رواية احببناها مريمة الجزء الرابع (وللاقدار اسباب) الفصل الرابع
خرجت من المطعم مع صديقاتها وهي تزفر منذ الصباح بسبب عدم رؤيتها لريان هذا اليوم بأكمله ..
تُرى ما الذي يحدث معه ؟ هل ملَّ من انتظارها ؟ هل تلاشى شغفه برؤيتها عند نهاية كل يوم دراسي ؟!.. أم أن هناك ظرفًا طارئًا جعله يتغيب لهذا اليوم ؟
كانت شاردة في تساؤلات عقلها حينما اصطدمت بإحداهن .. ومن دون أن تتدارك ذاتها قامت بالنظر إليها في غضب وهي تهدر :
- مش تحاسبي .. ما تفتحي وانتي ماشية .. الله .
نظرت لها الفتاة من أعلاها لأخمص قدمها ثم تركت المكان وغادرت دون أن ترد بكلمة واحدة مما أثار حنق سندس أكثر وهي تكز أسنانها وبداخلها رغبة مُلحة في أن تذهب خلف تلك الفتاة وتلقنها درسًا قاسيًا .
هند وهي تجذبها من ذراعها :
- في إيه يا سندس مالك ؟.. وبعدين إنتي اللي خبطتي في البنت .. هي كانت واقفة وانتي اللي خبطتي فيها وانتي ماشية .
سندس بضيق :
- معرفش يا هند .. أنا مخنوقة من نفسي أصلًا .
تولين بهدوء :
- طب أقولك حاجة تروقك .
تحولت نظرات الفتاتان لها لتؤشر برأسها إلى باب المطعم الذي يخرج منه وسيم ..
نظرت له سندس لتصطدم عيناها بعينيه فوقف هو لثوانٍ قبل أن تتدارك نفسها وهي تتحرك مسرعة ومن خلفها صديقتيها وهي تهمس بخجل :
- الله يخربيتك يا تولين .. الواد خد باله إني كنت ببص عليه .
ضحكت عليها تولين وكذلك هند التي لكزتها في ذراعها :
- وسيم اللي مبيبصش لبنت في الجامعة بصلك .. ده انتي مسجلة عزبة دلوقتي .
سندس وهي تعدل ياقة ملابسها الوهمية :
- طبعًا يا بنتي .. أنا مش أي حد .
ضربتها تولين على ذراعها لتعلُ ضحكاتهن معًا .. ضحكة خارجية لا تمت لما بقلب سندس بأي صلة .
(🌸 من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تحرج من تحت أظافره 🌸)
خرج من المستشفى هائمًا على وجهه لا يدري ما عليه فعله .. لا يدري إلى أين عليه الذهاب .. لا يدري إلى من سيلجأ كي يشاركه هذه المعاناة التي أتته من حيث لا يدري ..
يشاركه ؟؟.. منذ متى !!.. منذ متى وهو ينتظر من أحدهم مساعدة أو مشاركة في شئ ما ؟!.. منذ متى وهو يأخذ تلك الأمور الصعبة في حياته بتلك الصعوبة ؟!!.. دائمًا ما يستصغر الأزمات .. رغم كونها تاخذ حيزًا لا بأس به من تفكيره .. لكن لا بأس .. أزمة وستمر كغيرها .
ولكن هل ستمر حقًا ؟!
ماذا عن سندس ؟.. هل انتهى كل شئ قبل أن يبدأ حتى ؟.. هل هي النهاية ؟.. ما هذا الذي يفكر به ؟.. ألم يقُل منذ ثوانٍ فقط أنها أزمة وستمر كغيرها من الأزمات ؟
لكنها ليست أزمة في الواقع .. إنها .. إنها ..
بماذا عليه أن يُسميها ؟!!!!... إنها أشبه بأن تقف على حافة جرفٍ يبعدُ مئاتُ الأميالِ أسفل الأرضِ .. ومن خلفك سيارة على بُعدِ أميالٍ منك وتأتي على مهل كي تدفعك للهاوية .. فتغمض عينيك منتظرًا هذا الارتطام الذي سينتهي بمعانقة جسدك للأرض ومعانقة روحك للسماء عناق أبدي ..
الأمر كله مجرد وقت لا أكثر .. لكن ترى كم تبعد عنه تلك السيارة التي ستدفعه ؟.. كم من الوقت متبقي لديه كي يقضيه مع من أحب !..
يقضيه ؟؟.. بالتأكيد لا .. لا لن يفعل .. لن يجعلها تتعلق به أكثر من ذلك .. لن يفعل بها هذا وهو على علم بأنه سينتهي عاجلًا أو آجلًا ..
هل سيتمكن من البعد عنها بـ ...
توقف عقله عن دفع الأفكار .. وتوقفت قدماه عن السير .. وهو يتسطح إلى أرضية الطريق الذي عبره دون أن يلتفت ليرى إن كان هناك قادم فصدمته سيارة آتية .
ولكن لماذا لا يزال بإمكانه الإدراك بمن حوله ؟.. لماذا يستمع لصوت ذاك الرجل الذي يهدر بخوف وقلق إن كان بخير ؟.. لماذا لا تزال عيناه ترى الضوء ؟.. لماذا لا يزال عقله يعمل ويرهقه بمزيد من الأسئلة ..
انتبه لوضعه وبعض الرجال يحاولون إيقافه ليتحرك وهو يناظرهم بتيه قبل أن ينسحب من بينهم دون أن يتفوه بكلمة واحدة .. مما جعلهم يضربون كفوفهم ببعضها بعدم فهم لما هو فيه ..
دلف لمنزله بهدوء ليقابله والده بتساؤل :
- إيه يا ريان فينك كل ده ؟ ومبتردش على تليفونك ليه ؟
ريان بهدوء :
- آسف يا بابا تليفوني صامت من الصبح ومفتحتوش وجاي مشي ده اللي أخرني بس .
مراد بهدوء :
- المهم إنك بخير .. طيب غير هدومك كده وصلي العصر وتعالى ناكل لقمه سوا عشان عايزك في موضوع .
توترت ملامح ريان وهو يفكر في ماهية الأمر الذي يريده والده فيه .. هل سيفاتحه في أمر سندس كما قالت والدته ؟!
أماء دون أن يتحدث وخطى غرفته وهو يتنهد بإرهاق يفكر فيما هو قادم عليه ..
تحرك مبدلًا ثيابه وأنهى طقوسه سريعًا وخرج إلى شرفة الصالة الواسعة حيث ينتظره والده ...
تنهد مراد بهدوء مُعربًا عما بداخله :
- شوف يا ريان يا بني .. انت كبرت حبيبي وبقيت راجل ملو هدومك ويعتمد عليك .. والامتحانات على الأبواب أهي والسنه دي سنة التخرج .. وأنا ربنا كرمني وكنت عامل وديعة وممكن نفتحها عشان تكمل شقتك و ...
ريان مقاطعًا :
- شقة إيه ؟
مراد :
- شقتك يا بني اللي فوق .. إن شاء الله الوديعة هتكفي وهتفيض كمان .. دي بقالها زمن و ..
ريان :
- لا يابابا .. الوديعة دي تخصك .. أنا بأمر الله هخلص جامعتي وهشوف شغل و ..
مراد :
- ده الطبيعي يا ريان .. هتشوف شغل بعد الجامعة وتستقر فيه بأمر الله ... لكن موضوع شقتك ده واجبي إني أساعدك فيه .. واحنا واحد وهي أصلا كانت عشانك .
ريان بتنهيدة :
- محسسني إننا واقفين على باب العروسة يا بابا .
مراد وهو يربت على قدمه :
- ده بقى الموضوع التاني اللي كنت عاوزك فيه .
توترت ملامح ريان ليتابع مراد بهدوء :
- أنا يا بني عارف وحاسس بيك من زمان جدا وعارف إنك متعلق بسندس بنت ناجي .. وأنا يا بني لو لفيت الدنيا مش هلاقي في أخلاقها .. هي تربيتنا وأنا بحييك على اختيارك ده .. جايز تكون مستغرب إني عارف وبتكلم بجراءة كده لكن يا بني سعادتي بيك أكبر بكتير من إني أنتظر الطلب ييجي منك .. ممكن تكون عامل عشان الظروف وعشان منتظر إنك تشتغل الأول وتكون نفسك .. لكن يا بني البنت عرض وطلب .. ومش عارفين نصيبها فين .. وبما إن خير البر عاجله .. فنعجل بالخير .
تنهد ريان وهو ينظر لكل شئ عدا والده .. ماذا عليه أن يقول الآن ؟.. كيف يخرج من كل هذا ؟..
يخرج !!!
منذ أيام معدودة فقط كان يقول لنفسه أنه لم يتبقى سوا عام فقط وينتهي من دراسته .. ومنذ يوم واحد كان يفكر كيف له أن يمنع الخُطاب عنها .. لكن لا يجب عليه أن ينسى ما اكتشفه اليوم .. وما جال بخاطره من البعد .. لكنه ضعيف ..
يعترف ..
إنه أضعف من أن يأخذ هذا القرار ويفر هاربًا .. أضعف من أن يسمح لنفسه برؤيتها تمسك بيد آخر .. أضعف من أن يعترف أمامها وأمامهم بما يُعانيه .. أو فليكون صادقًا أكثر .. بما سوف يُعانيه قريبًا .
قطع شروده صوت والده الذي تساءل بهدوء وهو يمسد على قدمه بخفة :
- قلت إيه يابني ؟
نظر له ريان لبعض الوقت قبل أن يفصح بهدوء :
- اللي حضرتك شايفه صح يا بابا .. بس بلاش نفتح موضوع سندس قبل الأجازة .. بعد إذنك هدخل أريح شوية .
أماء مراد بتعجب من حال ابنه .. كان يتوقع أن يطير سعادة وأن يرى عينيه تتراقص بها اللمعات لشئ كهذا .. حبه وتعلقه بسندس واضح كوضوح الشمس في وضح النهار .. لما هو بهذا البرود والاستسلام الغير مبرر ؟!!!
(🌸 من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا 🌸)
يجلس إلى حديقة منزله بصحبة صديقيه أحمد وراغب يحتسون الشاي مع تبادل أطراف الحديث فيما بينهم .
صوت إحدى السيارات التي اصطفت أمام بوابة منزله جذبت انتباهه كي يخرج ويستقبل القادمين .
ابتسم بهدوء وهو يمد يده لزوج قريبة والده ويصافحه بترحاب بادله إياه ياسر بود ..
بشير :
- اتفضلوا أهلًا وسهلًا ... إزي حضرتك يا طنط رهف ؟
رهف بابتسامة :
- بخير يا بشير الحمد لله .. انت عامل إيه وأخبار شغلك ؟
بشير بابتسامة :
- كل خير الحمد لله ... آنستونا .
انحدر نظره لتلك التي خرجت توًا من السيارة وتقدمت إليهم .. فتاة في مقتبل العمر بملامح هادئة شرقية للغاية .. ببشرة سمراء وعيون سوداء كذلك .. طويلة نوع ما .. وترتدي زي مناسب من حيث اتساعه وتناسقه عليها .. رحب بها بهدوء :
- مرحب يا آنسة إيلاف .. اتفضلوا .
دلف بهم إلى المنزل دون أن تجِبه إيلاف بأي شئ .. فقط اكتفت بإماءة خفيفة ومن ثم تحركت معهم لتقع عينيها على راغب الجالس ناظرًا تجاههم دون حياء .. لاحظت بسمة خفية ارتسمت فوق محياه وهو يؤشر عليها بعينه كي يراها صديقه الجالس إلى جواره .. هذا ما تأكدت منه حينما نظر لها أحمد كذلك وعلت شفتيه نفس البسمة اللعينة والتي أخفاها بيده وهو يُدير وجهه للجهة الأخرى .
ازدردت ريقها بتوتر وغصة مؤلمة تجتاحها .. لا مكان خالٍ من التنمر عليها وعلى ملامحها وبشرتها السمراء .. ما ذنبها هي إن كانت تلك هي خِلقة الرحمن .. ألا يمتلك كل امرء عيبًا ؟!.. وكل مُعاب لديه ما يُميزه ؟!.. لماذا ينظرون لها بالشكل فقط ؟.. هذا ... هذا مؤلم لها بحق .
حاولت جاهدة أن تغتصب ابتسامتها وهي تصافح الجميع برتابة عدا وجد التي احتضنتها بشوق .
عاد بشير حيث أصدقائه ليصل إلى مسامعه كلمات راغب :
- طب والنعمة السمار نص الجمال بقا .. بس هي اللي ملامحها شاذة شويه بوظت جمال السمار .
بشير من خلفهم :
- بتتكلموا عن إيه ؟
أحمد بسرعة :
- ولا حاجة .. يلا نكمل .
بشير بإصرار :
- مش قبل ما أعرف مين اللي ملامحها شاذة ؟
ازدرد راغب ريقه وهو يتمتم بكذب :
- واحدة معرفة .. قال إيه .. سي أحمد بيحبها .
بشير وهو يضيق عينيه :
- وهي لو واحدة معرفة وسي أحمد بيحبها .. هيسمحلك تتكلم عنها بالطريقة دي ؟.. دي حتى تبقى عيبه في حق رجولته .
قال نهاية جملته وهو يحول نظره لأحمد الذي كز على أسنانه وهو ينظر لراغب بضيق :
- إيه يا عم كلامك ده ؟.. حب إيه وبتاع إيه .. وأنا على آخر الزمن هحب واحده سمره ؟
بشير رافعًا إحدى حاجبيه :
- مالهم السمر ؟.. ده راغب قالهالك أهو من دقيقة .. السمار نص الجمال .
راغب زافرًا بضيق :
- ما خلاص يا عم بشير .. غير الحوار .. كنا بندردش يا عم والموضوع خلص .
بشير بهدوء معاكس لعاصفة الغيظ القائمة بداخله :
- ماشي يا راغب .. نغير الحوار .. بس بعيدًا عن إن الكلام عن حد في غيابه تُعتبر غيبة وده حرام .. مينفعش عينك تترفع في حد من أهل بيتي .. عشان دول اسمهم حُرمة البيت ولازم تتراعى يا راغب .
تحرك راغب وهو يدفع مقعده للخلف بضيق :
- انت زودتها يا بشير .. وأنا مش خاين عشان أبص على أهل بيتك يا سطى .. هي البت اللي بصتلنا وغصب عني ضحكت على شكلها .. مكفرتش يعني .
ضرب بشير الطاولة أمامه بعصبيه وهو يتمتم بصوت خفيض حتى لا يفقد أعصابه :
- انت بتقولها في وشي بردو يا راغب ؟!
حمل راغب هاتفه وهم بالمغادرة وهو يهدر بضيق :
- لا في وشك ولا في قفاك يا عم بشير .. سلام .. وبعد كده متدخلش واحد خاين بيتك يا سطى طالما شايفني ببص على أهل بيتك .
لم يفكر بشير حتى في مناداته أو النظر إلى ظهره الذي ولاه إياه مغادرًا .. واكتفى بالنظر إلى أثره في ضيق .
أحمد وهو يربت على كتفه بهدوء :
- أنا آسف يا بشير والله مكنتش أقصد خالص .
بشير وهو يجلس إلى مقعده :
- محصلش حاجة يا أحمد خلاص .. اقعد .. جاد جايبلنا قهوة وجاي .
جلس أحمد بتوتر بدا جليًا عليه ليتساءل بشير بهدوء :
- مالك يا صاحبي في إيه ؟
أحمد بتنهيدة :
- هو صحيح اللي راغب قاله ؟.. يعني أقصد لو بصيت لحد من بيتك ببقى خاين ؟
بشير زافرًا بهدوء :
شوف يا أحمد .. دلوقتي ربنا سبحانه وتعالى ذكر في كتابه الكريم آيه بيقول فيها إيه :
" يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون " .
يعني البيوت عشان ندخلها لازم أهلها يسمحولنا بده .. طب وأنا قاعد جوه بيتهم .. هل ينفع عيني تكون على الرايح والجاي ؟.. طبعًا لأ ... لإن كل بيت له حُرمته .. وغض البصر مش بس عن البنات اللي بنشوفها في الطرق وغيره .. لا .. غض البصر عن أهل البيوت كمان .. وكلمة خاين دي حاجة قليلة قصاد فكرة إن واحد يبص على حُرمة بيت شخص أذنله بدخول بيته .. لإنه كده خان الثقة اللي ادهاله .
ازدرد أحمد ريقه وهو يتمتم بهدوء :
- أنا آسف يا بشير والله مكنتش أقصد .
بشير بابتسامة وهو يربت على يد صديقه :
- أنا نسيت الموضوع يا صاحبي خلاص .
أحمد بهدوء :
- تسلم يا ابو الصحاب .
أتى جاد بالقهوة وعاد للمنزل من جديد وبدأ الشابان يحتسيان القهوة بهدوء بين حديثهما عن أشياء مختلفة .
(🌸 إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله عز وجل إلا أعطاك الله خيرًا منه 🌸)
يجلس بالقرب من جدته التي تقرأ بعض آيات القرآن .. يُقلب في صفحات الكتاب بضجر .. أتاه صوتها الحاني مسائلة بهدوء واهتمام :
- مالك يا حبيب تيتا ؟.. مين مضايقك ؟
عمار وهو يلقى بالكتاب فوق المقعد المجاور له :
- مش متضايق .
تنهدت شهد بهدوء وهي تقترب بيدها إلى وجنته تمسدها بحنان بالغ يفتقده ممن وُجب عليها أن تمنحه هذا الحنان :
- أنا عرفاك أكتر من نفسك يا حبيبي .. يلا قولي إيه مضايقك .
عمار بتنهيدة قوية :
- مفيش حاجة يا تيتا ... أنا بجد كويس .. ده قلق امتحانات مش أكتر .
شهد بجانب عينها :
- ومن إمته ابن ابني بيقلق من امتحانات .. ده أنت مبتقلقش ولا بتشيل هم امتحانات آخر السنة في كل سنوات دراستك الأساسية .. ولا كنت شايل هم التدريبات والاختبارات اللي كانت حاجه لا تُحتمل .. وانت شايلي هم امتحانات ميدتيرم في كلية علوم ! لا وكمان مش حقيقية يعني ! .. متحاولش تضحك عليا يا تربيتي .
نظر لها قليلًا قبل أن ينفجر ضاحكًا .. لتشاركه الضحكة بفرحة لقدرتها على جعله يضحك هكذا .
بينما تلك التي كانت على وشك الدلوف إلى غرفة الجلوس .. فقد تيبست قدماها أرضًا .. وهي ترى ضحكته .. وتستمتع لصداها يجلجل أركان المنزل .. هل يضحك ؟!.. حقًا هل يضحك ؟!.. يا إلهِ كم هي رائعة جدتهما .. تدين لها بقبلة من أجل ذلك .
أفاقت من شرودها على صوت جدتها التي تتمتم بتساؤل :
- واقفة عندك ليه يا بنتي ؟!.. تعالي يا حبيبتي .
دلفت بدور بعدما أخذت شهيقًا طويلًا أخرجته دفعة واحدة في محاولة منها كي تخفف من ضربات قلبها المتلعثمة .. وضعت كوب النسكافيه أمام عمار بهدوء محاولة التحكم في اهتزازة يدها التي تحمل الصينية .. ومن ثم تحركت تجاه جدتها وأعطتها كوب القهوة خاصتها .. وتحركت كي تخرج ٠٠ لكن أوقفها سؤاله :
- رايحه فين ؟
بدور بتلعثم :
- ر .. رايحة جوه .. قصدي يعني هدخل جوه .
عمار بابتسامة هادئة :
- أنا عرفت إنك بايتة مع تيتا النهاردة لوحدك .. يعني مفيش حد جوه تقعدي معاه ... ولا انتي بتعملي حاجة ؟
بدور بنفي :
لـ .. لا لا مبعملش حاجة .. بس عشان أسيبكم على راحتكم .
مدت شهد يدها وهي تجذبها لتجلس إلى جانبها :
- على راحتنا إيه بس يا بنتي .. ده حفيدي وانتي حفيدتي وغلاوتكم من بعض .. وبعدين عمار مش غريب يا حبيبتي ده ابن خالك .. يعني زي أخوكي .. مفيش داعي للكسوف .
غامت عينيها وتسارعت ضربات قلبها إثر جملة جدتها " زي أخوكي "... آه لو تستطيع أن تعامله كأخيها حقًا .. ما كان ليكون هذا هو حالها .. اللعنة على الحب الآتي بغتة فيؤلم أكثر مما يُسعد .. واللعنة كل اللعنة على تسارع ضربات القلب في حضور الحبيب حتى تكاد تفضح صاحبها .. لما الحب مؤلم إلى هذا الحد !!
أخرجها من دوامة شرودها صوته الذي يخترق قلبها بلا هوادة :
- عاملة إيه في دراستك ؟
بدور وهي تعقد حاجبيها بتساؤل :
- دراستي ؟
عمار وهو ينظر لجدته التي رفعت إحدى حاجبيها بيأس منه :
- هو .. آه .. يعني أقصد عاملة إيه في جامعتك وكده .
شهد مقاطعة :
- هي مخلصة إعلام يا عمار .
رمش عمار عدة مرات قبل أن يضرب جبينه براحة يده :
- ياربي ...
ثم تابع وهو يضيف حجته المعتادة كلما أخطأ أمرًا ما متعلق بها :
- الغلط عند أبوكي وأمك عشان جايبين توأم .. وعشان بدور لسه بتدرس فأنا متلخبط بينكوا .
بدور بغصة :
- مفيش داعي للأسف عادي .. بس متقولش الغلط عند أبوكي وأمك عشان ده شئ مش بإيديهم .. دي إرادة ربنا .. ثم إن بدور دي أنا .. وبالمناسبة بدر كمان مخلصة تربية .
لا يعلم لما لمح تلك العبرات المتحجرة داخل مقلتيها .. أو توهم ذلك فتابع بهدوء :
- ونعم بالله .. أنا كنت بهزر بس .
بدور وهي تقف للمغادرة :
- وبردو مينفعش يبقى فيه هزار بينا يا بن خالي .
غادرت الغرفة وهي تلعن ضعف قلبها الغبي أمام من لا يبالي ولا يشعر بها .. لكنها تعود وتعنف نفسها من جديد .. حتى وإن شعر بها .. ماذا سيفعل ؟.. لا تظن أن متعالٍ متكبرٍ كعمار سيفكر حتى في الارتباط بمن هي أكبر منه عمرًا .. حتى وإن كان عام واحد فقط بينهما .. هي الغبية الوحيدة هنا .. لأنها سمحت لتلك المشاعر أن تتمكن منها .. لكنها تقسم أنها ستئدها حية كما وُئِدت الفتيات في أيام الجاهلية .
بينما نظر عمار في أثرها بحنق .. تلك المتكبرة العنيدة .. ما بالها لا تطيق له حرفًا .
رفع كوب النسكافيه مرتشفًا منه رشفة كبيرة جعلته يجفل وهو يضع الكوب فوق الطاولة بسبب حرق لسانه .. لقد نسي أنه ساخن .. وأراد أن ينتقم منها في النسكافيه .. فانتقم من نفسه .
ضحكت شهد وهي تنظر له بتسلية متمتمة ببعض الغيظ :
- يابني مفيش مره تشوف وش البت إلا وتفور دمها ليه ؟!
عمار :
- أنا !!.. يا تيتا هو أنا شفتها من قرن أصلا .
شهد :
- لا يا حبيبي ما اللي كنت بتكلمها عشان تعمل شاي للرجالة يوم الجمعة اللي فاتت وتقولها يا بدر دي كانت بدور مش بدر .. وقالتلك أنا بدور مش بدر بس إنت مركزتش معاها عشان كنت مشغول في التليفون .
عقد عمار بين حاجبيه وهو يتمتم بعدم تذكر :
- مش فاكر حقيقي .
تابع وهو يتذكر رؤيته لها في الأعلى :
- هي بدر أختها ماكنتش هنا النهارده ؟
شهد :
- لا .. هي بدور بس اللي معايا .
عمار وهو يلوي شفتيه :
- شوفتها فوق من شوية .. وقلتلها ازيك يا بدر .
أنهى جملته وهو يطلق ضحكة خفيفة لتنظر له جدته بعتاب .. فتابع بقلة حيلة :
-أعمل إيه أنا يعني .. بدر ولا بدور .. ما هما اللي شبه بعض بطريقة مستفزة .. أنا مش عارف أبوهم وأمهم بيفرقوهم من بعض إزاي دول .
ابتسمت شهد بهدوء وهي تفصح بثقة :
- تعرفهم من طباعهم يا بني .. بدر عنيدة وجريئة ولبسها مش ملتزم أوي .. لكن بدور تبارك الله يحميها ربنا وشها منور بقربها من ربنا وبهدوءها ورزانتها وعقلها الكبير .
تحمحم عمار وهو يتابع بمزاح :
- طب ما أنا ممكن أقف قدام الملتزمة وأقعد أقول هي الملتزمة بدر ولا بدور ؟! .. يعني نفس الأزمة أهو .
أنهى جملته بضحكة جعلت شهد تلقى الوسادة الساكنة بجانبها عليه وهي تتمتم بغيظ :
- قوم امشي من هنا يا ابن مالك .. قوم .
عمار وهو يلقى لها قبلة في الهواء :
- قلبك أبيض يا دودو .. أشرب بس النسكافيه واطير .
شهد :
- اشرب إياكشي يحرقك تاني .
عمار :
- لا لا .. لا يُلدغ مؤمن من جحر مرتين .
أنهى جملته وهو يرفع الكوب ليرتشف رشفة صغيرة لكنها أحرقته أيضًا لكونه دافئ ولسانه لا يزال أثر الحرق به .. فاشتعل مجددًا ليضع عمار الكوب في غيظ متمتمًا :
- هي شكلها بصالي في الكوباية أصلا .. هه مش شارب .
ضحكت شهد عليه وهي تدعو له :
- يهديلك حالك يا بني يارب .
ابتسم عمار بخفة قبل أن يتحرك طابعًا قبلة رقيقة فوق جبينها واستأذن مغادرًا .. لتتنهد شهد بقوة وهي تدعو الله أن يُهدئ من لوع الحب بقلب بدور .. ويُنير بصيرة أعمى القلب عنها .
(🌸 عينان لا تمسهما النار .. عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله 🌸)
تجلس بصحبة وجد التي تقوم بحياكة بنطالها الذي انتُزع من نهايته بفعل وسيلة المواصلات التي عادت بها إلى المنزل ..
صدح أذان العشاء لتترك وجد ما بيدها وهي تتمتم بابتسامة :
- يلا يا إيلي عشان نتوضى ونصلي .
إيلاف ببعض الحرج :
- ااا .. لـ لا صلي إنتي يا دودو .. أنا أجازة .
ابتسمت لها وجد بهدوء وهي تتمتم :
- ماشي يا غالية هقوم بسرعة أتوضى وأجي أصلي جنبك هنا .
أماءت إيلاف بخجل لتخرج وجد وابتسامتها متسعة على تلك اللطيفة الخجولة .. لا أحد سواهما في الغرفة ومع ذلك تخجل أن تخبرها كونها لا تُصلي حاليًا .. أحمق من ظن أنه لا حياء في الدين .
أنهت فرضها وعادت إلى إيلاف التي أنهت حياكة البنطال عن وجد لتشكرها وجد بامتنان ..
إيلاف بتردد :
- ااا .. اا .. وجد .. كنت .. يعني أنا اا ..
وجد :
- قولي يا إيلي على طول .. مفيش غيرنا في الأوضة يا حبيبتي .. خدي راحتك .
إيلاف بتنهيدة :
- أنا بس كنت عايزة أسألك يعني .. لو أنا كنت ناوية أعمل حاجه لله .. وعدا فتره من الزمن ونسيتها .. وراحت عليا .. سمعت إن ربنا بيدي أجرها .. ده صحيح ؟
وجد بابتسامة :
- إنتي نيتك كانت إنك هتعمليها ولا لأ .
إيلاف :
- أعملها طبعًا .
وجد :
- يبقى خليني أقولك ما سُمي الإنسان إلا للنسيان .. يعني إنتي كانت نيتك إنك تعملي الحاجه دي لله .. لكن انشغلتي ونسيتي .. فخلاص إنتي تؤجري على النية دي .
إيلاف :
- طب وده ضروري ؟.. أقصد يعني النية وكده .
وجد :
- دي يا غالية إسمها استحضار النية في تقديم الطاعة .. يعني هسألك سؤال مثلًا .. ليه بتصلي ؟
إيلاف بتعجب :
- بصلي عشان دي فروض فرضها علينا ربنا سبحانه وتعالى .. وعشان أقرب من ربنا بيها وأكون ملتزمة بفروضه .
وجد بابتسامة :
ممتاز جدًا .. دلوقتي أنا عن نفسي بصلي الفرض وبصلي السنة بانتظام .. غيري ميقدرش يعمل ده .. وده لإني اتعودت على أداء الفرض والسنه من صغري .. خدتي بالك أنا قولت إيه في جملتي ؟.. اتعودت ..
كلمة اتعودت دي راحت مخليه الفرض والسنه عندي تحت بند العادات اليومية .. عارفة زي الروتين بالظبط .. طب أنا إزاي أفرق بين الفرض والروتين ؟.. وإزاي أفرق بين الواجب والتطوع ؟
الإجابة هنا بالنية .. النية هنا بتوضح انتي هتعملي إيه بالظبط ..
رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - بيقول :" إنما الأعمال بالنيات .. وإنما لكل امرئ ما نوى " .. وده إن أوحى فبيوحي بضرورة استحضار النية في كل عمل عشان ناخد أجر النية والعمل .. لإن النية بتوضح سلوك العمل .. وبتفرق بين العبادات وبين العادات .
ده حتى كمان من رحمة ربنا بينا إني مثلًا لو نويت على فعل عمل معين .. وظهر حاجة شغلتني عن العمل ده .. ربنا بيكتبلي أجر العمل اللي نويتله .. يعني مثلًا لو أنا ماشية في الشارع وشفت راجل على باب الله ونويت أديله حاجه لله وفجأة فوني رن وأنا انشغلت بالرد وجيت أدور ع الراجل ملقيتوش .. خلاص اتكتبتلي بأجر نيتي .. وده اللي حصل معاكي بقا .. فالنية قبل أداء العبادة بتصفي قلبك وتنقيه وكمان بتفوقك ديما وترشدك لكون الفعل ده عبادة مش مجرد عادة والسلام .. عشان كده ديمًا في العبادات بنستحضر النية .. وطبعا ربنا سبحانه بيبقى مضطلع عليم بالنوايا .
إيلاف بابتسامة :
- ماشاء الله عليكي يا وجد بجد .. ربنا يحميكي .
وجد بابتسامة :
- وإياكي يا غالية يارب .
بدأتا في التحدث عن أشياء مختلفة وقد وجدت إيلاف من وجد مصدر ثقة وإلهام وراحة لم تعتدها مع غيرها ..
كما أنها لم تشعر كون وجد مثل البقية المتنمرين والذين يشعرونها بمدى قباحة ملامحها .. تعتذر لذاتها حقًا على ما هي عليه من هذا الشكل وهذه الهيئة التي لا دخل لها بها ..
تحاول دومًا إقناع ذاتها كون البشرة السمراء لا توحي بقبح الفتاة وأن الشفاه العريضة الممتلئة لا تتسبب في النفور عنها .. لكن كيف لها أن تُقنع من حولها بهذا !!
