رواية عشق لا يضاهي الفصل الاربعمائة وسبعة
ما إن انساب اسم **زوي** إلى سمع سيرين حتى ارتجف جسدها كغصنٍ مسّه هواء بارد بعد دفء… كان ظافر يطوّقها بذراعيه فالتقط الرجفة… شدّ عليها قليلًا وهمس بقلقٍ لم يخلُ من حنان:
— ما بكِ؟
هزّت رأسها نفيًا محاولة أن تردم شقّ الاضطراب في ملامحها.
— لا شيء.
لكن عبوسه انعقد سريعًا وانطفأت في عينيه تلك اللمعة التي لاحت بمقلتيه قبل لحظات تشرق كصباحٍ صافٍ؛ فتبدّلت نشوته نفورًا وصفاؤه فتورًا… ومن ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عادية فخانته حدّتها:
— إن لم ترغبي في الذهاب سأذهب وحدي.
رفعت سيرين عينيها إليه وفيهما بقايا تردّدٍ وأثر إصرار.
— لقد سمعتَ ما قالته فاطمة… وبما أنني أختُ زوجةِ جاسر فمن واجبي أن أحضر خطوبته.
كان لاعترافها بجاسر صهرًا له وقعٌ مختلف على ظافر؛ كأن كلمةً واحدة أعادت ترتيب فوضى مشاعره فتنفّس بارتياحٍ خفيّ وسكنت في صدره غيرةٌ كانت تتربّص.
وحين وصلا إلى المنزل أعادا تفقد الهدايا مرةً أخرى؛ يلمسان الأشرطة ويتأكدان من البطاقات ثم ألقت سيرين بجسدها المُنهك على الأريكة تستريح من عناء جولة طويلة من التبضع وثقل الفكر تستمع إلى صمت البيت وهو يلتف حولها كعباءة مساء.
لم تمضِ إلا دقائق حتى صدح هاتفها برنينٍ قاطعٍ للصمت فالتقطته بيدٍ مترددة وما إن ضغطت زر الإجابة حتى سبقها الصوت إلى التعريف بنفسه… صوتٌ تعرفه جيدآ وصاحبه يقول:
— سيرين… إنه أنا… جاسر.
توترت سيرين في الحال كأن اسمه لم يكن مجرد حروفٍ تُقال بل وترٌ يُشدّ فجأة في صدرها فيُصدر نغمةً مربكة… صحيحٌ أنّ اللقاء جمعهما غير مرّة لكن الحديث بينهما ظلّ حبيس المجاملات العابرة، لم ينفردا بكلمة، ولم يختليا بسرّ؛ فلكلٍّ منهما الآن دربه الذي اختاره وحياته التي استقرت—أو هكذا يُفترض.
تماسكت وسألت بصوتٍ حاولت أن تصوغه رسميًا فجاء مشوبًا بارتباكٍ خفي:
— هل يمكنني مساعدتك؟
كانت الأسئلة تتزاحم في صدرها تزاحم الأمواج على شاطئٍ ضيّق؛ لماذا الآن؟ ماذا يريد؟ أهو عتابٌ مؤجل أم حديثُ وداع؟ غير أنّ لسانها خان فضولها فآثرت الصمت على الاقتحام.
جاء صوته هذه المرة أكثر مباشرة وأقلّ التفافًا:
— هل يمكننا أن نتحدث وجهًا لوجه؟
كان جاسر قد حاول مرارًا أن يراها إذ أرسل إليها الدعوات مواربةً مرة وصريحةً مرة لكنها كانت في كلّ مرةٍ تغلق الباب بلطفٍ لا يخلو من حزم وحين ضاقت به السبل لم يجد بدًا من أن يهاتفها بنفسه مقامرًا باحتمال رفضٍ جديد… فهو غير واثق إن كانت ستمنحه لقاءً أم ستمنحه اعتذارًا.
أما هي فبين لحظة السؤال ولحظة الجواب انفرج في ذاكرتها بابٌ قديم؛ رأت فيه صبيّين يتقاسمان الحلوى ويدًا تمتدّ لمساعدتها حين تعثرت وصوتًا يذود عنها إن اشتدّ الزحام… تذكّرت كيف كان لها سندًا حين كانت الدنيا أضيق من كفّ وأبرد من شتاءٍ طويل… ولأن للجميل سلطانًا ولأن للذكريات حقًّا لا يُجحد لم تستطع أن تصدّه هذه المرة فأغمضت عينيها لحظةً كمن يحسم أمرًا داخليًا ثم قالت بهدوءٍ لا يخلو من استسلام:
— بالتأكيد.
قال جاسر وهو يتأمل المنزل الذي تقيم فيه كأنّه يقيس المسافة بين الماضي والحاضر بنظرةٍ واحدة:
— اخرجي وانعطفي يمينًا… سأنتظركِ عند نهاية الشارع.
لم يخطر ببالها قطّ أنّه سيأتي بنفسه وأن يغامر بالحضور إلى هذا المكان الذي صار عنوان حياتها الجديدة.
أغلقت الهاتف بيدٍ مرتجفة وبقي صوته عالقًا في أذنها كأثر عطرٍ لا يزول ومن ثم تناولت معطفها على عجل كأنها تخشى أن يسبقها تردّدها ثم غادرت.
كان ظافر لا يزال منشغلًا في غرفته غارقًا في شأنٍ يخصّه فلم يشعر بخطواتها وهي تعبر الممر ولم يسمع انغلاق الباب خلفها… ولو علم، لما تصوّر أن جاسر يملك من الجرأة ما يكفي ليقترب من عتبة بيتها أو ليخاطر بالوقوف في ظلّها.
لفّت سيرين معطفها حول جسدها بإحكام وفتحت مظلّتها… كان الثلج يتساقط بغزارة يُلبس الطرقات ثوبًا أبيض ويغسل الملامح من ألوانها حتى بدا العالم صفحةً بيضاء لا خطّ فيها ولا عنوان… كان الهواء باردٌ حدّ الوخز والصمت ثقيلٌ حدّ العتاب.
سارت بخطواتٍ مترددة تسمع تحت قدميها صرير الثلج كأنّه همس الأرض بما يُخفى… ولم تمضِ بعيدًا حتى لمحت سيارة سوداء فارهة تتوارى أناقتها خلف بيتٍ بسيط المظهر… كانت مايباخ شامخة في هدوء الليل، سوداء كالسرّ، لامعة كذكرى لا تنطفئ.
توقفت سيرين في مكانها ولم تجرؤ على الاقتراب بل ظلت تحدّق في السيارة طويلًا كأن المسافة المتبقية ليست أمتارًا من طريقٍ أبيض بل سنواتٌ من صمت، وقراراتٌ مؤجلة، ومشاعر لم تُدفن كما ينبغي.
انفتح باب السيارة ببطءٍ محسوب كأنّه يزيح ستار مشهدٍ طال انتظاره ومن ثم نزل جاسر منها بثباتٍ لا يخلو من تردّدٍ دفين وسار نحوها غير آبهٍ بالثلج المتساقط ولا بالبرد الذي كان ينهش الهواء… لم يحمل مظلّة ولم يتّقِ البياض المنهمر إلا بمعطفٍ أسود يحيط بجسده فبدا وسط ذلك المشهد الأبيض كحرفٍ داكنٍ في صفحةٍ منسية.
كان جاسر قد قاد سيارته بنفسه إلى هنا؛ لم يُرد لسائقٍ أن يشهد ارتباكه ولا رفيقًا يسمع تردّده لذا جاء وحده مستعدًا لأن يعود وحده إن صدّته عازمًا—إن أُغلقت الأبواب—أن يطرقها مرةً أخرى في زمنٍ آخر… لم يكن لقاؤها نزوة لحظة بل حاجة نفسٍ أرهقها الانتظار.
وقفت سيرين تحدّق فيه كأنّها ترى شبحًا خرج من بين طيّات الذاكرة… الوجه مألوف حدّ الوجع… قريبٌ حدّ الإرباك… كان يشبه ظافر إلى حدٍّ أربك قلبها كأن القدر نسخ الملامح وبدّل المصائر… ذات القسمات… ذات النظرة العميقة غير أنّ في عينيه بريقًا آخر… بريق زمنٍ مضى ولم ينقضِ… ومع اقترابه شعرت بأنّ الأرض تميد تحت قدميها وغامت عيناها بدمعٍ خفيف… لم يكن حزنًا خالصًا ولا فرحًا صافيًا… بل مزيجًا غامضًا من شوقٍ وخوف، وقبل أن تسعفها الكلمات ابتسم ابتسامةً وادعة وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها عابرة:
— أما عدتِ تعرفينني؟
في تلك اللحظة انكسرت السدود وتدفّقت الذكريات إلى ذهنها دفعةً واحدة كسيْلٍ جارفٍ لا يستأذن… رأت طفولتها تركض بين الأزقة وسمعت ضحكاتٍ قديمة تتردّد في أذنها وشعرت بيدٍ كانت تمسك يدها كلما خافت… ووسط ذلك الطوفان برز طيف “زاف” خاصتها من أعماق ذاكرتها واضحًا حدّ الألم… قريبًا حدّ العجز.
ارتجفت شفتاها لكنّ الكلمات أبت أن تُولد فبقيت صامتة… لأن بعض الوجوه لا يُجاب عليها بالحديث بل يُكتفى أمامها بالخفقان.
— أنا… أنا… بالطبع أعرفك.
بعد لحظات صمتٍ خرجت كلماتها متقطّعة تتعثر على شفتيها كما تتعثر الخطى فوق الثلج المتراكم. كانت متوترة… مضطربة حدّ التلعثم… لم ترد أن تقترب منه ولا أن تمنح نفسها رفاهية السؤال؛ فهي الآن زوجةٌ وأم لها بيتٌ يحتمي باسمها وأطفالٌ ينامون على صوتها… وكان في الاقتراب منه خطرٌ لا يُرى وخوفٌ لا يُقال.
نظر جاسر إليها طويلًا ثم سأل بنبرةٍ رقيقة كمن يلمس جرحًا برفقٍ لا ليؤلمه بل ليكشفه:
— إذن، لِمَ لم ترغبي في رؤيتي؟ ولماذا تجاهلتِ الحديث معي في القصر؟
خفضت رأسها وتجنبت عينيه كأنّ في النظر إليهما اعترافًا لا تملكه وهمست بصوتٍ خافت:
— شعرتُ بالحرج.
لم ترَ كيف احمرّت عيناه عندما احتقنت بالدمع، ولا كيف انقبض شيءٌ عميق في صدره… حاول أن يبقى ثابتًا، أن يظلّ ذلك الرجل المتماسك الذي اعتادت أن تراه لكن خلف هدوئه كانت عاصفةٌ تتكوّر.
قال بعد لحظة صمتٍ قصيرة وصوته ينساب إليها كخيط دفء في ليلٍ متجمّد:
— الجوّ بارد هنا… هل نتحدث داخل السيارة؟
كان صوته كالشمس إذا لامست وجوه الشتاء، حنونًا لا يُلزم، ودافئًا لا يُربك فأومأت برأسها موافقة:
— حسنًا.
سارت خلفه بخطواتٍ محسوبة كأنّها تمشي بين حدّين: حدّ الذكرى وحدّ الواقع… وما إن دخلا السيارة حتى لفحهما دفء المدفأة فذاب بعضُ الجليد عن أطرافها وبقي الجليد الأثقل عالقًا في صدرها.
ساد بينهما سكون ثقيل لا يشبه صمت الغرباء بل صمت الذين يعرفون أكثر مما ينبغي… أخذت أنفاسها تتصاعد ببطء وقلبها يخفق بإيقاعٍ مضطرب حتى غلبها السؤال الذي ظلّ يحاصرها منذ زمن فالتفتت إليه أخيرًا وفي عينيها بقايا شتاءٍ لم ينتهِ:
— هل يمكنك أن تخبرني… لماذا قدّمت نفسك لي آنذاك باسم ظافر؟
