رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وستة
ما إن لمح المارّة وسامة **ظافر** وهيبته الهادئة حتى انفلتت الألسنة من عقالها وتطايرت الهمسات في الهواء كغبارٍ لا يُرى لكنه يُؤذِي.
قالت إحداهنّ وهي تراقبهما بطرف عين:
ــ ما أجمل أن يكون المرء وسيماً… انظري، لديه امرأة ثرية رغم أنه أعمى!
ردّت أخرى وقد عقدت حاجبيها:
ــ ومن قال لكِ إنها هي الثرية؟ أليست تبدو أنيقةً ومهيبة أيضًا؟
تداخلت ثالثة بنبرةٍ مشوبةٍ بالفضول:
ــ إذن لعلّه هو الثري الذي يُنفق عليها! وإلا لماذا قد ترغب امرأةٌ كهذه في رجلٍ أعمى؟
كانت الكلمات تُقال همسًا لكنها كانت مسموعةً بوضوح و**ظافر** بحسّه المرهف التقط كل حرف، وكل نبرة، وكل لمزٍ مستتر وحين تكرّر وصفهم له بـ”الأعمى” انقبض صدره واشتعل في داخله غضبٌ مكتوم؛ ليس لأنهم وصفوه بما هو فيه بل لأنهم اختزلوه في عاهته وتغافلوا عن إنسانيته.
مال قليلًا نحو **سيرين** وقال بصوتٍ خفيضٍ يحاول أن يبقى ثابتًا:
ــ سيرين… أرجو المعذرة للحظة.
التفتت إليه فورًا وقد لمحت تبدّل أنفاسه وسألته بلطفٍ:
ــ هل تحتاج إلى مساعدتي؟
تراجع خطوةً وغمغم بنبرةٍ خجلى امتزج فيها العناد بالحياء فبدا لطيفًا وجذّابًا:
ــ لا…
كأنّه أراد أن يثبت ـ لنفسه قبل الناس ـ أنّه ليس ظلًّا يُساق، ولا ضعفًا يُرثى، بل رجلٌ يمشي بقامته وإن غابت عنه الرؤية فبصيرته ما زالت يقِظة… وكرامته أبقى من كل همسٍ عابر.
حاول **ظافر** أن يبتعد بمفرده بخطواتٍ محسوبةٍ حفظ مسارها عن ظهر قلب؛ فهو حرص على حفظ الطريق غير أنّ ما أقلقه لم يكن الضياع بل الاصطدام بآخرين، أن يكون عثرةً في دربٍ لا يحتمل العثرات.
لم تمضِ لحظات حتى أسرعت نحوه إحدى الموظفات وقد رقّ قلبها لمظهره وقالت بلطفٍ مهنيّ:
ــ إلى أين تذهب يا سيدي؟ دعني أساعدك، حسنًا؟
كانت ابتسامتها مشرقةً كنافذةِ أمل غير أنّها انطفأت سريعًا؛ إذ دفعها بعيدًا بحدّةٍ لم يُخفِها وزمجر بصوتٍ مشحونٍ بالغضب:
ــ انصرفي!
تراجعت الموظفة مذعورة واختلّ توازنها فسقطت على الأرض كأنّ المفاجأة سبقتها إلى السقوط قبل قدميها.
ساد الصمت المكان فجأة، صمتٌ ثقيلٌ كأنّه ستارٌ أُسدل على مشهدٍ غير متوقَّع… التفتت الرؤوس، وتجمّعت النظرات، وتجمّد الهواء بين الحاضرين… حتى **سيرين** وقفت مشدوهة وعيناها معلّقتان به.
لقد مرّ زمنٌ طويل منذ رأته يفقد أعصابه على هذا النحو… بل إنّها منذ أن فقد ذاكرته لم تشهد منه مثل هذا الانفجار قط… كان هادئًا، متماسكًا، أقرب إلى رجلٍ يعيد اكتشاف العالم بحذر… فكيف اشتعل الآن كعود ثقابٍ عندما لامس الموقف كبرياءه؟
كان الغضب في صوته أعمق من لحظةٍ عابرة؛ كان جرحًا مستترًا، جرح رجلٍ سئم أن يُرى بعين الشفقة، وأن يُختصر في كلمةٍ واحدة… “أعمى”.
أسرعت **سيرين** نحو الموظفة وانحنت تساعدها على الوقوف وملامحها تجمع بين الاعتذار والحرص قائلة بصوتٍ خفيضٍ مشفوعٍ باللطف:
ــ أرجوكِ اعذريه… هو لا يحب أن يلمسه الغرباء.
كانت الموظفة لا تزال ترتجف من هول المفاجأة ولم تستعد توازنها إلا بعد لحظاتٍ بدت أطول من الوقت نفسه تتمتم بصوتٍ واهن:
ــ لا بأس…
عادت **سيرين** إلى **ظافر** وأمسكت بذراعه بحزمٍ وقالت بنبرةٍ عاتبة:
ــ ما بك؟ أما كان بوسعك أن تعبّر بالكلام؟ لماذا دفعتها؟
كان الانزعاج قد تكدّس في صدره منذ لمسته الموظفة دون استئذان وحين سمع سؤال **سيرين** ازداد اضطرابه وقال بنبرةٍ دفاعية:
ــ لم أدفعها… فقط أبعدتُ يدها عني.
أجابته بهدوءٍ يسكب ماءه على نار الغضب:
ــ ومع ذلك… عليك أن تتصرّف بلطف، حسنًا؟
تنفّس بعمق وأجاب على مضضٍ ظاهر:
ــ بالتأكيد.
لم يكن يدرك كيف لا يُعدّ تصرّفه نُبلًا في نظرهم؛ فهو لم يقصد أذًى بل قصد حماية مساحته وصون كرامته من يدٍ امتدت بلا إذن.
خرج من المتجر وملامحه مشدودةٌ كوترٍ لم يُفكّ ومن ثم نزع سترته فجأة وألقاها في سلة المهملات القريبة كمن يتخلّص من أثرٍ عالقٍ بها وكذلك من شعورٍ أثقل صدره ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا قصيرًا وصوته فيه هدوءٌ بارد يوحي بأنّ الأمر لم ينتهِ بعد.
وبعد وقتٍ يسير بدا مدير المتجر ودودًا على نحوٍ مبالغٍ فيه ومن ثم طلب من النساء اللواتي تناقلن الحديث عن **ظافر** أن يغادرن المكان فاختفى الهمس فجأة وانطفأت الضحكات المتستّرة كأنّ ريحًا خفيّة مرّت فأطفأت شموع القيل والقال.
أما **سيرين** فكانت غارقةً بين الواجهات تختار الهدايا بعنايةٍ وذوق ولم تلحظ ما جرى في الخفاء… لم تعلم أنّ ظافر الذي فقد بصره لم يفقد سلطته، ولا قدرته على ردّ الاعتبار حين تُمسّ كرامته.
حين تقدّمت **سيرين** إلى المنضدة لتدفع الحساب بادرها مدير المتجر بانحناءةٍ مهذّبة وقال:
ــ لقد سدّد السيد **ظافر** ثمن كلّ شيء بالفعل وسأتولّى إرسال المشتريات إلى منزلكم شخصيًا.
التفتت **سيرين** إلى **ظافر** فوجدته جالسًا في الصالة بهدوءٍ واثق كأنّ الأمر لا يعنيه وتسلّل إلى ذهنها سؤالٌ حائر:
من أين له بكل هذا المال؟ أليس هو الذي يشتكي ضيقًا وعسرًا؟
اقتربت منه وهمست:
ــ أليست لديك ضائقة مالية؟
كان **ظافر** قد أعدّ كلماته سلفًا كما يُعدّ المرء حجّته قبل الوقوف أمام قاضٍ… طأطأ رأسه قليلًا واتخذ نبرةً تستدرّ العطف دون أن تجرح الكبرياء:
ــ كيف أتركك تدفعين في خطوبة أخي؟ استخدمت ما ادّخرته سابقًا… وهو لا شيء يُذكر أمام ديوني.
توقّفت **سيرين** لحظة، ثم آثرت الصمت؛ فبين كلماته شيءٌ من صدق، وشيءٌ من مراوغةٍ لا تُمسك بسهولة.
استغرق التسوّق يومًا بأكمله؛ يومًا ثقيلًا بين الاختيار والانتقاء، بين الحساب والترتيب وحين استقلّا سيارة الأجرة عائدين إلى المنزل كانت **سيرين** منهكة، تستند إلى النافذة والمدينة تمرّ أمامها كحلمٍ باهت.
قالت بنبرةٍ نصفها تعب ونصفها مطالبة:
ــ تذكّر يا **ظافر**… أنت مدينٌ لي بمعروف الآن.
لم تكن تريد أن تُحسن في صمت، ولا أن تُعطي دون أن يُذكر العطاء… أرادت أن تُسمِعه ما فعلته، وأن تزرع في قلبه دينًا صغيرًا علّه يرده يومًا بحبٍ أكبر.
مدّ **ظافر** ذراعه وجذبها إلى صدره برفقٍ وقال بصوتٍ منخفضٍ دافئ:
ــ أجل… فهمت.
كأنّه لم يفهم الدين وحده بل فهم ما وراءه؛ فهم رغبتها في أن تكون مرئيةً في عطائها، مسموعةً في تعبها، محفوظةً في قلبه.
عاد الثلج يتساقط بغزارةٍ خلف زجاج السيارة يكسو الطرقات بثوبٍ أبيض ويغسل صخب المدينة بصمتٍ بارد… كانت **سيرين** منهكةً حدّ الاستسلام حتى إنها لم تعترض حين أحاطها **ظافر** بذراعيه وتركته يحتضنها كما يشاء كأنّ التعب قد أطفأ مقاومتها وأراح قلبها في آنٍ معًا.
أما **ظافر** فقد غمره شعورٌ دافئ وهو يضمّ جسدها الناعم إلى صدره؛ دفءٌ يذيب ما علق به من ضيق النهار غير أنّ عتمته الخاصة كانت تحرمه شيئًا آخر… لم يكن يرى تعابير وجهها ولا يعرف ما إذا كانت تستكين حقًا أم تستسلم إرهاقًا، أكانت راضيةً أم شاردة… كان يحتضنها لكنه لا يرى عينيها ولم يستطع أن يقرأ ما فيهما من أسرار.
سألت عرضًا وصوتها متهدّج من التعب:
ــ لماذا اختارا الخطوبة الآن؟ لم يبدأ العام إلا منذ وقتٍ قصير، والجميع مشغولون للغاية.
شدّها إليه أكثر وقال بهدوءٍ متماسك:
ــ ربما يخططان للزواج بعد فترةٍ وجيزة من الخطوبة.
هزّت رأسها بخفوت؛ كانت أرهق من أن تغوص في احتمالاتٍ لا تعنيها كثيرًا… ثم سألت فجأة كأنّ الفكرة داهمتها في آخر لحظة:
ــ بالمناسبة… من هي خطيبة جاسر؟
تصلّب شيءٌ خفيّ في صدر **ظافر** لكنه حاول أن يكبت غيرةً مباغتة، لا يدري أهي من الاسم أم من اهتمامها بالتفاصيل مجيباً بنبرةٍ حاول أن يجعلها عادية:
ــ إنها زوي ابنة عائلة ياندل.
تردّد الاسم في الهواء لحظة، بين دفء الاحتضان وبرودة الثلج، بين سؤالٍ عابرٍ وجوابٍ يحمل في طيّاته ما هو أعمق من مجرد خبر.
