رواية جحيم عينيك الفصل الثالث 3 بقلم مجهول


 رواية جحيم عينيك الفصل الثالث 

الدبوس

هناك ألف طريقة للخيانة. لكن أقذرها هو التظاهر بالحب.

حين ترمي خلف ظهرك كل مسلماتك ومبادئك وقناعاتك فأنت أصبحت على استعداد للقطيعة مع نسختك القديمة ولن تعود أنت هو أنت...

انت تقائد نفسك في محاولة للتجاوب مع النسخة الجديدة والغربية عنك ظنا منك أنها ظرفية طاولة ومؤقتة ثم تعود بعدها كما كنت...

تقتحم نفقا مظلفا ومتشعبا مدفوعا بسيل جارف من مشاعر الغضب والسخط والنكران، تشعر أنه لو ما بداخلك خرج للعالم الدمره وأقناه... لكنه لا يكفي ليوصلك للجهة المقابلة... للعودة كما كنت

في قلب العتمة تدرك أنك لم تتطبع مع نسختك الجديدة، لم تنماة معها أو تتغلغل فيك... والمصيبة الأعظم أنك تكتشف فقدانك لنسختك القديمة إلى الأبد...

لا أنت أنت.. ولا ما أصبحت عليه...

فمرحبا بك في جحيم التيه.....

عبرت سيارة سوداء شوارع ضيقة في حي تارلا باشي، لم تتخيل فاليريا أنها موجودة في اسطنبول، وبأن أقدامها ستطأ تلك الأماكن...

كلما تغلفات داخل هذه الأحياء اضيقت مسالكها واظلمت لتشعر بالاختناق وتسارع دقات قلبها. كأنها تبتلع في جوف ظلام لجي لا رجعة منه.

أخيراً توقفت السيارة لتنزل منها رفقة ذلك الرجل الذي اتصلت به في المطار وأتى الاصطحابها. حتى الآن لا تعرف اسمه ويرفض الإجابة عن أي من أسئلتها مكتفيا بالصمت.

تبعته إلى حانة عالية من الزبائن، كون أوان فتحها لم يحن بعد، فطلب منها الجلوس على أحد المقاعد المرصوصة فوق بعضا أو تلك المقلوبة على الطاولات الموزعة في المكان، رينما ينادي صاحبة الحانة ليختفي وراء ستارة خرزية سوداء، فراحت تتأمل المكان في قلق، يبدو مريبا وغريبا بالنسبة لفتاة مثلها، رئاً.. بل سيئا جدا.

هذه بداية لا تبشر بالخير كيف ستصل لعرش اوزيتش البرجه العالي من هذا المكان المزري الفاتح برائحة الكحول الرخيصة والرطوبة الخائفة .....

لحظات خرج ذلك الرجل ومعه إمرأة نحيفة يشعر أسود وعيون بنية، بيضاء البشرة ترتدي بنطالا من الجلد الأسود وقميص دموي بدون أكمام عليه رموز مهمة تغطي الوشوم ذراعيها وجزءا

من صدرها.

كانت تدخن سجارتها وهي تتفحص فاليريا بنظرات فجة، لتنفت الدخان في وجهها بابتسامة مقيتة..

"إذا، هذه فاليريا مانشافارياني؟ جورجية جميلة جدا"

فجأة سقطت ابتسامتها وقلبت عينيها بخيبة...

لكنها غير صالحة للمهمة، جودت"

أخيراً عرفت أن اسمه "جودت"، لكنها لم تفهم ما كانت تقصده، فهمت بالكلام تحاول أن تفهم مالذي يحدث هنا، لكن المرأة كانت قد عادت من حيث أنت فأشار جودت إلى فاليريا بأن تلتزم مكانها وتنتظره، ثم أسرع في اللحاق بتلك المرأة عبر ردهة ضيقة، تنتهي بغرفة مليئة بملصقات على الجدران والمرايا لوسوم مختلفة، تتوسط الغرفة منضدة طبية مرتفعة وبعض الكراسي واجهزة ومستحضرات، ليتضح أنه المكان خاص بوضع الوشوم .....

صاح جودت باستهجان.......

"ما بال لعنتك جوليا؟ أنت تعرفين من البداية من تكون الفتاة وكنت متحمسة للقائها، لماذا غيرتي موقفك الآن بعد أن أتيت بها ؟ هل تعرفين كم تطلب منى الأمر لإقناعها؟"

التفتت إليه وهي تزفر بحنق .....

"أعرف جودت، لكن الفتاة تبدو برينة وعديمة التجارب وليست من النوع الحربي، ولا القادر على مواجهة الخطر تلك الفتاة أشبه بسمكة زينة على وشك اخراجها من حوضها الأمن والصغير، لرميها في محيط مليئ بالقروش والحيتان، هذا ظالم لها وخطير علينا، بنظرة غاضية من الزعيم ستفرد كالبليل بكل شيء وترسلنا الى الجحيم معها .. الفتاة لا تصلح لتلك المهمة. الخطيرة يا جودت... تبا أنت حقا بلا قلب لترمي تلك المسكينة أمام يمان اوزيتش"

بابتسامة باردة أكملت...

سوف يسحقها بين اليابه بلا رحمة "

جودت بنبرة ساخرة...

"أرى أنك صرت عاطفية وجبالة على غير عادتك، أم أن القناة ذكرتك بماضيك ..؟".

فانتفضت بعصبية...

"لا يهمني ما تراه، إن كنت تجهلني بعد كل هذه السنوات، فتبا لك."

امسكها برقة وأدارها ناحيته...

"اسمعي جيداً جوليا، أنا لازلت أراهن على نجاح تلك البريئة المسكينة على فعل ما عجزنا عنه.

وسوف أمضي في خطتي بك أو بدونك"

نظرت إليه باستسلام لأنها تعرف جيداً أنه لن يتراجع عن نواياه، فقالت باستسلام....

"أحتاج للوقت وكثير من المجهود حتى أقنعها، وأحولها للشخصية المطلوبة، وهذا أشبه بالنقش على الحجر بيدين عاريتين، كيف سأحول إبنة قاضي وطالبة قانون، تلقت تربية وتعليما صارمين عن الأخلاق والمبادئ، إلى عاهرة وقاتلة محترفة، تجعل الزعيم المتطلب والمزاجي بختارها دولا عن غيرها لتدخل غرفته الخاصة "

ابتسم جودت بمكر....

الثأر يا عزيزتي هو كلمة السر تلك الفتاة مشحونة بالكراهية والحقد على قاتل أبيها، وهدفها الأوحد هو ديحه كما ديج والدها، لأجل هذا الهدف هي ستفعل ما تريده، ودورك أنت هو إقناعها بالخطة "

أعاد حصل شعره للخلف وأشار إليها...

"هيا أخرجي إليها وأحسني التصرف معها واهتمي بها أمامك شهر لتدريبها وتحويلها إلى قاتلة

محترفة"

طال سکوت جودت وتلك المرأة في الداخل، حتى كادت تتلف أعصابها من التوتر، ترى مالذي يحيكانه؟ وكيف وجدت نفسها هنا مع أشخاص مشبوهين لا تعرفهم؟ أخيراً خرجا من جديد. لكن هذه المرة بملامح أكثر انفراجا ولطفاء لتتقدم المرأة قائلة بابتسامة واثقة...

فاليريا عزيزتي.. أسفة لجعلك تنتظرين حصل سوء فهم بسيط وقد حللناه.... جودت أخبرني قصتك كاملة، لكن قبل كل شيء يجب أن تقطعي كل صلة لك بالماضي وتنسي إبنة من انت... وأي تربية تلقيت من الآن وحتى تحققي هدفك سوف تدخلين العالم لن تحتاجي فيه لما تعلمته ولا لإسمت أنا جوليا اعتبريني كأختك تماما وأنا سأستضيفك عندي ريتما تنتهي مهمتك وتعودين لحياتك الطبيعية"

لم تنطق بكلمة بل نظرت إلى جودت بعيون حائرة، ليهز رأسه مؤكداً كلام جوليا ...

"هذا صحيح فاليريا، جوليا سوف تهتم بك وتشرح لك الخطة بحذافيرها، وأتمنى أن تنصتي لها

حتى النهاية لضمان تحقيق الهدف"

اجابت فالبريا بالموافقة مكرهة لا مختارة، فالفريق يتشبت بكومة القش رغم استحالة

جدواها التقول جوليا بارتياح بالغ ...

دعونا نذهب إلى بيتي ونكمل حديثنا هناك سوف يأتي عمال الحانة لتنظيفها، ولن تكون على سجيتنا

أوشكت الشمس على المغيب وهي تتوارى في الأفق كأنها تغوص في البحر ببطء شديد، منظر جميل لم يحرك مشاعر فاليريا الباردة.. فقد فقدت الشغف في الحياة وعزفت عن كل ما هو جميل فيها، ووهبت نفسها لهدف واحد ما دامت لم تحققه بعد فلا رجوع للحياة، لا حب لا سلام ولا مستقبل

ابتعدت عن النافذة موجهة كلامها لجوليا الخارجة من المطبخ وبيدها فنجانين من القهوة.

قيادرت فاليريا بقلة صبر.....

تناولنا الطعام كما طلبتي، وخرج جودت منذ ساعة ولم بعد بعد... أنا لا أطبق الانتظار أكثر، هيا

أخبرني بالخطة، كيف ستساعدونني في الانتقام؟"

وضعت جونيا الفنجان أمامها وعادت إلى مقعدها ...

اشربي قهوتك بينما تتحدث، جودت لا بد أن عملا طارنا قد أخره، وهذا أفضل حتى نأخذ راحتنا في الكلام، هناك أشياء قد تحرجين من التكلم بها أمامه "

سألتها فاليريا باستغراب.....

" إلى ماذا تلمحين ؟"

الترد جوليا بسؤال حازم...

"هل أنت على استعداد لفعل أي شيء لتحقيق هدفك ؟ فأنت مقبلة على خطر حقيقي ونسبة

فشلك فيها مرتفعة إذا تعادلت أو جفت."

التجيبها بعيون مستعرة بنار الحقد والألم يشوب نبرة صوتها المرتجفة...

"لم أتي إليكم إلا بعد أن حسمت قراري، فقد شدت كل الشبل في وجهي، ولن أتراجع مهما حصل، أنا مستعدة للموت في سبيل هدفي، إما أن أقتل يمان أوزيتش أو أموت دون ذلك، لن أخسر أكثر مما قد خسرته بسببه"

أعجبت جوليا بشجاعة فاليريا في قرارة نفسها، لكنها تشعر نحوها بالود وتشفق عليها، أخذت

رشفة من فنجانها لتتكلم وهي تلمح الأمر ما ...

"لكنك تجهلين قوة عدوك هو ليس رجلا عاديا.. إنه ثعلب ماكر وداهية خطير، سريع البديهة... وان شك بك لوهلة سوف يطفئ نور عينيك الزمردتين في رمشة عين حتى خصومه من الرجال الشداد والغلاط لا فرصة لهم في هزمه، لذلك عليك أن تكوني ميتة القلب والمشاعر حتى لا تخترة نظراته الحادة روحك الشفافة ويكشفك "

نظرت فاليريا إلى انعكاس صورتها في الفنجان وتنهدت بحزن......

"أنا فعلا كذلك، موت أبي بتلك الطريقة البشعة ورؤيتي لذلك المنظر المرعب قد أمات قلبي

وروحي "

وضعت جوليا فنجالها مركزة انتباهها اليها...

"حسنا.. يجب أن تعرفي أن المحيطين بعدوك هم أشخاص قليلون، لكنهم أكفاء وعلى قدر من الدعاء والقسوة ... لا يمكن أن تصلي إليه بسهولة بالطرق العادية.. جمالك الطاغي ليس كافيا الجرة للمصيدة.. صحيح أنه يحب الحسناوات خاصة الشقراوات ذوات العيون الملونة مثلك... لكنه متطلب وذوقه صعب لا يقترب من أي امرأة فقط لأنها جميلة.. بل يجب أن تكون جريئة. محاورة ذكية ولبقة .. يجب أن تجعليه يتحمس لاستكشاف خباياك.. وأن تشعريه بأنه سيفوت عليه منعة استثنائية بتجاهله لك.. عليك إبهاره وشد انتباهه.. وهذا أمر يجب أن تتعلميه في فترة وجيزة وتتقنيه.. ولانك تملكين من المقومات ما يؤهلك لذلك.. مع بعض التعديلات والعمل. سوف تنجحين في المرحلة الأولى من الخطة."

فردت بالتباه شدید...

يعني أن المرحلة الأولى تقتضي لفت انتباهه وجعله يعجب بي "

أشعلت جوليا سجارتها وهي تبتسم، ثم نظرت إلى عينيها ....

بل جعله يضاجعك "

قامت فاليريا من مكانها مضطربة وغاضبة .....

انا لست فتاة رخيصة، وإياك أن تكلميني بهذا الأسلوب."

أخذت نفسا من سجارتها بهدوء تام.....

"اجلسي ودعيني أنهي كلامي ثم اعترضي كما تشائين"

عادت للجلوس بتأفف... لتستطرد جوليا في الحديث...

بالله عليك يا فتاة.. ألم أخبرك أن تنسي من أنت وما كنت عليه.. تلك القيم والمبادئ لن توصلك إلى رقبته.. ماذا كنت تعتقدين .... أنه بمجرد أن يراك سيركض خلفك أو أنه سيرسل لك باقة ورود ليتودد إليك.. يمان او زيتش لا يتودد ويتغزل بالنساء ولا يقيم علاقات من أجل الحب، فهو لا يملك قليا ليحب.. هو فقط يمارس الجنس معهن ... يرضي نزواته ويشبع غريزته.. لا أكثر ولا أقل، ذلك الوعد لا يعترف بالحب ولا بالاحاسيس، وحتى تلفتي انتباهه يجب أن توحي له بمغامرة جنسية استثنائية... بالمختصر المفيد عليك أن تتقني دور العاهرة ببراعة.. وإلا لا داعي لكل هذا العناء معك.. إن كنتي ستتمسكين بمبادئك فغادري قبل عودة جودت... وانسى النار لأبيك فليس هو ضحيته الأولى ولا الأخيرة على أية حال"

امسكت فاليريا رأسها بين كفيها بيأس....

"ما تطلبينه مني مستحيل.. لماذا علي أن أنزل إلى هذا المستوى المنحط حتى أحقق هدفي ؟"

اقتربت منها جوليا وبنيرة أكثر هدوء...

وهل طلبت منك أن تسلميه نفسك مثلا.. أنا أريدك أن تغريه ليستدعيك إلى جناحه الخاص وإلا لن تستطيعي الانفراد به وقتله.. كل ما ستفعله أننا ستغير من مظهرك وتعلمك كيف تكونين امرأة مثيرة تسيل لعابه ليمتلكها، وبقية المهمة تقع على عاتقك "

صمتت لثواني ثم رفعت رأسها تتسأل....

حسنا لتفرض أنني نجحت في الانفراد به كيف سأقتله فهو يفوقني بنية وقوة"

"لا تستبقي الأمور، إعرفي أولا كيف ستدخلين لحفله الخاص والذي سيقام على شرف أخيه باتشن"..

قظبت فاليريا جبينها في تساؤل...

كأنني سمعت بهذا الإسم من قبل .... أليس هو أخاه المسجون ؟."

التنظر إليها جوليا بمكر دقين.....

صحيح... بعد أن قتل يمان والدك صار خروج أخيه من السجن محسوما.. إنها مسألة أيام

ويعود لكنف عائلته.. ويهنا يرغد العيش"

شدت فليريا قبضتها بقوة لدرجة أن اظافرها اخترقت كف يديها، غير عابئة بالألم، فالألم الداخلي اكثر وجعا ومرارة... التقترب الأخرى وتواسيها...

"أنت محظوظة لأن الحياة ستمنحك فرصة الانتقام... بنفس اليوم الذي سيحتفلون به..... التحولي حفلتهم إلى مأتم "

نظرت داخل عيني جوليا ثم قالت بريبة ....

"أن دوافعي معروفة... ما هي دوافعك أنت وجودت ... لماذا تريدون موته ؟"

ليس نحن من يريد موته بل أعداءه... أناس ذوي نفوذ وسلطة ... تبا ذلك الشيطان بارع في خلق الأعداء... ونحن نتواجد دائما في صف من يدفع أكثر.. كل محاولاتنا السابقة باءت بالفشل.. لكن هذه المرة .. يمان أوزيتش سوف يلقى حتفه على يدك أنت.. بسبب هذه العيون الزمردية الجميلة .. هاه ما رأيك؟"

قبل أن ترد دخل جودت ونظر إليهما في استغراب.....

هل فاتني شيء مهم ..!!؟"

عم صمت تقبل بين الثلاثة للحظات حتى كسرته فاليريا بكل ثقة ....

"لا لم يفتك الكثير.. كنا سنتطرق أنا وجوليا التفاصيل العملية ومتى سنبدا "

رمق جودت وجوليا بعضهما وابتسامة المنتصرين تعلو وجهيهما ...

"يبدو أن جوليا لم تضيع الوقت في غيابي .. كيف اقتضتك . "

الترد فاليريا بديرة مؤلمة ....

"لا أملك خيارا آخر.. فهذا العالم لا يسعنا نحن الاثنان ..... إما هو ... أو أنا.."

رمت حقيبتها على المنضدة قائلة باندهاش.....

" لو لم أرى هذا بأم أعيني ما صدقتهم... ضيا يبحث بين المراجع وفي الإنترنت لإلقاء محاضرة حول الاقتصاد الاجتماعي.. هذه حقا معجزة القرن !!"

ما كانت سارة لتفوت هذا المنظر للتنمر على ضيا ومضايقته كما يفعل هو معها ...

رفع ضيا رأسه لاعنا تحت أنفاسه....

"لا مزاج لي بالمناقرة معاك يا سارة... لطفا غادري غرفتي لأنني مشغول"

فاقتربت منه بلؤم وهي تربت على كتفه...

"عزيزي ضيا.. تعرف أنني أحبك مثل أخي الصغير، لهذا جئت لتقديم المساعدة"

ليبتسم بسخرية...

"أنت تساعدينتي... ايتها اللتيمة انت مستمتعة بورطني هذه وجنت لنتمني وتهزلي بي"

جلست إلى جانبه وأخذت كتابا دون أدنى اكثرات لكلامه .....

"هيا دعنا لا تضيع الوقت عزيزي... محاضرتك بعد أسبوع فقط"

فتحت الكتاب وراحت تجول بعينيها بين صفحاته تحت دهشة ضيا واستغرابه من تصرفها الغير

اعتيادي.. هل حقا تريد مساعدته ؟

فجأة فتح باب الغرفة على مصرعيه للزعيم الواقف بجمود وعيون متفحصة ومتفقدة لأحواله.....

فانتفض ضيا من مكانه.. كانت أول مرة يراه منذ جلسة الإفطار تلك....

"مرحباً أيها الزعيم "

وبدون مقدمات حتى انه لم يرد التحية ....

"لماذا لم أسمع عنك الأخبار المرجوة حتى الآن؟"

فرد بسرعة .....

"لقد اشترط عليا تقديم محاضرة بالجامعة.. بعد أسبوع سوف أعود إلى صفوفه إن نجحت في إلقائها "

فتدخلت سارة بلطف و اهتمام بالغ آثارا حلق وغيض ضيا.....

"أنا أيضا هنا لمساعدته في بحثه أيها الزعيم"

تمتم الزعيم متجاهلا كلام سارة .....

..."جيد"

أراد المغادرة فاستوقفته بقولها ...

لدي موضوع أواد إطلاعك عليه أيها الزعيم... طبعا إن كان وقتك يسمح بذلك "

أكمل مسيرة مبتعدا لتسمع نبرته الباردة...

تعالي إلى جناحي بعد ساعة "

فقفزت بفرح بالغ....

"yesss"

أخدت حقيبتها وطبعت قبلة على خد ضيا المصدوم...

حظا موفقا لك أيها الطالب المجتهد."

فصاح بها وهي تغادر...

أفعى رقطاء.. كدت أصدقك كالأيله.. تتلونين كالحرباء وتخططين من أجل إثارة انتباهه كم

اشفق عليك أيتها المحتالة البائسة.. أتمنى أن يصدك ويكسر قلبك الغبي

ليغلق الباب بقوة ويعود إلى كتيه يسخط ....

سارة عرفت أن الزعيم ان إلى غرفة ضيا حين سمعته يسأل عنه رستم فأسرعت التسبقه إلى

هناك بغية اقتناص فرصة للتقرب منه كالعادة...

جناح الزعيم يحتل دورا كاملا.. وله مصعد خاص به و خدامه.. يحرص رستم على أن يكونوا

غاية في الأمانة والتكتم حول ما يدور داخله... حتى أفراد العائلة لا يدخلونه إلا بإذنه ووجوده...

فكانت فرحة سارة لا توصف وهى تقوم بتحضير نفسها لدخول جناحه الخاص...

يقولون أنه كالمتحف به أغلى وأندر القطع الفنية.. إطلالته البانورامية تخلب الألباب.. خاصة في الليل حين تزين نجوم السماء الماسية شرفة الجناح في تماه مع معزوفات Mozart المنبعثة منه بين الفينة والأخرى.

بعد ساعة كانت سارة واقفة بحماس امام باب جناحه تنتظر أن يؤذن لها بالدخول ....

أخيراً فتح الباب لتتسع عيناها من جمال ما تراه ويخفق قلبها لهبات السماء عليها... يمان بطوله القارة وجسمه الذي يشبه تماثيل الآلهة الإغريقية من شدة تناسقه وعضلاته المفتولة.. يرتدي

سروالا أبيض قصير وقميص بلون رمادي أزراره العلوية مفتوحة تكشف عن عروق جيده البارزة وجزء من صدره المثير.. وكان يحمل المارتيني في يده...

ظلت تحدق في تفاصيل جسمه المنير ببلادة.. إذ نادرا ما تراه بلباس غير البدلة الرسمية القائمة التي تخفي تفاصيل رجولته المثيرة.. استدار عائدا إلى الداخل وهو يشير لها بالدخول وغلق الباب خلفها .. كذلك فعلت وتبعته في صمت وانبهار بروعة جناحه... جلس أمام البيانو الخاص به وأخذ بعض الأوراق ثم شرع يقلب فيها قائلاً...

"معك دقيقتان التتكلمي قبل أن أجد المعزوفة التي أبحث عنها"

فارتبكت سارة من بروده في التعامل معها، فلم تستطع التكلم كأنها ابتلعت لسانها في حضرته...

"لماذا تخرسين الآن.. سينتهي الوقت دون أن تقولي ما أتيت لأجله"

فاستجمعت شجاعتها واقتربت...

"أريد أن أعمل ضمن فريق مكتبك "

ليجيبها وهو مركز في اختيار معزوفته....

" على حد علمي .. لم تعالى شهادتك في إدارة الأعمال بعد أنت في السنة الأخيرة، وأمامك وقت التناقشي رسالتك لأجل الماجستير.. حققي هذه الأمور وساجعلك مديرة مكتبي بكل سرور" الترد بخيبة أمل...

لكن أمامي سنتين على الأقل لنيله .. أريد أن أكتسب الخبرة وأتعرف على العمل أكثر" رد بحزم

"لا أسمح للمتدربين بالعمل في محيطي يا سارة .. قولي شيئاً منطقيا أو غادري "

فهفت بالكلام لكن صوتا أنثويا صادرا من أحد الغرف قد أسكنها لتلتفت إلى مصدر الصوت مستغربة ومستهجنة وجود إمرأة بجناح الزعيم.. فهو لا يحضر عاهراته إلى القصر...

اعترتها الدهشة والغضب في آن واحد وهي تشاهد فتاة شقراء في منتهى الجمال والرشاقة تتقدم نحوهما وهي مبتسمة....

إنها مارسيلا، إسبانية من معارف والدة يمان... كونت صداقة لطيفة معه أثناء تردده على والدته... لقد حطت بها الطائرة اليوم فاستضافها عنده كما هي العادة كل مرة لرفضه الشديد نزولها بالفندق..

")مرحبا عزيزتي سارة.. كيف حالك؟( Hola querida Sarah, ¿cómo estás"

لتجيبها سارة بغل مكتوم وابتسامة مقيتة لوجودها الغير مرغوب.....

بخير شكرا ... أرى أن تقدمي طلبا لأخذ الجنسية التركية وتبقي معانا .. فنحن تعودنا عليك "

التبتسم مارسيلا وهي تنظر للزعيم.....

" إنها فكرة لا بأس بها "

ثم جلست بجانبه متكنة برأسها على كتفه بدلال .....

"اسمعني معزوفة ل Albeniz.."

فتكلم دون أن يلتفت إلى سارة لينهي حديثه معها ...

طلبك مرفوض يا سارة.. عمتي مساءا"

فما كان منها إلا أن السحبت بهدوء وقلبها المنفطر يؤلمها بشدة ودموعها المتجمدة تأبى السقوط امام تلك الساقطة التي احتلت مكانة لم تستطيع الوصول إليها.

غادرت وكلها يقين أنه تعقد وضعها في هذا الموقف المهين.. ليكسر قلبها، لعلها ساعة استجابة وأبواب السماء كانت مفتوحة حين دعا عليها ضيا...

رفعت مارسيلا رأسها عن كتفه لتدعه يعرف بأريحية وهي تراه قد صب كل تركيزه في معزوفته حتى قبل أن تبدأ انامله المحترفة الرقص على مفاتيح البيانو بسلاسة وبراعة مدهشة ....

بدأ في العزف ببراعة على أنغام معزوفة Asturias بوتيرة متسارعة وهائجة في بدايتها.. كانتور الهائج وهو يركض بين الأزقة الإسبانية.. لينتهي به المطاف إلى داخل حلبة دائرية وجها لوجه أمام ال Matador بزيه الأنيق وسهامه القاتلة ... شيئاً فشيئا تحف وتيرة العزف وتهدأ التغدو أكثر رقة مع آخر نفس للنور الصريع أمام براعة وشجاعة ال Matador ونصاله الحادة...

أخذ كاسه من على البيانو وانسحب إلى الشرفة لتتبعه مارسيلا....

كم أنت قاسي في تعاملك مع النساء .. كل مرة أتي فيها إلى هنا تزداد دهشتي من تعلقها بك

واستمرارك برفضها بقسوة"

ليبتسم يبرود وهو ينظر إلى الأفق المرصع بالنجوم....

"أنا نار تحرق من يلمسها يا مارسيلا.. ورأفة بها أصدها يلوم حتى تستفيق من أوهامها ولا تتأذى

مني "

هي تتأذى من صدك لها على أية حال"

ابتسمت بمكر مواصلة ...

"لولا عشقي للوكاس، لاخترت أن احترق بتارك كما تحترق الفراشة... فأنت لا تقاوم"

فضحك عاليا....

"ما زلتي تتأملين أن يتزوجك لوكاس ؟ "

الترد بكل ثقة وإصرار...

وأكون عائلة كبيرة أيضا... ولهرم معا وأحفادنا حولنا يلعبون... لا يوجد في الحياة كلها أجمل من الحب وتجشده في بيت يغمره الدفء وأولاده مرحين وزوج مخلص... فالامر يستحق الانتظار

والمحاولة.. مادام يحبني فسوف يقدم على الزواج في يوما"

الترفع سبابتها في وجهه محذرة اياه...

"فقط ابتعد عنه.. واتركه لي حيا سليما... بدون عامات."

لوكاس هو حب حياتها .. طالما سعت لأن يعود الإسبانيا ليسير أملاك عائلته ويعيش حياة

طبيعية بعيدا عن أعمال المافيا الخطيرة، ويكف عن تعريض نفسه للموت كل يوم، لكنها لم تفلحفي قطع رابطة الصداقة المميتة بينه وبين يمان، لم تفلح في تقليب كفتها على كفة يمان في میزان لوکاس...

نظر إليها يمان بملامح هادئة...

صدقيني است حقيرا لدرجة أن أضر بصديقي أو أمنعه من تقرير حياته، كلاكما مهمان بالنسبة

لي لذلك أنا لن أتدخل بينكما، إن قرر يوما ما العودة إلى اسبانيا لن أمنعه أبداً، لكن إن اختار

البقاء فلا تلوميني، بل لومي نفسك لعدم اختياره لك"

المقطع حديثهما صوت لوكاس من داخل الجناح .....

me haces falta mi amor"

( اشتقت لك حبي..."

ابتسم يمان وهو يهز رأسه بلا فائدة متمتما ...

"جاء على السيرة "

فركضت مارسيلا نحوه بسعادة بالغة، كطفلة صغيرة لتقفز عليه وتتشبث بعتقه لافة ساقيها حول خصره حتى كاد يقع ....

"مهلا أيتها الفتاة الطائشة، سوف تتسببين بسقوطي وتمنحين يمان مبررا كي يسخر مني "

كانت سعيدة ومنتشية في حضنه غير عايدة بوجود بمان، فراحت توزع قبلاتها الحارة على وجهه وعنقه ....

"اشتقت اليك"

ليهمس في أذنها ..

" وأنا كذلك "

انزلها ليطيل النظر لعينيها الزرقاوين قبل أن ينسحب يمان تاركا الثنائي وحده قائلا

"مارسيلا لا تلهي لوكاس عن عمله.. وإلا سأعيدك في أول رحلة إلى بلدك ... esta claro أهل هذا

واضح ؟..

" لترد بالزعاج...

..."نعم أيها الزعيم ..Si jefe"

ثم وجه كلامه للوكاس "سانتظرك في غرفة المكتب.. لا تتأخر "

ما إن أصبحا بمفردهما .. وبدون سابق إندار اختفت ابتسامتها وحل الغضب مكانها بشكل مفاجئ للتبعها يصفعة مدوية على حد لوكاس الذي صاح من الصدمة....

هل جننتي ... ماذا دهاك؟ كنت لطيفة منذ لحظة "

عيست في وجهه لترد باستياء....

"هذه الصفحة هي عقابك على الرعب الذي جعلتني أعيشه الاسبوع الماضي... كدت أموت من الخوف عليك وأنت تتبادل إطلاق النار مع أحدهم كانك تلعب البابجي، ولم أعرف عنك شيئاً إلا في اليوم الموالي بعد استيقاظك من النوم كأن شيئا لم يكن... في حين أنا امضيت ساعات من الهلع والبكاء.. لم تكلف نفسك عناء الإتصال بي وطمأنتي عليك... أنت حقا نذل وحقير.. وتبا لي لأنني لازلت أعشقك بكل جوارجي "

انهمرت الدموع على خديها فلم يتحمل لوكاس رؤيتها تبكي ليعانقها مواسيا لها وهو يداعب

شعرها الناعم .....

أسف حقا لجعلك تعيشين ذلك... لقد باغتونا فلم أنتبه أن الخط مفتوح، ثم أننا تحدثنا بالموضوع لاحقاً وظننت أنه قد خل "

الترفع رأسها إليه .....

الان فقط قد حل... بشكل جزئي طبعا.... لانك باستمرارك في هذا العمل لن يحل كليا حبيبي... ولن تكون آخر مرة أعيش فيها مثل ذلك الشعور البشع ...

لم يدعها لوكاس تتمم كلامها ليقاطعها بقبلة طويلة وعميقة على لغرها، فهي الطريقة الوحيدة الإخراسها وانهاء الموضوع واطفاء جدوة شوقه لها، ورغباته بسرقة لحظة مليئة بالشغف قبل أن يغادر العمله.. شغفه الثاني...

أنه أطول شهر في حياتها عاشت أيامه بلياليها دون أدنى كلل وتعادل رغم التعب الجسدي. والعقلي حتى أنها قلصت ساعات نومها لتكسب مزيدا من الوقت للتدرب على الرقصات الاستعراضية، وقد ساعدها في ذلك جسدها النحيف ورشاقتها وقواعد الرقص الكلاسيكي

والجورجي اللذان تعلمتهما في الطفولة.

إذ كانت والدتها حريصة على أن تتعلم أصول الباليه الوطني لبلادها في معاهد خاصة به في إسطنبول، كاي فتاة جورجية تعتز بأصلها وثقافتها وجمالها، لكن بعد وفاة والدتها بحادث سير أخرجها والدها من معهد الرقص وتوقف حلمها عند هذا الحد...

كانت تأتي مدربة أجنبية للإشراف عليها طوال اليوم فقط حتى تبدو حركاتها متناسقة مع بقية الفرقة التي ستصحبها في الرقص وايضا مقنعة بشكل مقبول، بينما تتكفل جوليا بتلقينها دروسا في فنون الإغراء وكسر حاجز الخجل والتردد وتعزيز ثقتها بنفسها.

اما جودت فكان تخصصه هو الفنون القتالية وتقنياتها لضيق الوقت اكتفى بتقنية واحدة وعلى فاليريا أن تنفذها بمهارة وهي الطعن بسرعة وخفة وقوة في آن واحد...

نجاح الخطة تعتمد أساسا على تعلمها لتلك المهارة فلا جدوى من بقية التدريبات اذا لم تتمكن من رقبة عدوها اليقظ وسريع البديهة دائما...

في هذه الليلة تقلبت في فراشها تحاول النوم بصعوبة، وفي ظل الأجواء العاصفية في الخارج وصوت الرعد استحال نومها، فخرجت من غرفتها إلى قاعة فارغة خصصت للتداريب اليومية حيث لازالت الدمية القتالية التي تستخدمها لاتقان تسديد الطعنات تتوسط الغرفة المظلمة...

كانت لا تزال واقفة عند المدخل بينما يضرب البرق خارجا ويضيء الغرفة عبر النافذة فتظهر الدمية القتالية بوضوح في ثانية لتعود الغرفة الظلامها الدامس.

مع توالي ومضات البرق وشرونها في الدمية أصابتها هلوسة بصرية فأصبحت ترى امامها قاتل أبيها يقف وسط الغرفة يحدق بها بعيون يتطاير منها الشرار وهو بنفس الهيئة التي رأته عليه أول مرة.

لوهلة تجمد الدم يعروقها وتسارع خافقها بين اضلاعها فأغمضت عيونها تهز رأسها نافية ما رأته فهي متأكدة أن هذا نتيجة للتعب والإرهاق الشديد وقلة النوم، نعم أنها تتخيل فحسب.

فتحت عينيها من جديد بعد أن أخذت نفسا عميقا مقنعة نفسها بأنها تهلوس، وأول ما رأته كان عيداه الناريتين وانفاسه الحارة تلفح وجهها ويده الغليضة تطبق على جيدها تخنق الحياة في وريدها.

أطلقت صرخة استغاثة، أفاقت جوليا على اثرها لتركض باتجاه غرفتها فوجدتها تلهث والخوف قد تمكن منها اقتربت لتجلس بقربها على السرير تحاول تهدئتها...

" يبدو أنك رأيتي كابوسا مرعبا، هوئي عليك فقد انتهى ."

مسحت فاليريا على وجهها المتعرق وشعرها الكستنائي محاولة تنظيم وتيرة تنفسها، كان حلقها جافا فأشارت إلى قنينة الماء فوق المنضدة لتلتقطها جوليا وتملأ كأسا لها، ولما ارتوت وسكن ما بها افضت لها بما رأت...

"إذا كان الحلم هكذا، فكيف سيكون الواقع حين اواجهه ؟ كيف سأنظر إليه دون أن ارتبك. أخشى أن تخذلني يدي ولا تصل لرقبته "

التمسك جوليا وجه فاليريا بين يديها وهي تنظر داخل زمردتيها الخائفتين...

"ما رأيته فيك من قوة الإرادة والتفاني والإصرار في هذه المدة لا يمكن أن يصدر من شخص سيتراجع ويخاف عند اللحظة الحاسمة، ما يحصل معك أمر طبيعي لا يعني أنك جبالة أو ضعيفة، انعدام الخوف والحذر هو جنون وأنت لست مجنونة

سكتت لبرهة تتأمل شرود فاليريا وحيرتها...

"هل تريدين التراجع؟ إن كنت غير قادرة على هذه المهمة توقفي هنا وعودي لحياتك "

قطبت فاليريا حاجبيها وهزت رأسها رافضة

افتراح جوليا التي استطردت...

" بلي لم يفت الأوان للتراجع بعد.. لا أريد أن تتأذي... أقول هذا لمصلحتك."

لم يزدها كلامها إلا إصرارا وعنادا لتنهض كانها تنفض عنها التخاذل والخوف قائلة بعزم ..... "أنا ابنة أبيها لا أترك عملا إلا وأنجزته ولا هدفا إلا وحققته مهما كلفني ذلك.. وإن مت يكفيني

شرف المحاولة..."

خرجت من غرفتها إلى تلك القاعة فأثارت مصباحها، ومدت يدها نحو السلاح الذي تستخدمه وتقترب من المجسم البشري موجهة كل حقدها نحوه تطعنه بكل قوتها طعنات متتابعة في نفس المكان وبحركات وخطوات مدروسة، بينما جوليا تراقبها من بعيد وتسمع كل عبارات الحقد والوعيد بالانتقام الصادرة من تلك الشرسة والعنيدة...

هي حقا معجبة بها، إذ لم ترى في حياتها فتاة جسورة بهذا الاصرار والتحدي.. يبدو أن اختيار جودت لها لم يكن عن عبث أو ضربة حظ...

أخيراً عائق الحرية وهو يفتح ذراعيه للشمس والهواء العليل... انفرجت أساريره وهو يرى الزعيم يترجل من السيارة للقائه ومعانقته ...

ثلاثة أشهر قضاها يلتشن بالسجن وها هو يخرج برينا من كل التهم ليعود سجله نظيفا قانونيا بالنسبة لمحكمة الأرض... عاد كما ولدته أمه... كأنه لم يرتكب جرائم بحياته.. فالمال الذي يشتري الذمم يستطيع تلميع السمعة وتنظيف الشرف...

خرج وكله حماس ليملا سجله بانجازات اجرامية جديدة.. عائق أخاه بود وحب عناقا يجعل من هو خارج هذه العائلة بتسأل باستغراب عن الأهمية التي يوليها أشخاص غلاظ القلوب مثلهم

للأخوة والوشائج العائلية.

كيف يحبون بعضهم البعض ويتأزرون ويتكاتفون.. كيف لقاتل بدم بارد أن يعرف معنى العائلة

ويقدسيتها حد التضحية بالنفس مقابل الجماعة....

ولعل هذا هو سر قوة تلك العائلة واستمرارها لعقود.. هو محافظتها على التماسك الداخلي لهيكلها .. رغم اختلاف المصالح والمناوشات بين افرادها....

حين يتعلق الأمر بمكانة العائلة وبقائها على قمة السلطة والجاه.. يذعن الجميع الإرادة الزعيم الذي يتحلقون حوله ليحتكموا إليه .. ويجمعهم على كلمة سواء...

باتشن الابن الأكبر لهاندا وسيم ككل رجال آل اوزيتش، بشعر بني حليق اللحية وطويل القامة معظم ملامحه أخذها من والدته لكنه أخذ حتى طباعها، فرغم حبه لأخيه الأكبر إلا أنه يميل الأفكار وطموحات والدته في الحكم والسلطة.. ويرى الأمور بمنظار أمه ولولا سلطة الأخ الأكبر

عليه لطفى وتسلط...

استقبل باتشن بالحبور والتصفيق والتبريكات بالحرية والبراءة.. فكانت هاندا أول من استقبلت ابنها البكر بالاحضان والدموع... دموع الفرحة.. لتلتقي عيناها بعيني الزعيم فتبتسم له بامتنان وتقدير على صنيعه...

حتى رسلان الذي كان يتجنب المناسبات والتجمعات العائلية هربا من مواجهة الزعيم وإهاناته وتصغيره له أمام العائلة .. كان ضمن المستقبلين.. فما حدث له في الفترة الأخيرة قد كسر شوكته واخرس لسانه عن الانتقاد ويت سمومه في قلب وعقل منار التي تشعر دائما أنها بين مطرقة اخيها وسندان زوجها...

الجميع كان حاضرا باستثناء ضيا الذي كان في الجامعة لإلقاء بحثه أمام الطلبة واستاذه لسوء حظه تزامن خروج أخيه مع الموعد الذي حدده أستاذه، وها هو يعتلى منصة العرض أمام همس الطلبة ونظراتهم الفضولية والمترقبة.. كأنهم يستعدون لمشاهدة عرض كوميدي على وشك البدأ.. فأغلبهم يعرفون أن ضيا أوزيتش لا يهتم بالدراسة والتحصيل العلمي.....

عم صمت رهيب أرجاء القاعة لدرجة أن القلم إذا وقع على الأرض سيسمع آخر طالب بالخلف صوت ارتطامه

لا أحد يود تقويت هذه اللحظة التاريخية للضحك والسخرية من ملك التنمر الذي طالما أذاقهم الويلات، كل الأنظار نتجه إليه ليبدأ إلقاء بحثه حول الاقتصاد الاجتماعي...

كان في غاية التوتر وهو يلعن تحت أنفاسه .... دقائق مرت عليه كالدهر وهو يلقي بحثه ويشرحالأفكار الواردة به... شيئاً فشيئا شعر بالاسترخاء وتشجع أكثر المواصلة ما يفعله مستنتجا من

ردة فعل الجميع أنه بيني بلاء حسنا وأنه خيب ظنهم في اضحاكهم عليه.

في غفلة منه كان هذا الحدث الاستثنائي يصور ولبث مباشر للزعيم الذي يشاهده من غرفة مكتبه ببرود وملامحه خالية من أية تعبير اطفا هاتفه ونظر من الشرفة إلى الجلسة العائلية في

حديقة القصر...

عودة يلتشن أدخلت السرور إليها وأزالت التوتر الذي ظل ملازما للقصر منذ القبض عليه .. لكن الصورة لم تكتمل كما أرادها الزعيم.. فغياب والده ومرضه كان ينغص راحته، ويجعله يدرك يوما بعد يوم أنه قد غاص حتى الأذنين في مسؤوليات جسام تخنق انسانيته داخله وتجعل يمان يتوارى حد التلاشي خلف قناع الزعيم الصارم والقاسي إلى الأبد...

زفر بإرهاق والتفت نحو رستم الواقف في صمت خلفه منذ لحظات منتظرا الإذن بالكلام.....

هات ما لديك رستم......

ليتحدث الأخير بأسي...

"السيد هارون متعب جدا وقد صار يلمح .."

قال الزعيم مقاطعا...

"لا تكمل... زودوا له جرعة المسكنات وجهزوه الزيارة يلتشن له.. يجب أن يكون بحال جيدة وهو

يرى ابنه الخارج من السجن... لا أريد أي شيء يعكر صفو هذا اليوم."

احتى رستم راسه احتراما...

"حاضر أيها الزعيم .....

تم خرج بهدوء كما دخل .....

رن هاتف الزعيم ليرد على المكالمة، فسمع خبرا يثلج الصدر.. اخيرا نجح ضيا في الاختبار الذي فرضه عليه بالاتفاق مع أستاذه، عله يتعلم درسا مما حصل ويستفز روح التحدي والاجتهاد في

شخصيته المتمردة والطائشة...

ويبدو أن الخطة اثمرت النتائج المرجوة، فهناك معادن لا تكشف عن بريقها إلا بتعريضها للنار والحديد.. ضيا جوهرة مميزة يسعى يمان لوضعها في مكانها المناسب فهو لن يسمح لع يدخول. عالم المافيا المظلم، فلن يحصد فيه سوى الأعداء والضحايا على حد سواء.. حاملا روحه بين

كفيه منتظرا موته في أية لحظة ....

لقد رسم طريقا مغايرا لضيا، فأراد له أن يكون الوجه المشرق للعائلة كأخته منار.. وربما أفضل.

"إذا نفذ ما اتفقنا عليه، لوكاس"

التى أو امره ثم أقفل هاتفه وعاد الشروده وهو يراقب تلك الجلسة العائلية من شرفة مكتبه ......

"اعترف أنك اذهلتني اليوم، كأنني أرى أمامي شخصا آخر غير ضيا أوزيتش"

قالها وهو يعدل نظاراته ايبادر ضيا بسؤاله المنتظر.....

" هذا يعني أنني سأعود لحضور حصصك أيها الأستاذ؟"

ليجيب الأستاذ بابتسامة عريضة.....

"بالتأكيد..."

وقبل أن يكمل كلامه كان قد اختفى من أمامه تاركا الأستاذ يستهجن عدم مبالاته.....

شاب مغرور لا يحترم أستاذه.. لولا أنه أوزيتش السررت بطرده."

خرج ضيا مسرعا رفقة الب..

لما كل هذه العجلة !؟ الن تحتفل معا بإنجازك الكبيرة لقد كنت رائعا حقا والكل صفق لك خاصة الفتيات لقد ارتفعت أسهمك لديهن أيها المحظوظ لم تتوقع أن يصدر منك مثل هذا الأداء الباهر

لقد صدمت الجميع"

ليجيبه ضيا...

"اليوم خرج أخي من السجن وهو بالقصر الآن، يجب أن أعود لا أريد أن أفوت حفلة الليلة بالنادي، وطبعا سوف توصلني اليوم لأنني لن أنتظر الحافلة اللعينة بقية اليوم."

وصلا إلى موقف السيارات إذ يجموع من الطلبة يتحلقون حول أحد السيارات مما أثار فضولهما

ليتوجها إليهم....

اتسعت عيون ضبا ورفيقه حاله حال الجميع عندما وقعت عيونهم على سيارة رياضية من نوع Aston Martin الفارهة ليصيح ضيا...

"هذه أجدد إصداراتها متى دخلت البلد ومن صاحبها، تيا يا رجل... إنها سيارة أحلامي ....

شعور غريب يساوره بأن السيارة له، إذ لا يوجد بالجامعة من له القدرة على اقتناء سيارة فارهة

لا يوجد منها سوى عدد محدود بالعالم بأسره...

بينما هو سارح بأفكاره باغته لوكاس من الخلف وأطبق على رقبته ممازحا وهو يرفع علية

صغيرة أمام عينيه...

"مرحى للبطل... مبروك لقد رضي عنك الزعيم وفتحت لك أبواب خزائنه، فابقي عند حسن ظنه لتنعم بها . "

فتح ضيا العلبة غير مصدق والفرحة تكاد تفقده عقله، ليجد داخلها مفتاح السيارة ورسالة صغيرة ......

ضاجع عشيقاتك داخلها وسوف أخصيك.....

الفجر ضاحكا ومشيراً إلى السيارة الفارهة وهو يقفز ويصيح بهستيريا مثيرا موجة من الضحك والمرح حوله ......

"هذه هي فناتي أيها الزعيم فهي تغنيني عن كل حسناوات العالم"

صارخا بأعلى صوته ...

"... This is my girl"

ثم التفت إلى صديقه ألب مازحا .....

انتهت أيام الباصات وسيارات الأجرة والتقشف ولن أترجاك بعد الآن لتقتني بسيارتك القديمة ."

ليرد عليه الي يغضب مصطنه....

"تبا لك من ناكر للجميل " تم انطلق الثلاثة بالسيارة أمام انظار الانبهار والاعجاب من الطلاب المتحلقين بالمكان......

في المساء كانت ابواب النادي الليلي الشهير وسط اسطنبول مغلقة في وجوه زواره ومرتاديه. اليومين، حيث يعمل الموظفون كالنحل استعدادا للحفل الخاص الذي سيقام على شرف يلتشن... كان جودت نائب مدير النادي موجودا هناك ليقف على سير التحضيرات ملقيا تعليماته وتوجيهاته للكل، فالحفل سيجمع لحيا مهمة على قلتهم إلا أنهم شخصيات وازنة في عالم المال والأعمال ...

سيكون حفلا تنكريا خاصا تحبيه راقصات استعراضيات محترفات برشاقة اجسادهن وخفة حركاتهن وتناسقها وأزيائهن المثيرة والبراقة... موسيقى صاحبة وعروض الخفة... مشروبات من كل الانواع وطاولات القمار، وكل ما تشتهي أنفس الضيوف.....

كان أونور أول الواصلين لتفقد التدابر الأمنية فالداخل والخارج يمر من بوابة التفتيش وتسحب الهواتف أو أية أجهزة دقيقة من الموظفين والعمال والزوار على حد سواء باستثناء أصحاب المكان لضمان السرية والخصوصية...

بالنسبة لكاميرات المراقبة فهي موجودة بكل زاوية باستثناء غرفة الزعيم الخاصة وصالة كبار الزوار.. لحظات بعدها بدأ الضيوف في التوافد ليكون الزعيم اخر الملتحقين بالحفلة الخاصة مرفوقا بيلتشن ولوكاس...

أما ضيا فقد منع من حضور الحفل حتى لا يحتك بشخصيات تنتمي المدرك الأسفل من جحيم المافيا، ولكم ان تتخيلوا كمية الكابة والدراما التي جعل سكان القصر يشهدونها حين بلغه رستم أنه غير مدعو للحفل

في أحد غرف تبديل الملابس كانت مجموعة من الراقصات الاجنبيات ينتظرن بدم فقرتهن الاستعراضية بحماس كبير، يتحدثن فيما بينهن بلغة أجنبية، باستثناء فناة واحدة كانت تأوي إلى ركن بالغرفة في صمت تام وعيون متسعة تعض على شفتها السفلي وتشبك أصابعها بتوتر

شهر من المتابرة والاصرار قد أوصلاها إلى عرين الأسد حتى تقتص منه وتنفذ شوكة العدالة في بدنه، لقد دقت ساعة الحسم لا تراجع أو استسلام، هذه الليلة إما أن تخرج من هذا على قدميها ظافرة بمبتغاها أو جثة هامدة لتلحق بوالديها.

كانت مسامعها للنقط حديث فتاتين بنياب خليفة تحترفان الرقص على العمود ويبدو أنهما دائمتي العضوية هذا اخذتين راحتهما في الكلام ظلا منهما أن فاليريا اجنبية على غرار باقي الفرقة الاستعراضية، فانخرطنا في حديث جعل القشعريرة تسري في جسدها.. كنتا تتحدثان عن عدوها كأنه الأسد وكيف يتلذذ بالتهام فريسته ومدى إثارة زئيره للرازحة تحت مخالبه .....

نفرت نفسها النقية حديثهن الوقح عن مجون عدوها.. فأصيبت معدتها باضطراب أرغمها على الانسحاب إلى الحمام تتفرع ما يجوفها بسبب التوتر والخوف، كيف لا وقد جعلت من نفسها فريسة تستعد للارتماء تحت قدميه علها تستميله بين هذا الكم الهائل من الحسناوات...

ما هي إلا لحظات وستقف في مرمى بصره الحاد....

وقفت أمام مرأة الحمام تتأمل حالها وهي تزفر يحنق عليها إصلاح ما أفسدته بسبب مشاعرها المضطربة قبل بدأ العرض، فتمتمت تحاول شحن نفسها بمزيد من القوة والشجاعة ...

"هيا يا فاليريا ... بقى القليل فقط ... ما هي إلا لحظات وسينتهي كابوسك الأبد.. تشجعي واخرجي بكل نبات وثقة . "

عليها أن تستجمع تركيزها وتنفذ كل ما تعلمته باحترافية عالية، فهي تأخذ مكان قائدة الفرقة وستتقدمهم نحو المنصة...

"Jennifer.. it's Time" .. عادت لمكانها الخاص تضع الرئوش الأخيرة لتسمع إحداهن تناديها لترتفع رأسها ويرتفع معه مستوى الادرينالين في دمها... سحقا على تجهيز نفسي وتمالك أعصابي."

أخدت شهيقا وزفيرا عميقين، لم تتوقع أن يكون الأمر بهذه الصعوبة، فاضطرابها يزداد مع اقتراب لحظة الحسم الغمضت عينيها وتذكرت والدها فاتفدت عيونها ليزول اضطرابها وخوفها. وحل محلهما الحقد الذي يحركها قدما نحو هدفها ...

انهت تجهيز نفسها والتحقت بفريقها القابع خلف الستارة ينتظر الاشارة للظهور وإبهار الحضور.

في هذه الاثناء كان الزعيم يتوسط الجلسة وهو متكى إلى الخلف واضعا قدما فوق الأخرى يمسك المشروب بيد والسيجارة باليد الأخرى، يراقب بجمود دخول فرقة استعراضية جديدة... يقول جودت أنه قد استقدمها من أمريكا خصيصا للمناسبة، وتحت تصفيقات باقي الضيوف وارتفاع صوت الموسيقى، كن يرقصن على انغام اغنية on the floor بتماهي وتناسق منير للاعجاب بأجسادهن الرشيقة ودقة حركاتهن...

فجأة تغير ايقاع الموسيقى وتغيرت الأغنية إلى أخرى Money وتجمعت الفتيات في دائرة سرعان ما اتسعت و انفرجت كاشفة عن أيقونة من الجمال الأسر ممزوجا بالأنفة والكبرياء، فتاة بقد معشوق يفتك بالأفندة ويكسر كبرياء القناة على الحناءات وتموجات جسمها ...

شعرها الكستنائي بخصلاته المتدلية على أطراف وجهها، بعثرت مشاعر الحاضرين دولا عن غيرها .. بملامح وجهها الرقيقة وشفتيها الكرزيتين وعيونها الخضراء التي لم يفتح القناع في إخفاء فتنتهما.. ايقظت في كيانات أولئك السادة غرائز منقدة ورغيات متوحشة بامتلاكها والانفراد بها.. لولا أنها ليست للاقتراب واللمس بسبب جوازها الأمريكي.

كانت نظراتها منصبة نحوه هو فقط، تارة تقترب وتارة تبتعد وهو يراقبها ببرود لعين كأنه جبل جليدي أصم، لا تدري معه هل دكت أسوار رجولته أم أنه جلمود صخر لا يتزحزح ؟ كم هو بارع بإخفاء مشاعره خلف ملامحه الجامدة.. في حين عيون الآخرين تكاد تلتهمها ... كانت هي تشعر بنظراته الحادة وحدها، تخترقها وتحرق روحها حرقا، نظراته المتفحصة لكل انش من جسدها صارت شيئا فشيئا أكثر النهايا ووحشية مع تسارع الايقاع إيذانا بانتهاء العرض...

ادركت فاليريا أن الوقت ينفذ منها والاستعراض أوشك على الانتهاء والزعيم لم يبدي أي ردة فعل تجاهها رغم محاولتها الاقتراب والرقص والتمايل بنعومة ودلال بالقرب منه، حتى حسده الجالسون وأولهم يلتشن الذي قال للزعيم مازحا ...

"أليست هذه الحفلة على شرقي.. لماذا كل النسوة يتهافتن عليك خاصة تلك الحسناء؟ أي سحر تمارسه عليهن يا أخي!؟"

سحب نفسا من سيارته مو اصلا النظر إليها وشيخ ابتسامة شيطانية تغزو ملامحه القاتلة .....

"اسأنها بعد أن تخرج من غرفتي، هذا إن استطاعت السير"

الياقوم من مكانه فاردا طوله وهيبته على الحضور كما يفرد الصقر جناحيه ليحلق عاليا.. وترك المجلس تحت انظار فاليريا التي تحطمت امالها على صخرة غروره اللعين مع آخر حركة ونغمة ... التتعالى تصفيقات الحضور.....

لم تصدق أنها فشلت في المهمة وأنها أضاعت فرصة ذهبية قد لا تشكر للنيل منه، لتشعر بغصة خائفة في حلقها وصدرها يضيق بالحسرة وخبية الأمل، وعند نزولها من المنصة نظرت بأسف إلى جودت فتجاهلها كأنه لا يعرفها، لتدرك أنه غاضب لعدم تمكنها من اغواء الزعيم.

وقبل أن تدخل غرفة تبديل الملابس سحبها جودت من يدها في صمت تام منطلقا بها عبر الردهات لتسأله بتوتر...

" إلى أين تأخذني ؟"

لكنه لازم الصمت حتى أنه لم يلتفت إليها ...

زادت ضربات قلبها عنها واضطريت أنفاسها حين وقفا أخيرا أمام باب غرفة بالدور العلوي.

ليهمس جودت بكلمتين يتيمتين زادت من خوفها وأوقعتا قلبها بين قدميها.....

"حظا موفقا"

فهمت أخيرا أنها على أعتاب عرين الأسد.. لقد نجحت في اغوائه بالفعل... يا إلهي لقد اقتربت من تحقيق هدفها أخيرا... أخيرا سوف تثأر لوالدها حتى يرتاح في قبره.. احكمت ربطة القناع

وتفقدت شعرها بينما الأملها ترتعش...

فتح جودت الباب ودفعها إلى داخل الغرفة دون مقدمات دفعها إلى المصير المجهول مغلقا الباب عليهما، وكأنه لا يعرفها، فهنا تنتهي مهمته والباقي متروك لها ولحظها.

كانت غرفة نوم فاخرة بطابع أسود فضي بإضاءة خافتة يتوسط الغرفة أريكة جلدية كلاسيكية. الطراز عطره الرجولي كان أول ما استقبلها مباغثا حواسها، بينما يجلس مرجعا رأسه للخلف لا تكاد تستبين ملامحه، لكنها عرفت أنه هو فشياطينه تحوم في المكان جاعلة الأجواء ملتهبة ومشحونة بطاقة غريبة، كان قد جرد نفسه من سترته وربطة عنقه وأزرار قميصه الأبيض

مفتوحة لتفرج عن كتلة من العضلات المثيرة.

أخيراً رفع رأسه كأنه لاحظ وجودها للتو، نظر إليها بعيون منتهية من الرغبة يتفحصها من الأسفل إلى الأعلى ليشير إليها بيده...

..."Come to me, my little kitten"

فلمعت عيناها واشتغلت حماساء لتقول في نفسها ...

اقتربت نهايتك أيها القاتل"

ما إن تقدمت خطوة واحدة حتى أوقفها بإشارة من يده ثانية...

Crawl on your knees... Slowly and"

"softly like a cat

از حقى على ركبتيك.... ببطء ونعومة كالقطة)...

نظراتها الجريئة والملتهبة نحوه أثناء العرض، زلزلت كيانه وأذابت حصوله الجليدية، فجعله ذلك. يسخط عليها، ويرغب في إذلالها حتى يقتل أي مشاعر ضعف تجاهها فهي مجرد عاهرة مهما سطع نجمها ومهما علت، وأيا كانت جنسيتها، أمريكية أو من كوكب اخر الكل يذعن الزعيم ببساطة.

عضت على تاجذها وابتلعت الإهانة في صمت مع ابتسامة رضى وإثارة كما تفعل تساؤه، لتنزل على ركبتيها ويديها وتزحف باتجاهه وهي تتمايل ببطء قاتل أضرم النار في داخله حتى وصلت عند قدميه والحقد قد بلغ منها مبلغا ...

"what is the kitten's name..or do I have to choose a name for you"

أما إسم القطة .. أم على أن أختار لك إسما).....

الترد بالغراء...

"جينيفر.. قطتك الأليفة جينيفر"

فانحنى بجزئه العلوي إليها ولا يزال جالسا...

"أنت تركية إذا!"

نظر إلى عينيها الجميلتين لتخفضهما خوفا من أن يتذكرها أو يقرأ أفكارها ...

انظري في جحيم عيني أيتها القطة و أزيحي القناع اللعين"

كاد قلبها يسكت من شدة خفقانه، عليها التحكم بزمام الأمور قبل أن ينقلب السحر على الساحر يجب ألا ترتبك وهي بين يديه....

استجمعت شجاعتها وأزاحت القناع عن عينيها... فمد يده وأمسك ذقتها ليرفعها إليه، ثمة شيء مميز بهذه الفتاة بشده اليها رغما عنه، كانت جالية بين قدميه بدلال وأنوثة وضعف وهو من

فوقها يتفرس ملامحها الناطقة بالجمال والكمال...

في كل تفصيلة من وجهها يجد ما يدغدغ أعماقه، رغم ضعفها وضالتها كان هو يصرحه الشامخ والمتين من الخارج.. تأن خلجاته وترزح تحت هجوم انوثتها الطاغية وبراءتها التي استشعرها والتقط معالمها في نعومة بشرتها وعيونها المتسعة وسفتيها المنفلجتين عن أسنان كاللؤلؤ الأبيض..

كأنها جنة لم يطأها انس قبله... هذا ما يجعل كيانه يهتز لها وينجذب نحوها كالمغناطيس البريق الذي بعيونها الزمردية ليس غريبا عليه، يحاول أن يتذكر أين رأي هذه العيون غير أن شفتيها الاشيه بفاكهة ناضحة تدعواته لاقتطافها حالا در

فخر ملبيا رغبته القاتلة في التهام ثغرها الشهي، لافا يديه حول عنقها العاجي بتملك غريب رافعا إياها إليه لتتسع عيونها الزمردية من هول الصدمة حين أخذها على حين غرة.. وقبض على شفتيها بلا رحمة يستشكف فجوتهما بلا هوادة ساحبا روحها سحنا إليه رائحة عطره القوى

وطعم لسانه القاسي على تفرها الغض قد جعل داخلها يرتعد ويضطرب بجنون عاصف ليصرخ عقلها بأن اللحظة المنتظرة قد حالت....

يجب أن تكون حركتك سريعة ودقيقة وفي مقتل "

تذكرت كلمات جودت لتستل دبوسا مسننا وحادا من العاج من بين خصلات شعرها لتسدد طعنة قوية وسريعة إلى جيده وهي تنظر في عينيه بكره شدید تخفی به رعبها مما اقترفت يداها للتو...

شهر كامل وهي تعد العدة لهذه اللحظة بنفاد صبر حتى تقتص من قاتل أبيها، أخبرها جودت أنها لن تطأ الملهي دون تفتيش والمكان مزروع بالكاميرات والحراس، لا يستطيع جودت منها بالمسدس مثلا أو أي أداة قتل معدنية، وإلا سيكتشفون أمرها ...

"كيف سأقتله ؟"

رد جودت

بالسم، سوف تسممين قاتل والدك بطعنة من الدبوس الذي سيزين شعرك وحتى تمري من بوابة التفتيش دون أن يكشف أمرك سيكون الديوس من العاج الطبيعي الصلب وليس من المعدن، فقط يكفي أن تخرجيه من بين خصلات شعرك وتطعني به رقبته، لا يهم أن تكون الضربة قوية بقدر ما يجب أن تكون سريعة ودقيقة...

بمجرد أن يخترق الدبوس جلده ويسبب جرحا، سوف يخر صريعا على الأرض وهو يتلوى من الألم وسكرات الموت بعدها سوف أخرجك من هناك بطريقتي الخاصة قبل أن يقبضوا عليك... فنجاتك هي نجاة لنا جميعا...

تم تكلمت جوليا بدورها.....

"الفرقة الاستعراضية لديهم راقصة أساسية سوف تصاب بكسر عند قدومها إلى البلد وانت سوف تأخذين مكانها في الغرفة بهوية وجنسية مزورة.. سوف لتدربين على الرقصة الأساسية طيلة الشهر ولا دخل لك ببقية الراقصات، قللي الحديث معهن والاحتكاك بهن قدر الأمكان سوف تشرف مدربة رقص على تعليمك وجودت من سيكون مسؤولا عن تلقينك اساسيات الفنون القتالية لا تقلقي لن تجهدك كثيراً، فقط بعض الحركات وكيفية تنفيدها بدقة وسرعة لتتمكني من سل الدبوس وغرسه في جيده...

المادة على من الدبوس شديد السمية، قاتل فوري لا فرصة العدوك بالنجاة منه. وهكذا تكونين قد أخذت حق أبيك منه وحققتي العدالة بيديك، لا تخافي سوف تعلمك كل شيء وسنحرص على سلامتك، لن نتركك وحدك هناك "

نعم لقد فعلتها أخيرا، فعلتها وحققت هدفها، وهي تراقب أثر السم عليه حين أبعد شفتيه عنها وهو يشعر بألم حاد يسري في عروق رقبته لينتشر كالحمم البركانية في جسده، هذا ليس بالألم الذي يمكن أن تسببه مجرد شكة دبوس، إنه سم زعاف على وشك تمزيق أوصاله من الألم، لقد تعرض العملية اغتيال غادرة للتو.

نظر إليها بعيون محمرة كالدماء وعروق وجهه وعنقه تكاد تنفجر ... مطبقا على رقبتها بقبضة حديدية منعت عنها الهواء...

" انها أنت.. ابنة القاضي . "

التفضت في محاولة لتخليص نفسها منه وهي بالكاد تستطيع النطق...

"أنا العدالة والعقاب أنا فاليريا ما تشافارياني.. وأبي يقرنك السلام"

بابتسامة شيطانية ونبرة مرعبة زهر في وجهها....

" ادعي ربك ألا أنجو من هذا، أيتها القطة الصغيرة.. لأنني سأنبش القبور قبل البيوت الأجدك "

تراخت قبضته وبدأت قواه تخز ليتهاوى كالصرح العالي على جسدها الصغير فاقدا الوعي بالكامل. وعم صمت مخيف أرجاء الغرفة إلا من انفاسها اللاهثة وعينيها الجاحظتين، حاولت عبنا رفعه عنها لكن تخدر جسمها تحت ثقله لم يسعفها.

فجأة سمعت خطوات قادمة نحو الغرفة فنزلت دموعها يأسا وخوفا من نهايتها الوشيكة.

فتح الباب لتتفاجأ بيد تسحبها من تحت جسد عدوها الهالك وهي جامدة من وقع الصدمة، لا تستجيب.

"ماذا دهاك..؟ سوف تقوديننا إلى التهلكة . "

قالها جودت مزمجرا في وجهها يحاول عبنا ايقاظها من صدمتها وإعادتها إلى الواقع .....

"هيا قبل أن يكشف أمرنا ..."

ساعدها على الوقوف ليخرجها من منفذ سري إلى زقاق خلفي وجعلها تركب في سيارة سوداء التسرع بالإبتعاد من عين المكان تاركة خلفها فوضى يعلم الرب وحده إلى ماذا ستأول .....


تعليقات