أتصرف في أسرع وقت .
( 🌸 صلوا على رسول الله 🌸 )
( 🌸 من صلى عليه صلاة واحدة .. صلى الله عليه عشر صلوات، وحُطَّت عنه عشر خطيئات، ورُفعَت له عشر درجات 🌸)
كعادتها استيقظت باكرًا مؤدية فرضها وقارئة لِوِردها الذي اعتادت عليه منذ الصغر بفضل والدتها .. خرجت إلى المطبخ وقبلت والدها الذي تمتم بابتسامة هادئة :
- ده إيه الجمال ده كله .. يابت بطلي تحلوي أنا شوية وهخبيكي عن عيون الناس .
ضحكت وجد برقة وهي تقترب من والدتها التي تنظر تجاهه بغيظ ليتحمحم متابعًا :
- طالعة لأمك في كل حاجه ... من كتر حبي لأمك ربنا رزقني بنسخة منها .. ربنا يباركلي فيكوا يارب .
ابتسمت مريم برضا وبدأوا جميعًا في تناول وجبة الإفطار لتتحرك وجد متمتمة :
- أنا الحمد لله كده .. هطير بقا على جامعتي لحسن أتأخر .
مريم :
- ربنا يوفقك يا حبيبتي .. خلي بالك من نفسك .
ألقت وجد قبلة لهما في الهواء ومن ثم خرجت وهي تنادي بشير الذي يقطن في الطابق الثاني ..
نظر لها من الأعلى وهو يرتشف كوب الشاي إغاظة لها لتضرب الأرض بقدمها في غيظ وهي تتمتم :
- بطل بواخة يا بايخ وانزل وصلني يلا .. أنا متأخرة ومش هلحق أروح مواصلات .. عندي محاضرة تسعة .
بشير وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته :
- التوصيلة بعشة جنيه .
استدارت وجد حولها تبحث عن شئ ما تلقيه به لكنها لم تجد لتكز أسنانها بغيظ ومن ثم تمتمت بابتسامة ماكرة :
- خليك على راحتك .. أنا أروح أقول لجدك وهو يتصرف .
بشير بسرعة وهو يلقى لها مفاتيح السيارة :
- المفاتيح أهي .. افتحي العربيه عما أنزل عشان منتأخرش .
ضحكت عليه وهي تلتقط المفاتيح ومن ثم ذهبت إلى السيارة وقامت بفتحها وجلست تنتظره حتى أتى حاملًا حافظة القهوة التي تمتلئ بمشروب الشوكولا الساخن .
ابتسمت في سعادة حينما قدمه لها .. لتقترب وتختطف قبلة من وجنته وهي تحتضن الحافظة بسعادة ليضحك على طفولتها .. فهي تعشق الشوكولا حد الجنون .. ولا مانع لديها إن كانت وجباتها ومشروباتها جميعها شوكولا .. وهو يجد سعادته في سعادتها هي .
(🌸 لا حول ولا قوة إلا بالله 🌸)
(🌸 إنها كنز من كنوز الجنة 🌸)
قُضي يوم ملئ بالمتاعب منذ بكوره وحتى أذان العصر لينتهي بها الحال في غرفة جدتها تمشط خصلاتها بعدما أخذت حمامًا باردًا تُزيل عنها غبار توضيب الشقة بأكملها ..
شهد بابتسامة :
- بحب أبصلك أوي يا بت يا بدور .. بشوف فيكي مالك ابني في ملامحه .. وملك أمك في شقاوتها .. ربنا يحميكي يا بنتي يارب .
بدور بابتسامة :
- متحرمش من جمال وطيبة قلبك يا روح قلبي يا رب .. تحبي أعملك حاجة قبل ما أطلع فوق ؟
شهد :
- لا يا حبيبتي كتر خيرك لحد كده .. اطلعي بقا أقعدي مع أصالة شوية فوق وأنا هريحلي شوية كده ولما تنزلي صحيني .
أماءت بدور وهي تُنهي إرتداء خِمارها وتثبته جيدًا قبل أن تطبع قبلة رقيقة فوق جبين جدتها ومن ثم ركضت إلى الأعلى لتستقبلها أصالة بترحاب ..
دلفتا إلى غرفة سبأ زوجة خالها ومن ثم خرجا لغرفة الجلوس كي يحتسون الشاي معًا في جو مبهج .
أصالة بتساؤل :
- إيه أخبار دنيتك ؟.. قررتي هتشتغلي ولا لسه ؟
بدور :
- والله يا أصالة يا ختي بيني وبينك كده أنا نفسي طالعة من أي شغل .. أنا حتى مبدورش .
سبأ متدخلة :
- طب ليه يا بنتي .. ده حتى إنتِ اللي مختارة مجال الإعلام وطول عمرك بتتمني تكوني صحفية .. إيه اللي جرى ؟
بدور بتنهيدة :
- بيني وبينك يا مرات خالي .. خايفة .
سبأ بتعجب :
- خايفة من إيه يا حبيبتي بس ؟
بدور متابعة :
- أنا بحب حياتنا أوي يا مرات خالي .. علاقة بابا وماما ببعض .. علاقتهم بينا .. عايزة لما أتجوز أعيش نفس العلاقات دي .
أصالة بعدم فهم :
- وده دخله إيه بإنك خايفة تشتغلي ؟
بدور بتنهيدة :
- مش عايزة حاجة تاخدني من بيتي يا أصالة .. بصي هو الموضوع متعقد بس أنا ليا واحدة صحبتي متجوزة وبتشتغل ومعاها عيل دلوقتي وربنا ما يوريكي كم المشاكل اللي هي فيها .. عملت عندي زي عقدة .. حابة أشتغل ونفسي أوي كمان بس .. بس خايفة .
لم تكن تدري بدور أنها افتتحت على تلك الجالسة معهما وتستمع لكلماتها بابًا من الذكريات الأليمة ..
تذكر ذاك اليوم الذي ذهبت به إلى منزل ملك تشكو مالك زوجها لسفيان زوج ملك بسبب عدم موافقته على إحضار مربية لأبنائهما كي تمارس عملها بشكل طبيعي ..
تذكر أنه في ذاك اليوم غضب مالك بشدة ورفض عودتها للمنزل .. حينها قام سفيان بمهاتفة والد مالك وأخبره بالأمر .. واقترحا أن يرسلا عمار للمبيت مع والده تلك الليلة كي يرى كم المعاناة التي تعانيها الأمهات مع أطفالهن والرجال نيام ..
كما تذكر ندمها لاحقًا على تسرعها في هذا الأمر .. لأنه وافق بكل هدوء بعد أن تشاورا ..
لقد تعلمت حينها درسًا لن تنساه ما حيت .. وهو ألا تتسرع في اتخاذ قرار أو الحكم على أحدهم وهو غاضب .. عليها أن تتمهل دومًا في قراراتها وحكمها .
قاطع شرودها صوت أصالة :
- إيه رأيك انتي يا ماما في كلام بدور ؟
تنهدت سبأ بابتسامة وهي تمسد وجنة بدور بظهر يدها متمتمة :
- عارفة يا بدور يا بنتي .. أنا دلوقتي بتمنى لو الزمن يرجع بيا عشان أفكر بعقلك ده ..
في يوم كنت اتخانقت أنا وخالك مالك بسبب موضوع الشغل والخلاف على إني عايزة أجيب مربية لعمار وأصالة في فترة شغلي .. بس تعرفي وقتها خالك عمل إيه ؟
بدور بتساؤل :
- عمل إيه ؟
سبأ بتنهيدة :
- اتنازل .. قالي مفيش مربية تدخل بيتي ولا تربي أولادي وأنا هقعد معاهم فترة شغلك .
بدور بدهشة :
- بجد !!!... وعمل كده ؟
سبأ بتأكيد :
- عمل كده .
تنهيدة قوية خرجت عنها قبل أن تتابع :
- وقتها كنت متضايقة أوي من نفسي .. عشان هو الراجل اتنازل عن وقته عشان عياله وخوفه عليهم .. وأنا الست اتمسكت بشغلي .. بس في نفس الوقت حسيت إني مغلطتش وإن ده حقي عليه عشان الحياة مشاركه .. ولما لقيت نفسي تايهه ومش عارفة أعمل إيه .. خدت بعضي وطلعت على بيت جدك جود .. وقعدت مع مريم جدتك .. عارفة قالتلي إيه ؟
بدور وهي تومئ بحماس :
إيه ؟؟؟
تنهدت سبأ وهي تعود بذاكرتها كي تتذكر تفاصيل ما حدث ذلك اليوم ..
بعد الترحاب الحار من مريم وأريج بقدوم سبأ .. أخذت أريج كل من أصالة وعمار وخرجت للحديقة كي تلعب معهما بصحبة ابنها بشير وكذلك ابنة عمتها وجد .. تاركة مساحة لمريم وسبأ كي تتحدثان .
مريم بتنهيدة بعد أن استمعت لكل ما حدث من سبأ :
- قبل أي حاجة يا سبأ يا بنتي لازم تكوني واثقة فيا وإنك زي بنتي وعمري ما هرضالك غير الخير زيها .
سبأ بتأكيد :
- وأنا لو مش واثقة في ده مكنتش جيتلك يا عمتي .
مريم بابتسامة :
- أول حاجة يا سبأ يا بنتي .. لازم تبقي عارفة إن مالك بيحبك .. وبيحبك أوي كمان .. وإن مش أي راجل ممكن يقدَّر حلم مراته ويسعى عشان يخليها تطور منه .. ولا أي راجل هيتنازل عن وقت من وقته عشان يقعد في بيته مع ولاده اللي أكبرهم لسه خمس سنين وده عشان مراته تكون بتمارس الشغل اللي بتحبه .. ده إن دل فيدل على حبه ليكي .. وإنه يتنازل عشانك دي حاجة مينفعش أبدًا تتنسي .. ولازم تقدريها كويس أوي .
سبأ بتوتر :
- أكدب عليكي يا عمتي لو قولتلك إني متفاجئتش بالتنازل ده .. أنا أصلا متوقعتش أبدًا إنه يتكلم معايا بالهدوء ده خصوصًا بعد اللي عمله سفيان إمبارح لما بعتله عمار يبات معاه ليلة .
ضحكت مريم لذلك ومن ثم تنهدت بهدوء وهي تتابع :
- تعرفي يا سبأ .. أنا أخدت بكالوريوس تجارة بتقدير إمتياز في قسم المحاسبة .. وكنت أقدر أشتغل في الوقت اللي أنا معيش فيه غير وليد إبني اللي تقريبًا كان طول الوقت مع جود في الشركة أو مع مروان في النادي .. يعني طول الوقت في البيت وفاضية غالبية الوقت .. لكن عمري ما فكرت إني أشتغل .. وده مش عشان أنا متخلية عن حلمي أو عشان جود هيرفض أو عشان مفيش وقت أو عشان كسولة أو عشان وليد .. لا لا .. ده عشان أنا بصيت للجزء الأهم في الحياه .. الأحلام مهمة .. لكن راحة الزوج النفسية والبدنية مش أي ست تقدر تحققه .. الشغل بينمي العلاقة الاجتماعية .. لكن علاقة الست المستقرة بجوزها مش أي ست تقدر تحققها .. إثبات النفس والكيان في الحياة والمجتمع مهم .. لكن إثبات قدرتي على إدارة بيتي وإحتواء جوزي وأولادي مش أي ست تقدر تحققه .. ده مش معناه أبدًا إن الست اللي بتشتغل أو بتهتم لميول معين في حياتها إنها فاشلة في بيتها .. بالعكس .. إحنا ربنا خلقنا بقدرات متفاوتة .. واحدة تقدر تتحمل يوم شغل مكون من ست ساعات وواحدة تانية متقدرش تتحمل حتى ساعتين .. واحدة تقدر تتحمل خمس أطفال أعمارهم متقاربة في البيت وواحدة تانية متقدرش وتلاقيها قاعدة تعيط وتندب وتقول كان مالي ومال الجواز ..
إحنا قدرات يا سبأ .. وانتي عشان تعيشي بما يرضي الله ويرضي زوجك ويرضيكي .. لازم تعرفي قدراتك إيه .. هل هتقدري على مسئولية شغلك كمعيدة في الجامعة بالإضافة لاهتمامك ببيتك وجوزك وأولادك ؟.. هل هتقدري على مسئولية إنك متنسيش مناسبة جمعتك بزوجك لمجرد إنك مشغولة في تحضير محاضراتك ؟.. هل هتقدري تحافظي على ولادك وتربيتهم ومتحسسيهمش بالاحتياج لحضن يضمهم ولودن تسمعهم وتسمع شكواهم بدون ما تقولي أنا جاية من الشغل تعبانة ومش قادرة ؟.. هل هتقدري تكوني مجهزة نفسك لجوزك بليل عشان أول ما ييجي تحملي عنه هموم الحياة والمسئولية وتشاركيه أتعابه ؟..
إجابتك لو بالإيجاب يبقى اتفاهمي مع جوزك يا سبأ وكملي حلمك .. لكن لو إجابتك لا يبقى تختاري الأهم في حياتك .. ولو إجابتك هي الحيرة يبقى تقعدي مع مالك وتشاركيه أفكارك وتتقاسموا هموم ومسئوليات الحياة سوا .
تنهيدة قوية خرجت عنها قبل أن تتابع :
- ده من الناحية الاجتماعية .. تعالي في الناحية الدينية بقا ..
البنت مننا يا سبأ وخصوصًا في فترة الأنوثة وبدايات الحياة اللي بجد والعنفوان دي بتبقى عايزة تثبت نفسها في المجتمع بأي شكل .. وديمًا لو دخلت في نقاش بيتقال فيه إن مش من حق البنت تعمل كذا لكن الولد عادي .. تلاقي البنت بتهاجم وتقول لا إحنا متساويين ..
بأي دليل التساوي ؟.. ده حتى ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بيقول :
" الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ".
ولما جم العلماء والأئمة يبحثوا في معنى الآية عرفوا إنها بتوحي بأفضلية الرجل على المرأة .. بحكمه عليها .. بحقه في إنه يرؤسها .. بأحقيته إنه يكون الوالي عليها والمؤدب ليها لو انحرفت عن المبادئ والقيم .. وده لإن الراجل أفضل من المرأة وأقوى منها وأكتر قدرة وتحكم عنها .. وعشان كده النبوة إختصت بس على الرجال .. ومش بس النبوة .. كمان الزعامة تختص بالرجال .. بدليل النبي صلى الله على وسلم في حديث ليه عن لسان عبد الرحمن بن أبي بكرة بيقول :
" لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " .
ده غير إنه جه في آية تانية من آيات الكتاب الحكيم بيقول فيها :
" وللرجال عليهن درجة " .
كل دي أدلة بتوحي بعدم التساوي بين الراجل والست .. الست اتخلقت ضعيفة ولينة .. وضعيفة هنا مش بمعنى الضعف والاستصغار .. لا ..
ضعيفة يعني بتحتاج لسند وضهر .. بتحتاج لحماية ..
عشان كده دور أساسي للراجل في حياة المرأة إنه يحميها ..
طب تعالي اسمعي البنت وهي بتقول أنا بدرس عشان أشتغل بشهادتي .. طب جالها عريس والجوازة اتفشكلت عشان هو مش عايزها تشتغل وهي متربسة دماغها إنها تشتغل .. وتعالي اسأليها متبتة في الشغل ليه كده .. هتقولك حاجة من تلاتة ملهمش رابع .. يا إما عشان أشغل وقتي .. أو عشان أثبت نفسي .. أو عشان أنا تعبت في التعليم مش عشان آخد الشهادة وأركنها ..
وتعالي دوري بقا هتلاقيها نسيت دورها الأصلي والأساسي في الحياة .. اللي هو بيتها وزوجها وأولادها .
أنا مؤيدة وبشدة لشغل الست وإثباتها لنفسها في المجتمع وإثبات قدرتها على خوض أعتى الأحمال اللي بيقوم بيها الراجل .
بس إمته ؟..
لما تكون المرأة دي مُنظمة فعلًا .. لما تكون مخلية بيتها مش ناقصه حاجة .. لما تكون بتشتغل برضا زوجها ومش مقصرة فيه وفي حقه .. لما تكون واثقة إن الأطفال اللي ربنا هيرزقها بيهم مش هينقصهم حاجة وإنها هتراعيهم وتربيهم بما يُرضي الله ...
في حالة تانيه .. وهي لما تكون ظروف المعيشة صعبة .. مفهاش حاجة لو ساعدت جوزها .. وده بردو يبقى برضاه ..
لكن جملة " أثبت نفسي " دي جملة مستفزة بتدمر بيوت وعلاقات جميلة وقوية .. إثبات الست لنفسها بيبقى في بيتها ونضافته .. في شكلها واهتمامها بنفسها .. في أولادها وتربيتهم .. في جوزها ورضاه عنها .. في أهلها وبرها بيهم ورضاهم عنها .. في أهل جوزها وحبهم ليها .
إحنا بنتجاهل دور المرأة الأساسي تحت مسمى " إثبات النفس في المجتمع " .. وده من أكبر أسباب فشل العلاقات في الزمن ده .
طب تيجي أجاوبك على سؤال " إحنا بنتعلم ليه ؟؟"
بنتعلم عشان تكون عندنا ثقافة .. لما ييجي ابني يقولي يا أمي مسألة الرياضة دي مش عارف أحلها .. أقدر أساعده فيها .. ولما تيجي بنتي تطلع هاوية للقراءة .. أقدر بثقافتي أختارلها الكتب اللي تفيدها عشان تقرأها .. لما ييجي برنامج علمي على التليفزيون وأنا قاعدة بقشر بطاطس وابني يلقط كلمة منه وييجي يقولي يعني إيه الكلمة دي .. أعرف أرد عليه .. عشان أكون متفتحة العقل وعندي دراية بكل حاجة حواليا .. عشان أقدر أخرج جيل مثقف وكويس بيهتم بالأمور بشكل كويس وعقلي .. مش متسرع ومش جاهل ومش حاسس بالنقص .. الأم دورها في حياة أولادها أهم بكتيييير من الأب .
وفي النهاية بردو الشغل ميمنعش إنك تكوني المرأة دي .. لو انتي نظمتي نفسك وحياتك واهتماماتك .. لو قدرتي تدي كل حاجة حقها .
عادت من شرودها من ذكرى ذاك اليوم على صوت ابنها عمار الذي أتى من حيث لا تدري :
- اممممم .. وجهة نظر مميزة بردو .
ركضت أصالة تجاهه وتعلقت بعنقه متمتمة :
- وحشتني يا ميموووو ... ممنوع تخرج من البيت من غير ما أشوفك تاني .
ضحك عليها وهو يصفعها على مؤخرة رأسها :
- لو مراتي مش هتعمل كده .
أصالة :
- وتعمل كده ليه وأنا موجودة أصلًا .. محدش له دعوه بيك يا خويا .
عمار :
- طب جهزيلي لقمة يا أم لسانين عشان جعان .
أصالة وهي تؤشر على عينيها بالتتابع :
- من العين دي قبل العين دي .
ركضت إلى المطبخ في حين تمتم عمار بهدوء دون أن ينظر تجاههما :
- منورة يا بدر .
غادر المكان دون أن يدري بدموية قلب تلك الجالسة إلى المقعد تنظر في أثره بحسرة ..
وتلك التي تليها وهي تنظر في أثره بضيق .. إنه لا يتذكر اسمها أبدًا .. دائمًا ما يناديها بدر بدر .. تقسم أنها على وشك أن تكره إسم بدر بسببه .
