رواية جحيم عينيك الفصل الرابع
المجزرة
النهاية.. أم انتظارها...
ما الأسوء؟..
ليالي إسطنبول الصاخبة بأضوائها المبهرة وضحكات العشاق وأغاني الحب مع نسيم البوسفور... لا وجود لها في بعض من ضواحيها الغارقة في الظلام والبؤس والوحدة الموحشة...
فلا يسمع في أزقتها سوى صوت ارتطام قنينات الكحول الرخيص بالجدران، وصباح المخمورين وهم يترنحون يمنة ويسرة بلا هدى، ومن بعيد يكاد يسمع صوت صفارة إندار الشرطة أو سيارة الإسعاف... ميزة هذا السواد المحيط بالمكان أنه يمنح التعيس رؤية فريدة لنجوم السماء البراقة
كالألماس.. لا شيء آخر....
"سأنبش القبور قبل البيوت لأجدك .....
استفاقت مفزوعة من نومها الذي بالكاد داعب جفونها بسبب الأرق، كانت تلهث والخوف قد تمكن منها ...
ذلك الصوت المرعب يتردد صداه في أعماقها حارما إياها طمانينة الغفوة لهنيهات، حتى تريحبدنها المتهالك من النصب وتوقف رحى عقلها عن الدوران الجنوني، أخذت نفسا متعبا ونهضت من السرير باتجاه النافذة تراقب هدوء الليل وانسدال ظلمته على حي مهمش في ضواحي
المدينة.
لم يمضي على مجينها إليه سوى سويعات قليلة لكنها كالدهر بالنسبة لها، منذ أن قفزت في تلك السيارة السوداء مغادرة ذلك المكان لم تتلقى أي خبر من جودت أو جوليا ولا تعرف مصير قاتل والدها هل لقي حتفه أم أنه ما زال ينازع.
لن يطيب لها العيش قبل أن ترى خبر هلاكه في القنوات التلفزية والصحف، حتى أن لذة الإنتقام كانت لحظتها قصيرة تماما كجرعة المخدرات التي توهم العقل بالنشوة في حين هي سم يهدم الجسد لينة لينة، ظنت أن نشوة الانتقام ستعيد السلام إلى روحها وتسكن وجع الفراق عن والدها لكنها كانت مؤقتة سرعان ما تلاشت لتتركها بين مطرقة الخوف من عودة ذلك الشيطان
من الموت وسندان ضميرها الذي يؤنيها....
هل ارتحتي بعد أن أصبحتي قاتلة مثله ؟.....
أما حسابات العقل المرعبة فشيء آخر.....
"ماذا لو نجا من الموت ؟.. إلى ابن المقر؟"
ليلة عصيبة على موظفي الملهى عماله وضيوفه على حد سواء لا أحد خرج من الملهى حتى تم التحقيق معهم جميعا، قليل هم من كانوا فوق مستوى الشبهات، لكنهم لم يسلموا من فظاظة وغلظة أونور ولوكاس أثناء التحقيق، إذ كانا يجاهدان للإستمرار في التحقيق والبحث عن الوغد صاحب الفعلة الدنينة....
أونور الذي كان مارا بالصدقة من أمام غرفة الزعيم استوقفه بابها المفتوح على غير العادة. فطرقه مستأذنا ثم دخل ليتفاجأ به ملقى على الأرض شبه ميت فركض نحوه ينادي عبثا، كان لا يزال يتنفس بصعوبة فتفقد نبضه الضعيف ليلمح جرحا داميا في رقبته لكنه صغير، فأدرك أن الزعيم تعرض لطعنة مسمومة خاصة وأن الديوس المسموم كان مرميا بالقرب منه.
اتصل بلوكاس وأخبره بالوضع وطلب منه إغلاق كل المنافذ والإبقاء على كل من بالنادي داخله ثم أجرى اتصالا آخر وهو يكاد يجن من الخوف على صديقه....
أخذ على جناح السرعة بسيارة إسعاف مجهزة إلى المستشفى الخاصة بالعائلة في سرية تامة وحتى الآن لا يوجد أخبار مطمئنة بخصوص وضعه الصحي...
"هل من أخبار يلتشن؟"
أونور سائلا عن حالة الزعيم ليجيبه الآخر عبر الهاتف
" لقد توقف قلبه لثوان قبل أن يعود إلى النبض بفضل التدخل الأطباء.. مع ذلك لا تزال حالته خطيرة . "
تبع ذلك صمت مرهق ميتلها ريقه قبل أن يواصل
" أونور.. أنا خائف.. ماذا سيحصل إن مات ؟ "
كان صوته يرتجف وبالكاد يتكلم من شدة التأثر لم يستطع أونور تمالك نفسه فبدأ يضرب ويركل محطما أي شيء يصادفه أمامه بيأس وألم، شعور العجز لا يحتمل حقا .. ليصبح بغضب ياتس...
أين قصرت؟.. أين أخطأت... سحقا ..
لم يكن لوكاس أحسن حالا من الآخر، فهما الصديقان المخلصان للزعيم حتى أنهما ربطا حياتهما به و عاهداه على حمايته...
العلم أونور شياطينه الهائجة وبراكين غضبه ماسحا جبينه بإرهاق ليتوجه لغرفة التحقيق في فيو الملهى ويستأنف التحقيق...
وجد لوكاس قد صب جام غضبه على جودت المربوط بكرسي بلا حول ولا قوة مستسلما تماما الضرباته .....
صاح جودت بارتجاف ويأس ووجهه يقطر دما......
"صدقني لوكاس، لا أعرف عن تلك الفتاة أكثر مما قدمته لك وسجلها أمامك ... ثم كيف يمكن أن يساورني الشك في فرقة استعراضية أجنبية استقدمتها بأمر منكم؟"
فجأة دخل أحد الرجال مقتربا ليهمس في أذن لوكاس ثم التفت الأخير إلى جودت بربية ....
"كيف لا علم لك بأن الراقصة الأساسية تعرضت للكسر وهي ترقد في أحد المشافي وباقي الفتيات ينكون أية صلة لهن بالراقصة البديلة، إذ لم تلتحق بهن إلا قبل بدء العرض بيوم واحد" فرد نافيا ....
"لا أعلم... استقبلتهن في المطار وضمنت لهن إقامة مريحة فتكلف أحد مساعديني بالباقي المهم عندي كان تواجدهن بالحفلة"
.. باغثه لوكاس بلكمة نحو وجهه الدامي صارخا به...
"هوية تلك الفتاة مزورة هي ليست أمريكية. كيف لم تفطن لذلك ؟ ما هو عملك إن لم تتحقق من هوية من تجلبهم ؟ "
كان لوكاس على وشك تسديد لكمة أخرى فأمسكه أونور مبعدا اياه عن جودت وسحبه من ذراعه خارج الغرفة ...
توقف يا لوكاس هذا يكفي، سوف يموت بين يديك حتى الآن لا يوجد دليل قاطع على ضلوعه في المؤامر، لكنه على أية حال هو مقصر في عمله"...
ليرد لوكاس صارخا بانفعال...
طبعا مقصر وهذا كافي لأقطع رقبته، ذلك الحقير ...
سكت لبرهة ثم استطرد متسائلا...
كيف استطاعت تلك الفتاة الخروج ؟ ومن ساعدها؟ وكيف أن الكاميرات لم تلتقط هروبها الماكر؟ تبا .. تلك الفتاة عرفت كيف تفلت من أجهزة الإندار وتمرر دبوسا مسموما من العاج إلى هذا والأدهى من ذلك تلمست طريق الخروج بسهولة، كيف عرفت كل هذا؟ الجواب هو أن بيننا خاننا يا أونور نحن مخترقون من الداخل .....
ألقى الآخر نظرة خاطفة على جودت داخل الغرفة تم همس للوكاس بحذر وعيون ملؤها المكر...
" سنطلق سراحه، إن كان هناك ما يخفيه سوف نكتشفه، لا بد وأن يخطئ"...
اعترض لوكاس بضجر...
"ولما كل هذا التعب، أعطني الضوء الأخضر وسأجعل العاهر يعني كالبليل - "
ليشد عليه أونور بنفاذ صبر...
"تيا لوكاس.. إفهمني فقط، جودت أحد رجالنا الأشداء ولديه قدرة تحمل مذهلة، لن تستطيع
جعله يعترف إن كان هو الفاعل، يكفي ما فعلته به حتى الآن سنطلق سراحه على أساس أنه
فوق مستوى الشبهات وستراقبه تحركاته عن كتب."
في إحدى غرف الاستقبال للمشفى كان أفراد عائلة أوزيتش مجتمعين بين واقف يجوب الغرفة جيئة وذهابا بتوتر كضيا، وجالس باريحية يحاول تقمص دور القلق والمهتم وداخله يتراقص فرحا، تماما كهاندا ورسلان، رغم اختلاف دوافعهما وأهدافهما لكنهما يتشاطران كره الزعيم، في حين سارة ومارسيلا لم تتوقفا عن ذرف الدموع ... أما يلتشن فكان الخوف هو الغالب على مشاعره.. الخوف من فقدان الخيه وسنده والسد المنيع للعائلة من الأخطار المحدقة بها ...
اخرجه صوت والدته من شورده وهي تربت على كتفه...
"يجب أن تكون أقوى من ذلك يا بني، فأنت ستكون على رأس العائلة وزعيمها بعد يمان"
شعرت بنظرات مارسيلا تخترفها كالسهام... لتتدارك مبررة....
" يعني في غياب يمان ومرضه يجب أن تستلم زمام الأمور رينما يشفى "...
ملتقتة لبقية العائلة قائلة ...
"هل أنا مخطئة ؟"...
رفع ضيا رأسه يرمق أمه بنظرة استهجان لا يصدق أنها تتحدث في أمور كهذه في هذه اللحظات
العصيبة وأمام الجميع ....
"أمي من فظلك هذا ليس وقت كلام كهذا، المهم هو أن ينجو يمان ولا أهمية لشيء آخر."
وبنظرة خاطفة نحو يلتشن واصل باستهزاء.....
... فلا أحد يعوض غيابه أساسا"
التعقب منار المنهارة على كتف زوجها.....
"ضيا لديه الحق يا أمي لا الوقت ولا المكان يسمحان بمناقشة أمور كهذه... أرجوك "
منطق رسلان أخيرا بعد صمت طويل يتخد جانب حماته التي استفرد بها أولادها ...
"أنا أرى أن حماتي محقة، لا يجب ترك منصب الزعامة شاغرا خاصة أن يتشن موجود."
رمقه ضیا بازدراء ليوجه كلامه المدار بلهجة ساخرة...
منار هلا اسكلي زوجك المصون من فضلك"
دخل الطبيب ليستشعر تكهرب الأجواء في الغرفة وتوتر الجميع، فهرع يلتشن بسؤاله عن حالة أخيه ليمنحهم الطبيب نظرة مطمئنة محاولا تهدئتهم وبت بعض الأمل في نفوسهم....
صحيح لا تطور في حالته الصحية، لكنه يقاوم بشكل مثير للدهشة حتى الآن، هو مازال متشبتا بالحياة وهذا خير جيد كون السم الذي دخل جسمه مميت ولا يدع فرصة للنجاة، إن تجاوب جسمه للعلاج في الساعات المقبلة سوف ينجو... على العموم أمامنا متسع من الوقت المعرفة مصيره ادعوا له بالشفاء هو تحت رحمة خالفه"
خرج الطبيب تاركا صمتا ثقيلا يغزو الغرفة من جديد ليعود كل واحد منهم إلى شروده، مخاوفه وأحلامه...
لم تكن جوليا أفضل حالا من جودت وفاليريا، فقد بلغ بها التوتر والترقب مبلغا لم يعد معه الصبر ممكنا، فالتقطت سترتها الجلدية وحقيبتها للخروج من شقتها، إذ بها تصادف جودت عند الباب لا تكاد تستبين ملامحه من أثر الجروح التي تغطي وجهه فسألته بفزع بينما تسنده لمساعدته على الدخول ...
جودت من فعل بك هذا؟"
أدخلته وأسرعت تحضر له علية الاسعافات الأولية قائلة بقلق....
"يجب أن يراك الطبيب ما عساي أفعل لوجهك المشوه هكذا ؟!"
رد وهو يتألم من لمسها لوجهه...
" افعلي ما تقدرين عليه وكفي عن التذمر، الحمد لله أنني خرجت من هناك حيا.."
ابتلعت ريقها بصعوبة...
" تعني أنهم اكتشفوا أمرك؟"
فرد بتأفف ...
نبا جوليا، الخوف ألغى عقلك تماما، لو اكتشفوا أمري هل كنت سترينني !؟ لقد أطلقوا سراحي
لأنهم لم يمسكوا دليلا واحدا ضدي، كما انني لست أي موظف عندهم...؟!"
سالت بحماس وهي تضع المطهر الكحولي على جروحه...
" هل مات الزعيم ؟ "
ليجبها وهو يتألم من لسعة المطهر...
" انهم متكلمون عن حالته، لكن من المؤكد أنه مات أنا رأيته بنفسي ممددا بلا حراك فوق فاليريا.
تلك الغبية لو لم أسحبها من تحته كانت ستفضحنا بلا شك "
توقفت جوليا عن تضميد جراحه لتتنهد بحزن عميق مما جعله ينظر إليها ويسألها بقلق ...
"ما بك؟ ذكرت اسمها وتجهمتي، هل حدث شيء؟"
حركت رأسها نافية ...
"لا.. إنها في مكان آمن لكن... ماذا سيكون مصيرها الآن"
أشعل جودت سيجارة على نشوة النيكوتين تخفف تصدعات رأسه جراء اللكمات العنيفة وقال بارهاق.....
"هذا لا يعجبني يا جوليا، حذرتك مرارا من أن تدعى عواطفك تتحكم بك، نحن في عالم لا يعترف بالمشاعر لأنها تؤدي للهلاك المصالح هي التي تحكمنا يا عزيزتي أينما تكون مصلحتنا تكون"
رمت الضمادة بسخط وقامت من أمامه....
"شهر ليس بالهين یا جودت، رافقتها في كل لحظة، روحها النقية وشخصيتها المميزة ذكرتني بأختي الصغيرة وجعلتني أحبها، لقد كنت كل ليلة أسمعها تبكي على والدها فأشعر بتأنيب الضمير تلك الفتاة لا تستحق ما حل بها وبوالدها، نحن احظ وأقذر من يمان أوزيتش لأننا قتلنا رجلا نزيها لتوريط ابنته في لعبة قذرة دمرنا حياتها ويتمناها وجعلنا منها مجرمة، فقط من أجل المال، لا أرى أسفل من هذا الدرك الذي وصلنا إليه يا جودت"
... زفر جودت دخان سيجارته ونهض مقتربا منها بغضب ليطبق على فكيها بيد ويضع المسدس على جبينها باليد الأخرى...
" إن تكلمتي نصف كلمة بخصوص هذا الموضوع سادفتك مكانك ولن أضع بالحسبان علاقتنا
التي دامت لسنوات مفهوم؟"
التجيبه وهي تنظر داخل عينيه المشتعلتين غضبا بجمود...
"مفهوم."
تركها معيدا المسدس وراء ظهره ليسمعها تسأله بيأس.....
"هل سيقتلونها ؟"
هز راسه بأسف.....
فاليريا ما تشافارياني أصبحت ورقة محترفة يا جوليا، لكن بقاءها حية سيجلب لنا المتاعب. مختار دينيز لن يبقي على دليل وراءه أكيد سيقتلها قبل أن يعثر عليها رجال الزعيم، وهذا المصلحتنا أيضا، أن ظهرت الحقيقة ستقع مجزرة بين العصابتين لا يعلم ضحاياها إلا الله وأولهم أنا وأنت"
فرك جبينه من الألم والإرهاق ليواصل حديثه......
تبا لهم من أوغاد كيف يتأمرون ويغدرون يبعضهم، ذلك الحقير مختار كان جالسا في حفلة أمس يتعلق الزعيم وأخاه بنفاق مثير للتقزز يستحق عليه جائزة الأوسكار في لعق الأحذية"
سكوت جوليا لم يرح جودت ليقترب منها ثانية.. وهذه المرة بنيرة هادئة ....
"جوليا حبيبتي، إنسي أمر تلك الفتاة والتفتي إلينا قبل أن نهلك، سنرمي كل شيء خلقنا لنبدأ حياة جديدة، لقد صرنا أثرياء يا جوليا"...
عاتقها لتكتفي هي بالصمت مستسلمة على كتفه ....
انتشرت إشاعة تسمم الزعيم كالنار في الهشيم، فدارت رحى حرب جديدة حول الزعامة وفرض السيطرة فوجد يلتشن نفسه أمام تحد كبير لفرض هيبته بين عوائل المافيات وقمع تمرد بعضها.
تم تشديد الحراسة على أفراد العائلة واستنفر رجال لوكاس وأونور الحماية مخازن السلاحالسرية من الاقتحام والنهب كل من كان يقبل الأيادي لنيل رضى الزعيم صار يتحين الفرصة التدمير العائلة الضعيفة، فالأب طريح الفراش والابن تتأرجح روحه بين الحياة والموت.
في مقر أعمال أوزيتش.. كان يلتشن برفقة أونور وهما يتجهان إلى غرفة الإجتماعات بطلب من
ممثلي تلك العائلات المعرفة حقيقة الوضع وتحديد المواقف على أساسه.
" الاوغاد كأنهم ينتظرون هذا بفارغ الصبر"...
يلتشن متمتما قبل أن يدخل ويجلس مكان الزعيم ليترأس الجلسة المشحونة تلك ونظرات البقية ترمقه بحدة فبادر قائلا...
"أعرف جيدا ما يدور في أذهانكم ومن الأفضل الالتزام بالصمت إن لم يكن لديكم كلام منطقي وحل مناسب لتجاوز هذه الأزمة "
فبادر مختار دينيز المنافس الأبرز على الزعامة بغرور وغطرسة ....
عفوا من تكون اتملي علينا ما يجب فعله الشخصين الوحيدين المخولين بإصدار الأوامر أصبحا من الماضي".
اغتاظ يلتشن من كلامه ...
"ماذا تقصد بكلامك هذا؟"
لیرد مختار بلهجة صارمة ...
"ما أقصده هو أن زمن احتكار عائلتكم لمنصب الزعامة قد ولى في هذه القاعة يوجد خيرة الرجال بخبرتهم الكبيرة وباعهم الطويل، لا أحد هنا سيرضى أن يرأسه خريج سجون مثلك "
ما إن سمع يلتشن ذلك حتى انتقض مشهرا مسدسه في وجه مختار مما دفع البقية لفعل نفس الشيء ردا على حركة يلتشن، فعم صمت تقيل غرفة الاجتماعات والكل على أعصابه ليتدخل رجل عجوز بوقار وحكمة ...
"إهدأوا من فضلكم وانت يا يلتشن، من العيب أن تشهر سلاحك في وجه من هو أكبر منك، أنت بهذا التصرف تثبت صحة كلام مختار، ولا تصلح لقيادة هذه الفترة العصيبة، الوضع بدأ يخرج عن السيطرة، عصابات الشوارع تعيث في مناطق نفودنا فسادا، آخر الأخبار كانت سطوهم على شاحنة أسلحة متجهة إلى الميناء، نحن نخسر أموالنا كل ساعة بسبب هذا الارتباك أمامك 24 ساعة لتقدم ولاءك المختار دينيز وتعمل تحت إمرته على استتباب الوضع قبل أن تتدخل
الشرطة وينهار تكتلنا فتعود للتشردم."
خرج يلتشن من ذلك الاجتماع والدماء تغلي في عروقه لأنه لم يستطع رد الإهانة عنه.. أراد أونور تهدئته لكنه صاح فيه كالثور الهائج ...
" ابتعد عني يا هذا ."
وغادر المبنى تحت أنظار الأخير الذي اتصل بلوكاس وسأله بقلق بالغ ...
هل من أخبار عن الزعيم؟"
جاءه صوت لوكاس البارد...
"لا .. مع الأسف لا جديد يذكر ماذا حصل بالاجتماع ؟"
فرك جبينه بارهاق...
"الوضع سيء يا لوكاس يلتشن ليس الشخص المناسب وقد اثبت ذلك بجدارة، يمان يجب أن يعود إلينا وإلا ستفقد كل شيء "
نزلت من سلم الطائرة بخطوات تابعة تطوي بها الأرض طياء لا تطيق الانتظار لرؤية ابنها الوحيد..
انستازيا تلك المرأة التي عجز الزمن على هزم جمالها أو تحطيم كبريائها وعزة نفسها.
لم تطأ قدماها أرض تركيا منذ أن غادرتها وهي تحمل ابنها في أحشاءها هارية به من جحيم هارون اوزيتش لكن للقدر رأي آخر، كما هربت من أجل إبنها تعود من جديد من أجله.
عاتقتها مارسيلا بحزن ودموعها تأبى أن تجف فكانت الأم المكلومة هي من تواسي بشجاعة وتبات...
"سوف يتجو، ابني لن يتركني خلفه، فحدسي لا يخطئ"...
رغم رقتها وطيبتها إلا أنها كانت قوية الإرادة وصبورة، في طريقهم للمشفى سألت لوكاس الذي. كان يقود السيارة في صمت...
هل كل العائلة هناك ..."
ليجيب..
النعم
اطرقت رأسها لبرهة ثم قالت....
"إذا، خدني للقصر أولا، لدي عمل مؤجل منذ سنين حان الوقت لإنجاز"...
قررت زيارته قبل الذهاب لرؤية ابنها فلن تجد أنسب من هذه الفرصة لمواجهته ورمي كل أحمال
الماضي بدموعه واحزانه وآلامه في وجهه، لا يوجد أفضل من هذه اللحظة لتحاسبه وتنتقده وتبدي كرهها المطلق له.
حين توقفت السيارة أمام مدخل القصر تعلقت رقبتها بواجهته الفخمة فتذكرت كم كانت تعيسة بين جدرانه وكم كانت تطبق على صدرها فأخذت نفسا عميقا لتدخل بعد أن استقبلها رستم بهيأته المعهودة ولياقته ابتسمت له ونظرة الامتنان بادية بجلاء لن تنسى فضله عليها وتضحيته بروحه لتهريبها من هذا القصر في زمن مضى...
قدم تحية إحترام لها وهو يحتى رأسه لها....
"أهلا بعودتك سيدتي"...
ردت بابتسامة ناعمة ...
مر زمن طويل رستم، يسعدني أنك بخير ...
رافقها إلى غرفة هارون وهو يشرح لها وضعه الصحي ثم فتح لها الباب لتدخل إليه وتقف في وسط الغرفة تنامله بملامح خالية من أي تعبير
فقد أخمد منظره المثير للشفقة نيران قلبها وهذا ثورة غضيها، كانت تعرف أنه طريح الفراش غير أنها لم تتوقع أن وضعه سيئ ومزري لهذه الدرجة.
هارون أوزيتش، تلك الأسطورة المظلمة، قد انهارت وأصبحت من الماضي، كالحكايات التي تحكيها الجدات الأحفاد من الأشقياء ليخيفوهم ويرغموهم على ملازمة أسرتهم في برد الشتاء. زيارة غير متوقعة صحيح ؟ ما كنت لأجازف يصحتي العقلية لأرى سحنتك هذه لولا ابني الذي أتيت لأجله"
نظر إليها بعيون ذابلة وملامح يعلوها الألم الذي غزا كل إنش من جسده، كان لسانه عاجزا عن الكلام لكن عينيه كانتا تنطقان بكل العبر والمشاعر الدفينة تجاهها.
"ابني الوحيد صار بين الحياة والموت بفضلك هارون، هذا ما تجيد القيام به، أن تدمر أقرب الناس إليك وتتسبب في هلاكهم. لذلك هزيته وهو لا يزال في بطني حتى لا يلقى مصيرا أسود كهذا، حتى لا تحشو عقله بسمومك، حتى لا تمت قلبه وتحوله لوحش آدمي لا يعرف الحب، إلى آلة لجمع المال والقتل، لكنك أتيت إليه واقتلعته من أحضاني كما يقتلع ملك الموت الروح من الجسد.
كان زهرة ياسمين فاتحة ترقص يتمايل مع نسائم الصباح العليلة فتسلطت عليها وقمت باجتناتها من جذورها لتزرعها في أرضك البور والقاحلة بين الأشواك وتحت لفحات الشمس الحارقة، وها هي النتيجة زهرة الياسمين خاصتي ذبلت وماتت ابنك يصارع الموت الآن، إن عاش سوف أناضل الإقبار الزعيم المزيف الذي خلفته داخله وإحياء يمان الحقيقي "
نزلت دمعة من عينيها لتسارع في إزالة أثرها قائلة بحقد...
"لن أسامحك ما حييت، ولن أتكلم أكثر فما فيك يكفيك، لقد أحسن الزمن تهديبك واقتصت منك الحياة أحسن قصاص، أتمنى لك ميتة بشعة ومقاما أبديا في الجحيم يا هارون أوزيتش..."
التفتت نحو الباب وغادرت تاركة هارون يحدق في سقف غرفته وهو يبكي بحرقة والم....
وهي خارجة من الغرفة لقيت رستم يبتسم لها لأول مرة منذ وطأت قدماها القصر
" الزعيم بانتظارك."
اتسعت عيناها بسعادة غير مصدقة ما تسمعه...
"كنت أعرف أنه لن يتركني، ليس قبل أن يدفنني بنفسه وينتر الورود على قبري "
هنا فقط سمحت الدموعها بالاستسلام وهي التي أبت أن تنزل منذ سماعها للخير في إسبانيا لأن ايمانها بنجاته كانت أقوى من أن تضعف للحزن والضياع....
وقفت أمام مرأة الحمام الصدئة تنظر عبرها لوجهها الشاحب والمنهك، فحفزت شفتها المتورمة ذاكرتها المشتدة لتستقر على مشهد القبلة المتوحشة والتي هزت كيانها وأوجعت روحها المتخبطة لحظتها.
كرهت رائحة أنفاسها الممزوجة برائحة خشب الصندل والبرغموت، لا زالت محفورة في ذاكرتها حتى الآن، رغم محاولتها إزالتها بغسل فمها ووجهها كأنها تحاول التخلص من علقة ملتصقة بها ... امام اضطراب قلبها من رهبة تلك الذكرى كانت تواسي نفسها وهي تضع يدها على قلبها ...
اهدني فاليريا، لقد مات وصار من الماضي "
أعادتها الطرقات العنيفة على الباب إلى رشدها لنتجه نحو الباب بخوف وحذر شديدين فاليريا افتحي، أنا جوليا"...
فسارعت في فتح الباب بعد أن اطمأنت لها لتقفل جوليا الباب بإحكام وتلتفت نحوها وهي
تخرج شعرا مستعارا ونظارات شمسية من حقيبتها بحركات مضطربة وسريعة.
" ارتديهم حالا ستخرج من هنا.. هيا ياااا لا وقت لدينا
كذلك فعلت وهي متوترة لا تفهم شيئا...
"هل عرفوا مكاني ؟ "
ردت عليها وهي تطل من النافذة...
"نعم وهم على وشك الوصول، إن لم نخرج من هنا فسوف تقتل معا"
فعاودت فاليريا طرح أسئلتها علها تفهم ما يدور حولها ...
" من هم یا جولیا ؟ "
سكنت لبرهة والحزن باد على محياها.
"أسفة فاليريا .. لقد قرروا التضحية بك حتى يخفوا أية صلة لهم بالمؤامرة، جنت الأهزيك من هنا لأنك لا تستحقين مصيرا بشعا كهذا."
انصدمت مما سمعته لتقول بكل براءة واستسلام...
"هل يعلم جودت بالأمر؟ يعني هو من ارسلك ؟ .....
زفرت جوليا يأسي وهي تهز رأسها ....
"سحقا... لا تعرفين مع من أنت واقعة حقا، جودت يعرف كل شيء وأنا هربت منه لأنقدك، لو علم أنني سأتي إليك المتعني "
ازدادت صدمتها فتراكمت الدموع داخل محجربها ككرات المطر الغزير مشتنا رؤيتها ....
"كنت أعلم أنكم مجرد حثالة تلهث خلف الأموال اللعينة... لكن لم أظن أنكم ستغدرون بي"...
وقبل أن تجيبها علا هدير السيارات بالحي لتقف أمام البيت وينزل منها رجال مسلحون....
صاحت جوليا وهي تجذب فاليريا من يدها.....
فاليريا لا وقت لدينا، هيا هناك منفذ بالحمام"...
اتجهنا نحو الحمام بسرعة وكسرت جوليا نافذة صغيرة قرب السقف كانت نافذة تطل على سطح منخفض وقريب من باحة خالية خلف البيت فاتحة المجال لها بالصعود...
"هيا اصعدي.. أنا سأساعدك .....
صعدت على ظهر جوليا وخرجت من النافذة بصعوبة بالغة، لضيق فتحتها تم استدارت لتلتقط حقيبة جوليا ومدت يدها إليها بينما أولئك الرجال يحاولون تحطيم الباب، لكن جوليا علقت في النافذة الصغيرة بحيث نصفها العلوي يبرز من الخارج في حين نصفها السفلي يتدلى داخل الحمام، فلم تستطع الخروج رغم محاولات فاليريا الحثيثة في ضدها، لتدرك أن لا فائدة من المحاولة ...
فصاحت بها في يأس....
" توقفي عن شدي، لن أنجو هذه المرة .. لقد استنفذت حظي كله .. أهربي أنت... ولا تجعلي تضحيتي تذهب هباء"...
لتصبح فاليريا باكية.....
"لا لن أتركك.. لا أستطيع"...
نظرت إليها جوليا وهي تبكي نهايتها الوشيكة مع كل خبطة مدوية على باب البيت.. عرفت أن بينها وبين الموت توان فقط فأرادت أن تكفر عن ذنبها تجاه فاليريا فأفرجت عن الحقيقة المرة بين شفتيها ...
فاليريا... يمان أوزيتش بريء من دم والدك.. جودت هو من خطط ونفذ عملية اغتياله بإيعاز من عصابة أخرى.. أهربي إلى أبعد مكان وإياك أن تتعاملي بالأوراق الرسمية أو البنكية أو تفصحي عن هويتك لأنهم سيعرفون مكانك... أهربي يا فاليريا أه..."
فجأة شحبت جوليا إلى داخل الحمام بوحشية وهي تصرخ بأعلى صوتها أمام أنظار فاليريا المصدومة فأسرعت في القفز إلى الباحة بشكل غريزي وركضت إلى أن اختفت وصوت الطلقات النارية تخترق مسامعها وقلبها المحطم...
وهي تجري لا تلوي على شيء إسودت الدنيا في عينيها وشعرت أن العالم ينهار من حولها، لقد الخدعت وتعرضت المؤامرة دنيئة، بدل أن تحقق العدالة لأبيها أصبحت مجرمة.
كانت على مقربة من محطة القطار فقررت أن تركب على متن أي قطار.. يبعدها عن إسطنبول قدر الإمكان فقد استحالت الحياة فيها بعد أن أصبحت مطاردة من عصابتين إحداها تريد إخفاء أثر الجريمة والثانية تريد الانتقام.....
بعد لحظات من الحادث وصل أونور إلى ذلك البيت مع رجاله ليجدوا البيت مقلوبا رأسا على عقب وجوليا المدرجة في دمائها قد فارقت الحياة على أرضية الحمام...
"لقد تأخرنا .. أحدهم سبقنا ليخلط أوراق اللعبة علينا"
التفت إلى رجاله وأمرهم بحدة...
"اذهبوا واقبضوا على جودت ولا تدعوه يفلت منكم ......
كانت هاندا تراقب توتر ابنها وتخبطه في مشاعره بين الوفاء لأخيه وبين خوفه من تحمل مسؤولية انهيار إمبراطورية أوزيتش بسبب سلوكه الأرعن في اجتماع أمس.. شعور الغضب والكره الدفين في أعماقه لم يخفى عليها فعادت تشحن ذلك الكره وتغذيه حتى يكبر في نفسه ويتقبله، طالما كانت تسمم أفكاره وتحرضه ضد أخيه...
" ابن الإسبانية حتى وهو بين الحياة والموت لا يتركنا بسلام... لقد ألفي شخصيتك وسليك هيئتك واحترامك بينهم حتى تجرأو على معاملتك بهذا الشكل.. أليس هو من تسبب في دخولك السجن ... انت غامرت بحياتك وحريتك بينما هو جالس في مكتب مكيف يصدر الأوامر بعجرفة.. رضيت أن تكون خادما له على أن تكون ندا وتطالب بحقك في تسيير إمبراطورية
ابيك.. أنظر ماذا حل بك الآن ......
كان هذا آخر ما يحتاجه كلام جارح ومؤلم كاللعنة ليرد بضجر واستياء...
"أرجوك يا أمي هذا ليس وقت العتاب، أنا لا أطيق نفسي حتى"...
غادر صالة الاستقبال ليتفاجأ برستم ولوكاس ومعهم سيدة شقراء، يتجهون إلى غرفة الإنعاش حيث يرقد الزعيم. هل استفاق ؟ أم أنه مات ؟ لحقهم بسرعة ليدخل وراءهم مباشرة فاتسعت عيناه مما رأه ....
الزعيم قد عاد إلى الحياة، لقد هزم الموت بإرادة من فولاذ، أي نوع من البشر هو حتى تجاوز قوانين الطبيعة وفتح عينيه من جديد، كان لا يزال ضعيفا ووجهه شاحب بعيون غائرة وبالكاد يستطيع أن يتكئ بمساعدة لوكاس، في حين كانت تلك السيدة تذرف الدموع وهي تعانقه يحب وحنان، إنها أمه الإسبانية، لم يسبق أن رأها مباشرة، فهذه أول مرة يراها فيها ...
)ابني العزيز( "mi querido hijo"
كان قد فات الأوان للإنسحاب حين لاحظوا وجوده...
"حمدا لله على سلامتك أيها الزعيم"...
تقدم نحوه وعائقه برفق ثم سلم على انستازيا معرفا عن نفسه، فردت هي بكل لطف ودوق....
" يلتشن غني عن التعريف، إبني دائما ما يتحدث عنك وحمدا لله على خروجك من السجن ....
رد شاكرا تم التفت إلى الزعيم الذي كان هادئا ولا يسمع له صوت ...
"كيف؟.. ومتى ؟.. أنا لم أفهم ... أعني الطبيب كان يانس"
قاطعه لوكاس...
رستم كان له الفضل بعد الرب في إنقاده... حين اكتشف أونور ما أصاب الزعيم أخد له الدبوس المسموم ليتعرف على نوع السم حتى يتمكن من صنع الترياق... رستم ضليع في السموم وعامل السرعة كان حاسما لأنه تعرف على السم وترياقه بسرعة وقد استجاب له جسد يمان ليلة أمس .....
لم يخفي يلتشن دهشته و استغرابه مما دار خلف ظهره، وبحدة قال...
"لماذا لم يكن لدى علم بالموضوع ....
خفت نبرة الحدة في صوته حين رفع الزعيم رأسه بتناقل ورمقه بنظرة محذرة ....
" أقصد أنني كنت قلقا وخائفا عليه"...
فأجاب لوكاس معللا...
كل شيء جاء سريعا... وتوالت علينا أحداث كثيرة فتكتمنا عن الموضوع حتى يشفى تماما"
... تم أكمل بنبرة ماكرة ....
"كما أنك كنت مشغولا بمهامك الجديدة ....
شعر يلتشن بمكر تلميحاته فغادر بحجة إخبار بقية العائلة وهو يلعن تحت أنفاسه ويتمتم....
كيف استفاق منذ ليلة أمس ولم يخبروا أحدا.. حتى أنا لم يسأل عني، طبعا فلوكاس وأمه هم عائلته وليس نحن، فالدماء التي تجري في عروقه إسبانية قحة أمي محقة فعلا، هذا الوضع يجب أن يتغير."
ضياء منار وسارة لم تسعهم الفرحة الشفاء الزعيم فانطلقوا لرؤيته غير أن الزيارة لم تطل إلا الدقائق معدودة لأنه ما يزال متعبا، أما رسلان وهاندا فقد تحطمت أمالهما وضاعت في مهب الريح بشفاء الزعيم وقرب عودته الفرض سيطرته على الجميع.
طوال مكوته بالمشفى لم يدخل عليه سوى أونور ولوكاس أما أمه فمنذ أن دخلت جناحه لم
تخرج أبدا...
أما اجتماع النخبة فقد تأجل حين أعلن عن نجاة يمان أوزيتش من الموت المحقق بأعجوبة.
فأثار ذلك ارتباكا وتخبطا في أوساط من كانوا ينتظرون موته ليرقصوا على جثته كالضباع...
كان الغموض يلف الأجواء وهدوء الزعيم ينذر بزوابع وأعاصير ستقتلع كل ذي جدور مسمومة ونوايا خسيسة تجاهه....
أكثر ما كان يقلق أونور ولوكاس عند دخولهم إليه هو عدم العثور على ابنة القاضي التي عرفوا هويتها حين طلبها بالاسم ببرود مخيف بمجرد أن استطاع الكلام....
"أريد إبنة القاضي حية ترزق"...
كان هذا أمام مرأى ومسمع أمه، رغم أنها كانت تقتل ابنها الوحيد وتحرمها منه لم تملك سوى التحسر عليها المعرفتها الوثيقة بطباع ابنها الحادة وجبروته في الفتك بأعدائه، أشفقت عليها مما سيحل بها على يديه خاصة أنها عرفت السبب الذي دفعها لمحاولة اغتياله...
فهي قبل أن تكون أما هي إنسانية لأبعد الحدود وغاية في الرقة واللطافة في تعاملها مع من حولها كأنها ملاك الرحمة، لدرجة استغراب البعض، كيف لإنسانة بتلك المواصفات أن تنجب
وحشا آدميا لا يرحم كالزعيم ؟!...
في بحثهم الحثيث عنها، اقتحم أونور ورجاله بيت عمها فجرا ليقلبوه رأسا على عقب فلم يتركوا مكانا إلا ونبشوه لبشا، ليصيح فيهم العم المذعور من هول وحشيتهم وفظاظتهم في تحطيم مملكته، وهو يحتضن ابنته إيلا
"عليكم اللعنة جميعا، لقد حطمتم بيتي"
نظر أونور إلى إيلا المرتجفة من الخوف في أحضان والدها ليوجه الكلام إليها متجاهلا والدها تماما .....
"قريبتك العزيزة عبثت مع زعيمنا، ولن يطول الأمر كثيراً حتى نجدها، إن عرفت أنكم تخفونها سوف يكون مصيركم هو الموت"
نظر للفوضى التي خلفها رجاله ثم قال بتهكم....
"آسف على هذه الفوضى يبدوا أن رجالي اعتقدوا أنني أبحث عن إبرة، ليلة سعيدة .....
لحق برجاله تاركا إيلا ووالدها في صدمة وجزع مما حل بهم.....
"أخي يجب أن يعلم بما حصل ليعود من سفره فوراً، لن يجدها في ألمانيا، هي أساسا لم تسافر؟ إنها مجنونة حقا لتقدم على خطوة كهذه.. يا إلهي لا أصدق أنها حاولت قتل ذلك الرجل وهي الآن مطاردة من قبل رجاله.. أبي هل سيقتلونها ... هل سنقف مكتوفي الأيدي ؟"
سيمون واضعا رأسه بين يديه من الصدمة نظر إليها بيأس .....
"ما عسانا نفعل ... لقد رأيت بنفسك ماذا فعلوا... وهذا مجرد تحذير.. فاليريا جنت على نفسها ...
مرت سنة أشهر على وصول فاليريا إلى طرابزون المطلة على البحر الأسود، وجدت صعوبة كبيرة في إيجاد مسكن وعمل تكسب منه قوت يومها، لكنها استطاعت بالنهاية الحصول على شقة متواضعة بأجر زهيد تكسبه من عملها في أحد مخابز المدينة، وبالكاد تأقلمت على ظروفها الجديدة، فهذا أفضل بكثير من المصير الذي ينتظرها لو بقيت في إسطنبول...
لقد خفت آلامها ووطأة عذاب الضمير بعد أن علمت بنجاة يمان اوزيتش من محاولة قتله، على الأقل لن تعض أصابعها ندما لقتلها شخصا يرينا ولن تعاني من سياط الضمير المؤلمة طوال حياتها.
لكن الغل يتأكل قلبها كلما تذكرت أنها وضعت يدها في يد قاتل والدها الحقيقي وصدقته كالبلهاء لتكون لعبة وأداة قتل في يده، والمثير للدهشة أنها لم تزل فكرة الانتقام تسكن رأسها ... فهي لم تهرب إلا لتحافظ على حياتها وتتوارى عن الأنظار حتى تعود من جديد إلى إسطنبول وتصحح خطأها بقتل جودت، فهي لا تترك تارها بسهولة.
كانت لياليها الموحشة لا تخلو من الكوابيس ويومها المرهق لا يخلو من الخوف الهواجس والحذر الدائم، قليلة الكلام وانطوائية، دائما ما تكون مثار حديث نسوة الحي بسبب سنها الصغير وجمالها الملفت وعيشها وحيدة والغموض يكتنف هويتها، فكن يطلقن عليها إشاعات من قبيل أنها هربت من أهلها بسبب مسألة الشرف، لم تجرؤ يوما على أخذ المال من حسابها الشخصي حتى لا يكشف مكانها، اللهم بعض المال الذي كان في حقيبة جوليا والذي دفعت به
ثمن تذكرة القطار....
أنهت عملها لهذا اليوم أخذة بعضا من الخبز التمر على بائع الفواكه ثم انطلقت إلى بيتها الذي
يبعد مسيرة 10 دقائق من مكان عملها قبل حلول الظلام.
شقتها المكونة من غرفتين وحمام كانت في سطح بناية سكنية في حي شعبي، مع صعودها وهبوطها المتكرر في درج البناية حفظت كل تفاصيل المكان لدرجة أنها تعرف إن كان أحد سكان البناية صعد إلى السطح أم لا لحرصها الشديد على حياتها وخوفها من أن يكتشف أحد هويتها.
هذه المرة كانت هناك إحدى نسوة الحي تراقب دخولها للبناية بنظرات كلها شك وامتعاض، قلم تلقي لها بالا لتعودها على تطفل نسوة الحي ونظراتهن التي تخترقها في كل مرة تخرج من الحي أو تعود إليه...
وهي تصعد الدرج إلى شقتها ساورها شعور غريب تفاضت عنه حتى وصلت إلى باب شقتها التخرج المفتاح، وقبل أن تديره في القفل استوقفها الإناء الذي تشرب منه قطط البناية، يبدوا انه انسكب على الأرض منذ قليل، تسألت في داخلها بربية...
" من سيصعد إلى السطح في هذا الوقت
فجأة قفزت باتجاهها أحد القطط تحوم حولها وتموء مسببة لها الرعب، فزفرت وهي تداعب القطة ...
" يا إلهي .. لقد أرعبتني.. لا يد أنك من سكب الماء أيتها المشاكسة..".
استدارت فاتحة الباب فسبقتها القطة إلى الداخل لتضحك بمرح طفولي وهي تقفل الباب وراءها وتتلمس طريقها في الظلام الذي يلف شقتها حتى وصلت إلى مفتاح المصباح.
تصلب جسدها الهزيل حين باغتتها رائحة مميزة رائحة تجعلها ترتجف كورقة الخريف في مهب الريح، وتدب الرعب في أوصالها، رائحة خشب الصندل والبرغموت، فراستها الانثوية لا تخطئ تلك الرائحة ولا تلك الهالة المرعبة، أغمضت عينيها كان ظلمة المكان لا تكفيها وابتلعت ريقها
برهق، لتضغط على الزر فأثارت الشقة كاشفة عن رجل كهيأة الجبل الجليدي في جموده وبرودته المنقطعي النظير وحضوره المخيف، كأنه مارد أطلق سراحه من قارورته إلى غرفة صغيرة بالكاد
تسع جسمه الضخم جاعلا الجو خانقا ومشبعا بالتوتر...
جالسا هناك على كرسي في وسط الغرفة بأريحية كأنه صاحب المكان، أما هي فكانت كالتمثال لا تقوى على الحراك أو الكلام، وهي تنظر إلى جلادها الذي سينهي حياتها.
"لقد حانت نهايتك يا فاليريا"...
هكذا قالت لنفسها راضخة مستسلمة لقدرها المحتوم...
"لا تبكي، لا تجعليه يرى دموعك فلنموتي بشرف وشجاعة على الأقل"
هكذا شجعت نفسها لتتخذ ملامحها البريئة مظهر الغير مكترث بمصيره وهي ترتعد من الداخل...
اخترقها بنظراته الحادة يتأمل هيأتها الهزيلة وتفاصيل ملامحها الناعمة لاعنا تحت أنفاسه كيف أنها كانت تأخذ روحه ثم أخرج سيجارا وأشعله بهدوء ليدخنه...
فقررت في إنهاء لعبة الصمت هذه....
"لا أحسبك جنت لتنفث دخان سيجارك الفاخر في بيتي المتواضع"...
فتحركت شفاهه مفرجة عن شيخ ابتسامة ساخرة...
"سليطة اللسان أيضا .. تبا."
لينطق أخيراً بصوته الرخيم.... جاعلا جلدها يقشعر فصوته جعلها تستحضر ذكرى تلك الليلة المشؤومة ....
180 يوما وأنا أبحث عنك كالمجنون يا قطتي.. 180 ليلة أمضيتها ساخطا أجتر الخيبة لاتني
لم أجدك.. هل تعلمين كيف كنت أنفس عن غضبي؟"
قام من مكانه مفرجا عن صرح عملاق يزداد طولا وضخامة كلما اقترب منها .. وبلا شعور منها استدارت نحو الباب تريد الهرب منه الركض بلا توقف إلا مالانهاية.
فجذبها ليرتطم ضهرها بصدره الصلب مطلقة أنينا عاليا، فأحاط جسدها الهزيل بذراعه اليسرى كانها أناكوندا عملاقة تلتف حولها وأطبق على رقبتها الصغيرة مقربا شفتيه إلى أذنها، بينما كانت
تنتفض كالعصفورة محاولة تخليص نفسها بلا جدوى...
تجمدت من جديد على الفحات أنفاسه الحارة قرب أذنها وهو يهمس لها ....
"كنت أجلب ذوات العيون الخضر إلى سريري الأضاجعهن كأنهن أنت .....
فانتفضت مذعورة، وضربات قلبها تسمع من به صمم من شدة الرعب.
"ارجوك دعني أذهب لحال سبيلي".
فعاود الهمس دون اكثرات لتوصلها ...
"كنت أنظر لعيونهن حتى أتخيلك معي .. لكن حين أتذكر طعنة الغدر المسمومة.. أصبح كالوحش الهائج فلا يخرجن من عندي على أقدامهن أبدا... لقد كرهتك في كل النساء وعاقبتك فيهن.. لكن حين رأيتك الآن تلاشت رغبتي بهذا الجسم الهزيل وهذه العيون الذابلة ... الآن لا أتذكر سوى سفك الذي أذقتني إياه وجعلته يسري في عروقي مضرما فيها نارا تلظى".
قالت بياس و استسلام.....
اقتلني إذا.. ماذا تنتظر ؟؟ ...
لتسمع من جديد نيرته الأشبه بفحيح الأفاعي...
"لا تستعجلي نهايتك أيتها القطة الشرسة.. فقد حان دوري الأنيقك سمي الزعاف "
ادارها نحوه موجها لها صفعة صكت أسنانها من شدة قوتها لتفقد الوعي وقبل أن تقع على الأرض كان قد جذبها حاملا إياها على كتفه كأنها كيس يتأرجح وهو ينزل بها درج البناية تحت
أنظار تلك الجارة الفضولية فهرعت تتبعه تنوي إثارة فضيحة بالحي...
"اينها الرخيصة.. كنت أعرف أي نوع من النساء تكونين ولست كما تدعين يا قليلة الحياء.. كيف
تستقبلين رجلا غريبا في هذا الحي المحترم !؟ ....
سرعان ما أخرستها بنادق رجال بهيئة سوداء لا تدري من أين خرجوا...
"أدخلي بيتك أيتها الفضولية"...
فهرعت وأقفلت عليها باب بيتها وهي على وشك أن تتبول على نفسها من شدة الخوف، ما رأته للتو لن تصدقه نساء الحي ولو حلفت لهن على كل الكتب السماوية .....
انتشر بين أفراد العائلة خبر عثور الزعيم على الفتاة التي حاولت قتله لتكتمل التشكيلة النهائية للمرتزقة والخونة من الذين خططوا ونفذوا أو شاركوا من قريب أو بعيد في حياكة المؤامرة باستثناء مختار دينيز، فهو أحد أهم شركاته ورئيس عائلة لها وزنها في عالم المافيا، ولن يجازف الزعيم بإشعال فتنة ثانية قبل إخماد الأولى، ليس خوفا أو تقاعسا بل لأنه يحضر له تقاعدا يليق بمقامه وسنه الكبير، يكفي أنه يشتاط غضبا لأن القدر عائده ولم يصل للزعامة التي كان يملي بها النفس، وها هو يتلقى ضربة موجعة أخرى باحتجاز الزعيم الخيرة رجالهه في إحدى مزارعه المترامية الأطراف......
كان في مكتبه بأحد شركاته يراجع التوقيعات مع كاتبته حتى دخلت والدته انستازيا والقلق باد على محياها، فأمر الزعيم الكاتبة بالانصراف ثم قام من مكتبه ليقبل يد والدته بكل حب ورافقها الي الشرفة متغاضيا عن دخولها دون إذن لمعرفته المسبقة بسبب مجيئها ....
انستازيا بقلق....
يمان هل صحيح أنك سوف تقتل تلك الفتاة المسكينة ؟"
لبرد بكل برود متهربا من الإجابة...
"كيف كان يومك أمي ؟"
و باستياء واضح قالت....
سيء... منذ أن عرفت أن تلك المسكينة قد وقعت في يديك.. أرجوك يا بني أعدل عن تنفيذ القصاص بها، فهي مازالت صغيرة، أعفو عنهم جميعا، لم يعد هناك خوف منهم فقد قصصت اجنحتهم، فاراف بهم.. حبا بالله ...
رد مجاريا أمه...
أعدك سأكون رحيما وأنتر الورود على جنتهم وأترحم عليهم أيضا.. لقد كادت تقتل ابنك الوحيد.. المفروض أن تخلقيها فور رؤيتك لها لا أن تطلبي مني مسامحتها ...
سارعت للرد يحقق ...
" والمفروض أن تعفو عنها لصغر سنها ولطيشها .. ولأنها فعلت ذلك للتأر لوالدها.. لقد غرر بها
و خدعت... هي أيضا ضحية"...
قطب حاجبيه مبديا انزعاجه من تدخلها في شؤون لا تخصها ...
"أمي اهتمي بشونك وإلا أعدتك إلى إسبانيا على متن أول رحلة... يكفي أنك بقيتي هنا كل هذه المدة تاركة بيتك ومحلات الزهور خاصتك وعالمك الوردي ظنا منك أنك ستغيرين الكون
بمد الباتك "...
لم تكن أول مرة يتهكم فيها ويبدي انتقاده لطريقة تفكيرها واسلوبها في العيش لكنها لم تعد كالسابق تبكي من كلامه اللاذع خاصة بعد أن كادت تفقده للأبد...
لن أرحل قبل أن تعود معي وتترك هذا العالم المظلم للأبد... لقد قطعت عهدا على نفسي أنني لن أتركك بعد الآن.. يكفي أنني خرمت منك وأنت طفل صغير... لقد استأجرت بيتا خاصا بي بعيدا
عن إمبراطوريك.... حتى لا تملي على ما يجب أن أفعله وسأفتح محل زهور أيضا وأنقل إليه عالمي الوردي ومثالياتي التي تسخر منها .. رجائي لك الآن هو أن تنظر لتلك اليتيمة بعين الرحمة وستكتشف كم العفو عند المقدرة سيعظم من شأنك ويزيدك تقديرا لذاتك... أكثر من الانتقام )هل فهمت( "Entendiste¿"
ليرد منهيا الجدال معها...
"tienes que entender que haré lo que quiera"
عليك أن تفهمي أنني سأفعل ما أريده)
فغادرت انستازيا غاضبة منه ويائسة من اقناعه بالعدول عن قراره ......
أما هو فأخرج هاتفه واتصل باونور وعيناه المظلمتان تحدقان في الديوس الذي لا يفارقه... جهز الخراف الديح .. حان وقت المجزرة المنتظرة... سأكون هناك خلال ساعات...
وضع أونور الهاتف جانبا بعد انتهاء المكالمة ليتير فضول لوكاس الجالس أمامه باسترخاء واضعا رجلا على أخرى...
"ملامحك لا تبشر بالخير .. ماذا قال لك؟".....
زفر بإرهاق......
"سوف يرتكب مجزرة حقيقية ... تبا.. سوف يتكرر نفس السيناريو عندما شل والده وارتكب مجزرة كبيرة في حق العديد من رجال المافيات الذين تسببو في الحادث.. لكن هذه المرة لم يستعجل... لقد أبقاهم على قيد الحياة كل هذه المدة ليجمعهم في مكان واحد لسبب ما .....
ليرد لوکاس بیرود.
"ألا تعرف أنه منذ يومين فقط ضممت آخر حقير إلى حضيرة الخراف.. الحقير كان يستجم في شواطئ اليونان بينما تلفحني الشمس وأنا أتحين الفرصة لخطفه... والآن حين اكتملت التشكيلة سوف يتحفنا بعرض شيق وهم يتوسلون وينتحبون كالعاهرات ههههه
فرك أونور دقته بحيرة....
كل أولئك الأوغاد قد تكلفنا بإحضارهم.. إلا إبنة القاضي أصر على إحضارها بنفسه.. طوال الستة أشهر لم يتوقف عن السؤال عنها .. لم يكن يهتم للآخرين.
ليضحك لوكاس ملی شدقيه قائلا
" إنها خازوقه الجميل ... فكيف لا يتكلف بها شخصيا ليطفئ ناره المشتعلة بسببها "
التفت إلى الآخر معتدلا في جلسته، وبنبرة ساخرة...
" سحقا يا رجل... لقد طعنت كبرياءه ورجولته وكادت ترسله إلى القبر وهي بحجم عقلة الإصبع ألا يكفي هذا برأيك ؟!"
فتحت عينيها بتثاقل لا تعي المكان ولا الزمان الذين ابتلعتهما عتمة القبو الموحش والبارد، إلا من قيس ضوء تسلل من شق نافدة مغلقة يشاكس عيونها الزمردية الذابلة، لا تعلم كم مرة فقدت وعبها من الإجهاد وهي مكبلة المعصمين ومعلقة إلى السقف بسلاسل حديدية اخترقت جلدها الرقيق من خشونتها .. قدميها الحافيتين تيبستا من الوقوف على أصابعها حتى تخفف الضغط المؤلم للسلاسل على معصمها، لكن سرعان ما تفقد قوتها وتترك جسدها معلقا ومشدودا بالسلاسل...
كان الألم فضيعا لتزيد البرودة التي تنخر عظمها من معاناتها، تمنت الموت حتى ترتاح من الألم والهلاوس التي تنتابها من الإرهاق والخوف من القادم، تذكرت والدها وجلساتهما أمام المدفئة في فصل الشتاء وهو يروي لها أحدى القصص التي يصادفها في عمله كقاض والعبرة التي ينبغي أن تستشفها منها، لم تنفعها كل غير الحياة لأنها أصبحت هي العبرة لمن يريدها....
فجأة سمعت خطوات أقدام تقترب ففتح الباب ليدخل منه رجلان مسلحان، فكا وثاقها لتثن من الألم ثم أمسكاها من ذراعيها وأخرجوها إلى العراء لتغمض عينها من أشعة الشمس القوية وهي تسألهم في ضعف شديد إلى أين تأخدونها حتى وقفا عند سيارة كبيرة وألقوها داخلها لينطلقوا في طريق طويلة إلى وجهة مجهولة بينما كانت تتلو الأدعية طالبة من الإله أن ينقدها أو يعجل بموتها دون عذاب....
كل الأسرى ممن شاركوا في المؤامرة كانوا يقبعون في أقبية أحد مزارع آل اوزيتش الشاسعة. وبعد أن أعطى الزعيم أوامره قام رجاله بنقلهم في سيارات من الحجم الكبير خارج إسطنبول إلى الهضاب المتاخمة لبحر مرمة، هناك سيتم إعدامهم.
أما السيارة التي نقلت فاليريا كانت آخر ما وصل إلى الموقع، متخدة مكانا استراتيجيا سمح لها برؤية ما يدور في المكان من خلال زجاج النافذة......
اكتسحتها قشعريرة غريبة، حين لمحت جرارات تحفر في الأرض، محدثة حفرة عملاقة بينما أشخاص يجنون على ركبهم، والخوف يعلو وجوههم الشاحبة والدامية من شدة الضرب والتعذيب، كأنهم يرون الموت بأعينهم، وعند رؤوسهم يقف رجال مقنعون ومسلحون ببنادقهم الرشاشة وكلايهم السوداء المخيفة......
جالت عيونها بين الجائمين حتى استقرت على جودت لتتسع من المفاجأة، كان هزيلا جدا ورث الثياب لولا أنها تعرفه جيداً ما انتبهت لوجوده...
انتفضت من مكانها بدافع الكره والاحتقار وراحت تصرخ وتضرب النافذة ذات الزجاج المصفحوالممود عله يلمحها ....
"جودت أيها القاتل الحقير.. أخرجوني من هنا أريد أن أقتله بنفسي... دعوني أخرج "
صرخت و صرخت حتى كادت حبالها الصوتية تنقطع وما من مجيب...
لم يحرسها سوى وصول سيارة HUMMER فخمة إلى الموقع لينزل منها كل من أونور ولوكاس مرتديان قبعات ونظارات، ثم نزل بعدهما الزعيم بهياته الفخمة وهو يرتدي ملابس الصيد باللون الاخضر الزيتي وسترة سوداء مع قبعة ونظارت شمسية وقفازات بدون أصابع، وهذا يعني أنه سيمارس هوايته المفضلة في القنص، فهو ملقب بين أعدائه بالقناص...
وجه نظراته إلى السيارة حيث توجد فاليريا فتراجعت مذعورة منه، ثم لحق برفاقه حيث يقفان بالمقربة من الحفرة في حين أخرجوها من السيارة واقتادوها كالمحكوم عليه بالاعدام إلى المقصلة تحت أنظار الزعيم الذي أمرهم أن يجعلوها تواجه جودت قبل أن يموتا معا.
وما إن وصلت إليه حتى أفلتوها لتنقض عليه من تلابيبه صارخة به والألم يعتصر قلبها لتذكرها كيف تسلط عليها كالبلاء ووسوس لها كالشيطان لتضع يدها في يده القذرة ليخرجها من نعيم والدها إلى جحيم الزعيم.....
بأي ذنب قتلت والدي أيها الحقير ؟! لماذا دمرت حياتي ؟!"
كان لا يحرك ساكنا وهو ينظر إلى الأرض بشرون، كان منظره مروعا من أثر التعديب على وجهه ويديه .....
"جوليا اعترفت لي بكل شيء قبل أن تموت.. فاعترف أنت أيضا قبل أن تموت.. قل الحقيقة فحسب... قل أنك لست الفاعل... قل بأنني لم أضع يدي في يد قاتل والدي"
نزلت دموعها بغزارة ليرفع جودت رأسه أخيراً...
" ما قالته جوليا صحيح.. أنا صاحب فكرة قتل والدك وإلباس التهمة للزعيم حتى أقنعك
بالانتقام منه"...
فسالته باستنكار وألم وهي تبكي....
"لماذا أنا بالذات.. لماذا؟"
فرد وهو ينظر إلى عينيها ....
"لأنك تملكين أجمل العيون لتكونا طعما محكما لاوزيتش، ما كان ليقاوم فتنتهما "
لتصبح به وهي تصفعه بيديها الاثنتين...
" عليك اللعنة ... عليك اللعنة .."
كان الزعيم يراقب المشهد عن كتب بملامح باردة حتى فقدت فاليريا صوابها وبدأت تضرب جودت فأشار الرجاله بإبعادها ليسحبوها مبتعدين بها عن ذلك الطابور المصطف بعناية...
الحظات عم صمت رهيب أرجاء الموقع بانتظار إشارة الزعيم لإطلاق النار على رؤوسهم، أشعل سجارته بهدوء ثم سحب نفسا عميقا منها كأنه يسحب الحياة منهم واحدا واحدا، نظر بعينيه الداكنتين إلى فوهات البنادق المسلطة على رؤوس المرتجفة لبشير بيده للمسلحين بإطلاق النار بينما توسلات الجائمين تتعالى لتخرسها بنادق الموت في لمح البصر وهي تفجر رؤوسهم في منظر ترجف له القلوب، فأطربت مسامعه وهو ينفث نفس سيجاره الأول بانتشاء عارم.
هذا مصير كل وغد كان له يد في محاولة اغتياله ولم يستثني المقصريين أيضا إذ لو حتفهم المجرد أنهم أهملو عملهم....
أرعب المنظر قلب فاليريا الصغير، فأشاحت بوجهها عنهم وهي لا تكاد تقف على قدميها من هول ما رأت وكلها يقين أنها ستلقى نفس المصير وربما أسوء...
تساقطوا في الحفرة واحدا تلو الآخر كأحجار الشطرنج، والجرافات الآلية تردم التراب عليهم
وتدفنهم مسئلة عن نهاية فصل من فصول الانتقام، ليبدأ الفصل الثاني...
سلمه لوکاس بندقية القنص المصنعة خصيصا له في ألمانيا وعليها إسمه بأحرف من ذهب خالص.. إنها أحد أندر قطع السلاح، قطعته المفضلة لممارسة الهواية المفضلة لديه وهو يتفقدها قال للوكاس...
"أحرص على أن يرى بقية الأوغاد فيديو المجزرة... حتى يعرفوا ماذا ينتظرهم إن تجرأو على
خيانة الزعيم ....
أحضروا كلاب الصيد الشرسة وأزالوا الكمامات عنها استعدادا لجولة قنص من نوع خاص.....
ووسط نباح تلك الكلاب أوقفوا فاليريا بين يدي الزعيم فتأملا هيأتها المزرية وبشرتها الشاحبة لتستقر عيناه على معصميها المجروحين، أخد نفسا عميقا من صدره المقبوط دون سبب واضح... فتسأل مع نفسه إن كان رمي هذا الجسد الهزيل والمذعور بالرصاص سيرضيه ويشفي
غليله أم لا ....
صغيرة وضعيفة ترتجف أمامه كورق الشجر، لكن أقوى وأجمل ما فيها هو عيونها، فهما سلاحها الفتاك والخطير من ينظر إليهما يصبح أسيرا بلا قيود، وعبدا بلا صك ملكية، وعاشقا بلا حدود ولن يصبح أيا من الثلاثة حتى لو أضطر لخلع قلبه من بين ضلوعه ورميه لكلابه الجائعة حتى
تنهشه.
صل اسنانه سخطا مما يعتري جوارحه المراها... واظلمت عيناه منذرة بالويل والموت......
في ذات اللحظة تليدت السماء بالغيوم السوداء وأرعدت كأنها في مخاض عسير يعكس ما يعتريه من الداخل فاقترب منها واضعا يديه على كتفيها وأدارها برفق بحيث أعطته ضهرها
وهي مستسلمة القدرها، ليشير بيده هامسا في أذنها ...
" إن تجاوزتي ذلك السياج قبل أن تصل إليك كلابي، فأنت حرة طليقة.. اركضي بأسرع ما يمكنك يا قطتي الصغيرة.. ولا تلتفتي أبدا."
اتسعت عيناها بدهشة لا تصدق ما سمعته للتو.. هل بعد كل هذا سيطلق سراحها لتذهب لحال سبيلها ؟ هكذا ببساطة !! ظلت جامدة في مكانها كأنها تريد التأكد مما سمعته، بينما هو يستمتع بردة فعلها وبريق الأمل الذي لاح في عينيها الجميلتين...
قلت أركضي بأقصى ما لديك ولا تلتفتي "
.. فتزا من صياحه في وجهها بغضب مع صوت الرعد وهطول الأمطار بغزارة ....
"...هيا"
فما كان منها إلا أن أطلقت ساقيها للربح بأقصى ما لديها باتجاه السياج المحيط بتلك الأرض المترامية الأطراف، ركضت وقلبها يخفق بشدة جراء نفحات الأمل التي راودتها، كان وقود جسدها المنهك وسيقانها الوهنة هو الأمل في الانعتاق والحياة، أمل يجعل الميت ينهض من موتنه ...
أخيراً سينتهي كابوسها المخيف فجأة بدأت الكلاب تنبح وتلهت وهي تشد وثاقها للركض خلف الفريسة كما عودهم صاحبهم، فاطلق سراحهم ليسابقوا الريح للوصول إليها فالتفتت لتجد أن مجموعة من الكلاب السوداء كالغربان تركض نحوها بسرعة كبيرة، صعب عليها مجاراتها لكنها تمسكت بالأمل وهي تلمح السياج أمامها يقترب شيئاً فشيئا..
أما الزعيم الذي كان يراقب المشهد من بعيد رفع بندقيته في مرأى من أونور الحزين لأجل تلك الفتاة وهو يرى يمان يتلاعب بأملها في النجاة وينفذ فيها عقابه الرهيب.....
أما لوكاس كان يشاهد المنظر ببرود فهو يعتبر كل من حاول إيذاء صديقه مستحق للموت عن جدارة.
صوب الزعيم بدقة نحو الهدف وانتظر الوقت الملائم للإجهاز على ضحيته قبل أن تصل إلى بر الأمان، وضع إصبعه على الزناد وبتركيز بالغ أطلق رصاصته القاتلة على فاليريا المسكينة لتقع فورا بلا حراك والكلاب تتحلق حولها وهي تنيح...
انتهى كل شيء، لا مزيد من الركض والفرار، ولا مزيدا من التعلق بالأمل المزيف، ولا مزيد من
الألم والخوف، إنتهى كل هذا ....
سلم بندقيته لأحد رجاله وركب سيارته.. بينما انسحب الجميع تاركين الموقع نظيفا كان أنسيا لم يطأ تلك الأرض.....
